بقلم نورالدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
التقى بن نبي بصالح بن ساعي الذي لم يره منذ سنة 1937، والذي صار مديراً لشركة “أمل” (AMAL) التي كانت أول تشكيلة اقتصادية إسلامية ذات أهمية ترى النور في الجزائر بمبادرة من بعض الأعيان في عالَمِ الأعمال، من أمثال: خطاب، طيار، وعباس تركي. وسيكون صالح بن ساعي صاحب أهم دورٍ في نشر كتاب “الظاهرة القرآنية” الذي جاء بالإهداء الآتي:
- إلى أبي الذي قدّم خمس عشرة سنة من عمره ثمناً لأسلوب تفكيري.
- إلى المرحومة أمِّي المسكينة التي ماتت وهي راضية عنّي.
- لصديقي العزيز وأستاذي محمد بن ساعي والذي أريد أنْ أُعْلِيَ شأنهُ لأنّ حياة المصالح الضارية والرداءة الطموحة سعتْ إلى طمسه… كما طمستْ غيره.
- إلى السيد جورج مارلان Georges Marlin، ذلك الفلاح الفرنسي الشريف الذي بيّن لي أنّ لكل إنسان إخوةٌ وأعداء عند جميع الشعوب والأجناس.
وبالإضافة إلى هذا الإهداء الذي لن يرِدَ في الطبعات اللاّحقة، رسمٌ لصورة مالك بن نبي في الصفحة الخارجية أنجزته السيدة ر. بن تامي (صاحبة الجائزة الفنية الكبرى في شمال إفريقيا).
وقد يتوهّم القارئ عند قراءة اسم بن ساعي (محمد بدلاً من حمودة) أنّ هناك خطأ. والحقيقة أنّ محمد هو الاسم الحقيقي لبن ساعي، أمّا حمودة فهو اسم إضافي. وتلك ظاهرة شائعة في الجزائر، إذ لا يُعرف مالك بن نبي في أسرته وعند مٌرّبيه إلاّ باسم “صدّيق”، والدكتور خالدي كان يُدعى “عزوز”. وقد أخذ هذا الأخير نسخة من الكتاب ليُقدّمها للشيخ دراز الذي عرفه بن نبي سنة 1936، والذي كان في تلك الأثناء أستاذا في جامعة الأزهر، لكي يطلب منه تحرير المٌقدمة.
في شهر ديسمبر سافر بن نبي بنفسه إلى باريس حيثُ وجد ماسينيون في دار الكيمياء، وكان جالساً إلى طاولة في ركن من أركان القاعة رفقة الشيخ دراز. وحين توجه بن نبي إلى الطاولة قام ماسينيون من مكانه وغادر المكان فجأةً دون أن يلتفت ودون أن ينطق بكلمة واحدة… لم يفهم ذلك العالِم المصريّ شيئاً فيما شاهده وبقي مشدوهاً. أمّا بن نبي فشرع في فك خيوط هذا اللغز.
مكث عند زوجته إلى غاية شهر فيفري 1947 ثُمّ عاد إلى الجزائر لِيعْلم أنّ موظفين من الحكومة العامة زاروا المطبعة عدة مرات ليطّلعوا على محتويات الكتاب الذي صدر في آخر هذا الشهر. أمّا المقدمة فكانت مؤرخة في 5 ديسمبر 1946. وكان بن نبي قد حرّر الصفحات الأخيرة في القطار وهو متوجه إلى الجزائر العاصمة، وذلك هو السر في أنّ القارئ يُحسّ بنوعٍ من التسرع والارتجال في آخر الكتاب. أمّا الخاتمة التي لا شك في أنها جاءت جميلة، فقد أوجِزتْ في بضعة أسطر: “يظهر الدين على ضوء القرآن كظاهرة كونية مُسيّرة لفكر الإنسان وحضارته كما تُسيِّرُ الجاذبيةُ المادة وتتحكم في تطورها. وهكذا يظهر أن الدين مطبوع في النظام الكوني مثل القانون الخاص بالعقل الذي يدور في مدارات مختلفة، منذ مدار الإسلام الوحدويّ إلى مدار أكثر الأديان إغراقاً في الوثنية، وحول مركز ثابت، مُشِعٍّ على الدوام، ومُبهمٍ إلى الأبد”.
كتاب “الظاهرة القُرآنية”
حرص بن نبي على إعلامِ القارئ بأنّ هذا الكتاب ليس إلاّ اشارة إلى أعمال لاحقة تتطلب معرفة لغوية مُعمَّقة ومعرفة أثرية (archéologiques) واسعة كي يتسنّى ” تتبّع آثار مشكلة الكتابات المُقدّسة منذ ظهور السبعينيات (Septantes) والفولجات (la Vulgate) والوثائق الماسورية والسريانية والآرامية”. وأشار في كلمة موجزة إلى الظروف التي أحاطت بتأليف الكتاب مُلفِتاً الانتباه إلى أنّ هذا العمل هو كتابة ثانية لنسخة أصلية ألّفها سابقاً لكنها اندثرت في ظروف لم يذكرْها الكاتب بدقة: “نعتقد أنّنا أنقذنا الأهمّ، والأهمّ هو الحرص على إعطاء منهجية تحليلية في دراسة الظاهرة القرآنية”، ثُمّ يُبيِّن الهدفين اللّذين أراد تحقيقهما بعمله: “إتاحة فرصة للشباب الجزائري كي ينظروا في الدين بتأمُّل مِن جهة، ومِن جهةٍ ثانية اقتراح إصلاحٍ مناسبٍ مستوحى من التفسير الكلاسيكي”.
ويُعدُّ كتاب “الظاهرة القرآنية” مِن أضخم كتب بن نبي مع كتاب “النزعة الأفروآسيوية”. وهو يتكوّن من مُقِّدمة وأحد عشر قسماً بهذه العناوين: (الظاهرة الدينية، حركة النبوّة، أصول الإسلام، الرسول، طريقة الوحي، الاقتناع الشخصي عند النبي، وضعية (الأنا) المحمدية في ظاهرة الوحي، مفهوم المحمدية، الرسالة، الخصائص الظاهراتية للوحي، ومفاهيم قرآنية هامّة).
