Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (17)‏

حياة مالك بن نبي (17)‏

by admin

بقلم نورالدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن‎ ‎حسان

التقى بن نبي بصالح بن ساعي الذي لم يره منذ سنة 1937، والذي صار مديراً لشركة “أمل” ‏‏(‏AMAL‏) التي كانت أول تشكيلة اقتصادية إسلامية ذات أهمية ترى النور في الجزائر بمبادرة من ‏بعض الأعيان في عالَمِ الأعمال، من أمثال: خطاب، طيار، وعباس تركي. وسيكون صالح بن ساعي ‏صاحب أهم دورٍ في نشر كتاب “الظاهرة القرآنية” الذي جاء بالإهداء الآتي: ‏
‏- إلى أبي الذي قدّم خمس عشرة سنة من عمره ثمناً لأسلوب تفكيري.‏
‏- إلى المرحومة أمِّي المسكينة التي ماتت وهي راضية عنّي.‏
‏- لصديقي العزيز وأستاذي محمد بن ساعي والذي أريد أنْ أُعْلِيَ شأنهُ لأنّ حياة المصالح الضارية ‏والرداءة الطموحة سعتْ إلى طمسه… كما طمستْ غيره.‏
‏- إلى السيد جورج مارلان ‏Georges Marlin، ذلك الفلاح الفرنسي الشريف الذي بيّن لي أنّ لكل ‏إنسان إخوةٌ وأعداء عند جميع الشعوب والأجناس. ‏

وبالإضافة إلى هذا الإهداء الذي لن يرِدَ في الطبعات اللاّحقة، رسمٌ لصورة مالك بن نبي في الصفحة ‏الخارجية أنجزته السيدة ر. بن تامي (صاحبة الجائزة الفنية الكبرى في شمال إفريقيا).‏

وقد يتوهّم القارئ عند قراءة اسم بن ساعي (محمد بدلاً من حمودة) أنّ هناك خطأ. والحقيقة أنّ محمد هو ‏الاسم الحقيقي لبن ساعي، أمّا حمودة فهو اسم إضافي. وتلك ظاهرة شائعة في الجزائر، إذ لا يُعرف مالك ‏بن نبي في أسرته وعند مٌرّبيه إلاّ باسم “صدّيق”، والدكتور خالدي كان يُدعى “عزوز”. وقد أخذ هذا ‏الأخير نسخة من الكتاب ليُقدّمها للشيخ دراز الذي عرفه بن نبي سنة 1936، والذي كان في تلك الأثناء ‏أستاذا في جامعة الأزهر، لكي يطلب منه تحرير المٌقدمة.‏

في شهر ديسمبر سافر بن نبي بنفسه إلى باريس حيثُ وجد ماسينيون في دار الكيمياء، وكان جالساً إلى ‏طاولة في ركن من أركان القاعة رفقة الشيخ دراز. وحين توجه بن نبي إلى الطاولة قام ماسينيون من ‏مكانه وغادر المكان فجأةً دون أن يلتفت ودون أن ينطق بكلمة واحدة… لم يفهم ذلك العالِم المصريّ شيئاً ‏فيما شاهده وبقي مشدوهاً. أمّا بن نبي فشرع في فك خيوط هذا اللغز.‏

مكث عند زوجته إلى غاية شهر فيفري 1947 ثُمّ عاد إلى الجزائر لِيعْلم أنّ موظفين من الحكومة العامة ‏زاروا المطبعة عدة مرات ليطّلعوا على محتويات الكتاب الذي صدر في آخر هذا الشهر. أمّا المقدمة ‏فكانت مؤرخة في 5 ديسمبر 1946. وكان بن نبي قد حرّر الصفحات الأخيرة في القطار وهو متوجه ‏إلى الجزائر العاصمة، وذلك هو السر في أنّ القارئ يُحسّ بنوعٍ من التسرع والارتجال في آخر الكتاب. ‏أمّا الخاتمة التي لا شك في أنها جاءت جميلة، فقد أوجِزتْ في بضعة أسطر: “يظهر الدين على ضوء ‏القرآن كظاهرة كونية مُسيّرة لفكر الإنسان وحضارته كما تُسيِّرُ الجاذبيةُ المادة وتتحكم في تطورها. ‏وهكذا يظهر أن الدين مطبوع في النظام الكوني مثل القانون الخاص بالعقل الذي يدور في مدارات ‏مختلفة، منذ مدار الإسلام الوحدويّ إلى مدار أكثر الأديان إغراقاً في الوثنية، وحول مركز ثابت، مُشِعٍّ ‏على الدوام، ومُبهمٍ إلى الأبد”.‏

كتاب “الظاهرة القُرآنية” ‏

حرص بن نبي على إعلامِ القارئ بأنّ هذا الكتاب ليس إلاّ اشارة إلى أعمال لاحقة تتطلب معرفة لغوية ‏مُعمَّقة ومعرفة أثرية (‏archéologiques‏) واسعة كي يتسنّى ” تتبّع آثار مشكلة الكتابات المُقدّسة منذ ‏ظهور السبعينيات (‏Septantes‏) والفولجات (‏la Vulgate‏) والوثائق الماسورية والسريانية والآرامية”. ‏وأشار في كلمة موجزة إلى الظروف التي أحاطت بتأليف الكتاب مُلفِتاً الانتباه إلى أنّ هذا العمل هو كتابة ‏ثانية لنسخة أصلية ألّفها سابقاً لكنها اندثرت في ظروف لم يذكرْها الكاتب بدقة: “نعتقد أنّنا أنقذنا الأهمّ، ‏والأهمّ هو الحرص على إعطاء منهجية تحليلية في دراسة الظاهرة القرآنية”، ثُمّ يُبيِّن الهدفين اللّذين ‏أراد تحقيقهما بعمله: “إتاحة فرصة للشباب الجزائري كي ينظروا في الدين بتأمُّل مِن جهة، ومِن جهةٍ ‏ثانية اقتراح إصلاحٍ مناسبٍ مستوحى من التفسير الكلاسيكي”.‏

ويُعدُّ كتاب “الظاهرة القرآنية” مِن أضخم كتب بن نبي مع كتاب “النزعة الأفروآسيوية”. وهو يتكوّن ‏من مُقِّدمة وأحد عشر قسماً بهذه العناوين: (الظاهرة الدينية، حركة النبوّة، أصول الإسلام، الرسول، ‏طريقة الوحي، الاقتناع الشخصي عند النبي، وضعية (الأنا) المحمدية في ظاهرة الوحي، مفهوم ‏المحمدية، الرسالة، الخصائص الظاهراتية للوحي، ومفاهيم قرآنية هامّة).‏

وبديهيّ أنّ البنّاء يبدأ بناءه من الأسس. وتلك الأسس هي الخلفية الفكرية والعقَدية والأفكار التي سيتأسس ‏عليها البناء البنّبي. فكان عليه إذاً أنْ يُثْبِت صحة تلك الأسس بوضعها على مِحكّ التشكيك الذي يُميِّز ‏المذهب العلمي ‏scientisme، وفي مُواجهة الروح العدوانية التي تُميِّز تيار الإلحاد. ولقد عمِل الكاتب ‏على طرح هذا الشرط المسبق طرحاً منهجياًّ: إثبات لَدُنِّية رسالة القرآن، ثُمّ البرهنة على أنّ النبيّ مُحمّداً ‏لم يكُنْ طرفاً في تأليف سُوَرِها وآياتها.‏

