“وَهَذَا أَيْضاً مَا يُعْلِنُهُ السَّيِّدُ الرَّبُّ لأَنَّ الْفِلِسْطِينِيِّينَ قَدْ أَقْدَمُوا عَلَى الانْتِقَامِ وَأَفْرَطُوا فِيهِ بِكُلِّ لُؤْمِ قُلُوبِهِمْ، عَامِدِينَ إِلَى الْخَرَابِ بِسَبَبِ عَدَاوَةٍ أَبَدِيَّةٍ، هَا أَنَا أُعَاقِبُ الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَأَسْتَأْصِلُ الْكَرِيتِيِّينَ (اسم قبيلة فلسطينية)، وَأُبِيدُ بَقِيَّةَ سُكَّانِ سَاحِلِ الْبَحْرِ(غزة)، وَأُنَفِّذُ فِيهِمِ انْتِقَامِي الْعَظِيمَ بِتَأْدِيبٍ مُفْعَمٍ بِالسَّخَطِ، فَيُدْرِكُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ، إِذْ أَصُبُّ نِقْمَتِي عَلَيْهِمْ” (الكتاب المقدس، سفر حزقيال الجزء 25 الأيات من 15 إلى 17).
لقد مر خمسة وعشرون قرنا منذ كتابة هذه السطور في الكتاب المقدس التي تشهد على التزام إله إسرائيل بإبادة سكان غزة، ومع ذلك ما زالوا هناك بأعداد أكبر، مؤمنين بالله، و يدافعون بنفس التصميم الذي كانوا يدافعون به قبل ألفيتين ونصف عن الأرض التي سكنوها قبل وصول اليهود.
هل نتنياهو، وهو رجل القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد كما سنرى وليس القرن الحادي والعشرين ميلادي، ينوي النجاح حيث لم تنجح “قوة الرب”، أي يطبق على الفلسطينيين “الحل النهائي” كما فكر هتلر لتخليص أوروبا من الوجود اليهودي؟ لنا ان نشك في ذلك…
تمثل الصهيونية بالنسبة لليهودية ما تمثله الإسلاموية بالنسبة للإسلام: حرفية و تحريف… ما الذي يسمح لي بطرح هذه المقاربة؟ في 2 فيفري 1972، نشرت في جريدة جزائرية (المجاهد) مقالا عرض كتابا كان صدر لتوه في فرنسا عن دار النشر Cujas (إيمانويل ليفين، “اليهودية ضد الصهيونية”)، وفي عام 2006، أصدرت كتابا بعنوان “الإسلام بدون الإسلاموية” عن دار النشر سمر بالجزائر العاصمة. كانا وافيين كافيين في عرض الموضوع الذي سأعود إليه في مقال لاحق.
ظهر نتنياهو بوجه مهزوم وقال بلهجة كئيبة مساء السابع أكتوبر :”إما نحن أو هم!” معبراً عن رغبته الحازمة في التخلص من الفلسطينيين “مهما كلف الثمن” ومهما كان موقف باقي العالم.
اقترح بعدها بأيام قلائل أحد وزراء حكومته (المسؤول عن «التراث اليهودي»!) أمام الكنيست إحدى الطرق لتحقيق ذلك بشكل جذري: “إطلاق قنبلة ذرية على غزة!” ليتم فصله على الفور من منصبه، ربما لأنه خان سراً أكثر من كونه قال بصوت عالٍ ما يفكر فيه خفية ائتلاف اليمين المتطرف في السلطة، والذي لم يرى أبدا حلاً لـ “القضية الفلسطينية” سوى بالقضاء عليها.
سارع نتنياهو في أعقاب ذلك إلى الكشف عن نيته في السيطرة الكاملة على غزة، حيث جار القضاء على قسم من سكانها، والقسم الآخر في طور الترحيل إلى أقصى مدى باتجاه الجنوب، في عمق سيناء. و كأنه تهجير لفلسطينيين و تشتيتهم بين الأمم، على عكس نزوح اليهود نحو “أرض الميعاد” التي كانت عامرة بالفلسطينين من قبل.
الى عشية السابع اكتوبر، كانت الصهيونية كما يجسدها نتنياهو واليمين الديني المتطرف من حوله تفتقر إلى الفرصة السانحة والذريعة الجديرة بمشروع “الحل النهائي” للمضي الى تنفيذه في الميدان مع تيقنهم من دعم غير مشروط من الدول الغربية، القادة وليس الشعوب.
لم تجتمع هذه الفرصة وهذه الذريعة بالشكل الذي يرضيهم، فكان عليهم تدبيرهما مثلا عبر تسهيل هجوم خطط له الخصم وتفطنت له أجهزة المخابرات و تغاضى عنه نتنياهو لعدم تقديره للعواقب، لكنه حصل عليهما لتبرير الرد المروع و تنفيد “الحل النهائي ” المخطط له مسبقا.
