بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
تخلّى بن نبي عن منصبه الذي شغله بين فيفري و جويلية 1942 في مكاتب حزب دورْيوDoriot عندما طُلِبَ منه أنْ يؤدي اليمين والقرآن بين يديه على الوفاء لجاك دوريو، وقرّر التّوجّه إلى ناحية هانوفرHanovre، في ألمانيا، بحثاً عن العمل. وجد عملاً في مدينة بومليتز Bomlitz بمصنع للصناعة السيلولوزية، فعمِلَ به ثمانية عشر شهراً.
وكان يقضي لياليه في حجرة تابعة لمُعسكر المصنع، و يملؤها بقراءة القرآن والتأمل في آياته. وهو يقول عن ذلك: ” لم أكُنْ أعرف أنني كُنتُ بصدد إعداد العُدّة لـ “الظاهرة القرآنية” . تمّ تعيينه مندوباً عن العُمّال الفرنسيين في بومليتز شهر ديسمبر 1942. وفي منتصف سنة 1943 بدأ قصف قوات الحُلفاء، ممّا اضطرّه إلى مُغادرة ألمانيا والعودة إلى فرنسا في نهاية ديسمبر من نفس السنة، وواصل الاشتغال بأعمال يدوية بسيطة…
ليس مِن السهل على القارئ الذي يقرأ ما كتبه بن نبي عن تلك الفترة بعد عشرين سنة أنْ يُصدّق أنّ الأمر يتعلق بمالك بن نبي نفسه عندما يتكلّم بمنتهى الواقعية عن احوال الطبقة الكادحة في مثل: ” يقول الغزالي إن هناك أشياء تتعلق بالتجارب الروحية لا يمكن نقلها بالكلمات، بل يجب تذوّقها بصفة شخصية. وحالة العامل الجزائري في فرنسا تنتمي إلى هذه الفئة من الأشياء. فهل حصل لك أن قطعتَ المسافة بين الجزائر ومرسيليا على جسر السفينة أو في مكان شحن البضائع؟ وهل حصل لك النزول في محطة السكة بمدينة ليون وأنت لا تعرف كيف سيكون غداك؟ وهل جرى لك أن ذرعْتَ شوارع باريس مشياً بجيوب فارغة لتبحث عن عمل؟ وهل وقفْتَ في طوابير الباحثين عن العمل لساعات طوال؟ وهل اشتغلْتَ بدحرجة البراميل فوق رصيف أو قمت بتفريغ حمولة شاحنة من لبنات البناء التي تأكل بشرة يديك أكلاً؟ وهل عملت ليلاً في مصنع لتخرج في السادسة صباحاً مَثْنيَ الظهر، مُنكسر القامة، مُنهك العضلات، وقميصك ملتصق بجلدك من كثرة العرق؟ إذا حصل لك كل هذا أو بعضُه فأنت تعرف شيئا عن المشكلة” (1). فهذا وصفٌ للأعمال الشاقة يُلخّصُ لنا كل المعاناة الجسدية والمعنوية التي مرّ بها منذ أن وطِئتْ قدماه أرض فرنسا سنة 1925.
وفي الجزائر تظافرَتْ بعض الأحداث لتكتسِحَ اسم بن جلول من الساحة السياسية، وعلا نجم فرحات عباس الذي عاد من الحرب في أوت 1940. أمّا العربي التبسي فقد أوقِف بتهمة التعاون مع العدو وزُجّ به في سجن لامبيز (تازولت حاليا)، بالقرب من باتنة، ثُمّ أُطلِق سراحه عندما تبيّن أن التهم الموجهة إليه، والتي كان يمكن أن تؤدي إلى إعدامه، لم تقتنع بها المحكمة التي حوكِمَ فيها. وكان البشير الإبراهيمي بدوره في السجن الذي لن يُغادره إلاّ في ديسمبر 1942. ومصالي الحاج من جهته حُكِمَ عليه بالأشغال الشاقة لمدة ست عشرة سنة ابتداء من مارس 1941، بالإضافة إلى عشرين سنة من النفي، ثُمّ نُقِلَ إلى برازافيل.