تنبّه بن نبي خلال الأعوام التي قضاها في الحي اللاتيني، والتي كانت له فيها اتصالات بـالعلماء ‏المشارقة والطلبة العرب، إلى أنهم عُرضة للتأثّر بالمستشرقين. و في ذلك يقول: ” إنّ النهضة العربية ‏تصلُ إليها كل الأفكار التقنية وليدة الثقافة الغربية… و العديد من الشبان المسلمين يأخذون تكوينهم ‏الديني، بل وحتى عاطفتهم الروحية أحياناً، مِن كتابات المختصّين الأوروبيين”. فنظراً لعجز المسلمين ‏عن إعادة صياغة فكرهم في العصر الحديث، وجدوا أنفسهم تحت تأثير مدارس المستشرقين، وخاصة ‏منها الفرنسية و الأنجليزية، وهي مدارس تسعى إلى تحقيق مآرب لا تُقيم للنزاهة وزناً في جميع ‏الأحوال.‏

كان بن نبي يرى أنّ أغلب هؤلاء المختصين الأوروبيين ليسوا إلاّ “مُكلّفين بمهام” إرادياًّ أو لا إرادياًّ، ‏وهُم في خدمة إبعاد النُّخَبِ المُسلمة عن الإسلام عندما تأتي لتُتابع دراساتها في أوروبا: ” إنّ العمل الذي ‏أنجزه هؤلاء المستشرقين قد بلغ مِن الإشعاع أكثر مما نتصوّر، ويكفينا دليلاً على ذلك أنّ الأكاديمية ‏المَلَكيّة المصرية تضمّ عالماً فرنسيا بين أعضائها”. ولم يذكر بن نبي اسم هذا العالم، لكن الواضح أنه ‏يقصد ماسينيون ‏Louis Massignon‏. ‏

والواقع أنّ الأكاديمية المَلَكية للغة العربية في القاهرة أُسّستْ من طرف الملك فؤاد (1868-1936)، ‏وكانت في سنة 1932 تتكون من عشرين عضواً دائماً، عشرة منهم مصريون، وخمسة عرب مِن غير ‏المصريين، وخمسة مستشرقون أوروبيون، وهم: الأنجليزي جيب ‏Gibb، والفرنسي ماسينيون، ‏والإيطالي نالينو ‏Nallino، والألمانيان فيشر و ليتمان ‏Fisher et Littmann‏. وكان راهب القاهرة ‏حاييم نهوم أفندي نائباً لرئيسها. ومِن بين الأعضاء الخمسة العرب يوجد مسيحيان هما الأب أَنَسْتَازْ ‏ماري من العراق، وعيسى إسكندر المعلوف من لبنان. وتتمثل المهمة الأساسية لتلك المؤسسة في إعداد ‏مُعجم للغة العربية. ولذلك انتظمت منذ أنْ عقدت دورتها الأولى سنة 1934 في سبع لجان دائمة مختصة ‏في كلمات المعجم بمختلف التخصصات: الرياضيات، والفيزياء، البيولوجيا والطّب، والعلوم ‏الاجتماعية، والأدب، واللهجات. ‏

كان ماسينيون عضوا في اللجنة المختصة بالعلوم الاجتماعية. وقد صنّفه بن نبي في فئة المستشرقين ‏الأكثر سلبية وخطراً على الإسلام، ووضعه في خانة ” الاب القس هنري لمنس”‏
le Révérend Père H.Lammens)‎‏) الذي هو نموذج للمُستشرق الساعي إلى إخراج المسلمين عن ‏الإسلام، لكنه ليس الوحيد الذي يتميّز بالمُثابرة على مُحاربة الإسلام. فهذا عندي رجلٌ شهمٌ يُشْهَدُ له بأنه ‏صرّح بِعدائه للقرآن ولمحمد. وأنا أفضّل التعامل مع هذا الصنف من التعصب الصارخ على التعامل مع ‏تلك الماكيافيلية الشامخة والساكتة التي يتميز بها بعض المستشرقين الآخرين الذين يُحْسِنون الظهور ‏بمظهر الروح العلمية”. وذلك هو أصدق ملمح لماسينيون. ‏

لقد اكتفى المسلمون باجترار حُجج التفاسير القديمة التي تتمحور حول استحالة مُحاكاة القرآن وحول ‏إعجازه اللغوي والعلمي كي يُدافعوا عن عقيدتهم. فكُلّ المُثقفين سواء منهم الإصلاحيون والحداثيون، ‏ومعهم عامة الناس، كانت قناعاتهم موضوعة تحت راية “الالهيات”(‏théologie‏) أمّا بن نبي فكان يرى ‏أنّ هذه الضمانات لم تَعُدْ كافيةً لمقاومة هجومات تيارات الإلحاد التي انجرت وراء نزعة الحداثة المتمثلة ‏في “التقدميين” المنبهرين بالجدلية المادية التي جاء بها ماركس، ووراء “التحرُّريين” الذين سحرتهم ‏تجربة أتاتورك في تركيا وتجربة أسرة فَهْلَوِي في إيران.‏

أمّا على الصعيد الفكريّ، فكان لا بدّ مِن إيجاد بديل عن “مبدإ السلطة” من أجل الاستجابة لمتطلبات ‏نخبةٍ”أصبَحَتْ مُنبهرة بالفلسفة الوضعية”. فمِن الضروريّ وضع القناعات الدينية تحت راية جديدة، هي ‏راية العقل. وهذا ما كان ينوي بن نبي القيام به: “إذا تعذّر علينا إعداد القاعدة العقلية الضرورية لهذه ‏القناعة بشكل مباشر، فنحن نسعى على الأقل إلى فتح باب النقاش الديني بمنهجية وبشكل واسع كي ندفع ‏بالمثقف الجزائري إلى أنْ يتولّى بنفسه بناء تلك القاعدة الضرورية لعقيدته”.‏

بن نبي يرى أنّ الطنطاوي بتفسيره الضخم (20 مجلداً) الذي نشره سنة 1922، والذي يعتبره رُكاماً ‏مُجرّداً من كل بناء، ومحمد عبده ورشيد رضا بجهودهما المُثمرة، قد عجزوا جميعاً عن الاستجابة لهذا ‏المطلب الجديد الذي تُرى مظاهره في كلّ مكان، بما في ذلك الأوساط الشعبية. فالمثقف المسلم صار ‏بحاجة إلى نظامٍ حِجاجيٍّ جديد ليُدافع عن مواقفه في مِثْلِ المناقشات التي جرتْ منذ نصف قرنٍ بين ‏جمال الدين الأفغاني وإرنيست رينان. ‏

ففي مارس 1883 ألقى رينان ‏Ernest Renan‏ محاضرة في جامعة السوربون حول”الإسلام والعلم” ‏واتّهم فيها الإسلام بأنه اضطهد العلم والفلسفة. وللرّد على ذلك ألّف جمال الدين الأفغاني كتاباً صغيراً ‏عنوانه “الردّ على الدّهريين” الذي هو الأثر المكتوب الوحيد الذي خلّفه الأفغاني. وكان الأفغاني آنذاك ‏مُقيماً في باريس بعد نفيه من مصر. و قد التحق به محمد عبده سنة 1884 بعد الحكم عليه بالنفي كذلك. ‏وهناك أسّس الرجلان جمعية سياسية “ضدّ الاحتلال الأجنبي والاستبداد الداخلي” مع مجلة ناطقة ‏باسمها، وهي “العروة الوثقى”. دامت إقامتهما في باريس حوالى عامين ثُمّ اضطُراّ لمغادرة فرنسا. قام ‏محمد عبده بترجمة كتاب الأفغاني إلى اللغة العربية، وألّف كتابا صغيراً سنة 1901حول “دور كلّ من ‏المسيحية والإسلام في العلم والحضارة”.‏

