Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (16)‏

حياة مالك بن نبي (16)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

تخلّى بن نبي عن منصبه الذي شغله بين فيفري و جويلية 1942 في مكاتب حزب دورْيوDoriot ‎‏ ‏عندما طُلِبَ منه أنْ يؤدي اليمين والقرآن بين يديه على الوفاء لجاك دوريو، وقرّر التّوجّه إلى ناحية ‏هانوفرHanovre، في ألمانيا، بحثاً عن العمل. وجد عملاً في مدينة بومليتز ‏Bomlitz‏ بمصنع ‏للصناعة السيلولوزية، فعمِلَ به ثمانية عشر شهراً.‏

وكان يقضي لياليه في حجرة تابعة لمُعسكر المصنع، و يملؤها بقراءة القرآن والتأمل في آياته. وهو ‏يقول عن ذلك: ” لم أكُنْ أعرف أنني كُنتُ بصدد إعداد العُدّة لـ “الظاهرة القرآنية” . تمّ تعيينه مندوباً عن ‏العُمّال الفرنسيين في بومليتز شهر ديسمبر 1942. وفي منتصف سنة 1943 بدأ قصف قوات الحُلفاء، ‏ممّا اضطرّه إلى مُغادرة ألمانيا والعودة إلى فرنسا في نهاية ديسمبر من نفس السنة، وواصل الاشتغال ‏بأعمال يدوية بسيطة… ‏

ليس مِن السهل على القارئ الذي يقرأ ما كتبه بن نبي عن تلك الفترة بعد عشرين سنة أنْ يُصدّق أنّ ‏الأمر يتعلق بمالك بن نبي نفسه عندما يتكلّم بمنتهى الواقعية عن احوال الطبقة الكادحة‎ ‎‏ في مثل: ” يقول ‏الغزالي إن هناك أشياء تتعلق بالتجارب الروحية لا يمكن نقلها بالكلمات، بل يجب تذوّقها بصفة ‏شخصية. وحالة العامل الجزائري في فرنسا تنتمي إلى هذه الفئة من الأشياء. فهل حصل لك أن قطعتَ ‏المسافة بين الجزائر ومرسيليا على جسر السفينة أو في مكان شحن البضائع؟ وهل حصل لك النزول ‏في محطة السكة بمدينة ليون وأنت لا تعرف كيف سيكون غداك؟ وهل جرى لك أن ذرعْتَ شوارع ‏باريس مشياً بجيوب فارغة لتبحث عن عمل؟ وهل وقفْتَ في طوابير الباحثين عن العمل لساعات ‏طوال؟ وهل اشتغلْتَ بدحرجة البراميل فوق رصيف أو قمت بتفريغ حمولة شاحنة من لبنات البناء التي ‏تأكل بشرة يديك أكلاً؟ وهل عملت ليلاً في مصنع لتخرج في السادسة صباحاً مَثْنيَ الظهر، مُنكسر ‏القامة، مُنهك العضلات، وقميصك ملتصق بجلدك من كثرة العرق؟ إذا حصل لك كل هذا أو بعضُه فأنت ‏تعرف شيئا عن المشكلة” (1). فهذا وصفٌ للأعمال الشاقة يُلخّصُ لنا كل المعاناة الجسدية والمعنوية ‏التي مرّ بها منذ أن وطِئتْ قدماه أرض فرنسا سنة 1925. ‏

وفي الجزائر تظافرَتْ بعض الأحداث لتكتسِحَ اسم بن جلول من الساحة السياسية، وعلا نجم فرحات ‏عباس الذي عاد من الحرب في أوت 1940. أمّا العربي التبسي فقد أوقِف بتهمة التعاون مع العدو وزُجّ ‏به في سجن لامبيز (تازولت حاليا)، بالقرب من باتنة، ثُمّ أُطلِق سراحه عندما تبيّن أن التهم الموجهة ‏إليه، والتي كان يمكن أن تؤدي إلى إعدامه، لم تقتنع بها المحكمة التي حوكِمَ فيها. وكان البشير ‏الإبراهيمي بدوره في السجن الذي لن يُغادره إلاّ في ديسمبر 1942. ومصالي الحاج من جهته حُكِمَ عليه ‏بالأشغال الشاقة لمدة ست عشرة سنة ابتداء من مارس 1941، بالإضافة إلى عشرين سنة من النفي، ثُمّ ‏نُقِلَ إلى برازافيل.‏