في نوفمبر 1942 كان إنزال الحلفاء في الجزائر. اغتنم لامين دباغين الذي خلف مصالي على رأس ”حزب الشعب” واجتمع بفرحات عباس واقترح عليه تحرير وثيقة باسم كل القوى السياسية (العلماء، حزب الشعب، وحركة الدكتور بن جلول) وإرسالها إلى الحلفاء. في فيفري 1943 أنهى فرحات عباس تحرير “بيان الشعب الجزائري” Le manifeste algérien الذي طُرِحَ على الحلفاء وعلى الحكومة الفرنسية والحكومة المصرية وعلى منظمة الأمم المتحدة. وفي هذه الوثيقة ذكْرٌ للجمهورية الجزائرية، وللدستور، ولحكومة جزائرية… واختفى الإدماج بصفة نهائية.
كان جواب السلطات الفرنسية رفضاً لتلك المطالب جملةً وتفصيلاً. وكرد فعل عن ذلك قام كلّ المُنتخبين الجزائريين بالانسحاب مِن المندوبيات المالية. تمّ اعتقال فرحات عباس وفُرِضتْ عليه الإقامة الجبرية في الجنوب الجزائري بتهمة “الدعوة إلى العصيان في ظروف الحرب”. ولمّا تمّ إطلاق سراحه عملَ على خلق تيار سياسيّ جامِعٍ بعد فشل تجربة الـ UPA، وسمّاه “أصدقاء البيان والحرية”(Amis du Manifeste et de la Liberté- AML) الذي يدعو إلى فيدرالية بين الجزائر وفرنسا. وقد لقي دعم كلّ من العلماء و” حزب الشعب”، لكن بن جلول والشيوعيين بقوا مُتشبثين بالأمل في تحقيق “سياسة الإدماج”.
في جوان 1944 نزل الحلفاء في ناحية نورمانديا التي كان بن نبي مُقيماً فيها، فكانت بداية هزيمة القوات الألمانية. نجا بن نبي بأعجوبة من القصف، ثُمّ عاد إلى دروDreux التي سيُغادرها بعد وقتٍ قصير في اتجاه باريس. و كان قد وصل إلى درجة من اليأس حتى أنه أصبح يتمنّى أن يموت برصاصة طائشة.
ولمّا علِمَ بوقوع مدينة درو بين أيدي الحلفاء انتابه الخوف على زوجته فقرر الالتحاق بها سيراً على قدميه. قطع المسافة بسرعة، واضطُرّ أثناءها إلى قضاء لياليه في الإسطبلات الخاوية على عروشها، وإلى تناول أي شيء لسدّ رمقه. استغرقت تلك الرحلة الشاقة أربعة أيامٍ وثلاث ليالٍ، قطع فيها مسافة 100 كلم تقريباً. ويُعلّق عن ذلك بقوله: ” لِمَ العَجلةُ وأنت مُتّجه إلى مصرعك؟ فذلك هو المصير الذي ينتظرني بلا أي شك. وكل شيء يدلّ عندي على أن روح ماسينيون ستغتنم فرصة “التحرير” كي تقضي عليّ قضاءً مُبرماً… بل إنّ ذلك هو أَملِي الذي أُخفيه لأنّ مَقْتي للحياة بلغ ذروته”.
لمّا وصل إلى درو علِمَ أنّ زوجته قد تمّ اعتقالها، ثُمّ تمّ اعتقالُهُ هو كذلك، وأودِعَ في المُعسكر. ولمّا تمّ استنطاقه بعد أسبوعين كان أول سؤال طُرِح عليه هو”أين كُنتَ في أوت 1934 لمّا حدثت المُظاهرات المُعادية لليهود في قسنطينة؟”. ثُم سُئِل:” لماذا طلبْتَ أن تتولى مهمة إمام في محتشد للمساجين الشمال إفريقيين؟ “. أمّا زوجته فقد سُئِلتْ عن أسباب دخولها إلى الإسلام.
فهِم بن نبي أنّها مَكيدة مِن صُنع “العنكبوت”: “والخلاصة أنّ كُنه الجرم الذي اتُّهِمْتُ به مع زوجتي يكمن في ديننا. لكن الواضح أنّ المختصين في “قضايا المسلمين” كانوا يتمنون أنْ يجدوا ذريعة في ”التعاون”collaboration مع العدو… وكان جهاز المخابرات Psychological service (2) متأكِّداً مِن إيجاد تلك الذريعة خاصة وأنا رجُلٌ تعرّض لكل أنواع الحرمان قبل الحرب، فجاءته فرصة الحرب والاحتلال لكي يأخذ ثأره”. وبعد الاستنطاق نُقِلَ مع زوجته إلى مُحتشد بيتيفيي Pithiviers.