وفي كتاب “الظاهرة القرآنية” سيعمَدُ بن نبي إلى ربط الإسلام كحالة خاصة بالظاهرة الدينية إجمالاً، ‏وذلك باعتبار النبي حلقة في سلسلة النبوة، وإحلال القرآن مكانة الخاتمة لعقيدة التوحيد. و بقي الكاتب ‏في منأى عن كل محاولة للدعوة إلى الإسلام أو محاولة إحلاله مكانة أعلى من اليهودية أو المسيحية، كما ‏تفادى كلّ نيةٍ للطعن في مراتب الأنبياء الآخرين. و بذلك كلّه يكون قد طبّق مضمون الآية (64 سورة ‏ال عمران): ” قل يا أهل الكتاب، تعالوا إلى كلمةٍ سوٍاءٍ بيننا وبينكم” أحسن تطبيق. ومع ذلك، ‏فالمسيحية (1) واليهودية لم تَقِفا مِن الإسلام نفس الموقف الذي كان منه إزاءهما. فهما يتهمان النبي ‏محمداً بالخداع وبسرقة التوراة، علماً بأن هذه الأخيرة تتضمن أموراً غير معقولة إلى درجة أن المجلس ‏الأعلى للفاتيكان 2 المنعقد سنة 1965 لم يتمكن من تفادي الاعتراف بأن كتب العهد القديم “تتضمن ‏أشياء غير كاملة وعديمة الصلاحية “. ‏

يقول الدكتور موريس بوكاي ‏Maurice Bucaille، المختص في وضع الكتابات المُنزّلة على محكّ ‏المعطيات العلمية: “أمّا بالنسبة للقرآن، فهناك كثير من الأفكار المغلوطة رُوِّج لها في بلداننا لزمن ‏طويل، وهي لا تزال مُنتشرة، وتخصّ مضمونه وتاريخه. فممّا لا شكّ فيه أنّ الطروحات المُقتبسة من ‏القرآن حول الإنسان كفيلة بأن تكون محلّ تعجُّب، مثلما تعجّبْتُ أنا عندما اكتشفْتُها. وإضافة إلى ذلك ففي ‏المقارنة بين النص التوراتي والنص القرآني فائدة كبيرة: فكلاهما يذكر الله الخالق، لكننا نلاحظ أنّ ‏التفاصيل الواردة في التوراة حول كيفية الخلق، والتي لا يمكن قبولها علمياًّ، لا وجودَ لها في القرآن. فهذا ‏الكتاب يتضمن، على عكس ذلك، ملفوظات مُدهشة حول الإنسان: ومِن غير الممكن، مِن زاوية النظر ‏الإنسانية، تفسير وجود تلك التفاصيل في العصر الذي ظهر فيه القرآن، وهذا بالنظر لما نعرفه عن ‏مستوى المعرفة آنذاك. إنّ هذه الملاحظات لم تَرِدْ في أية محاضرة علمية في البلدان الغربية عندما ‏قدّمتُ، بتاريخ 9 نوفمبر 1976 للأكاديمية الوطنية للطب في باريس عرْضاً حول مفاهيم في علم النفس ‏وعلم الأجنّة وجدْتُها في القرآن الذي ظهر قبل الاكتشافات العلمية الحديثة بأربعة عشر قرناً”. ‏

ويصل موريس بوكاي إلى هذه النتيجة الدامغة: ” لو كان محمد هو مؤلِّف القرآن، فكيف تمكّن من ‏اكتشاف الأخطاء العلمية الواردة في التوراة حول عدة مواضيع وإلغائها جميعا؟” (2). ويبدو أنّ هذا كلّه ‏لم يكُنْ كافياً لِثَنْيِ هُوَاة الأطروحة البالية عن موقفهم، وهي الأطروحة التي مفادها أنّ الإسلام لم يأتِ إلاّ ‏كإعادة للعهدين القديم والجديد في صورة مناسبة للسياق الجديد وللعقلية العربية. فهذا كريستوف ‏لوكسنبَرْغ، الفيلولوجي الألماني، قد خصص لهذا الموضوع كتاباً ورَدَ تقديمه في مجلة “‏Critique‏” ‏‏(3) بقلم ريمي براغ (‏Rémi Brague‏).‏

وبما أنّ مُقدِّمَ الكتاب (ريمي براغ) مُقتنع بالأطروحات الواردة في كتاب كريستوف لوكسمبرغ، فهو يرى ‏‏” أنّنا على الأرجح بإزاء ثورة… إذ يتضح أنّ القرآن كما قدّمه لوكسمبرغ يتضمن إشارات إلى صلوات ‏مسيحية، إنْ لم نقُلْ نصوصاً منقولة من تلك الصلوات… ونخرج من هذا بنتيجة أساسية بخصوص ‏طبيعة القرآن في كُلِّيته…فلو حصلَ لنا فهمُهُ انطلاقاً من اللغة السريانية تبيّنَ لنا أنّ القرآن لا يعدو أن ‏يكون مُدوّنةً لتلاوةٍ اقتُبِستْ أجزاؤها من الكتب المقدسة الموجودة مسبقاً، وقد اتُّخِذت لذلك لغة العامة كي ‏تكون التلاوة مناسبة للطقوس الدينية… وإذا كان لوكسمبرغ على صواب فهذا يعني أنّ القرآن لم يكن ‏يطمح إلى أن يكون بديلاً عن التوراة، بل أن يُقدّم نسخةً مفهومة عند العرب في ذاك العصر. فهو إذاً لا ‏يُمثِّلُ وحْياً أُنْزِلَ في حينه”.‏

إنّ الجديد الذي أتي به لوكسمبرغ ـ إن صحّت العبارة ـ يستند إلى فرضية أن ما نظنّ قراءته في القرآن ‏بالعربية ما هو إلاّ خلاصة لِما جاء على ألسنة المُعلِّقين ابتداءً من عصر الطبريّ. فالقرآن عند ‏لوكسمبرغ لم يُكتبْ ولم يُنقل إلى العربية بالشكل الذي نعرفه به اليوم، بل بلغة “وسيطة، فيها مزج بين ‏العربية والسريانية”. وبإسقاط معاني الكلمات السريانية الآرامية على بعض المصطلحات القرآنية، ‏ينتهي الكاتب إلى إمكانية الحصول على معاني أخرى تماماً للآيات، وهي معاني يُرجّح أنها تُثبتُ أن هذا ‏القرآن الكريم ليس إلاّ إعادة لنصوص واردة في الكتاب المقدس ‏la Bible‏. وتستند نظرية علم الكتابات ‏القديمة عند لوكسمبرغ خاصةً على عدم استعمال علامات التنقيط، لأنّ ذلك يؤدي إلى تغيير معاني ‏حروفٍ مثل ( ج، ح، ر،ز، س، ش…)، وبالتالي يؤدي إلى تغيير معاني الكلمات نفسها”.‏

ولمْ يُخفِ الإسلام يوماً قُربه من الديانات السماوية الأخرى التي لم يأتِ إلاّ ليؤكّدها ويُتمِّمها. وهناك عدة ‏آيات تُثبِتُ ذلك، مثل: “شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك، وما وصّينا به إبراهيم ‏وموسى وعيسى أنْ أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه، كبُرَ على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه مَنْ ‏يشاء ويهدي إليه مَنْ يُنيب”الشورى، 13. وأكثر مِن ذلك فهناك آياتٌ تؤكِّدُ أنَّ المُسلمين لن يكونوا أفضل ‏من غيرهم مِن المؤمنين، مثل: “إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابين مَنْ آمَنَ بالله واليوم ‏الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرُهم عن ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هُم يحزنون”البقرة، 62. ‏