وبديهيّ أنّ البنّاء يبدأ بناءه من الأسس. وتلك الأسس هي الخلفية الفكرية والعقَدية والأفكار التي سيتأسس عليها البناء البنّبي. فكان عليه إذاً أنْ يُثْبِت صحة تلك الأسس بوضعها على مِحكّ التشكيك الذي يُميِّز المذهب العلمي scientisme، وفي مُواجهة الروح العدوانية التي تُميِّز تيار الإلحاد. ولقد عمِل الكاتب على طرح هذا الشرط المسبق طرحاً منهجياًّ: إثبات لَدُنِّية رسالة القرآن، ثُمّ البرهنة على أنّ النبيّ مُحمّداً لم يكُنْ طرفاً في تأليف سُوَرِها وآياتها.
تنبّه بن نبي خلال الأعوام التي قضاها في الحي اللاتيني، والتي كانت له فيها اتصالات بـالعلماء المشارقة والطلبة العرب، إلى أنهم عُرضة للتأثّر بالمستشرقين. و في ذلك يقول: ” إنّ النهضة العربية تصلُ إليها كل الأفكار التقنية وليدة الثقافة الغربية… و العديد من الشبان المسلمين يأخذون تكوينهم الديني، بل وحتى عاطفتهم الروحية أحياناً، مِن كتابات المختصّين الأوروبيين”. فنظراً لعجز المسلمين عن إعادة صياغة فكرهم في العصر الحديث، وجدوا أنفسهم تحت تأثير مدارس المستشرقين، وخاصة منها الفرنسية و الأنجليزية، وهي مدارس تسعى إلى تحقيق مآرب لا تُقيم للنزاهة وزناً في جميع الأحوال.
كان بن نبي يرى أنّ أغلب هؤلاء المختصين الأوروبيين ليسوا إلاّ “مُكلّفين بمهام” إرادياًّ أو لا إرادياًّ، وهُم في خدمة إبعاد النُّخَبِ المُسلمة عن الإسلام عندما تأتي لتُتابع دراساتها في أوروبا: ” إنّ العمل الذي أنجزه هؤلاء المستشرقين قد بلغ مِن الإشعاع أكثر مما نتصوّر، ويكفينا دليلاً على ذلك أنّ الأكاديمية المَلَكيّة المصرية تضمّ عالماً فرنسيا بين أعضائها”. ولم يذكر بن نبي اسم هذا العالم، لكن الواضح أنه يقصد ماسينيون Louis Massignon.
والواقع أنّ الأكاديمية المَلَكية للغة العربية في القاهرة أُسّستْ من طرف الملك فؤاد (1868-1936)، وكانت في سنة 1932 تتكون من عشرين عضواً دائماً، عشرة منهم مصريون، وخمسة عرب مِن غير المصريين، وخمسة مستشرقون أوروبيون، وهم: الأنجليزي جيب Gibb، والفرنسي ماسينيون، والإيطالي نالينو Nallino، والألمانيان فيشر و ليتمان Fisher et Littmann. وكان راهب القاهرة حاييم نهوم أفندي نائباً لرئيسها. ومِن بين الأعضاء الخمسة العرب يوجد مسيحيان هما الأب أَنَسْتَازْ ماري من العراق، وعيسى إسكندر المعلوف من لبنان. وتتمثل المهمة الأساسية لتلك المؤسسة في إعداد مُعجم للغة العربية. ولذلك انتظمت منذ أنْ عقدت دورتها الأولى سنة 1934 في سبع لجان دائمة مختصة في كلمات المعجم بمختلف التخصصات: الرياضيات، والفيزياء، البيولوجيا والطّب، والعلوم الاجتماعية، والأدب، واللهجات.
كان ماسينيون عضوا في اللجنة المختصة بالعلوم الاجتماعية. وقد صنّفه بن نبي في فئة المستشرقين الأكثر سلبية وخطراً على الإسلام، ووضعه في خانة ” الاب القس هنري لمنس”
le Révérend Père H.Lammens)) الذي هو نموذج للمُستشرق الساعي إلى إخراج المسلمين عن الإسلام، لكنه ليس الوحيد الذي يتميّز بالمُثابرة على مُحاربة الإسلام. فهذا عندي رجلٌ شهمٌ يُشْهَدُ له بأنه صرّح بِعدائه للقرآن ولمحمد. وأنا أفضّل التعامل مع هذا الصنف من التعصب الصارخ على التعامل مع تلك الماكيافيلية الشامخة والساكتة التي يتميز بها بعض المستشرقين الآخرين الذين يُحْسِنون الظهور بمظهر الروح العلمية”. وذلك هو أصدق ملمح لماسينيون.
لقد اكتفى المسلمون باجترار حُجج التفاسير القديمة التي تتمحور حول استحالة مُحاكاة القرآن وحول إعجازه اللغوي والعلمي كي يُدافعوا عن عقيدتهم. فكُلّ المُثقفين سواء منهم الإصلاحيون والحداثيون، ومعهم عامة الناس، كانت قناعاتهم موضوعة تحت راية “الالهيات”(théologie) أمّا بن نبي فكان يرى أنّ هذه الضمانات لم تَعُدْ كافيةً لمقاومة هجومات تيارات الإلحاد التي انجرت وراء نزعة الحداثة المتمثلة في “التقدميين” المنبهرين بالجدلية المادية التي جاء بها ماركس، ووراء “التحرُّريين” الذين سحرتهم تجربة أتاتورك في تركيا وتجربة أسرة فَهْلَوِي في إيران.
أمّا على الصعيد الفكريّ، فكان لا بدّ مِن إيجاد بديل عن “مبدإ السلطة” من أجل الاستجابة لمتطلبات نخبةٍ”أصبَحَتْ مُنبهرة بالفلسفة الوضعية”. فمِن الضروريّ وضع القناعات الدينية تحت راية جديدة، هي راية العقل. وهذا ما كان ينوي بن نبي القيام به: “إذا تعذّر علينا إعداد القاعدة العقلية الضرورية لهذه القناعة بشكل مباشر، فنحن نسعى على الأقل إلى فتح باب النقاش الديني بمنهجية وبشكل واسع كي ندفع بالمثقف الجزائري إلى أنْ يتولّى بنفسه بناء تلك القاعدة الضرورية لعقيدته”.