وذات يومٍ نشرت جريدة موريس فيولات “l’Action républicaine” قائمة بأسماء الموقوفين في مدينة درو مع أسباب اعتقالهم. و الغريب أنّ اسم بن نبي وارد في القائمة لكن بدون ذكر سبب الاعتقال. لكن زوجته ذُكِر السبب، وهو “علاقات متواصلة مع ضابط ألماني” والمقصود من ذلك أنها كانت تُقدم له معلومات حول بعض الفرنسيين. وهكذا بقي بن نبي في المحتشد بدون محاكمة لمدة تسعة أشهر.
وكان ذلك المحتشد هو المكان الذي بدأ فيه بكتابة “الظاهرة القرآنية” بالفعل. وسيكون إهداء الكتاب للسيد جورج مارلان Georges Marlin الذي كان معه في المحتشد، والذي كان يُساعده على إرسال ما يكتبه عن طريق زوجته التي تأتي لزيارته. ويتذكّر بن نبي أّنّ رجل الكنيسة الذي يزور المساجين كان يقول لهم: “إخواني المسيحيين، لقد قُتِلَتِ الهتليرية، لكن الإسلام بدأ يرفع رأسه، فلا بُدّ مِن إعدامه هو كذلك”.
ونظراً لانعدام أي دليل يسمح بإدانته هو وزوجته، فقد تمّ إطلاق سراحهما بتاريخ 28 أفريل 1945 بعد أن استُنْفِدت كل الطرق لتبرير التهم المتعلّقة بـ”التعاون مع الألمان وتعذيب الفرنسيين في بومليتز”. وقد زارهما البروفيسور خالدي في لوات كليري، وكان آخر لقاء بهما يعود إلى سنة 1939. وبعد تزويدهما بمبلغ مالي انتقل رفقتهما إلى باريس.
كان فرحات عباس في الجزائر على رأس “أصدقاء البيان والحرية”(Amis du Manifeste et de la Liberté- AML) ، ومعه أحمد بومنجل وأحمد فرنسيس. وقد حققت هذه الحركة نجاحاً كبيراً والتَفّتْ حولها جماهير الجزائريين. يقول بن يامين ستورة Benjamin. Stora و زكية. داود: “كان بومنجل وفرنسيس يُخففان مِن حِدّة خطاب فرحات عباس الذي لم يكن مُتسامحاً إلاّ نادراً، بل كان يتخذ في الغالب مواقف متطرفة”.
بدأت أفكار “حزب الشعب”(PPA) الممنوع تنتشر بين صفوف أصدقاء البيان و الحرية (AML) من الأقرب فالأقرب، والشعب كان على حافة الانفجار. وقد أعلن فرحات عباس في تجمُّعٍ نُظِّمَ في سطيف بتاريخ 02 ماي 1945 قائلاً: “أمام فرنسا خياران: فإمّا أنْ تُبْقي على النظام الأمبريالي، وهي إذْ ذاك ستحتاج إلى الرشاشات والجنود السينغاليين، وإمّا أنْ تُقِرَّ بحق الجزائر في الحكم الذاتي، وهي بذلك ستجد الجزائر صديقة لها” (3).
أُعْلِنَ عن نهاية الحرب العالمية الثانية بتاريخ 08 ماي 1945، وهو اليوم الذي انفجر فيه الغضب الشعبي الجزائريّ في مُظاهرات شملت عدة مدن ومناطق، وواجهتها فرنسا بقمع وحشيٍّ امتدّ على طول عدة أيام. وقد تمّ اعتقال كلٍّ من فرحات عباس وبومنجل والشيخ الإبراهيمي في صبيحة اليوم الأول من تلك الأحداث المأساوية ووُجِّهتْ لهم تهمة “المساس بالسيادة الفرنسية”، كما اعتُقِل العديد من مناضلي ”حزب الشعب”.