وقد تعرّض بن نبي لهذا الجانب في فصل من فصول”الظاهرة القرآنية” عنوانه: “العلاقة بين القرآن ‏والكتاب المٌقدّس” قائلاً: “إنّ القرآن يقِرُّ صراحةً أنه أتى في نفس الخط مع الكتاب المقدس. وهو يُطالب ‏دائماً بمكانه في مسار التوحيد، وبذلك فهو يؤكد علانية إمكانية وجود أوجه شبه بينه وبين الأسفار ‏والإنجيل. كما يُقِرُّ بهذه القرابة بشكلٍ مُتعمّدٍ، ويُذكِّرُ بها الرسول نفسه عند الحاجة: “وما كان هذا القرآن ‏أنْ يُفتَرى مِن دون الله، ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه مِن ربّ ‏العالمين”يونس، 37. و يصِلُ بن نبي إلى هذه النتيجة: “ومع ذلك، فإن هذه القرابة تترك للقرآن ميزته ‏الخاصة: فهو يبدو مُكمّلاً، بل ومُصحِّحاً لكثير من النقاط الواردة في الكتاب المُقدّس”.‏
وفي فصلٍ آخر تحت عنوان “الجانب الأدبيّ في القرآن”، يُعالج بن نبي المسألة حسب علوم الكتابات ‏القديمة (‏philologie‏)، إذْ يُقِرُّ بدون عقدةٍ أنّ هناك كلمات عربية جديدة وُضِعَتْ بالاعتماد على ‏مصطلحات آرامية “للدلالة على مفاهيم جديدة مختصة بعقيدة التوحيد، مثل مصطلح “ملَكوت”، أو ‏أسماء الأعلام مثل: “جالوت، هاروت وماروت”. و يعترف بأنّ “المسألة حسب علوم الكتابات القديمة ‏التي يطرحها القرآن تستحق هي وحدها دراسة جادة تشمل كل مصطلحاته الجديدة وكلماته التقنية خاصة ‏في مجال الغيبيات”، لكن الإسلام، في رأيه، لم يتوقف عند حدّ تأكيد فكر التوحيد، بل أعطاه بُعداً أوسع. ‏

ثُمّ يُبيِّنُ كيف أن اليهودية “أسست نظاماً دينيا ووطنيا بكامله على قاعدة اجتباء إسرائيل أو اختياره، حتى ‏أنّ الله كاد أنْ يصير إلهاً وطنياًّ. وهذا ما جعل جوهر حركة النبوّة منذ عاموس إلى أشعياء الثاني تتخذ ‏شكل ردود أفعال عنيفة ضدّ هذه الروح المنطوية. فكل الأنبياء المُنتمين إلى تلك الحركة الإصلاحية، ‏مثل أراميا، سيبذلون جهدهم كي يسترجع الله حقوقه الشاملة “. ‏

ويُشير بن نبي إلى أنه بمجيء المسيحية أُصيبتْ عقيدة التوحيد بإصابة أخرى، إذ لم يَعُدِ الله واحداً، بل ‏صار متعدِّداً. وبالإضافة إلى ذلك فلقد تحوّل إلى إنسان حسبما جاء في أعجوبة التثليث. ولم يعُدْ الإسلام ‏إلى الوقوع في المنزلقات التي وقعت فيها الديانتان السابقتان له في كلتا الحالتين، بل ألغاهما، فالله واحد ‏وعام: “إنّ تعدد الآلهة و أنْسنتُها مرفوضتان رفضاً قاطعاً”. ويواصل بن نبي قائلاً: “وبرزت إلى الوجود ‏فلسفة دينية عمادُها القرآن سيكون لها بالغ الأثر في ثقافة التوحيد، ولا نعلَمُ إلى أي مدى يمكن اعتبار ‏المخاضات التي ظهرت بعد انتشار المسيحية ـ بدءاً بالحركة الألبيجينية ‏le mouvement albigeois‏ ‏‏(وانتهاءً إلى حركة الإصلاح ـ كانت نتيجة مباشرة أو غير مباشرة للنظرة الميتافيزيقية التي أتى بها ‏القرآن”.‏

هذا هو معنى كون الإسلام هو الدين الحنيف (4). وفي سعيه إلى تلخيص العِبرة الخاصة بكل فرع من ‏فروع عقيدة التوحيد الثلاثة، لاحظ بن نبي أنّه إذا كانت الوصايا العشر الواردة في أسفار موسى تدعو ‏إلى “الانتهاء عن فعل الشر”‏‎ ‎، والأناجيل تأمر بالانتهاء عن “الرّدّ على الشّر”، فإنّ القرآن الذي يُشكِّلُ ‏خلاصةً وتحسيناً للعِبْرتيْنِ السابقتين “يأمر بالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف”.‏

وراح بن نبي يُقارن بين الكتاب المٌقدّس والقرآن بخصوص قصة النبي يوسف ليستخرج الأصول ‏المشتركة والفوارق بينهما، وينتهي إلى أنّ النبيّ محمداً لم يكن له علمٌ بالكتابات اليهودية المسيحية، وأنّ ‏الوسط الذي عاش فيه كان بعيداً عن التأثيرات التي قد تأتي من ذلك المصدر، خاصةً وأن الكتاب ‏المٌقدّس لم يكُنْ مُترجماً إلى العربية في عصر النبوّة (لا بُدّ من الإشارة هنا إلى أنّ المؤرِّخ المسلم ‏الطبري (ق9م)، وهو مؤلف من مؤلفي السيرة النبوية، يُشيرُ إلى وجود ترجمة عربية للإنجيل كانت ‏موجودة عند الراهب ورقة بن نوفل، وهو من أقارب زوجته خديجة).‏

وأجرى نفس المقارنة بخصوص خروج اليهود من مصر تحت قيادة النبي موسى والنهاية المأساوية التي ‏آلَ إليها فرعون ليقف هنا أيضاً على القواسم المشتركة ونقاط الاختلاف بين هذين الكتابيْن السماويين. ‏فالكتاب المُقدّس يُعْلِمُنا بأنّ فرعون انتهى غرقاً في المياه التي غمرتْهُ مع جيشه، أمّا القرآن فهو يُثبِتُ ذلك ‏لكنه يضيف إلى الرواية عنصراً جديداً، وهو أنّ الله قضى بأنْ يُنجيَهُ بِبَدَنِهِ كي يكون آيةً لِمَنْ يأتي ‏بعده.(سورة يونس 91-92)‏

وبناءً على ذلك فإن بن نبي تناول تلك الآية بظاهر لفظها ليستنتج أنّ فرعون لم يمُتْ غرَقاً في البحر، ‏بل تلقّى صدمةً دفعتْهُ إلى تغيير اسمه واعتناق عقيدة التوحيد (5). وفي محاولةٍ لإيجاد هذا الفرعون في ‏سلسلة أسرة الفراعنة التي حكمتْ مصر اعتماداً على الوثائق التي تمكّن من الاطّلاع عليها، ذهَبَ بن ‏نبي إلى ترجيح أنْ يكون هو الملك أمنحتب الرابع ‏d’Amenhotep IV‏ (الذي صار يُسمّى أخناتون ‏Akhanéton‏)، زوج نيفرتيتي. ففي تاريخ مصر القديمة الذي يمتد على عدة ألفيات، اشتهر هذا ‏الفرعون (الذي يُدعى باسم أمينوفيس الرابع كذلك) بأنه الملك الوحيد الذي حاول أنْ يُحْدِثَ ثورة في ‏الفكر والمعتقدات الدينية المصرية وتوجيهها إلى وجهة التوحيد.‏