في نوفمبر 1942 كان إنزال الحلفاء في الجزائر. اغتنم لامين دباغين الذي خلف مصالي على رأس ‏‏”حزب الشعب” واجتمع بفرحات عباس واقترح عليه تحرير وثيقة باسم كل القوى السياسية (العلماء، ‏حزب الشعب، وحركة الدكتور بن جلول) وإرسالها إلى الحلفاء. في فيفري 1943 أنهى فرحات عباس ‏تحرير “بيان الشعب الجزائري”‏‎ Le manifeste algérien‏ الذي طُرِحَ على الحلفاء وعلى الحكومة ‏الفرنسية والحكومة المصرية وعلى منظمة الأمم المتحدة. وفي هذه الوثيقة ذكْرٌ للجمهورية الجزائرية، ‏وللدستور، ولحكومة جزائرية… واختفى الإدماج بصفة نهائية.‏

كان جواب السلطات الفرنسية رفضاً لتلك المطالب جملةً وتفصيلاً. وكرد فعل عن ذلك قام كلّ المُنتخبين ‏الجزائريين بالانسحاب مِن المندوبيات المالية. تمّ اعتقال فرحات عباس وفُرِضتْ عليه الإقامة الجبرية ‏في الجنوب الجزائري بتهمة “الدعوة إلى العصيان في ظروف الحرب”. ولمّا تمّ إطلاق سراحه عملَ ‏على خلق تيار سياسيّ جامِعٍ بعد فشل تجربة الـ ‏UPA، وسمّاه “أصدقاء البيان والحرية”‏‎(Amis du ‎Manifeste et de la Liberté- AML)‎‏ الذي يدعو إلى فيدرالية بين الجزائر وفرنسا. وقد لقي دعم ‏كلّ من العلماء و”‏‎ ‎حزب الشعب”، لكن بن جلول والشيوعيين بقوا مُتشبثين بالأمل في تحقيق “سياسة ‏الإدماج”.‏

في جوان 1944 نزل الحلفاء في ناحية نورمانديا التي كان بن نبي مُقيماً فيها، فكانت بداية هزيمة ‏القوات الألمانية. نجا بن نبي بأعجوبة من القصف، ثُمّ عاد إلى دروDreux ‎‏ التي سيُغادرها بعد وقتٍ ‏قصير في اتجاه باريس. و كان قد وصل إلى درجة من اليأس حتى أنه أصبح يتمنّى أن يموت برصاصة ‏طائشة.‏

ولمّا علِمَ بوقوع مدينة درو بين أيدي الحلفاء انتابه الخوف على زوجته فقرر الالتحاق بها سيراً على ‏قدميه. قطع المسافة بسرعة، واضطُرّ أثناءها إلى قضاء لياليه في الإسطبلات الخاوية على عروشها، ‏وإلى تناول أي شيء لسدّ رمقه. استغرقت تلك الرحلة الشاقة أربعة أيامٍ وثلاث ليالٍ، قطع فيها مسافة ‏‏100 كلم تقريباً. ويُعلّق عن ذلك بقوله: ” لِمَ العَجلةُ وأنت مُتّجه إلى مصرعك؟ فذلك هو المصير الذي ‏ينتظرني بلا أي شك. وكل شيء يدلّ عندي على أن روح ماسينيون ستغتنم فرصة “التحرير” كي ‏تقضي عليّ قضاءً مُبرماً… بل إنّ ذلك هو أَملِي الذي أُخفيه لأنّ مَقْتي للحياة بلغ ذروته”.‏