كان فرحات عباس في السجن على حافة الانهيار عندما حرّر هذا”العهد السياسيّ”Testament politique الذي جاء فيه: سئمْتُ من السياسة. منذ 25 سنة و انا اناضل بكل جهدي ضد القوى التي تقمعنا. فالقلب يُنهك، ولا بُدّ من ترك المكان لوجوهٍ جديدة… لكنني قبل أن أدخل في التقاعد أودّ أن أقول في الأخير لبلادي أشياء أظنّها بسيطة، لكنها ضرورية… إنّ الذين نصحوك بالثورة قد خدعوك وأهانوا المصائب التي حلّت بك. فبالأمس حرّضوك على فرنسيين بُسطاء ليسوا لك بأعداء. وغداً سيُحرِّضونك ضدّ مُسلمين آخرين، سيُحرّضونك ضدّ الميزابيين، ثُمّ سيُشعلون نار الفتنة بين أهل الجبل وأهل السهول. وستكون العودة إلى التناحر القبَليّ، وسيسترجع الإقطاع العربي كل حقوقه، وسترزحين تحت وطأة امتيازات أخرى وجبايات أخرى، وتعسُّفات أخرى. ستسود الفوضى وتتهيّأ البلاد لاستعمار آخر… كان طموحي الوحيد هو أن أرى، قبل أن أموت، فلاّحنا ينام على سرير بفراش نظيف بعد أن يكون قد تناول عشاءه وقرأ جريدته ”.
وفي تعليقهما على هذا “العهد” يقول ستورا و ز. داود: ” إنّ فرحات عباس في هذا النص الذي يحتل قلب الحدث، إنّما يُناضل من أجل إصلاح الإنسان المسلم. فهو يُندد، وبقدر غير قليل من الشجاعة قياساً بتلك الفترة، بالفوضى العارمة التي يمُرُّ بها العالم الإسلامي الحديث. وهذه المواضيع كلّها نجدها في مؤلّفات مُثقّفٍ جزائريّ آخر، وهو مالك بن نبي… وإذا كان هذا الأخير لا يتفق مع فرحات عباس في كلّ خياراته السياسيّة، فذلك لم يمنعْهُ مِن الكتابة في La République algérienne التي هي جريدة فرحات عباس”.
ولمّا أُطْلِق سراح فرحات عباس في أفريل 1946 أسّس حزب “الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري” (Union démocratique du manifeste algérien-UDMA)، ثُمّ انتُخِبَ نائباً في المجلس التأسيسي. أمّا مصالي فقد استفاد من العفو وعاد إلى الجزائر في شهر أكتوبر وأسّس حزب “حركة انتصار الحريات الديمقراطية”(Mouvement pour le triomphe des libertés-MTLD) في نوفمبر. وستدخل هاتان التشكيلتان السياسيتان في مرحلة مواجهة وصراع على المقاعد الانتخابية. وذلك ما كان يُرضي الإدارة الاستعمارية إلى أبعد حدّ.
وقد تفاجأ مناضلو “حزب الشعب” لمّا رأوا رئيسهم مصالي الحاج يُقْلِعُ عن سياسة المُقاطعة، وصار يُحبِّذ إشراك حزبه في انتخاب المجلس الوطني الفرنسي في نوفمبر 1946. وهذا الموقف يعني العودة إلى “الشرعية”. وكان ردّ فعل حزب فرحات عباس هو اتخاذ قرار بعدم تقديم أيّ مُرشح تفادياً لمُزاحمة مُرشحي “حزب الشعب”. لكن إدارة ولاية الجزائر(préfecture) رفضت ترشّح مصالي الحاج. وأسفرتْ الانتخابات عن نيل “حزب الشعب” لخمسة (5) مقاعد مِن أصل خمسة عشر (15)، وعادت ثمانية مقاعد للمرشحين المستفيدين من دعم الإدارة، ومقعدان للحزب الشيوعيّ الجزائريّ. وكان لمين دباغين ومحمد خيدر من بين مُنتخبي “حزب الشعب”.