لقد عمَدَ هذا الفرعون إلى التخلّي عن مدينة طيبة التي كانت عاصمة لمصر واتّخذ عاصمة جديدة في ‏الموقع الذي يُسمى اليوم بـ (العمارنة) وسمّاها (أختاتون)، وكلُّ ذلك مِن أجل التعبير عن إصراره على ‏إحداث القطيعة مع ثقافة دين الشِّرْك التي كانت سائدة في زمانه. وهناك عدة تفسيرات أُعْطِيَتْ لهذا ‏الإصلاح الديني الخارق للعادة والذي سارع الملوك الذين جاؤوا بعد أمنحتب الرابع إلى محْوِهِ من ‏الذاكرة. أمّا بن نبي فهذا الإصلاح كان نتيجة إلى إيمانه في آخر عهده.‏

ويرى سيجموند فرويد أنّ أمنحتب الرابع لم يؤسس ديانة جديدة: “فالملك الشاب صادَف حركةً لمْ يَكُنْ ‏عليه أنْ يُبْدِعَها، بل استطاع أن ينضمّ إليها”. وهو، أي فرويد، يوردُ لنا بعض المعلومات حول تلك ‏الديانة الجديدة بقوله: ” لم يكن أمنحتب الرابع يعبُدُ الشمس باعتبارها شيئاً مادياًّ، بل باعتبارها رمزاً ‏لكائنٍ إلهيٍّ تظهر طاقتُهُ في أشعة الشمس. فأضافَ إلى المذهب القائل بوجود إلهٍ واحدٍ عنصراً جعل من ‏ذلك المذهب يتخذ صورة التوحيد، وخاصة في ميله إلى الإطلاق. ففي أحد أناشيده وردت هذه العبارة ‏الصريحة: “يا إلهي ‏‎!‎‏ أنت الواحد الذي لا إله معك…” (6).‏

ويُخبِرُنا فرويد أنّ هذا الفرعون قد منع عبادة الآلهة، مثل عبادة الإله آمون، وممارسة السِّحر، وخرافات ‏يوزيريس ومملكة الموتى، وتوعّد كل مَن يُخالف ذلك بعقوبات شديدة. وأخيراً فإنّ أب مدرسة التحليل ‏النفسي يرى أنّ النبي موسى، الذي كان مصرياًّ وليس عبرانياًّ، قد وجد العناصر المُكوِّنة لعقيدته في ‏ديانة أخناتون، وأنّ خروجه مع أتباعه من مصر لم يحدُثْ إلاّ بعد موت ذلك الملك (7).‏
واهتمّ موريس بوكاي من جهته بهذه المسألة في كتاب “الكتاب المُقدّس، القرآن، والعلم” ‏‎(La Bible, le ‎Coran et la science ‎‏) (8) قبل أن يَخُصّها بكتابٍ كاملٍ عشرين سنة بعد ذلك، وكان مُعارضاً ‏لفرويد وبن نبي. فهو يرى أن فرعون مات غرَقاً، وأنّ جسدَهُ قدْ عُثِرَ عليه فعلاً مصداقاً لوعْدِ الله في ‏القرآن. فالنجاة المذكورة في القرآن لا تخُصُّ إلاّ جسده. والفرعون المقصود في هذه القصة هو مينيبتَهْ ‏Mineptah‏ ابن رمسيس الثاني وخليفته.‏

لقد تمّ العثور على أجساد الفراعنة المقصودين في الكُتُب المُنزّلة في نهاية ق19 في مقبرة طيبة، في ‏وادي الملوك، حيثُ بقيتْ مُحنّطة طيلة أكثر من 3000 عامٍ. ويدلّ التسلسل الزمني لملوك مصر القديمة ‏على أنّ أمينوفيس الرابع لم يكُنْ مُعاصراً للنبيّ موسى الذي عاصرَ رمسيس الثاني قبل هجرته إلى ‏مدْيَن، ثُمّ عاصَرَ مينيبتَهْ الذي يُرجّحُ أنْ يكون هو الفرعون المقصود في قصة الهجرة عبر البحر. أمّا ‏أخناتون، فالأرجح أنه مات قبل ميلاد موسى بنصف قرنٍ على الأقلّ.‏

وجاءت أطروحة بن نبي مُوافقة للأطروحة اليهودية التي تقول إنّ النزوح وقع في عصر أمنحتب ‏الرابع، لكنها غير موافقة لها عندما تؤكد أنّ “الثورة الدينية التي قام بها أمنحتب الرابع ليست مَدينَةً ‏بشيءٍ للنبيّ موسى لأنّها سابقة له في الزمن”. وأندري نيهير ‏André Neher‏ يقول: ” والمُهِمّ أنّ ‏مُغامرة أمنحتب الرابع العجيبة هي التي كانت في علاقة بمغامرة النبي موسى… فقد اتّخذ بعد ذلك اسم ‏أخناتون (ابن أتون)، واتّخذ إخوتون عاصمة له. فتلك الحقبة هي الحقبة الوحيدة التي ظهرت فيها عقيدة ‏التوحيد (9) في التاريخ القديم، باستثناء فترة إسرائيل”و هي تتوافق مع تفسير الكتاب المقدس لسنة ‏‏1768. ‏

نحن نعرف أنّ كتاب ” الظاهرة القرآنية” سُلِّمَ للشيخ محمد دراز من جامعة الأزهر قبل نشره كي يُحرر ‏له مُقدمة. ولم ينسَ هذا العالِمُ أنْ يُلْفِتَ انتباه القارئ في مقدمته إلى بعض نقاط الخلاف بينه وبين مؤلف ‏الكتاب. لكن المُلاحظ أنه، ومعه المُترجم عبد الصبور شاهين، لم يتطرق للنقطة التي عالجناها في ‏الفقرات السابقة، وهي جديرة بأنْ تَشُدّ انتباههما باعتبارهما مُتبحِّرين في العلم بالقرآن وباعتبارهما أدرى ‏مِن غيرهما بتاريخ بلدهما.‏

ولقد عمَدَ بن نبي كذلك إلى عقد موازنة بين مضامين بعض الآيات القرآنية والمعارف الجديدة التي ‏وصل إليها التطور العلمي الحديث. لكنه لم يجعل ذلك في مركز اهتمامه رغم أنه كان ينوي تأليف كتاب ‏تحت عنوان”على آثار الفكر العلمي في الإسلام” (‏Sur les traces de la pensée scientifique ‎de l’islam ‎‏ ). فهو يرى أنه ليس من المُهِمِّ أن تكون الصبغة الإلهية للقرآن مُثبتة ومؤكّدة بالاكتشافات ‏العلمية.‏

بل على عكس ذلك تماماً، فهو يخشى أنْ يقع المُسلمون في مُنزلق آخر يتمثل في “حُبّ الأشياء العجيبة” ‏والعنجهية الصبيانية. وهو يعود إلى هذه النقطة ثلاثين سنة بعد ذلك في “أعمال المُستشرقين وأثرها في ‏الفكر الإسلاميّ الحديث” (‏L’œuvre des orientalistes et leur influence sur la pensée ‎musulmane moderne‏ ) (10) ، ‏