بن نبي يرى أنّ الطنطاوي بتفسيره الضخم (20 مجلداً) الذي نشره سنة 1922، والذي يعتبره رُكاماً مُجرّداً من كل بناء، ومحمد عبده ورشيد رضا بجهودهما المُثمرة، قد عجزوا جميعاً عن الاستجابة لهذا المطلب الجديد الذي تُرى مظاهره في كلّ مكان، بما في ذلك الأوساط الشعبية. فالمثقف المسلم صار بحاجة إلى نظامٍ حِجاجيٍّ جديد ليُدافع عن مواقفه في مِثْلِ المناقشات التي جرتْ منذ نصف قرنٍ بين جمال الدين الأفغاني وإرنيست رينان.
ففي مارس 1883 ألقى رينان Ernest Renan محاضرة في جامعة السوربون حول”الإسلام والعلم” واتّهم فيها الإسلام بأنه اضطهد العلم والفلسفة. وللرّد على ذلك ألّف جمال الدين الأفغاني كتاباً صغيراً عنوانه “الردّ على الدّهريين” الذي هو الأثر المكتوب الوحيد الذي خلّفه الأفغاني. وكان الأفغاني آنذاك مُقيماً في باريس بعد نفيه من مصر. و قد التحق به محمد عبده سنة 1884 بعد الحكم عليه بالنفي كذلك. وهناك أسّس الرجلان جمعية سياسية “ضدّ الاحتلال الأجنبي والاستبداد الداخلي” مع مجلة ناطقة باسمها، وهي “العروة الوثقى”. دامت إقامتهما في باريس حوالى عامين ثُمّ اضطُراّ لمغادرة فرنسا. قام محمد عبده بترجمة كتاب الأفغاني إلى اللغة العربية، وألّف كتابا صغيراً سنة 1901حول “دور كلّ من المسيحية والإسلام في العلم والحضارة”.
وفي كتاب “الظاهرة القرآنية” سيعمَدُ بن نبي إلى ربط الإسلام كحالة خاصة بالظاهرة الدينية إجمالاً، وذلك باعتبار النبي حلقة في سلسلة النبوة، وإحلال القرآن مكانة الخاتمة لعقيدة التوحيد. و بقي الكاتب في منأى عن كل محاولة للدعوة إلى الإسلام أو محاولة إحلاله مكانة أعلى من اليهودية أو المسيحية، كما تفادى كلّ نيةٍ للطعن في مراتب الأنبياء الآخرين. و بذلك كلّه يكون قد طبّق مضمون الآية (64 سورة ال عمران): ” قل يا أهل الكتاب، تعالوا إلى كلمةٍ سوٍاءٍ بيننا وبينكم” أحسن تطبيق. ومع ذلك، فالمسيحية (1) واليهودية لم تَقِفا مِن الإسلام نفس الموقف الذي كان منه إزاءهما. فهما يتهمان النبي محمداً بالخداع وبسرقة التوراة، علماً بأن هذه الأخيرة تتضمن أموراً غير معقولة إلى درجة أن المجلس الأعلى للفاتيكان 2 المنعقد سنة 1965 لم يتمكن من تفادي الاعتراف بأن كتب العهد القديم “تتضمن أشياء غير كاملة وعديمة الصلاحية “.
يقول الدكتور موريس بوكاي Maurice Bucaille، المختص في وضع الكتابات المُنزّلة على محكّ المعطيات العلمية: “أمّا بالنسبة للقرآن، فهناك كثير من الأفكار المغلوطة رُوِّج لها في بلداننا لزمن طويل، وهي لا تزال مُنتشرة، وتخصّ مضمونه وتاريخه. فممّا لا شكّ فيه أنّ الطروحات المُقتبسة من القرآن حول الإنسان كفيلة بأن تكون محلّ تعجُّب، مثلما تعجّبْتُ أنا عندما اكتشفْتُها. وإضافة إلى ذلك ففي المقارنة بين النص التوراتي والنص القرآني فائدة كبيرة: فكلاهما يذكر الله الخالق، لكننا نلاحظ أنّ التفاصيل الواردة في التوراة حول كيفية الخلق، والتي لا يمكن قبولها علمياًّ، لا وجودَ لها في القرآن. فهذا الكتاب يتضمن، على عكس ذلك، ملفوظات مُدهشة حول الإنسان: ومِن غير الممكن، مِن زاوية النظر الإنسانية، تفسير وجود تلك التفاصيل في العصر الذي ظهر فيه القرآن، وهذا بالنظر لما نعرفه عن مستوى المعرفة آنذاك. إنّ هذه الملاحظات لم تَرِدْ في أية محاضرة علمية في البلدان الغربية عندما قدّمتُ، بتاريخ 9 نوفمبر 1976 للأكاديمية الوطنية للطب في باريس عرْضاً حول مفاهيم في علم النفس وعلم الأجنّة وجدْتُها في القرآن الذي ظهر قبل الاكتشافات العلمية الحديثة بأربعة عشر قرناً”.
ويصل موريس بوكاي إلى هذه النتيجة الدامغة: ” لو كان محمد هو مؤلِّف القرآن، فكيف تمكّن من اكتشاف الأخطاء العلمية الواردة في التوراة حول عدة مواضيع وإلغائها جميعا؟” (2). ويبدو أنّ هذا كلّه لم يكُنْ كافياً لِثَنْيِ هُوَاة الأطروحة البالية عن موقفهم، وهي الأطروحة التي مفادها أنّ الإسلام لم يأتِ إلاّ كإعادة للعهدين القديم والجديد في صورة مناسبة للسياق الجديد وللعقلية العربية. فهذا كريستوف لوكسنبَرْغ، الفيلولوجي الألماني، قد خصص لهذا الموضوع كتاباً ورَدَ تقديمه في مجلة “Critique” (3) بقلم ريمي براغ (Rémi Brague).
وبما أنّ مُقدِّمَ الكتاب (ريمي براغ) مُقتنع بالأطروحات الواردة في كتاب كريستوف لوكسمبرغ، فهو يرى ” أنّنا على الأرجح بإزاء ثورة… إذ يتضح أنّ القرآن كما قدّمه لوكسمبرغ يتضمن إشارات إلى صلوات مسيحية، إنْ لم نقُلْ نصوصاً منقولة من تلك الصلوات… ونخرج من هذا بنتيجة أساسية بخصوص طبيعة القرآن في كُلِّيته…فلو حصلَ لنا فهمُهُ انطلاقاً من اللغة السريانية تبيّنَ لنا أنّ القرآن لا يعدو أن يكون مُدوّنةً لتلاوةٍ اقتُبِستْ أجزاؤها من الكتب المقدسة الموجودة مسبقاً، وقد اتُّخِذت لذلك لغة العامة كي تكون التلاوة مناسبة للطقوس الدينية… وإذا كان لوكسمبرغ على صواب فهذا يعني أنّ القرآن لم يكن يطمح إلى أن يكون بديلاً عن التوراة، بل أن يُقدّم نسخةً مفهومة عند العرب في ذاك العصر. فهو إذاً لا يُمثِّلُ وحْياً أُنْزِلَ في حينه”.