وغداة مجازر الثامن ماي 45 استُدْعِيَ بن نبي ليُستنطق من طرف الشرطة. ومن بين الأسئلة التي وُجِّهتْ له: “هل تعرف مصالي؟ وما رأيك فيه؟”. أما خالدي فقد اعتُقِلَ بسبب كتاب “المسألة الجزائرية أمام الضمير الديمقراطي” (4) الذي ألّفه وأرسلَ بنُسخٍ منه إلى البرلمانيين الفرنسيين وإلى صحفيين أجانب. وكانت مُقدّمة الكتاب بقلم صالح بن ساعي. وظهرت طبعته الثانية سنة 1965 بمقدمة جديدة حررها الدكتور خالدي، وهو يقول فيها: “كُنتُ أظنّ أنّي أوقظ بعض الضمائر الجامدة، لكنني لمْ أنلْ إلاّ إيقاظ شرطةٍ لا تنام إلاّ بعينٍ واحدة عندما يكون الأمر مُتعلّقاً بشؤون “الأنديجان” التابعين للأمبراطورية”. وقد سُجن الدكتور خالدي لمدة شهرين في أحد السجون الباريسية.
تعرّضتْ زوجة بن نبي للاعتقال مُجدّداً وأودِعتْ في سجن شارترِ Chartres. ثُمّ علِم أنه، هو كذلك، مطلوب من المصالح الأمنية. فبادر بالذهاب إلى شارتر واختار السجن طواعيةً. وقضى مدة ثمانية أشهر في سجن تلك المدينة. فلقد عادتْ مصالح الأمن إلى البحث في ماضيه عن أية ذريعة لإدانته، ومُحاولة اصطناع تُهمٍ واهية. ورغم استدعاء كل الفرنسيين الذين كانوا معه في بومليتز وضواحيها، فإنّها لم تجد أيّ دليل كافٍ لإدانته.
ونظراً لعجز بن نبي عن توكيل مُحامٍ للدفاع عنه، فقد عيّنت المحكمة مُحاميا مُكلّفاً بدفعه إلى ”الاعتراف”. لكنهم في الأخير وجدوا أنفسهم مُضطرّين لإطلاق سراحه لعدم توفر أي دليل ضده. وممّا جاء على لسان القاضي عندما رفض التهمة الموجهة إليه: “كُلّما طلبْنا الاستشهاد بأحداث مُحدّدة لإثبات التهمة لا يُزوِّدُنا الطرف المُدّعي بشيء. إنني أرى أن الأمر يتعلّق بشكوك أرادت الشرطة أنْ تُورِّطَ بها بن نبي”. والحصيلة أنّ بن نبي خسر سبعة عشر شهراً من حياته بغير حقّ.
وبديهيّ أنّ الإنسان الخارج من السجن يكون في حالة انهيار وانكسار و تلاشٍ. وقد كاد بن نبي أن يكون كذلك لولا تلك القوة الروحية والأخلاقية والفكرية التي ثبّتتْه ومكّنتْهُ من التّجدُّدِ والمحافظة على قوته لتوظيفها في أداء الرسالة التي قُدّر له أن يكون صاحبَها، وتلك الرسالة هي: بناء فكر وحيد من نوعه في العالم الإسلامي الحديث. فرغم ما مرّ به مِن ضيق وتثبيط للعزائم، ورغم الضغوط التي لا يقوى على تحمّلها إلاّ الرجال الذين وُلِدوا ليخلدوا، فبن نبي بقي ثابتاً على الطريق التي ستقوده إلى مصاف الكبار، وذلك بفضل قدرته الخارقة على التحليل، والتي سينفتح لها ـ عمّا قليلٍ ـ مجال الظهور في أبهى صُوَرِها.
لقد تمكن بن نبي بفضل تكوينه التقني وثقافته الشاسعة وتجاربه المتعددة، أنْ يخرج منتصراً من كلّ النوائب التي نزلتْ في ساحته. والمؤكد أنّ عقله لم يزدد بعد تلك النوائب إلاّ تنظيماً ومنهجيةً، وهو يُحلّقُ على جناحي نفسٍ قوية تخترق الأجواء ولا تنثني أمام أية خيبة. ذلك أنّ المُعاناة التي تكبّدها لم تنقص من كفاءاته، رغم أنّ ذلك هو المسعى الوحيد الذي عمل جهاز الـمخابرات (psychological service )على تحقيقه للقضاء على فيلسوفنا. وسواء أكان بإزاء وضعيات تتيح له اتخاذ موقف يقينيّ، أم كان بإزاء زوابع تُشوِّش رؤيته، فإنه في هذه وتلك يحتفظ على توازنه ويبقى في خط السير الذي يؤمن به، وَسَنَدُهُ القويّ في ذلك هو إيمانه، ثُمّ فكرُهُ، فكره الذي يقيه من الخطإ باعتباره نظاماً، ويُوجّهه للتكيف مع المُتغيرات باعتباره بوصلة.