وهو كتاب يجب اعتباره امتداداً لمقدمة “الظاهرة القرآنية”: “يجب ألاّ نهتمّ بالتساؤل عمّا إذا كان القرآن ‏يُشير تصريحاً أو تلميحاً إلى هذا الاكتشاف العلمي أو ذاك، بل يجب الاهتمام بالتساؤل عما إذا كان ‏القرآن قادراً على خلق الجوّ المناسب للتطور العلمي في مجتمعٍ ما، وعمّا إذا كان الدافع النفسي فيه كفيلاً ‏بتفجير الميكانيزمات الضرورية لاكتساب المعرفة وانتقالها عبر الأجيال. فتلك هي مشكلة العلم من ‏وجهة النظر النفسية وليس من وجهة النظر المعرفية. فمِن الناحية المعرفية يكفي لتعزيز موقع الفكر ‏الإسلاميّ أن نذكر ابتكارين لولاهما لما حدث التطور التكنولوجي الحديث أصلاً. وبالفعل فهل كان ‏بإمكاننا تصوُّر حدوث التطور التكنولوجي الذي يتمحور اليوم في مجال الفيزياء الذرية مِنْ دون طُرُقِ ‏الحساب فائقة السرعة والتي لم توجد إلاّ بفضل توفّر النظام الرقميّ المناسب؟ فالنظام العشري الذي ‏يسمح بكتابة ثابتة مثل رقم أفوجادرو بواسطة تسعة أرقام هو النظام الوحيد الذي يُتيح ذلك. والحالُ أنّ ‏الحضارة الإسلامية هي صاحبة الفضل في توفير ذلك الشرط المُسبق، وبعبارة أدقّ فإن الجوّ الفكري ‏الذي جاء به القرآن هو الذي أتاح ذلك. وعلى غرار ذلك، فإن علم الجبر الذي يُسمى في اللغات ‏الأوروبية بلفظه العربي هو الذي سمح بخروج علم الحساب من المرحلة الرقمية إلى مرحلة الرياضيات ‏البحتة، وبالتالي فإن التطور لم يكن ممكناً في أي فرع من فروع العلوم الدقيقة لولا ذلك. وواقع الحال أنّ ‏الجوّ الذي أوجده المفهوم القرآني هو الذي أدى إلى ظهور علم الجبر… وإنّه لَمِنْ قَبيلِ الحشوِ أنْ نُضيف ‏أنّ القرآن لم يأتِ في آياته لا بالنظام الرقمي العشريّ، ولا بفكرة الحساب الجبريّ. لكنه أتى بشيء آخر ‏أكثر أهمية، وهو الجوّ المعنوي والفكريّ الذي وُلِد فيه موقِفٌ جديدٌ تٌجاه العلم”.‏

وبإمكاننا أنْ نُضيف إجابة عن سؤال مُتوقّعٍ حول “الجو المناسب لتطوّر العلم”، والمقصود به جو ‏الحرية في الوسط الإسلاميّ، أنّ ابن خلدون استطاع أن يكتب مقولته الشهيرة بكل حرية، خمسة قرون ‏قبل نشر كتاب “أصل الأنواع” لشارل داروين ‏Charles Darwin، والتي جاء فيها أنّ الانسان منحدر ‏من القرد، دون أن يتعرّض لأيّ نوع من الاضطهاد.‏

وهذا ما قاله ابن خلدون: “لنتأمل في عالم المخلوقات ‏‎!‎‏ فهو يبدأ بمملكة المعادن ويصعد بالتدريج، وعلى ‏نمطٍ عجيب، إلى مملكة النبات، ثُمّ مملكة الحيوان. والأفق الأخير في مملكة المعادن مُتّصل بالأفق الأول ‏في مملكة النبات: كالأعشاب والنباتات بدون بذور. و الأفق الأخير في مملكة النبات ـ كالنخيل والكروم ـ ‏مُتّصِل بالأفق الأول في مملكة الحيوان، مثل الرخويات والأصداف التي ليس لها من الحواس غير حاسة ‏اللمس. فكلمة (اتصال) تعني أنّ آخر أفق مِن كلّ مملكة مستعد للتحوُّلِ إلى أول أفقٍ في المملكة التي تليه. ‏إذاً، فعالم الحيوان يتطوّر، وأنواعه تتزايد، وهو في تدرُّج التكوين ينتهي إلى الإنسان المُزوّدِ بالفكْرِ ‏والتفكير. والوصول إلى أفق الإنسان يكون انطلاقاً من عالم القِرَدةِ الذي تلتقي فيه القُدْرَةُ على الإفصاح ‏والقدرة على الإدراك، لكنه لم يصِلْ إلى مرحلة التفكير والفكر بعْدُ. وبوجهة النظر هذه، فإنّ المستوى ‏الأول عند الإنسان يأتي بعد عالم القِرَدةِ: وهنا تتوقف مُلاحظتُنا” (11).‏

إنّ نظرية التطوّر التي صيغتْ لأول مرّةٍ من طرف مُفكِّرٍ مُسْلمٍ ستكون لها المكانة في فضاء البحث ‏العلميّ إلى أنْ أُعيدَ النظر في صحتها بفضل مُعطيات علمية جديدة في مختلف التخصصات.‏