إنّ الجديد الذي أتي به لوكسمبرغ ـ إن صحّت العبارة ـ يستند إلى فرضية أن ما نظنّ قراءته في القرآن بالعربية ما هو إلاّ خلاصة لِما جاء على ألسنة المُعلِّقين ابتداءً من عصر الطبريّ. فالقرآن عند لوكسمبرغ لم يُكتبْ ولم يُنقل إلى العربية بالشكل الذي نعرفه به اليوم، بل بلغة “وسيطة، فيها مزج بين العربية والسريانية”. وبإسقاط معاني الكلمات السريانية الآرامية على بعض المصطلحات القرآنية، ينتهي الكاتب إلى إمكانية الحصول على معاني أخرى تماماً للآيات، وهي معاني يُرجّح أنها تُثبتُ أن هذا القرآن الكريم ليس إلاّ إعادة لنصوص واردة في الكتاب المقدس la Bible. وتستند نظرية علم الكتابات القديمة عند لوكسمبرغ خاصةً على عدم استعمال علامات التنقيط، لأنّ ذلك يؤدي إلى تغيير معاني حروفٍ مثل ( ج، ح، ر،ز، س، ش…)، وبالتالي يؤدي إلى تغيير معاني الكلمات نفسها”.
ولمْ يُخفِ الإسلام يوماً قُربه من الديانات السماوية الأخرى التي لم يأتِ إلاّ ليؤكّدها ويُتمِّمها. وهناك عدة آيات تُثبِتُ ذلك، مثل: “شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك، وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أنْ أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه، كبُرَ على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه مَنْ يشاء ويهدي إليه مَنْ يُنيب”الشورى، 13. وأكثر مِن ذلك فهناك آياتٌ تؤكِّدُ أنَّ المُسلمين لن يكونوا أفضل من غيرهم مِن المؤمنين، مثل: “إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابين مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرُهم عن ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هُم يحزنون”البقرة، 62.
وقد تعرّض بن نبي لهذا الجانب في فصل من فصول”الظاهرة القرآنية” عنوانه: “العلاقة بين القرآن والكتاب المٌقدّس” قائلاً: “إنّ القرآن يقِرُّ صراحةً أنه أتى في نفس الخط مع الكتاب المقدس. وهو يُطالب دائماً بمكانه في مسار التوحيد، وبذلك فهو يؤكد علانية إمكانية وجود أوجه شبه بينه وبين الأسفار والإنجيل. كما يُقِرُّ بهذه القرابة بشكلٍ مُتعمّدٍ، ويُذكِّرُ بها الرسول نفسه عند الحاجة: “وما كان هذا القرآن أنْ يُفتَرى مِن دون الله، ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه مِن ربّ العالمين”يونس، 37. و يصِلُ بن نبي إلى هذه النتيجة: “ومع ذلك، فإن هذه القرابة تترك للقرآن ميزته الخاصة: فهو يبدو مُكمّلاً، بل ومُصحِّحاً لكثير من النقاط الواردة في الكتاب المُقدّس”.
وفي فصلٍ آخر تحت عنوان “الجانب الأدبيّ في القرآن”، يُعالج بن نبي المسألة حسب علوم الكتابات القديمة (philologie)، إذْ يُقِرُّ بدون عقدةٍ أنّ هناك كلمات عربية جديدة وُضِعَتْ بالاعتماد على مصطلحات آرامية “للدلالة على مفاهيم جديدة مختصة بعقيدة التوحيد، مثل مصطلح “ملَكوت”، أو أسماء الأعلام مثل: “جالوت، هاروت وماروت”. و يعترف بأنّ “المسألة حسب علوم الكتابات القديمة التي يطرحها القرآن تستحق هي وحدها دراسة جادة تشمل كل مصطلحاته الجديدة وكلماته التقنية خاصة في مجال الغيبيات”، لكن الإسلام، في رأيه، لم يتوقف عند حدّ تأكيد فكر التوحيد، بل أعطاه بُعداً أوسع.
ثُمّ يُبيِّنُ كيف أن اليهودية “أسست نظاماً دينيا ووطنيا بكامله على قاعدة اجتباء إسرائيل أو اختياره، حتى أنّ الله كاد أنْ يصير إلهاً وطنياًّ. وهذا ما جعل جوهر حركة النبوّة منذ عاموس إلى أشعياء الثاني تتخذ شكل ردود أفعال عنيفة ضدّ هذه الروح المنطوية. فكل الأنبياء المُنتمين إلى تلك الحركة الإصلاحية، مثل أراميا، سيبذلون جهدهم كي يسترجع الله حقوقه الشاملة “.
ويُشير بن نبي إلى أنه بمجيء المسيحية أُصيبتْ عقيدة التوحيد بإصابة أخرى، إذ لم يَعُدِ الله واحداً، بل صار متعدِّداً. وبالإضافة إلى ذلك فلقد تحوّل إلى إنسان حسبما جاء في أعجوبة التثليث. ولم يعُدْ الإسلام إلى الوقوع في المنزلقات التي وقعت فيها الديانتان السابقتان له في كلتا الحالتين، بل ألغاهما، فالله واحد وعام: “إنّ تعدد الآلهة و أنْسنتُها مرفوضتان رفضاً قاطعاً”. ويواصل بن نبي قائلاً: “وبرزت إلى الوجود فلسفة دينية عمادُها القرآن سيكون لها بالغ الأثر في ثقافة التوحيد، ولا نعلَمُ إلى أي مدى يمكن اعتبار المخاضات التي ظهرت بعد انتشار المسيحية ـ بدءاً بالحركة الألبيجينية le mouvement albigeois (وانتهاءً إلى حركة الإصلاح ـ كانت نتيجة مباشرة أو غير مباشرة للنظرة الميتافيزيقية التي أتى بها القرآن”.