لمّا وصل إلى درو علِمَ أنّ زوجته قد تمّ اعتقالها، ثُمّ تمّ اعتقالُهُ هو كذلك، وأودِعَ في المُعسكر. ولمّا تمّ ‏استنطاقه بعد أسبوعين كان أول سؤال طُرِح عليه هو”أين كُنتَ في أوت 1934 لمّا حدثت المُظاهرات ‏المُعادية لليهود في قسنطينة؟”. ثُم سُئِل:” لماذا طلبْتَ أن تتولى مهمة إمام في محتشد للمساجين الشمال ‏إفريقيين؟ “. أمّا زوجته فقد سُئِلتْ عن أسباب دخولها إلى الإسلام.‏

فهِم بن نبي أنّها مَكيدة مِن صُنع “العنكبوت”: “والخلاصة أنّ كُنه الجرم الذي اتُّهِمْتُ به مع زوجتي ‏يكمن في ديننا. لكن الواضح أنّ المختصين في “قضايا المسلمين” كانوا يتمنون أنْ يجدوا ذريعة في ‏‏”التعاون”‏collaboration‏ مع العدو… وكان جهاز المخابرات ‏Psychological service‏ (2) متأكِّداً ‏مِن إيجاد تلك الذريعة خاصة وأنا رجُلٌ تعرّض لكل أنواع الحرمان قبل الحرب، فجاءته فرصة الحرب ‏والاحتلال لكي يأخذ ثأره”. وبعد الاستنطاق نُقِلَ مع زوجته إلى مُحتشد بيتيفيي ‏Pithiviers‏. ‏

وذات يومٍ نشرت جريدة موريس فيولات “‏l’Action républicaine‏”‏‎ ‎‏ قائمة بأسماء الموقوفين في ‏مدينة درو مع أسباب اعتقالهم. و الغريب أنّ اسم بن نبي وارد في القائمة لكن بدون ذكر سبب الاعتقال. ‏لكن زوجته ذُكِر السبب، وهو “علاقات متواصلة مع ضابط ألماني” والمقصود من ذلك أنها كانت تُقدم ‏له معلومات حول بعض الفرنسيين. وهكذا بقي بن نبي في المحتشد بدون محاكمة لمدة تسعة أشهر.‏

وكان ذلك المحتشد هو المكان الذي بدأ فيه بكتابة “الظاهرة القرآنية” بالفعل. وسيكون إهداء الكتاب ‏للسيد جورج مارلان ‏Georges Marlin‏ الذي كان معه في المحتشد، والذي كان يُساعده على إرسال ما ‏يكتبه عن طريق زوجته التي تأتي لزيارته. ويتذكّر بن نبي أّنّ رجل الكنيسة الذي يزور المساجين كان ‏يقول لهم: “إخواني المسيحيين، لقد قُتِلَتِ الهتليرية، لكن الإسلام بدأ يرفع رأسه، فلا بُدّ مِن إعدامه هو ‏كذلك”.‏

ونظراً لانعدام أي دليل يسمح بإدانته هو وزوجته، فقد تمّ إطلاق سراحهما بتاريخ 28 أفريل 1945 بعد ‏أن استُنْفِدت كل الطرق لتبرير التهم المتعلّقة بـ”التعاون مع الألمان وتعذيب الفرنسيين في بومليتز”. وقد ‏زارهما البروفيسور خالدي في لوات كليري، وكان آخر لقاء بهما يعود إلى سنة 1939. وبعد تزويدهما ‏بمبلغ مالي انتقل رفقتهما إلى باريس.‏

كان فرحات عباس في الجزائر على رأس “أصدقاء البيان والحرية”‏‎(Amis du Manifeste et de ‎la Liberté- AML)‎‏ ، ومعه أحمد بومنجل وأحمد فرنسيس. وقد حققت هذه الحركة نجاحاً كبيراً ‏والتَفّتْ حولها جماهير الجزائريين. يقول بن يامين ستورة ‏Benjamin. Stora‏ و زكية. داود: “كان ‏بومنجل وفرنسيس يُخففان مِن حِدّة خطاب فرحات عباس الذي لم يكن مُتسامحاً إلاّ نادراً، بل كان يتخذ ‏في الغالب مواقف متطرفة”.‏