وستكون لبن نبي عودة إلى مسألة تأثير حركة الاستشراق في أواخر حياته، لا ليُعيد نفس الأفكار التي ‏طرحها سابقاً، بل ليُلْفِتَ الانتباه إلى توجُّهٍ جديد في تلك الحركة، وهو التوجُّهُ الإشهاري الذي يُخدّر ‏عقول المسلمين باللعب على وتر الاعتزاز بالنفس لديهم، وذلك في وقتٍ هُمْ في أمسِّ الحاجةِ إلى ما ‏يُنشّطُ العقل لمواجهة تحديات التطور. يقول بن نبي: ‏
‏”إنّ ممّا يدُلّ دلالة واضحة على تطوّر مجتمعٍ ما، الاتّجاهُ الذي تسير فيه أفكاره القيادية. وقد يكون هذا ‏الاتجاه إلى الأمام، أي إلى المستقبل، أو، على عكس ذلك، إلى الخلف، أي في اتجاه مُتقهقر ومُلتفت إلى ‏الماضي كأنه في حالة مرَضية… وكان أدب المُستشرقين بشكْلَيْه وبالاً على المجتمع الإسلاميّ، إذ جاء ‏ليُعيق تطوره الفكريّ… لقد جعلَ منّا ذلك الأدب مُحامين مُدافعين عن مجتمع ما بعد الموحِّدين المنحط في ‏وقْتٍ كان علينا أنْ ننتقده بشدّةٍ وبدراية كبيرتين… فالجدلية التي تُبطِّنُهُ أبْعَدتْنا عن التفكير في مشاكلنا ‏الحقيقية وأغرقتْنا في نقاشات حول مشاكل مُفتعلة. أمّا توجُّهُهُ الثاني، أي الإشهاري، فقد أبْعَدنا عن ‏معالجة مواضيع الساعة وأغرقَنا في ملذات الماضي التليد… إنّ أدب المستشرقين هو الذي صبّ في ‏شخصيتنا حبّ الخوارق بدلاً من الاتجاه إلى الفاعلية… فأنتَ إذا حدّثتَ الجائع الذي لا يجد قوتَ يومِهِ ‏عن البذخ الذي عاش فيه أجداده تكون قد ساعدته على نسيان مُعاناته الحاضرة بشكلٍ مؤقّتٍ وكأنك ‏خدّرتَ تفكيره وضميره تخديراً مؤقّتاً. فأنت لم تُعالج مُعاناته. وكذلك فإنه لا يُمكن علاج تعاسة مجتمع ‏بسرد أمجاد الماضي. فالرواة الذين سردوا حكايات ألف ليلة وليلة ـ وهو مِن أحسن مولودات عصر ‏انحطاطنا ـ لأجيال المسلمين التي تعاقبت بعد الموحدين، قد نجحوا في بثّ قليل من النسيان في عقول ‏مُستمعيهم الذين ينامون نوماً عميقاً بمجرد تخيُّلِ مشاهد الترف والبذخ التي كانت في الماضي التليد. وإذا ‏ولّى الليل وأشرقت الشمس يفتحون أعيُنهم ليعودوا إلى واقعهم المُزري” (12).‏
إنّ “الظاهرة القرآنية” كتاب أَنْتَجَهُ عقلُ عَالِمٍ. فهو يدخُلُ في ثنايا القرآن بِخُطى الباحث إلى مخبره، فيبدأ ‏بأخذ العيِّنات ووضعها تحت عدسة المِجهر. و لا يخرج من ذلك خروج القانع المُطمئنّ، بل يخرج وفي ‏يده استنتاج عام ينطبق على جميع مظاهر مسيرة التاريخ: “إنّ القرآن يرسم لوحة عجيبة للمأساة الأبدية ‏التي تعيشها الحضارات، ويدعونا إلى التأمّل فيها”.‏
ولقد تطلّب هذا العمل مِن صاحبه روحاً علميّةً مشفوعةً بأحدث المُكتسبات المعرفية، وبمعارف شاملة ‏لكل ميادين العلم، ومعلومات كاملة حول الديانات. والعجيب أنّ الكتاب أُلِّفَ في مُحتشد بقلمٍ رجلٍ كانت ‏حياته قاب قوسين لو ثبتت عليه التهم الموجهة إليه، لكنه بدلاً من الانشغال بمصيره، كان تحت سلطان ‏فكرة واحدة، وهي: تزويد المؤمنين من كل الديانات بِراحة اليقين العقليّ.‏
وقد يكون من الضروريّ أنْ نُشير إلى أنّه قبل تحرير “الظاهرة القرآنية” كان بن نبي قد مرّ بمرحلة ‏شك ذكرها هو بنفسه. وبالفعل ففي آخر هذا الكتاب نجد أنه يذكر ذلك الإحراج و “تلك الأحكام المسبقة ‏عند المثقف الذي يجد نفسه مُضطرباً أحياناً بإزاء الترتيب غير المتوقع للأفكار الواردة في القرآن، ‏وبإزاء طبيعتها المُفاجئة”. لكنه، وبِمُثابرته على قراءة القرآن، بدأ يكتشف نظامه وهندسته وطبيعته ‏‏”التي هي ليست كحالها في موسوعة لقضايا علمية، ولا في كتاب تعليمي مُخصص لشعبة مُعيّنة من ‏العلوم”. وعند ذلك بدأ يظهر له أنّ كُلاًّ من القرآن والنبيّ والسُّنّة يتضمن أدلّة على الصحة والصدق. ‏وهكذا انقشعت سُحب الأحكام المُسبقة من أفق نظرته، وتمكّن من تأليف هذا الكتاب الذي يمكن اعتباره ‏ثمرة للتعاون بين الديانات السماوية الثلاثة: فمؤلّفُه مُسلِم، وهو بن نبي. ومُنقِذُه الذي احتفظ بمخطوطته ‏مسيحيّ، والكاتب الذي طبعه على الآلة الراقنة يهودي. ‏
والحقّ أنّ بن نبي احتلّ مكانته بين مُفكّري عصره بفضل هذا الكتاب. فلقد أتاح له أن يتحرر من لُبس ‏طالما لازمه، إذ: المُشكلة ليست في الإسلام، بل في طريقة فَهْمِ المسلمين وأسلوب تطبيقهم له. وبهذا ‏الإنجاز تمكّن بن نبي من الانتقال من الدينيّ إلى النّفسيّ، ومن الالهيات إلى الاجتماعيّ، ومن الميتافيزيقا ‏إلى فلسفة التاريخ. وعندما صدر الكتاب عن دار النشر “النهضة” كتب البروفيسور محداد (1896-‏‏1984)، وهو نائب من حزب الـ ‏UDMA‏ تقديماً فيه تقريض واستحسان لقيمته: “إنّ كتاب مالك بن ‏نبي، بالإضافة إلى طرحه لمشكلة الإيمان ومعالجته لها بطريقة المُقتدرين، سيلقى صدى كبيراً بما فيه ‏من تأثيرات نفسية واجتماعية… وإننا إذ نُحيي هذا الكتاب تحية تقدير باعتباره نقطة انطلاق لتجديد ‏ديني ضروري في هذه البلاد، نتمنى صادقين أن يكون كذلك أول صرح في الفكر الجزائري المُجدّد و ‏المُحتكّ بالغرب” (‏Egalité ‎‏”‏‎ ‎عدد 10‏‎ ‎افريل‎ 1947‎‏ ).‏

وستتّخذ هذه الجريدة الناطقة باسم الـ.‏l’UDMA‏ اسماً آخر ابتداءً من شهر فيفري 1948، وهو ‏La ‎République algérienne ‎‏. لمّا قرأ ابن نبي ذلك التقريض تأثر له تأثراً شديداً، وهو يقول في ذلك: ‏‏”أتذكّر أنني بكيت تأثّراً عندما قرأْتُ ذلك المقال الذي جاء بمثابةٍ ثأرٍ لي على ما مرّ بي مِن مُعاناة”. أمّا ‏‏”جمعية العُلماء” فلم تذكُر صحافتها هذا الكتاب ولو بكلمة واحدة.‏

شرع بن نبي في تنظيم زيارات لعدة مُدنٍ بغرض التعريف بكتابه، فنشّط مُحاضرة في مستغانم التي كان ‏مناضلو حزب الشعب قد منعوا توزيعه فيها. أمّا في تلمسان فكان مناضلو الـ ‏UDMA‏ هم الذين عملوا ‏على عرقلة توزيعه. وذلك هو السياق الذي تعرّف فيه بن نبي بأحد الشيوعيين الجزائريين، وهو بوشامة ‏الذي كان يُريد أنْ يضُمّه إلى مشروع سياسيّ يهدف إلى تجاوز الحزازات التي نشبت بين الـ ‏UDMA‏ ‏والـ ‏MTLD‏ وجمعية العلماء، تحت شعار: خلق “جبهة وطنية”. انضمّ إلى هذا التيار كلٌّ من صالح بن ‏ساعي والدكتور خالدي لينشرا معاً نداءً في جريدة ‏Alger-républicain ‎‏ (13). لكن المشروع لم يُؤْتِ ‏ثماره، ومع ذلك فستعود الفكرة إلى الظهور في شهر جويلية 1951 على مستوى أحزاب الحركة ‏الوطنية ” ‏MTLD, UDMA, PCA‏ وجمعية العلماء”، باسمٍ جديد: الجبهة الجزائرية للدفاع عن ‏الحريات واحترامها.‏

وممّا قاله بن نبي في مذكراته غير المنشورة عن التّشرذم الذي ميّز الحركة الوطنية، والذي يَعْزُوه إلى ما ‏أسماه “التحزّب” (‏‎ partisme ‎‏): “التّحزُّب من الناحية العملية هو تمزّق وحدة البلاد في مواجهة جبهة ‏استعمارية مُتجانسة… لم أجِدْ رفقة صالح بن ساعي والدكتور خالدي، اللّذينِ كُنتُ منسجما معهما كلّ ‏الانسجام، أية صعوبة في إدراك ضرورة وجود جبهة وطنية. وقد اتّفقنا مع بوشامة لتوجيه نداء…”، و ‏يُضيف بعد ذلك: ” لا شكّ أنّ التحزّب هو الذي فرض على العلماء سكوتاً تاماًّ عن “الظاهرة القرآنية” ‏الذي، باعتباره ذا طابع ديني، كان يُفترضُ أنْ يحظى بالنقد في جريدتهم…”.‏ (يتبع)