كانت أفكاره آنذاك في طور الحضانة، لكنها لن تلبث أن تنطلق متدفقة كأمواج الشاطىء المتتالية: 1947 “الظاهرة القرآنية”، 1948 “لبّيْك”، 1949 “شروط النهضة” 1954 “وجهة العالم الإسلامي”، هذا دون ذكر مقالاته المنشورة وآثاره غير المنشورة.
ويُمثل كلّ كتابٍ مِن كُتُبِهِ مرحلة من مراحل تطوّر فكره، كما تعكس كل مقالة من مقالاته موقفه مِن أحداث عصره. ولم يكن بن نبي ممّن يهيم في فلسفات واهية، كما لم يكن ممّن ينتقل من مدرسة فكرية إلى أخرى، وكأنّي بِهِ قد فهِمَ كلّ شيءٍ دفعةً واحدةً ثُمّ راح يُقطّرهُ في جرعاتٍ. كان يحدوه في ذلك واجب مُقدّس، وهو خدمة الإسلام والدفاع عن شعبه، والعمل على ظهور الحضارة الإنسانية.
لم يَخُصّ المُسلمين بخطابه، بل توجّه به إلى كلّ الضمائر، وقصَدَ به الشعوب والنُّخب على قدم المُساواة. فكان شأنُه مع المسلمين هو شأنُ “طبيب الحضارة” على حدّ تعبير الفيلسوف الألماني نيتشه (5)، وشأنُه مع المشاكل التي يتخبط فيها العالم هو شأنُ صاحب النظرة الاستشرافية الذي لاحتْ له تباشير النزعة العالمية قبل غيره من الناس.
وبعد تبرئته من طرف العدالة الفرنسية عاد بن نبي إلى الجزائر في جويلية 1946. وهُنا تذكّرَ أنه تعهّد يوم مغادرته لها في سبتمبر 1939 بألاّ يراها ثانيةً قبل تحرُّرِها. غير أنّ هذا لم يتحقق بكلِّ أسف، ممّا جعله يصف الموقف بهذه الكلمات: ” إنّها تراني مُجدَّداً وهي ليست حُرّة، وأنا فاقِدٌ لِحُرِّيتي… لم أكُنْ ناجياً من الحرب، بل أنا منهزم… فعند خروجي من السجن قبل أسابيع قليلة لمْ يُعيدوا لي حُرِّيتي، بل وضعوني في حالة حُرّية مؤقتة “.
لمّا غادر مالك بن نبي الميناء لم يكُن يعرف إلى أين يتّجه. أوْدَعَ أمتعته في مقهى قريب ثُمّ دخل إلى محلّ حلاّقٍ، وهناك عرف أنّ مؤتمر “الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري” كانت أشغاله جارية في ذلك اليوم بمقر نادي الترقّي. فخطر بباله أنه سيلتقي هناك بالدكتور خالدي الذي حلّ في الجزائر قبله ببضعة أسابيع. وللتذكير فإن الدكتور خالدي قضى السنوات الأولى من الحرب العالمية كطبيب مٌقيمٍ في مستشفى للأمراض العقلية، وحصلَ له أنْ أدْخل إلى مُستشفاه بعض اليهود النمساويين مِن أجل إنقاذهم من الألمان، وهذا ما شفع له أثناء اعتقاله بعد الحرب. توجّه بن نبي إلى نادي الترقي والتقى بصديقه فعلاً.