بدأت أفكار “حزب الشعب”‏‎(PPA)‎‏ الممنوع تنتشر بين صفوف أصدقاء البيان و الحرية (‏AML‏) من ‏الأقرب فالأقرب، والشعب كان على حافة الانفجار. وقد أعلن فرحات عباس في تجمُّعٍ نُظِّمَ في سطيف ‏بتاريخ 02 ماي 1945 قائلاً: “أمام فرنسا خياران: فإمّا أنْ تُبْقي على النظام الأمبريالي، وهي إذْ ذاك ‏ستحتاج إلى الرشاشات والجنود السينغاليين، وإمّا أنْ تُقِرَّ بحق الجزائر في الحكم الذاتي، وهي بذلك ‏ستجد الجزائر صديقة لها” (3).‏

أُعْلِنَ عن نهاية الحرب العالمية الثانية بتاريخ 08 ماي 1945، وهو اليوم الذي انفجر فيه الغضب ‏الشعبي الجزائريّ في مُظاهرات شملت عدة مدن ومناطق، وواجهتها فرنسا بقمع وحشيٍّ امتدّ على طول ‏عدة أيام. وقد تمّ اعتقال كلٍّ من فرحات عباس وبومنجل والشيخ الإبراهيمي في صبيحة اليوم الأول من ‏تلك الأحداث المأساوية ووُجِّهتْ لهم تهمة “المساس بالسيادة الفرنسية”، كما اعتُقِل العديد من مناضلي ‏‏”حزب الشعب”.‏

كان فرحات عباس في السجن على حافة الانهيار عندما حرّر هذا”العهد السياسيّ”‏Testament ‎politique‏ الذي جاء فيه: سئمْتُ من السياسة. منذ 25 سنة و انا اناضل بكل جهدي ضد القوى التي ‏تقمعنا. فالقلب يُنهك، ولا بُدّ من ترك المكان لوجوهٍ جديدة… لكنني قبل أن أدخل في التقاعد أودّ أن أقول ‏في الأخير لبلادي أشياء أظنّها بسيطة، لكنها ضرورية… إنّ الذين نصحوك بالثورة قد خدعوك وأهانوا ‏المصائب التي حلّت بك. فبالأمس حرّضوك على فرنسيين بُسطاء ليسوا لك بأعداء. وغداً سيُحرِّضونك ‏ضدّ مُسلمين آخرين، سيُحرّضونك ضدّ الميزابيين، ثُمّ سيُشعلون نار الفتنة بين أهل الجبل وأهل ‏السهول. وستكون العودة إلى التناحر القبَليّ، وسيسترجع الإقطاع العربي كل حقوقه، وسترزحين تحت ‏وطأة امتيازات أخرى وجبايات أخرى، وتعسُّفات أخرى. ستسود الفوضى وتتهيّأ البلاد لاستعمار آخر… ‏كان طموحي الوحيد هو أن أرى، قبل أن أموت، فلاّحنا ينام على سرير بفراش نظيف بعد أن يكون قد ‏تناول عشاءه وقرأ جريدته‎ ‎‏”. ‏

وفي تعليقهما على هذا “العهد” يقول ستورا و ز. داود: ” إنّ فرحات عباس في هذا النص الذي يحتل ‏قلب الحدث، إنّما يُناضل من أجل إصلاح الإنسان المسلم. فهو يُندد، وبقدر غير قليل من الشجاعة قياساً ‏بتلك الفترة، بالفوضى العارمة التي يمُرُّ بها العالم الإسلامي الحديث. وهذه المواضيع كلّها نجدها في ‏مؤلّفات مُثقّفٍ جزائريّ آخر، وهو مالك بن نبي… وإذا كان هذا الأخير لا يتفق مع فرحات عباس في ‏كلّ خياراته السياسيّة، فذلك لم يمنعْهُ مِن الكتابة في ‏La République algérienne ‎‏ التي هي جريدة ‏فرحات عباس”.‏