المراجع:‏
‏1)‏ يُشير موريس بوكاي في مقدمة كتاب “الكتاب المُقدّس، القرآن والعلم” (‏La Bible, le ‎Coran et la Science‏)‏‎ ‎منشورات‎ ‎‏ ‏SNED‏ الجزائر العاصمة 1976‏‎ ‎‏ إلى التّحوّلات التي ‏حدثت في مواقف أعلى السلطات الكنسية تُجاه الإسلام خلال العُشريات الأخيرة، ويستشهد ‏بوثيقة رسمية عنوانُها: “توجيهات في سبيل حوار بين المسيحيين والمسلمين ‏‏”(‏Orientations pour un dialogue entre chrétiens et musulmans‏)، وهي ‏وثيقة أُعِدّتْ بعد اجتماع الفاتيكان 2 الذي يدعو المسيحيين إلى التخلي عن “الصورة القديمة ‏التي تسببت في إدانة الغرب المسيحيّ تُجاه المُسلمين”.‏
‏2)‏ ارجع الى “من اين اتى الانسان؟”، منشورات سيغر‎ Seghers، باريس 1981‏
‏3)‏ ‏”القُرآن. الخروج من الدائرة؟ ” ( ‏Le Coran : sortir du cercle ? ‎‏) أفريل 2003. ‏وعنوان الكتاب بالألمانية: ( ‏Die Syro-aramaïschelesart des Koran. Ein ‎Beitrag zur Entschlüsselung der Koransprache‏).‏
‏4)‏ أسْلَمَت الجامعية والمستشرقة الفرنسية إيفا دو فيتراي – مييروفيتش ‏Eva de Vitray-‎Meyerovitch‏ سنة 1955. وكانت في ذلك الوقت مديرة لمصلحة العلوم الإنسانية في المركز ‏الوطني للبحث العلمي ‏CNRS‏. وقد قالت عن إسلامِها: “وجدْتُ في الإسلام إجابة لاهتمامي ‏بالنزعة الشمولية. فلم يكن بإمكاني تصوّر أنّ الله يخُصّ شعباً (اليهودية) أو كنيسة (المسيحية) ‏بالتجلّي. إنّ الله الذي هو الحقيقة في جوهره لا يمكن أن يتجلّى في عدة صور: فصورته يجب ‏أن تكون واحدة، كما كان يبدو لي… وفكرة الإسلام الكبيرة هي كونه تذكيراً بجوهر الرسالة ‏الإبراهيمية… و لقد فكّرْتُ ملِياًّ قبل أن أتّخذ قراري لأنني كُنتُ أريد أنْ أكون متأكدة ممّا أفعل. ‏فقبل أن أُعْلِنَ عن إسلامي تابعْتُ دراسات في علم اللاهوت المسيحي لمدة ثلاث سنوات كي ‏أكون متأكدة مِن أنني لم أدخل الإسلام بسبب جهلي بالمسيحية… وأنا أرى أنّ الإسلام هو الدين ‏الجامع لكل الديانات الأخرى”.‏
وفي تاريخ 17 أكتوبر 2005 خصّت جماعة حميدُ الله (‏Collectif Hamidullah‏ ) كُلاّ من ‏مالك بن نبي وإيفا فيتراي – مييروفيتش بتحية تقدير. وكان نور الدين بوكروح من بينِ ‏المُحاضرين المُتدخِّلين. ‏

‏5)‏ الآيات القرآنية التي تخص هذا الموضوع هي: ‏
أ ـ “وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتْبعَهم فرعون وجنوده بغْياً وعَدْواً، حتّى إذا أدركه الغرق ‏قال آمنتُ أنّه لا إله إلاّ الذي آمنَتْ به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين 90 آالآن وقد عصيتَ قبلُ ‏وكُنتَ من المفسدين 91 فاليوم نُنَجّيك ببدنك لتكون لمنْ خلفك آيةً، وإنّ كثيراً من الناس عن ‏آياتنا لغافلون 92″يونس 90-92.‏
ب ـ “فأْتْبَعهم فرعون بجنوده فَغشِيهُمْ من اليمّ ما غشيَهُمْ 78 وأضَلّ فرعونُ قومَهُ وما هدى 79 ‏‏”طه 78، 79. ‏
ج ـ “يقْدُمُ قومه يوم القيامة فأوردهم النار، وبيس الوِرْدُ المورود 98″هود 98.‏

‏6)‏ ترجمة حرفية للجزء الأول من التشهّد: لا إله إلاّ الله.‏
‏7)‏ موسى وعقيدة التوحيد ( ‏Moïse et le monothéisme‏)،‏‎.‎‏ منشورات غليمار باريس 1948‏
‏8)‏ المرجع نفسه.‏
‏9)‏ موسى ووجهة اليهود ‏Moïse et la vocation juive) ‎‏ )‏‎.‎‏ منشورات سوي ‏Seuil‏ باريس ‏‏1957‏
‏10)‏ منشورات الثورة الافريقية، الجزائر العاصمة 1968‏
‏11)‏ ابن خلدون ” المقدمة” (خطاب حول التاريخ العالمي) ترجمة فانسون مونتاي، ‏منشورات اونيسكو بيروت 1968‏
‏12)‏ ارجع الى “اعمال المستشرقين و تأثيرها على الفكر الاسلامي” المرجع المذكور انفا
‏13)‏ الدعوة الوحيدة إلى خلق “جبهة وطنية ديمقراطية جزائرية”، والتي سجّلها التاريخ هي ‏تلك التي أطلقتها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الجزائري بتاريخ 21 جويلية 1946. وهي ‏مُوَجّهة إلى “الجزائريين من جميع الأصول، وهُم الجماعة التي تُشكل قاعدة الأمة الجزائرية ‏وهي في طور التكوين، وكانت ثرية بمساهمات كل أبنائها بمختلف أصولهم وبما فيها من ‏امتزاج بين حضارات الشرق والغرب”. وبهدف بناء هذه “الجزائر الجديدة” فهذا النداء يطلب ‏‏”خلق مجلس وحكومة جزائرييْن في القريب العاجل، وحلّ الحكومة العامة وإدارتها ‏الاستعمارية، وإعداد الطريق لجمهورية ديمقراطية تابعة لفرنسا فيدرالياًّ”. واختتِم النداء بالحث ‏على الوحدة بين التشكيلات السياسية الموجودة (حزب الشعب، الشيوعيون، العلماء، وأتباع الـ ‏UDMA، الاشتراكيون وكل الجزائريين التقدُّميين) في إطار الجبهة الوطنية الديمقراطية ‏الجزائرية ‏FNDA، بِلا تمييز عرقيّ أو لغويّ أو دينيّ”.ارجع الى ك.كولو ‏C. Collot ‎‏ و ‏ح.ر هنري ‏J.R Henry ‎‏:” الحركة الوطنية الجزائري حسب النصوص، 1919-1954″، ‏منشورات ‏OPU‏ الجزائر العاصمة1981 ‏
يقول الدكتور خالدي في كتابه (“المسألة الجزائرية أمام الضمير الديمقراطي”)، وهو يتحدث ‏عن الحزب الشيوعي الجزائري: “إنّه يُحبِّذُ خلق جبهة وطنية. ولقد ساندنا هذه الفكرة في جانفي ‏‏1946، وواجهتْنا بعض الصعوبات مع الشيوعيين”.‏
ويؤكّدُ صالح بن ساعي ما جاء على لسان بن نبي، إذ يقول في “مُلاحظة حول حياة مالك بن ‏نبي”: “سنة 1947، كانت الأحزاب السياسية الوطنية مُستمرة في لعبتها السياسية البالية ‏‏(‏politicaillerie‏) وفي مُطاحناتها العقيمة. وبالنظر إلى أنّ بارونات الاستعمار آخذةٌ في توحيد ‏صفوفها، فلقد أصبح من الضروري إنشاء جبهة وطنية. وهكذا أصدرنا “بيان من أجل تشكيل ‏جبهة وطنية جزائرية” رفقة كل من بوشامة، وخالدي، وبن نبي، بن ساعي، وساسي رابح، وتمّ ‏نشره في جريدة ‏Alger-Républicain‏. لكن تلك الجبهة التي كانت بمثابة إرهاص لجبهة ‏التحرير الوطني قد تمّ تفجيرها من طرف المصاليين وقائدهم العائد من المنفى”.‏

You may also like

Leave a Comment