وبعد بضعة أيامٍ من الراحة تعرّف خلالها بالدكتور لمين دباغين وعسلة حسين وميموني عبد القادر، توجّه إلى تبسة حيث وجد أسرته في حالةٍ من الفقر المُدْقِع: فأبوه عاطل عن العمل، وأختاه أصبحتا أرملتين : ”وصلْتُ إذاً إلى تبسّة في شهر جويلية 1946 حيثُ وجدْتُ أبي قد خَطَا في الشيخوخة شوطاً بعيداً. وما إنْ رأيته في ملبسه الرديم وبوجهه الكئيب حتى أشرفتُ على الانهيار. فكيف صار أبي، الذي كان في ماضي الأيام يهتم بملبسه، يرتدي تلك الأسمال البالية؟ وكان واضحاً عندي أنّ حالته المادية لم تكن على ما يُرام. لكنني اكتشفْتُ غداة ذلك أنّ حالة الفقر قد بلغت مداها في عائلتي عندما وقعَتْ عيني على فُتات الخبز اليابس التي نشرها أبي كي يحتفظ بها يابسة ويقتات بها لاحِقاً. وما أكثر التفاصيل الأخرى التي كانت تَشِي بالحالة المُزرية التي وصلت إليها عائلتي. والأدهى والأمرّ أنّني كُنتُ في موقف عجز إزاء تلك المأساة، تماماً كما عجزْتٌ عن ترك فلسٍ واحدٍ لزوجتي وأنا أُغادرها قبل بضعة أيام. وكُنتُ أعرف أنني أنا المسؤول غير المباشر عن تلك المأساة التي بدأت فُصولُها منذ سنة 1932 عندما تبنّيْتُ أفكارا مُعادية للاستعمار، ووصلتْ إلى فصلها الأخير الذي هو ماثِلٌ أمام عينيّ”.
تلك هي الظروف التي دفعتْهُ إلى نشر كتابه “الظاهرة القرآنية” ليحصُل على بعض المال، إذ سارع بإتمام تأليفه على عجلٍ، ونَقَلَهُ بخط يده إلى صيغته النهائية ثُمّ أسند مهمة الرقن إلى كاتب يهوديّ. وما إن وصل شهر نوفمبر إلى نهايته حتى كان العمل جاهزاً، فانتقل إلى الجزائر العاصمة على متن قطار رفقة الدكتور خالدي بغية تسليم الكتاب لدار نشر جديدة كان قد أسسها الإخوة ميموني في القصبة، وهي دار النشر “النهضة”. وكان الدكتور خالدي أثناء الرحلة يتصفح بعض الجرائد فإذا به يعثر على إعلان من الحكومة العامة يتضمن “إنشاء جائزة حول الدراسات الخاصة بالإسلام، على أنْ تُسلّم مخطوطة الدراسة في مهلة عشرة أيام”.
كاد الدكتور أن يطير فرحا واندهاشاً، ولمّا أَطْلع بن نبي على الإعلان اكتفى بالابتسام وهو يقول: ” لم يحدث مثل هذا منذ أكثر مِن قرن، لكنه يحدث الآن وأنا أهُمُّ بتسليم مخطوطتي للمطبعة. ورحتُ أفكّرُ رغماً عني في ذلك اليهوديّ الذي أمْليتُ له النص لمّا كتبه لي على الآلة الراقنة… صرْتُ أعرف الآن أنّ الضمير الاستعماري في حالة تأهّب، وأنّ ماسينيون الذي فعل كل شيء باسم الله، وباسم فرنسا، وباسم الحضارة مِن أجلِ خنق فكري منذ 1932، كان على علمٍ بِقُرْبِ صدور أول كتابٍ لي”.
(يتبع)
المراجع:
1) ”العامل الجزائري في فرنسا”، “الثورة الافريقية” عدد ال 02 اكتوبر 1965
2) وحسب ما استفدناه من بن نبي نفسه، فهذه العبارة للدكتور خالدي. فقد أنشأ يقول في مقال عنوانه ”كيف نبقى في الطريق؟” منشور بتاريخ 23 أفريل 1954 في جريدة La République Algérienne : “إن مهمة جهاز المخابرات psychological-service تتمثل في التفكير لصالح الاستعمار الذي يبقى بلا رأس لولا ذلك الجهاز”.
3) ب.ستورا B.Stora و ز.داود Z.Daoud المرجع المذكور سابقا
4) منشورات النهضة، الجزائر العاصمة 1946
5) ارجع الى “ميلاد الفلسفة خلال الفترة التراجيدية الاغريقية” منشورات غاليمار، باريس 1938