ولمّا أُطْلِق سراح فرحات عباس في أفريل 1946 أسّس حزب “الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري” ‏‎(Union démocratique du manifeste algérien-UDMA)‎، ثُمّ انتُخِبَ نائباً في المجلس ‏التأسيسي. أمّا مصالي فقد استفاد من العفو وعاد إلى الجزائر في شهر أكتوبر وأسّس حزب “حركة ‏انتصار الحريات الديمقراطية”‏‎(Mouvement pour le triomphe des libertés-MTLD) ‎‏ في ‏نوفمبر. وستدخل هاتان التشكيلتان السياسيتان في مرحلة مواجهة وصراع على المقاعد الانتخابية. وذلك ‏ما كان يُرضي الإدارة الاستعمارية إلى أبعد حدّ. ‏

وقد تفاجأ مناضلو “حزب الشعب” لمّا رأوا رئيسهم مصالي الحاج يُقْلِعُ عن سياسة المُقاطعة، وصار ‏يُحبِّذ إشراك حزبه في انتخاب المجلس الوطني الفرنسي في نوفمبر 1946. وهذا الموقف يعني العودة ‏إلى “الشرعية”. وكان ردّ فعل حزب فرحات عباس هو اتخاذ قرار بعدم تقديم أيّ مُرشح تفادياً لمُزاحمة ‏مُرشحي “حزب الشعب”. لكن إدارة ولاية الجزائر‎(préfecture)‎‏ رفضت ترشّح مصالي الحاج. ‏وأسفرتْ الانتخابات عن نيل “حزب الشعب” لخمسة (5) مقاعد مِن أصل خمسة عشر (15)، وعادت ‏ثمانية مقاعد للمرشحين المستفيدين من دعم الإدارة، ومقعدان للحزب الشيوعيّ الجزائريّ. وكان لمين ‏دباغين ومحمد خيدر من بين مُنتخبي “حزب الشعب”.‏

وغداة مجازر الثامن ماي 45 استُدْعِيَ بن نبي ليُستنطق من طرف الشرطة. ومن بين الأسئلة التي ‏وُجِّهتْ له: “هل تعرف مصالي؟ وما رأيك فيه؟”. أما خالدي فقد اعتُقِلَ بسبب كتاب “المسألة الجزائرية ‏أمام الضمير الديمقراطي” (4) الذي ألّفه وأرسلَ بنُسخٍ منه إلى البرلمانيين الفرنسيين وإلى صحفيين ‏أجانب. وكانت مُقدّمة الكتاب بقلم صالح بن ساعي. وظهرت طبعته الثانية سنة 1965 بمقدمة جديدة ‏حررها الدكتور خالدي، وهو يقول فيها: “كُنتُ أظنّ أنّي أوقظ بعض الضمائر الجامدة، لكنني لمْ أنلْ إلاّ ‏إيقاظ شرطةٍ لا تنام إلاّ بعينٍ واحدة عندما يكون الأمر مُتعلّقاً بشؤون “الأنديجان” التابعين ‏للأمبراطورية”. وقد سُجن الدكتور خالدي لمدة شهرين في أحد السجون الباريسية.‏

تعرّضتْ زوجة بن نبي للاعتقال مُجدّداً وأودِعتْ في سجن شارترِ‎ Chartres‏. ثُمّ علِم أنه، هو كذلك، ‏مطلوب من المصالح الأمنية. فبادر بالذهاب إلى شارتر واختار السجن طواعيةً. وقضى مدة ثمانية أشهر ‏في سجن تلك المدينة. فلقد عادتْ مصالح الأمن إلى البحث في ماضيه عن أية ذريعة لإدانته، ومُحاولة ‏اصطناع تُهمٍ واهية. ورغم استدعاء كل الفرنسيين الذين كانوا معه في بومليتز وضواحيها، فإنّها لم تجد ‏أيّ دليل كافٍ لإدانته.‏