هذا هو معنى كون الإسلام هو الدين الحنيف (4). وفي سعيه إلى تلخيص العِبرة الخاصة بكل فرع من فروع عقيدة التوحيد الثلاثة، لاحظ بن نبي أنّه إذا كانت الوصايا العشر الواردة في أسفار موسى تدعو إلى “الانتهاء عن فعل الشر” ، والأناجيل تأمر بالانتهاء عن “الرّدّ على الشّر”، فإنّ القرآن الذي يُشكِّلُ خلاصةً وتحسيناً للعِبْرتيْنِ السابقتين “يأمر بالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف”.
وراح بن نبي يُقارن بين الكتاب المٌقدّس والقرآن بخصوص قصة النبي يوسف ليستخرج الأصول المشتركة والفوارق بينهما، وينتهي إلى أنّ النبيّ محمداً لم يكن له علمٌ بالكتابات اليهودية المسيحية، وأنّ الوسط الذي عاش فيه كان بعيداً عن التأثيرات التي قد تأتي من ذلك المصدر، خاصةً وأن الكتاب المٌقدّس لم يكُنْ مُترجماً إلى العربية في عصر النبوّة (لا بُدّ من الإشارة هنا إلى أنّ المؤرِّخ المسلم الطبري (ق9م)، وهو مؤلف من مؤلفي السيرة النبوية، يُشيرُ إلى وجود ترجمة عربية للإنجيل كانت موجودة عند الراهب ورقة بن نوفل، وهو من أقارب زوجته خديجة).
وأجرى نفس المقارنة بخصوص خروج اليهود من مصر تحت قيادة النبي موسى والنهاية المأساوية التي آلَ إليها فرعون ليقف هنا أيضاً على القواسم المشتركة ونقاط الاختلاف بين هذين الكتابيْن السماويين. فالكتاب المُقدّس يُعْلِمُنا بأنّ فرعون انتهى غرقاً في المياه التي غمرتْهُ مع جيشه، أمّا القرآن فهو يُثبِتُ ذلك لكنه يضيف إلى الرواية عنصراً جديداً، وهو أنّ الله قضى بأنْ يُنجيَهُ بِبَدَنِهِ كي يكون آيةً لِمَنْ يأتي بعده.(سورة يونس 91-92)
وبناءً على ذلك فإن بن نبي تناول تلك الآية بظاهر لفظها ليستنتج أنّ فرعون لم يمُتْ غرَقاً في البحر، بل تلقّى صدمةً دفعتْهُ إلى تغيير اسمه واعتناق عقيدة التوحيد (5). وفي محاولةٍ لإيجاد هذا الفرعون في سلسلة أسرة الفراعنة التي حكمتْ مصر اعتماداً على الوثائق التي تمكّن من الاطّلاع عليها، ذهَبَ بن نبي إلى ترجيح أنْ يكون هو الملك أمنحتب الرابع d’Amenhotep IV (الذي صار يُسمّى أخناتون Akhanéton)، زوج نيفرتيتي. ففي تاريخ مصر القديمة الذي يمتد على عدة ألفيات، اشتهر هذا الفرعون (الذي يُدعى باسم أمينوفيس الرابع كذلك) بأنه الملك الوحيد الذي حاول أنْ يُحْدِثَ ثورة في الفكر والمعتقدات الدينية المصرية وتوجيهها إلى وجهة التوحيد.
لقد عمَدَ هذا الفرعون إلى التخلّي عن مدينة طيبة التي كانت عاصمة لمصر واتّخذ عاصمة جديدة في الموقع الذي يُسمى اليوم بـ (العمارنة) وسمّاها (أختاتون)، وكلُّ ذلك مِن أجل التعبير عن إصراره على إحداث القطيعة مع ثقافة دين الشِّرْك التي كانت سائدة في زمانه. وهناك عدة تفسيرات أُعْطِيَتْ لهذا الإصلاح الديني الخارق للعادة والذي سارع الملوك الذين جاؤوا بعد أمنحتب الرابع إلى محْوِهِ من الذاكرة. أمّا بن نبي فهذا الإصلاح كان نتيجة إلى إيمانه في آخر عهده.
ويرى سيجموند فرويد أنّ أمنحتب الرابع لم يؤسس ديانة جديدة: “فالملك الشاب صادَف حركةً لمْ يَكُنْ عليه أنْ يُبْدِعَها، بل استطاع أن ينضمّ إليها”. وهو، أي فرويد، يوردُ لنا بعض المعلومات حول تلك الديانة الجديدة بقوله: ” لم يكن أمنحتب الرابع يعبُدُ الشمس باعتبارها شيئاً مادياًّ، بل باعتبارها رمزاً لكائنٍ إلهيٍّ تظهر طاقتُهُ في أشعة الشمس. فأضافَ إلى المذهب القائل بوجود إلهٍ واحدٍ عنصراً جعل من ذلك المذهب يتخذ صورة التوحيد، وخاصة في ميله إلى الإطلاق. ففي أحد أناشيده وردت هذه العبارة الصريحة: “يا إلهي ! أنت الواحد الذي لا إله معك…” (6).
ويُخبِرُنا فرويد أنّ هذا الفرعون قد منع عبادة الآلهة، مثل عبادة الإله آمون، وممارسة السِّحر، وخرافات يوزيريس ومملكة الموتى، وتوعّد كل مَن يُخالف ذلك بعقوبات شديدة. وأخيراً فإنّ أب مدرسة التحليل النفسي يرى أنّ النبي موسى، الذي كان مصرياًّ وليس عبرانياًّ، قد وجد العناصر المُكوِّنة لعقيدته في ديانة أخناتون، وأنّ خروجه مع أتباعه من مصر لم يحدُثْ إلاّ بعد موت ذلك الملك (7).
واهتمّ موريس بوكاي من جهته بهذه المسألة في كتاب “الكتاب المُقدّس، القرآن، والعلم” (La Bible, le Coran et la science ) (8) قبل أن يَخُصّها بكتابٍ كاملٍ عشرين سنة بعد ذلك، وكان مُعارضاً لفرويد وبن نبي. فهو يرى أن فرعون مات غرَقاً، وأنّ جسدَهُ قدْ عُثِرَ عليه فعلاً مصداقاً لوعْدِ الله في القرآن. فالنجاة المذكورة في القرآن لا تخُصُّ إلاّ جسده. والفرعون المقصود في هذه القصة هو مينيبتَهْ Mineptah ابن رمسيس الثاني وخليفته.
