إِنَّ الجزائريينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْقَضِيَّةِ الصَّحْرَاوِيَّةِ يَشْعُرُونَ بِالْأَسَى وَالْحُزْنِ وَهُمْ يُشَاهِدُونَ الْمَسَارَ الَّذِي تَتَّخِذُهُ الْأَحْدَاثُ عَلَى الصَّعِيدِ الدُّوَلِيّ، وَلَا يَفْهَمُونَ لِمَاذَا سَارَتِ الْأُمُورُ عَلَى مَا يُرَامُ لِجَبْهَةِ التَّحْرِيرِ الْوَطَنِيِّ الَّتِي رَفَضَتِ التَّفْرِيطَ فِي صَحْرَائِهَا، وَلَمْ تَسِرِ الْأُمُورُ بِالشَّكْلِ نَفْسِهِ لِصَالِحِ الْبُولِيسَارْيُو الَّذِي يَبْدُو أَنَّهُ فِي طَرِيقِهِ لِفُقْدَانِ صَحْرَائِهِ.
وَيُوجَدُ سَبَبَانِ رَئِيسِيَّانِ لِذَلِك.
السَّبَبُ الأَوَّلُ: جَبْهَةُ التَّحْرِيرِ الْوَطَنِيّ كَانَتْ كَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ، أَمَّا الْبُولِيسَارْيُو فَهُوَ سَمَكٌ فِي الصَّحْرَاءِ.
إِنَّ جَبْهَةَ التَّحْرِيرِ الْوَطَنِيِّ الَّتِي أُسِّسَتْ فِي خَرِيفِ سَنَةِ 1954م عَلَى يَد مجموعة مِنَ الشَّبَابِ الْمُنَاضِلِينَ فِي حِزْبِ الشَّعْبِ الْجَزَائِرِيِّ، قَدْ أُقِيمَتْ لِتُطْلِقَ الْكِفَاحَ الْمُسَلَّحَ ضِدَّ الِاحْتِلَالِ الْفَرَنْسِيِّ لِلْجَزَائِرِ، وَهِيَ نَتَاجُ حَيَاةٍ سِيَاسِيَّةٍ زَاخِرَةٍ بِالْتَّعَدُّدِ وَالنَّشَاطِ بَيْنَ عِشْرِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ وَغُرَّةِ نُوفَمْبَرَ سَنَةَ 1954.
وَقَدْ شَارَكَتْ جَمِيعُ فِئَاتِ الشَّعْبِ فِي تِلْكَ الْحَيَاةِ السِّيَاسِيَّةِ.أَمَّا الْبُولِيسَارْيُو، فَلَيْسَ نَتَاجًا لِنَشَاطٍ سِيَاسِيٍّ مَدَنِيٍّ، إِذْ يَسْتَحِيلُ تَصَوُّرُ ذَلِكَ فِي بِيئَةٍ بَدَوِيَّةٍ. كَمَا أَنَّ الصَّحْرَاوِيِّينَ الْمُقِيمِينَ فِي الْمَغْرِبِ أَوْ فِي مُورِيتَانِيَا أَوْ فِي الْجَزَائِرِ أَوْ فِي إِسْبَانِيَا لَمْ يُطَوِّرُوا حَرَاكًا مَدَنِيًّا وَسِيَاسِيًّا لِحَمْلِ قَضِيَّتِهِمْ.
كَانَتْ جَبْهَةُ التَّحْرِيرِ الْوَطَنِيِّ مُتَجَذِّرَةً فِي حَيَاةِ شَعْبِهَا، تَمْلِكُ تَنْظِيمًا مَدَنِيًّا دَاخِلِيًّا (التنظيم الْمَدَنِيَّ لِجَبْهَةِ التَّحْرِيرِ) وَتَنْظِيمًا عَسْكَرِيًّا (جَيْشُ التَّحْرِيرِ الْوَطَنِيّ)، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ كَانَ لَهَا «جَيْشُ الْحُدُودِ» الَّذِي يُسَاعِدُهَا مِنَ الْخَارِجِ.