ونظراً لعجز بن نبي عن توكيل مُحامٍ للدفاع عنه، فقد عيّنت المحكمة مُحاميا مُكلّفاً بدفعه إلى ‏‏”الاعتراف”. لكنهم في الأخير وجدوا أنفسهم مُضطرّين لإطلاق سراحه لعدم توفر أي دليل ضده. وممّا ‏جاء على لسان القاضي عندما رفض التهمة الموجهة إليه: “كُلّما طلبْنا الاستشهاد بأحداث مُحدّدة لإثبات ‏التهمة لا يُزوِّدُنا الطرف المُدّعي بشيء. إنني أرى أن الأمر يتعلّق بشكوك أرادت الشرطة أنْ تُورِّطَ بها ‏بن نبي”. والحصيلة أنّ بن نبي خسر سبعة عشر شهراً من حياته بغير حقّ.‏
وبديهيّ أنّ الإنسان الخارج من السجن يكون في حالة انهيار وانكسار و تلاشٍ. وقد كاد بن نبي أن يكون ‏كذلك لولا تلك القوة الروحية والأخلاقية والفكرية التي ثبّتتْه ومكّنتْهُ من التّجدُّدِ والمحافظة على قوته ‏لتوظيفها في أداء الرسالة التي قُدّر له أن يكون صاحبَها، وتلك الرسالة هي: بناء فكر وحيد من نوعه في ‏العالم الإسلامي الحديث. فرغم ما مرّ به مِن ضيق وتثبيط للعزائم، ورغم الضغوط التي لا يقوى على ‏تحمّلها إلاّ الرجال الذين وُلِدوا ليخلدوا، فبن نبي بقي ثابتاً على الطريق التي ستقوده إلى مصاف الكبار، ‏وذلك بفضل قدرته الخارقة على التحليل، والتي سينفتح لها ـ عمّا قليلٍ ـ مجال الظهور في أبهى ‏صُوَرِها.‏

لقد تمكن بن نبي بفضل تكوينه التقني وثقافته الشاسعة وتجاربه المتعددة، أنْ يخرج منتصراً من كلّ ‏النوائب التي نزلتْ في ساحته. والمؤكد أنّ عقله لم يزدد بعد تلك النوائب إلاّ تنظيماً ومنهجيةً، وهو يُحلّقُ ‏على جناحي نفسٍ قوية تخترق الأجواء ولا تنثني أمام أية خيبة. ذلك أنّ المُعاناة التي تكبّدها لم تنقص ‏من كفاءاته، رغم أنّ ذلك هو المسعى الوحيد الذي عمل جهاز الـمخابرات (‏psychological ‎service ‎‏)على تحقيقه للقضاء على فيلسوفنا. وسواء أكان بإزاء وضعيات تتيح له اتخاذ موقف يقينيّ، ‏أم كان بإزاء زوابع تُشوِّش رؤيته، فإنه في هذه وتلك يحتفظ على توازنه ويبقى في خط السير الذي ‏يؤمن به، وَسَنَدُهُ القويّ في ذلك هو إيمانه، ثُمّ فكرُهُ، فكره الذي يقيه من الخطإ باعتباره نظاماً، ويُوجّهه ‏للتكيف مع المُتغيرات باعتباره بوصلة. ‏

كانت أفكاره آنذاك في طور الحضانة، لكنها لن تلبث أن تنطلق متدفقة كأمواج الشاطىء المتتالية: ‏‏1947 “الظاهرة القرآنية”، 1948 “لبّيْك”، 1949 “شروط النهضة” ‏‎1954‎‏ “وجهة العالم ‏الإسلامي”، هذا دون ذكر مقالاته المنشورة وآثاره غير المنشورة. ‏