تهدف هذه المقاربة التي أطرحها هنا، إلى إيجاد المعنى والمنطق في مجموعة من الأحداث المتباينة التي وقعت على ما يبدو بالصدفة على مدى السنتين الماضيتين، ولكنها في الواقع مترابطة يمهد أحدها الطريق للآخر.
كانت البداية من الاستفزازات التي لا يمكن تفسيرها ضد الفلسطينيين التي قادها الوزير المشاغب إيتمار بن غفير (وزير “الأمن الداخلي”!) على رأس مجموعات من المستوطنين والمتطرفين الدينيين (مصادرة أو تدمير منازل، انتهاك الأماكن المقدسة، عنف الشرطة ضد النساء داخل المساجد… الخ).
و كأنهم أرادوا أن يدفعوهم إلى أقصى درجات التحمل، أن يحرضوهم على الانتفاضة، على الانتقام، على عمل عسكري كبير يبرر المحرقة المعدة لهم، للتخلص منهم بقتل أكبر عدد ممكن منهم على الفور وتشتيت الباقين إلى الدول المجاورة.
في خضم ذلك، اندلعت المظاهرات ضد “الإصلاح القضائي” الذي تلاعب فيه نتنياهو محاولا فرضه، والتي صارت من حيث حجمها ومدتها مصدر قلق شديد له، و هو الذي أفلت عدة مرات من متابعات حول الفساد، بافتعال “حالات الطوارئ”.
لحظتها، تقاطعت مصالحه الشخصية مع المصالح السياسية والأيديولوجية للائتلاف الذي يقوده. حقا، ما الأفضل من “حرب ضد الإرهاب” لفض المظاهرات و إرسال متظاهرين للقتال في الجبهة، وصرف انتباه البلاد عن قضايا الفساد وبقائه في السلطة الى نهاية الحرب؟ حرب قد تؤدي إلى حرب عالمية يستفيد منها لأنه يفكر على هذا النحو: “أشعل النار في العالم” ليضرب عصفورين بحجر واحد: يبيد الفلسطينيين، ويسجل له التاريخ على أنه الشخص الذي انتقم لضحايا المحرقة والمبعدين من خلال معاقبة الإنسانية التي سمحت بذلك.
عندما نعيد عرض فيلم أحداث السابع أكتوبر، من الصعب أن نعترف بأن دخول الأراضي الإسرائيلية لم يتطلب سوى القليل جدًا: جرافة مستأجرة لخرق سياج بسيط، فتحت الطريق أمام الدراجات البخارية. كان من الصعب أن نصدق المشهد المذهل الذي قدم لنا ذلك اليوم، في حين أن العقل يمنعنا من الاعتقاد بأن جميع أنظمة المراقبة المحيطة بغزة قد تم تحييدها بالكامل وبسهولة.
لذلك، نفهم لماذا “لم يتوقع أحد أي شيء قادم” في 7 أكتوبر، ولماذا تشاجر نتنياهو وقادته الامنيين و العسكريين علناً لأول مرة حول مسؤولية بعضهم البعض عن الأحداث. في اليوم التالي، اقرّ نتنياهو بأن الأجهزة الأمنية حذرته بالفعل من أن “شيئا مهما يجري التحضير له في الجهة المقابلة”، بعد أن اتهمها في اليوم السابق بالعكس. طرحت بعدها العديد من الاستفهامات لم يستعجل اجابتها خوفا من أن يكتشف العالم التلاعب خلف هذا الأمر، و هو الذي كان يظن انه سيتحكم فيه.
أليس لهذا السبب يكرر نتنياهو أن هذه الحرب ستكون طويلة ومكلفة ويصر على مواصلة القصف البري والبحري والجوي على غزة مجازفاً بالتضحية بالرهائن؟ أليس لديه ما يخافه من عودتهم؟ أشياء تعلموها من الفلسطينيين أثناء اعتقالهم؟
من المتأمل أن تهتم التحقيقات المستقبلية من الجانب الإسرائيلي بهذه الفرضيات وهذه المسارات والأسئلة الكثيرة التي لا تزال دون إجابة، وأن تبحث في المصادفات بين الأحداث المأساوية التي تجري حاليا وحسابات الرجل الغامضة، الذي يبدو أنه جاء إلى العالم فقط ليقضي على أي إمكانية للتعايش بين الإسرائيليين والفلسطينيين في مهدها. ما لم يتحججوا بأنه “سر من أسرار الدولة”.