لقد تمّ العثور على أجساد الفراعنة المقصودين في الكُتُب المُنزّلة في نهاية ق19 في مقبرة طيبة، في وادي الملوك، حيثُ بقيتْ مُحنّطة طيلة أكثر من 3000 عامٍ. ويدلّ التسلسل الزمني لملوك مصر القديمة على أنّ أمينوفيس الرابع لم يكُنْ مُعاصراً للنبيّ موسى الذي عاصرَ رمسيس الثاني قبل هجرته إلى مدْيَن، ثُمّ عاصَرَ مينيبتَهْ الذي يُرجّحُ أنْ يكون هو الفرعون المقصود في قصة الهجرة عبر البحر. أمّا أخناتون، فالأرجح أنه مات قبل ميلاد موسى بنصف قرنٍ على الأقلّ.
وجاءت أطروحة بن نبي مُوافقة للأطروحة اليهودية التي تقول إنّ النزوح وقع في عصر أمنحتب الرابع، لكنها غير موافقة لها عندما تؤكد أنّ “الثورة الدينية التي قام بها أمنحتب الرابع ليست مَدينَةً بشيءٍ للنبيّ موسى لأنّها سابقة له في الزمن”. وأندري نيهير André Neher يقول: ” والمُهِمّ أنّ مُغامرة أمنحتب الرابع العجيبة هي التي كانت في علاقة بمغامرة النبي موسى… فقد اتّخذ بعد ذلك اسم أخناتون (ابن أتون)، واتّخذ إخوتون عاصمة له. فتلك الحقبة هي الحقبة الوحيدة التي ظهرت فيها عقيدة التوحيد (9) في التاريخ القديم، باستثناء فترة إسرائيل”و هي تتوافق مع تفسير الكتاب المقدس لسنة 1768.
نحن نعرف أنّ كتاب ” الظاهرة القرآنية” سُلِّمَ للشيخ محمد دراز من جامعة الأزهر قبل نشره كي يُحرر له مُقدمة. ولم ينسَ هذا العالِمُ أنْ يُلْفِتَ انتباه القارئ في مقدمته إلى بعض نقاط الخلاف بينه وبين مؤلف الكتاب. لكن المُلاحظ أنه، ومعه المُترجم عبد الصبور شاهين، لم يتطرق للنقطة التي عالجناها في الفقرات السابقة، وهي جديرة بأنْ تَشُدّ انتباههما باعتبارهما مُتبحِّرين في العلم بالقرآن وباعتبارهما أدرى مِن غيرهما بتاريخ بلدهما.
ولقد عمَدَ بن نبي كذلك إلى عقد موازنة بين مضامين بعض الآيات القرآنية والمعارف الجديدة التي وصل إليها التطور العلمي الحديث. لكنه لم يجعل ذلك في مركز اهتمامه رغم أنه كان ينوي تأليف كتاب تحت عنوان”على آثار الفكر العلمي في الإسلام” (Sur les traces de la pensée scientifique de l’islam ). فهو يرى أنه ليس من المُهِمِّ أن تكون الصبغة الإلهية للقرآن مُثبتة ومؤكّدة بالاكتشافات العلمية.
بل على عكس ذلك تماماً، فهو يخشى أنْ يقع المُسلمون في مُنزلق آخر يتمثل في “حُبّ الأشياء العجيبة” والعنجهية الصبيانية. وهو يعود إلى هذه النقطة ثلاثين سنة بعد ذلك في “أعمال المُستشرقين وأثرها في الفكر الإسلاميّ الحديث” (L’œuvre des orientalistes et leur influence sur la pensée musulmane moderne ) (10) ،
وهو كتاب يجب اعتباره امتداداً لمقدمة “الظاهرة القرآنية”: “يجب ألاّ نهتمّ بالتساؤل عمّا إذا كان القرآن يُشير تصريحاً أو تلميحاً إلى هذا الاكتشاف العلمي أو ذاك، بل يجب الاهتمام بالتساؤل عما إذا كان القرآن قادراً على خلق الجوّ المناسب للتطور العلمي في مجتمعٍ ما، وعمّا إذا كان الدافع النفسي فيه كفيلاً بتفجير الميكانيزمات الضرورية لاكتساب المعرفة وانتقالها عبر الأجيال. فتلك هي مشكلة العلم من وجهة النظر النفسية وليس من وجهة النظر المعرفية. فمِن الناحية المعرفية يكفي لتعزيز موقع الفكر الإسلاميّ أن نذكر ابتكارين لولاهما لما حدث التطور التكنولوجي الحديث أصلاً. وبالفعل فهل كان بإمكاننا تصوُّر حدوث التطور التكنولوجي الذي يتمحور اليوم في مجال الفيزياء الذرية مِنْ دون طُرُقِ الحساب فائقة السرعة والتي لم توجد إلاّ بفضل توفّر النظام الرقميّ المناسب؟ فالنظام العشري الذي يسمح بكتابة ثابتة مثل رقم أفوجادرو بواسطة تسعة أرقام هو النظام الوحيد الذي يُتيح ذلك. والحالُ أنّ الحضارة الإسلامية هي صاحبة الفضل في توفير ذلك الشرط المُسبق، وبعبارة أدقّ فإن الجوّ الفكري الذي جاء به القرآن هو الذي أتاح ذلك. وعلى غرار ذلك، فإن علم الجبر الذي يُسمى في اللغات الأوروبية بلفظه العربي هو الذي سمح بخروج علم الحساب من المرحلة الرقمية إلى مرحلة الرياضيات البحتة، وبالتالي فإن التطور لم يكن ممكناً في أي فرع من فروع العلوم الدقيقة لولا ذلك. وواقع الحال أنّ الجوّ الذي أوجده المفهوم القرآني هو الذي أدى إلى ظهور علم الجبر… وإنّه لَمِنْ قَبيلِ الحشوِ أنْ نُضيف أنّ القرآن لم يأتِ في آياته لا بالنظام الرقمي العشريّ، ولا بفكرة الحساب الجبريّ. لكنه أتى بشيء آخر أكثر أهمية، وهو الجوّ المعنوي والفكريّ الذي وُلِد فيه موقِفٌ جديدٌ تٌجاه العلم”.
وبإمكاننا أنْ نُضيف إجابة عن سؤال مُتوقّعٍ حول “الجو المناسب لتطوّر العلم”، والمقصود به جو الحرية في الوسط الإسلاميّ، أنّ ابن خلدون استطاع أن يكتب مقولته الشهيرة بكل حرية، خمسة قرون قبل نشر كتاب “أصل الأنواع” لشارل داروين Charles Darwin، والتي جاء فيها أنّ الانسان منحدر من القرد، دون أن يتعرّض لأيّ نوع من الاضطهاد.