أَمَّا الْبُولِيسَارْيُو فَهُوَ «خَارِجِيٌّ» بِالْمَعْنَيَيْنِ الْحَرْفِيِّ وَالْمَجَازِيِّ. فَالصَحْرَاوِيُّونَ فِي الدَّاخِلِ لَمْ يُطَوِّرُوا مُقَاوَمَةً مَدَنِيَّةً أَوْ مُسَلَّحَةً لِمُوَاجَهَةِ الْأَطْرُوحَاتِ الْمَغْرِبِيَّةِ. وَلَدَيْهِمْ جَيْشُ تَحْرِيرٍ صَحْرَاوِيٌّ عَلَى الْحُدُودِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَدَيْهِمْ جَيْشُ تَحْرِيرٍ صَحْرَاوِيٌّ دَاخِلِيٌّ. وَكَانَ لِزَامًا أَنْ يَكُونَ لَدَيْهِمْ الْجَيْشَانِ. فَلَوْ أَنَّ الْجَزَائِرَ اعْتَمَدَتْ فَقَطْ عَلَى «جَيْشِ الْحُدُودِ»، لَمَا حَصَلَتْ عَلَى اسْتِقْلَالِهَا.
كَانَتْ جَبْهَةُ التَّحْرِيرِ الْوَطَنِيِّ تُضَايِقُ الِاحْتِلَالَ الْفَرَنْسِيَّ عَلَى كَامِلِ تُرَابِ الْوَطَنِ الْجَزَائِرِيِّ الَّذِي أَصْبَحَ مَيْدَانَ شَرَفٍ شَاسِعًا بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ أَطْرَافٍ. فِي الْمَدَائِنِ، وَفِي الْقُرَى، وَحَتَّى عَلَى الْأَرْضِ الْفَرَنْسِيَّةِ تَحْتَ رِعَايَةِ «فِدِيرَالِيَّةِ فَرَنْسَا». وَقَدْ نَشَرَ كُتَّابٌ وَمُفَكِّرُونَ مَشَاهِيرُ أَفْكَارَ الْجَبْهَةِ وَمَوَاقِفَهَا فِي أَنْحَاءِ الْعَالَمِ. كَمَا أَنَّهَا كَانَتْ تَمْتَلِكُ جِهَازًا دِبْلُومَاسِيًّا بَارِعًا وَفَرِيقًا وَطَنِيًّا أُسْطُورِيًّا فِي كُرَةِ الْقَدَمِ.
وَنُضِيفُ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ رِيَاحَ التَّارِيخِ كَانَتْ تَهُبُّ فِي صَالِحِهَا، إِذْ كَانَت التَّصْفِيَةُ الِاسْتِعْمَارِيَّةُ ظَاهِرَةً عالميَّةً.فِي ظِلِّ الِاحْتِلَالِ الْفَرَنْسِيِّ، كَانَتِ النِّسْبَةُ الدِّيمُوغْرَافِيَّةُ فِي الْجَزَائِرِ تُقَدَّرُ بِعَشَرَةِ جَزَائِرِيِّينَ لِكُلِّ فَرَنْسِيٍّ وَاحِدٍ.
أَمَّا فِي الْقَضِيَّةِ الصَّحْرَاوِيَّةِ فَلَا يُعْرَفُ بِدِقَّةٍ عَدَدُ الصَّحْرَاوِيِّينَ فِي الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ (فِي الْبُلْدَانِ الْمَذْكُورَةِ)، وَلَكِنَّ النِّسْبَةَ تُقَدَّرُ بِوَاحِدٍ إِلَى خَمْسَةٍ. وَإِذَا قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى عَدَدِ سُكَّانِ الْمَغْرِبِ، فَسَيَكُونُ صَحْرَاوِيٌّ وَاحِدٌ مُقَابِلَ ثَمَانِينَ مَغْرِبِيًّا (بِاعْتِبَارِ نِصْفِ مِلْيُونِ صَحْرَاوِيٍّ وَنَحْوَ أَرْبَعِينَ مِلْيُونَ مَغْرِبِيٍّ حَتَّى نِهَايَةِ سَنَةِ 2025 حَسَبَ الْإِحْصَائِيَّاتِ).