أود أن أقترح قراءة هذه السطور المأخوذة من مقال نشرته منذ ما يزيد عن أحد عشر عامًا والذي يمكن الرجوع إليه بالكامل على صفحتي على الفيسبوك:
“أثناء لقاء بين أوباما و الوزير الأول الإسرائيلي بن يامين نتانياهو في مارس 2012، أهدى هذا الأخير، و الذي جاء ليطلب طائرات للتزود بالوقود الجوي و ذخائر خاصة، متعلقة بالتحضيرات لهجوم على ايران، للرئيس الأمريكي قبل أن يفترقا هدية غير منتظرة ولكنها معبرة، إنها جزء من الكتاب المقدس، وهو سفر أستير “Livre d’Esther ” على اسم امرأة يهودية من سبط بن يامين، والتي كانت في القرن الخامس قبل الميلاد زوجة لملك الفرس “أوسيريس” Assuérus الذي لم يكن على علم بديانتها، والتي تمكنت من إنقاذ اليهود من هلاك محتمل، وأثناء تسليمه للكتاب قال نتانياهو لأوباما ” هو أيضا كان يريد إبادتنا”. وكأنه يتحدث عن إرهابي محل بحث منذ…25 قرنا.
لا ندري من هو المقصود بالذات لأن وحسب سفر أستير نفسه، فإنه الوزير الأول هامان Haman وليس الملك الذي يمكن ان يكون مدبر هذه المؤامرة، والذي أعدم لمجرد تصوره لهذه الفكرة، وهذا بعدما كشفت أستير أمره إلى الملك أوسيريس، وتحت تأثير أستير أصدر الملك مرسوما ينص على: ” السماح لليهود مهما كانت المدينة التي يقطنون فيها، بالتجمع والدفاع عن أنفسهم، وهذا بإبادة وقتل كل الجماعات المسلحة لفئة أو اقليم ما، التي يمكنها الإعتداء عليهم، بما فيهم الأطفال الصغار و النساء، والاستيلاء على ممتلكاتهم.”
و يسترسل كتاب أستير:” كثيرا من أعضاء الفئات الأخرى من سكان البلد ادعوا بأنهم يهود لشدة خوفهم منهم، وجاء دور اليهود للسيطرة على كل الذين يبغضونهم، كانوا يتجمعون في مدنهم، وكل مقاطعات الملك أسيريس، وهذا للتعاون فيما بينهم ضد كل الذين يريدون إيذائهم. ولم يتجرأ أحد على مقاومتهم لخوف الفئات الأخرى منهم. زيادة على ذلك فإن زعماء المقاطعات بما فيهم المزربان (كلمة فارسية تعني حاكم الإقليم وتقابلها بالفرنسية كلمة: satrapes ) الحكام والموظفون كانوا ينتصرون لليهود…، وهؤلاء ضربوا أعناق الكل وأبادوهم، وكانوا يتصرفون كما يحلوا لهم مع الذين يبغضونهم….”
هذا في رد انتقامي لكل تهديد لم يصل إلى درجة التنفيذ تماما كما كان حال الملف النووي الإيراني. ولا يسعنا، ونحن نقرأ هذه السطور، إلا أن نفكر من جهة بالفلسطينيين، ومن جهة أخرى بالقوى الغربية التي تدعم إسرائيل رغم انتهاكاتها التي لا تعد ولا تحصى لحقوق الإنسان والقانون الدولي منذ عام 1948.
المؤرخون لم يجدوا أي رواية لهذا السرد الموصوف “بالقصة التاريخية” مع التاريخ المحقق للإمبراطورية الفارسية. لكن هذا ليس الأهم، المهم هو أن الإسرائيليون يؤمنون بهذه “الحادثة” ويطبقونها كفرض ديني. لا يجب النظر إلى هدية نتنياهو على أنها دعابة أو إستفزاز لكن هي مجرد دليل على عقيدة إيمانية وهي أن إسرائيل لا تنصت إلا إلى صوت تاريخها ولا تؤمن إلا بكتبها المقدسة سواء كانت مثبتة علميا وتاريخيا أم لا. و الامتثال للقوانين الإنسانية وإلى القانون الدولي يأتي في المرتبة الثانية، وهذا بشرط أن تخدم مصلحتها“ (الثقافة الثيوقراطية والقنبلة الذرية” المنشورة في “لو سوار دالجيري” بتاريخ 22 أبريل 2012).
وأخيرا، دعونا نتذكر أن المحكمة الجنائية الدولية اتهمت الرئيس بوتين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وأصدرت بحقه مذكرة اعتقال دولية بسبب سقوط عدد أقل من الضحايا المدنيين في أوكرانيا بمئة مرة في نفس الفترة الزمنية. من يجرؤ على القيام بذلك ضد نتنياهو وجنرالاته؟