وهذا ما قاله ابن خلدون: “لنتأمل في عالم المخلوقات ! فهو يبدأ بمملكة المعادن ويصعد بالتدريج، وعلى نمطٍ عجيب، إلى مملكة النبات، ثُمّ مملكة الحيوان. والأفق الأخير في مملكة المعادن مُتّصل بالأفق الأول في مملكة النبات: كالأعشاب والنباتات بدون بذور. و الأفق الأخير في مملكة النبات ـ كالنخيل والكروم ـ مُتّصِل بالأفق الأول في مملكة الحيوان، مثل الرخويات والأصداف التي ليس لها من الحواس غير حاسة اللمس. فكلمة (اتصال) تعني أنّ آخر أفق مِن كلّ مملكة مستعد للتحوُّلِ إلى أول أفقٍ في المملكة التي تليه. إذاً، فعالم الحيوان يتطوّر، وأنواعه تتزايد، وهو في تدرُّج التكوين ينتهي إلى الإنسان المُزوّدِ بالفكْرِ والتفكير. والوصول إلى أفق الإنسان يكون انطلاقاً من عالم القِرَدةِ الذي تلتقي فيه القُدْرَةُ على الإفصاح والقدرة على الإدراك، لكنه لم يصِلْ إلى مرحلة التفكير والفكر بعْدُ. وبوجهة النظر هذه، فإنّ المستوى الأول عند الإنسان يأتي بعد عالم القِرَدةِ: وهنا تتوقف مُلاحظتُنا” (11).
إنّ نظرية التطوّر التي صيغتْ لأول مرّةٍ من طرف مُفكِّرٍ مُسْلمٍ ستكون لها المكانة في فضاء البحث العلميّ إلى أنْ أُعيدَ النظر في صحتها بفضل مُعطيات علمية جديدة في مختلف التخصصات.
وستكون لبن نبي عودة إلى مسألة تأثير حركة الاستشراق في أواخر حياته، لا ليُعيد نفس الأفكار التي طرحها سابقاً، بل ليُلْفِتَ الانتباه إلى توجُّهٍ جديد في تلك الحركة، وهو التوجُّهُ الإشهاري الذي يُخدّر عقول المسلمين باللعب على وتر الاعتزاز بالنفس لديهم، وذلك في وقتٍ هُمْ في أمسِّ الحاجةِ إلى ما يُنشّطُ العقل لمواجهة تحديات التطور. يقول بن نبي:
”إنّ ممّا يدُلّ دلالة واضحة على تطوّر مجتمعٍ ما، الاتّجاهُ الذي تسير فيه أفكاره القيادية. وقد يكون هذا الاتجاه إلى الأمام، أي إلى المستقبل، أو، على عكس ذلك، إلى الخلف، أي في اتجاه مُتقهقر ومُلتفت إلى الماضي كأنه في حالة مرَضية… وكان أدب المُستشرقين بشكْلَيْه وبالاً على المجتمع الإسلاميّ، إذ جاء ليُعيق تطوره الفكريّ… لقد جعلَ منّا ذلك الأدب مُحامين مُدافعين عن مجتمع ما بعد الموحِّدين المنحط في وقْتٍ كان علينا أنْ ننتقده بشدّةٍ وبدراية كبيرتين… فالجدلية التي تُبطِّنُهُ أبْعَدتْنا عن التفكير في مشاكلنا الحقيقية وأغرقتْنا في نقاشات حول مشاكل مُفتعلة. أمّا توجُّهُهُ الثاني، أي الإشهاري، فقد أبْعَدنا عن معالجة مواضيع الساعة وأغرقَنا في ملذات الماضي التليد… إنّ أدب المستشرقين هو الذي صبّ في شخصيتنا حبّ الخوارق بدلاً من الاتجاه إلى الفاعلية… فأنتَ إذا حدّثتَ الجائع الذي لا يجد قوتَ يومِهِ عن البذخ الذي عاش فيه أجداده تكون قد ساعدته على نسيان مُعاناته الحاضرة بشكلٍ مؤقّتٍ وكأنك خدّرتَ تفكيره وضميره تخديراً مؤقّتاً. فأنت لم تُعالج مُعاناته. وكذلك فإنه لا يُمكن علاج تعاسة مجتمع بسرد أمجاد الماضي. فالرواة الذين سردوا حكايات ألف ليلة وليلة ـ وهو مِن أحسن مولودات عصر انحطاطنا ـ لأجيال المسلمين التي تعاقبت بعد الموحدين، قد نجحوا في بثّ قليل من النسيان في عقول مُستمعيهم الذين ينامون نوماً عميقاً بمجرد تخيُّلِ مشاهد الترف والبذخ التي كانت في الماضي التليد. وإذا ولّى الليل وأشرقت الشمس يفتحون أعيُنهم ليعودوا إلى واقعهم المُزري” (12).
إنّ “الظاهرة القرآنية” كتاب أَنْتَجَهُ عقلُ عَالِمٍ. فهو يدخُلُ في ثنايا القرآن بِخُطى الباحث إلى مخبره، فيبدأ بأخذ العيِّنات ووضعها تحت عدسة المِجهر. و لا يخرج من ذلك خروج القانع المُطمئنّ، بل يخرج وفي يده استنتاج عام ينطبق على جميع مظاهر مسيرة التاريخ: “إنّ القرآن يرسم لوحة عجيبة للمأساة الأبدية التي تعيشها الحضارات، ويدعونا إلى التأمّل فيها”.
ولقد تطلّب هذا العمل مِن صاحبه روحاً علميّةً مشفوعةً بأحدث المُكتسبات المعرفية، وبمعارف شاملة لكل ميادين العلم، ومعلومات كاملة حول الديانات. والعجيب أنّ الكتاب أُلِّفَ في مُحتشد بقلمٍ رجلٍ كانت حياته قاب قوسين لو ثبتت عليه التهم الموجهة إليه، لكنه بدلاً من الانشغال بمصيره، كان تحت سلطان فكرة واحدة، وهي: تزويد المؤمنين من كل الديانات بِراحة اليقين العقليّ.