السَّبَبُ الثَّانِي: وُلِدَتْ جَبْهَةُ التَّحْرِيرِ الْوَطَنِيِّ مِنْ رَفْضِ فَرَنْسَا مَنْحَ الْجَزَائِرِ وَضْعَ «الْحُكْمِ الذَّاتِيِّ»، فِيمَا يُخْشَى أَنْ يَزُولَ الْبُولِيسَارْيُو بِسَبَبِ رَفْضِهِ لِوَضْعِ «الْحُكْمِ الذَّاتِيِّ» الَّذِي اقْتَرَحَهُ الْمَغْرِبُ.كَانَت الْحَرَكَةُ الْوَطَنِيَّةُ الْجَزَائِرِيَّةُ تُطَالِبُ بِالْحُكْمِ الذَّاتِيِّ فِي الْفَتْرَةِ مَا بَيْنَ سَنَتَيْ (1939) وَ(1954)، وَمِنْ بَيْنِهَا حِزْبُ الشَّعْبِ الْجَزَائِرِيُّ بِقِيَادَةِ مِصالِي حَاجّ.
وَلَكِنَّ فَرَنْسَا رَفَضَتْ هَذِهِ الْحَلُولَ السِّلْمِيَّةَ لِأَنَّ الْمُسْتَوْطِنِينَ كَانُوا يَرَوْنَ فِي الْحُكْمِ الذَّاتِيِّ مَمَرًّا خَفِيًّا نَحْوَ الِاسْتِقْلَالِ.وَلَمْ يَكُونُوا مُخْطِئِينَ فِي ذَلِكَ، إِذْ كَانَ الْوَاقِعُ الدِّيمُوغْرَافِيُّ غَيْرَ مُوَاتٍ لَهُمْ، وَكَانَ الشَّعْبُ الْجَزَائِرِيُّ مُنْتَشِرًا عَلَى كَامِلِ التُّرَابِ الْوَطَنِيِّ، وَلَيْسَ – كَحَالِ الصَّحْرَاوِيِّينَ – مَحْصُورًا فِي مِنْطَقَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
وَلِهَذَا لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ الذَّاتِيُّ لِيحلَّ الْمُشْكِلَ عَلَى نَحْوٍ دَائِمٍ، بَلْ كَانَ – فِي نَظَرِهِمْ – سَيُسَاهِمُ فَقَطْ فِي تَسْرِيعِ تَشَكُّلِ الْوَعْيِ السِّيَاسِيِّ وَالْمَدَنِيِّ، وَفِي تَوْحِيدِ الْقُوَى السِّيَاسِيَّةِ الَّتِي سَتُفْضِي حَتْمًا إِلَى الِاسْتِقْلَالِ.
فِي الْحَقِيقَةِ، كَانَتْ فَرَنْسَا وَاقِعَةً فِي مَأْزِقٍ سِيَاسِيٍّ وَتَارِيخِيٍّ، وَلَكِنْ أَيْضًا ثَقَافِيٍّ، بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَكَانَةِ الَّتِي يَحْتَلُّهَا الْإِسْلَامُ فِي حَيَاةِ الْجَزَائِرِيِّينَ، الَّذِينَ رَفَضُوا مُنْذُ الْبِدَايَةِ مَبْدَأَ «الِاندماج» وَالْجِنْسِيَّةَ الْفَرَنْسِيَّةَ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ مُقَابِلَ التَّخَلِّي عَنْ وَضْعِهِمُ الدِّينِيِّ وَاعْتِنَاقِ الْقَانُونِ الْمَدَنِيِّ الْفَرَنْسِيِّ.
وَقَدْ قَبِلَ الْيَهُودُ بِذلْكَ الْعَرْضِ، خِلَافًا لِلْمُسْلِمِينَ.وَقَدْ شَكَّلَ هَذَا الْعَامِلُ أَقْوَى مُحَفِّزٍ فِي الْمُقَاوَمَةِ الْجَزَائِرِيَّةِ، وَهُوَ الْمُحَفِّزُ الَّذِي لَا نَجِدُهُ فِي الْحَالَةِ الصَّحْرَاوِيَّةِ، لِأَنَّ الْمَغَارِبَةَ وَالصَحْرَاوِيِّينَ يَشْتَرِكُونَ فِي الْقِيَمِ الثَّقَافِيَّةِ وَاللُّغَوِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ نَفْسِهَا. فَإِذَا
كَانُوا مُتَّفِقِينَ فِي «السَّمَاءِ»، فَلِمَاذَا لَا يَتَّفِقُونَ فِي «الْأَرْضِ»؟إِنَّهُمْ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَتَّفِقُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى صِيغَةٍ لِلتَّعَايُشِ، بِسُهُولَةٍ أَكْبَرَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ الْحَالُ بَيْنَ الْجَزَائِرِيِّينَ وَالْفَرَنْسِيِّينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