ويُمثل كلّ كتابٍ مِن كُتُبِهِ مرحلة من مراحل تطوّر فكره، كما تعكس كل مقالة من مقالاته موقفه مِن ‏أحداث عصره. ولم يكن بن نبي ممّن يهيم في فلسفات واهية، كما لم يكن ممّن ينتقل من مدرسة فكرية ‏إلى أخرى، وكأنّي بِهِ قد فهِمَ كلّ شيءٍ دفعةً واحدةً ثُمّ راح يُقطّرهُ في جرعاتٍ. كان يحدوه في ذلك واجب ‏مُقدّس، وهو خدمة الإسلام والدفاع عن شعبه، والعمل على ظهور الحضارة الإنسانية.‏

لم يَخُصّ المُسلمين بخطابه، بل توجّه به إلى كلّ الضمائر، وقصَدَ به الشعوب والنُّخب على قدم المُساواة. ‏فكان شأنُه مع المسلمين هو شأنُ “طبيب الحضارة” على حدّ تعبير الفيلسوف الألماني نيتشه (5)، وشأنُه ‏مع المشاكل التي يتخبط فيها العالم هو شأنُ صاحب النظرة الاستشرافية الذي لاحتْ له تباشير النزعة ‏العالمية قبل غيره من الناس.‏

وبعد تبرئته من طرف العدالة الفرنسية عاد بن نبي إلى الجزائر في جويلية 1946. وهُنا تذكّرَ أنه تعهّد ‏يوم مغادرته لها في سبتمبر 1939 بألاّ يراها ثانيةً قبل تحرُّرِها. غير أنّ هذا لم يتحقق بكلِّ أسف، ممّا ‏جعله يصف الموقف بهذه الكلمات: ” إنّها تراني مُجدَّداً وهي ليست حُرّة، وأنا فاقِدٌ لِحُرِّيتي… لم أكُنْ ‏ناجياً من الحرب، بل أنا منهزم… فعند خروجي من السجن قبل أسابيع قليلة لمْ يُعيدوا لي حُرِّيتي، بل ‏وضعوني في حالة حُرّية مؤقتة “.‏

لمّا غادر مالك بن نبي الميناء لم يكُن يعرف إلى أين يتّجه. أوْدَعَ أمتعته في مقهى قريب ثُمّ دخل إلى ‏محلّ حلاّقٍ، وهناك عرف أنّ مؤتمر “الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري” كانت أشغاله جارية في ذلك ‏اليوم بمقر نادي الترقّي. فخطر بباله أنه سيلتقي هناك بالدكتور خالدي الذي حلّ في الجزائر قبله ببضعة ‏أسابيع. وللتذكير فإن الدكتور خالدي قضى السنوات الأولى من الحرب العالمية كطبيب مٌقيمٍ في مستشفى ‏للأمراض العقلية، وحصلَ له أنْ أدْخل إلى مُستشفاه بعض اليهود النمساويين مِن أجل إنقاذهم من ‏الألمان، وهذا ما شفع له أثناء اعتقاله بعد الحرب. توجّه بن نبي إلى نادي الترقي والتقى بصديقه فعلاً.‏

وبعد بضعة أيامٍ من الراحة تعرّف خلالها بالدكتور لمين دباغين وعسلة حسين وميموني عبد القادر، ‏توجّه إلى تبسة حيث وجد أسرته في حالةٍ من الفقر المُدْقِع: فأبوه عاطل عن العمل، وأختاه أصبحتا ‏أرملتين ‏‎: ‎‏”وصلْتُ إذاً إلى تبسّة في شهر جويلية 1946 حيثُ وجدْتُ أبي قد خَطَا في الشيخوخة شوطاً ‏بعيداً. وما إنْ رأيته في ملبسه الرديم وبوجهه الكئيب حتى أشرفتُ على الانهيار. فكيف صار أبي، الذي ‏كان في ماضي الأيام يهتم بملبسه، يرتدي تلك الأسمال البالية؟ وكان واضحاً عندي أنّ حالته المادية لم ‏تكن على ما يُرام. لكنني اكتشفْتُ غداة ذلك أنّ حالة الفقر قد بلغت مداها في عائلتي عندما وقعَتْ عيني ‏على فُتات الخبز اليابس التي نشرها أبي كي يحتفظ بها يابسة ويقتات بها لاحِقاً. وما أكثر التفاصيل ‏الأخرى التي كانت تَشِي بالحالة المُزرية التي وصلت إليها عائلتي. والأدهى والأمرّ أنّني كُنتُ في موقف ‏عجز إزاء تلك المأساة، تماماً كما عجزْتٌ عن ترك فلسٍ واحدٍ لزوجتي وأنا أُغادرها قبل بضعة أيام. ‏وكُنتُ أعرف أنني أنا المسؤول غير المباشر عن تلك المأساة التي بدأت فُصولُها منذ سنة 1932 عندما ‏تبنّيْتُ أفكارا مُعادية للاستعمار، ووصلتْ إلى فصلها الأخير الذي هو ماثِلٌ أمام عينيّ”. ‏

تلك هي الظروف التي دفعتْهُ إلى نشر كتابه “الظاهرة القرآنية” ليحصُل على بعض المال، إذ سارع ‏بإتمام تأليفه على عجلٍ، ونَقَلَهُ بخط يده إلى صيغته النهائية ثُمّ أسند مهمة الرقن إلى كاتب يهوديّ. وما إن ‏وصل شهر نوفمبر إلى نهايته حتى كان العمل جاهزاً، فانتقل إلى الجزائر العاصمة على متن قطار رفقة ‏الدكتور خالدي بغية تسليم الكتاب لدار نشر جديدة كان قد أسسها الإخوة ميموني في القصبة، وهي دار ‏النشر “النهضة”. وكان الدكتور خالدي أثناء الرحلة يتصفح بعض الجرائد فإذا به يعثر على إعلان من ‏الحكومة العامة يتضمن “إنشاء جائزة حول الدراسات الخاصة بالإسلام، على أنْ تُسلّم مخطوطة الدراسة ‏في مهلة عشرة أيام”.‏
كاد الدكتور أن يطير فرحا واندهاشاً، ولمّا أَطْلع بن نبي على الإعلان اكتفى بالابتسام وهو يقول: ” لم ‏يحدث مثل هذا منذ أكثر مِن قرن، لكنه يحدث الآن وأنا أهُمُّ بتسليم مخطوطتي للمطبعة. ورحتُ أفكّرُ ‏رغماً عني في ذلك اليهوديّ الذي أمْليتُ له النص لمّا كتبه لي على الآلة الراقنة… صرْتُ أعرف الآن ‏أنّ الضمير الاستعماري في حالة تأهّب، وأنّ ماسينيون الذي فعل كل شيء باسم الله، وباسم فرنسا، ‏وباسم الحضارة مِن أجلِ خنق فكري منذ 1932، كان على علمٍ بِقُرْبِ صدور أول كتابٍ لي”. ‏
(يتبع)
المراجع:‏

‏1)‏ ‏”العامل الجزائري في فرنسا”، “الثورة الافريقية” عدد ال 02 اكتوبر 1965‏

‏2)‏ وحسب ما استفدناه من بن نبي نفسه، فهذه العبارة للدكتور خالدي. فقد أنشأ يقول في مقال عنوانه ‏‏”كيف نبقى في الطريق؟” منشور بتاريخ 23 أفريل 1954 في جريدة ‏La République ‎Algérienne ‎‏ : “إن مهمة جهاز المخابرات ‏psychological-service‏ تتمثل في التفكير ‏لصالح الاستعمار الذي يبقى بلا رأس لولا ذلك الجهاز”.‏‎ ‎
‏3)‏ ب.ستورا‎ B.Stora‏ و ز.داود‎ Z.Daoud ‎‏ المرجع المذكور سابقا
‏4)‏ منشورات النهضة، الجزائر العاصمة 1946‏
‏5)‏ ارجع الى “ميلاد الفلسفة خلال الفترة التراجيدية الاغريقية” منشورات غاليمار، باريس 1938‏

You may also like

Leave a Comment