وقد يكون من الضروريّ أنْ نُشير إلى أنّه قبل تحرير “الظاهرة القرآنية” كان بن نبي قد مرّ بمرحلة شك ذكرها هو بنفسه. وبالفعل ففي آخر هذا الكتاب نجد أنه يذكر ذلك الإحراج و “تلك الأحكام المسبقة عند المثقف الذي يجد نفسه مُضطرباً أحياناً بإزاء الترتيب غير المتوقع للأفكار الواردة في القرآن، وبإزاء طبيعتها المُفاجئة”. لكنه، وبِمُثابرته على قراءة القرآن، بدأ يكتشف نظامه وهندسته وطبيعته ”التي هي ليست كحالها في موسوعة لقضايا علمية، ولا في كتاب تعليمي مُخصص لشعبة مُعيّنة من العلوم”. وعند ذلك بدأ يظهر له أنّ كُلاًّ من القرآن والنبيّ والسُّنّة يتضمن أدلّة على الصحة والصدق. وهكذا انقشعت سُحب الأحكام المُسبقة من أفق نظرته، وتمكّن من تأليف هذا الكتاب الذي يمكن اعتباره ثمرة للتعاون بين الديانات السماوية الثلاثة: فمؤلّفُه مُسلِم، وهو بن نبي. ومُنقِذُه الذي احتفظ بمخطوطته مسيحيّ، والكاتب الذي طبعه على الآلة الراقنة يهودي.
والحقّ أنّ بن نبي احتلّ مكانته بين مُفكّري عصره بفضل هذا الكتاب. فلقد أتاح له أن يتحرر من لُبس طالما لازمه، إذ: المُشكلة ليست في الإسلام، بل في طريقة فَهْمِ المسلمين وأسلوب تطبيقهم له. وبهذا الإنجاز تمكّن بن نبي من الانتقال من الدينيّ إلى النّفسيّ، ومن الالهيات إلى الاجتماعيّ، ومن الميتافيزيقا إلى فلسفة التاريخ. وعندما صدر الكتاب عن دار النشر “النهضة” كتب البروفيسور محداد (1896-1984)، وهو نائب من حزب الـ UDMA تقديماً فيه تقريض واستحسان لقيمته: “إنّ كتاب مالك بن نبي، بالإضافة إلى طرحه لمشكلة الإيمان ومعالجته لها بطريقة المُقتدرين، سيلقى صدى كبيراً بما فيه من تأثيرات نفسية واجتماعية… وإننا إذ نُحيي هذا الكتاب تحية تقدير باعتباره نقطة انطلاق لتجديد ديني ضروري في هذه البلاد، نتمنى صادقين أن يكون كذلك أول صرح في الفكر الجزائري المُجدّد و المُحتكّ بالغرب” (Egalité ” عدد 10 افريل 1947 ).
وستتّخذ هذه الجريدة الناطقة باسم الـ.l’UDMA اسماً آخر ابتداءً من شهر فيفري 1948، وهو La République algérienne . لمّا قرأ ابن نبي ذلك التقريض تأثر له تأثراً شديداً، وهو يقول في ذلك: ”أتذكّر أنني بكيت تأثّراً عندما قرأْتُ ذلك المقال الذي جاء بمثابةٍ ثأرٍ لي على ما مرّ بي مِن مُعاناة”. أمّا ”جمعية العُلماء” فلم تذكُر صحافتها هذا الكتاب ولو بكلمة واحدة.
شرع بن نبي في تنظيم زيارات لعدة مُدنٍ بغرض التعريف بكتابه، فنشّط مُحاضرة في مستغانم التي كان مناضلو حزب الشعب قد منعوا توزيعه فيها. أمّا في تلمسان فكان مناضلو الـ UDMA هم الذين عملوا على عرقلة توزيعه. وذلك هو السياق الذي تعرّف فيه بن نبي بأحد الشيوعيين الجزائريين، وهو بوشامة الذي كان يُريد أنْ يضُمّه إلى مشروع سياسيّ يهدف إلى تجاوز الحزازات التي نشبت بين الـ UDMA والـ MTLD وجمعية العلماء، تحت شعار: خلق “جبهة وطنية”. انضمّ إلى هذا التيار كلٌّ من صالح بن ساعي والدكتور خالدي لينشرا معاً نداءً في جريدة Alger-républicain (13). لكن المشروع لم يُؤْتِ ثماره، ومع ذلك فستعود الفكرة إلى الظهور في شهر جويلية 1951 على مستوى أحزاب الحركة الوطنية ” MTLD, UDMA, PCA وجمعية العلماء”، باسمٍ جديد: الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحريات واحترامها.
وممّا قاله بن نبي في مذكراته غير المنشورة عن التّشرذم الذي ميّز الحركة الوطنية، والذي يَعْزُوه إلى ما أسماه “التحزّب” ( partisme ): “التّحزُّب من الناحية العملية هو تمزّق وحدة البلاد في مواجهة جبهة استعمارية مُتجانسة… لم أجِدْ رفقة صالح بن ساعي والدكتور خالدي، اللّذينِ كُنتُ منسجما معهما كلّ الانسجام، أية صعوبة في إدراك ضرورة وجود جبهة وطنية. وقد اتّفقنا مع بوشامة لتوجيه نداء…”، و يُضيف بعد ذلك: ” لا شكّ أنّ التحزّب هو الذي فرض على العلماء سكوتاً تاماًّ عن “الظاهرة القرآنية” الذي، باعتباره ذا طابع ديني، كان يُفترضُ أنْ يحظى بالنقد في جريدتهم…”. (يتبع)
المراجع:
1) يُشير موريس بوكاي في مقدمة كتاب “الكتاب المُقدّس، القرآن والعلم” (La Bible, le Coran et la Science) منشورات SNED الجزائر العاصمة 1976 إلى التّحوّلات التي حدثت في مواقف أعلى السلطات الكنسية تُجاه الإسلام خلال العُشريات الأخيرة، ويستشهد بوثيقة رسمية عنوانُها: “توجيهات في سبيل حوار بين المسيحيين والمسلمين ”(Orientations pour un dialogue entre chrétiens et musulmans)، وهي وثيقة أُعِدّتْ بعد اجتماع الفاتيكان 2 الذي يدعو المسيحيين إلى التخلي عن “الصورة القديمة التي تسببت في إدانة الغرب المسيحيّ تُجاه المُسلمين”.
2) ارجع الى “من اين اتى الانسان؟”، منشورات سيغر Seghers، باريس 1981
3) ”القُرآن. الخروج من الدائرة؟ ” ( Le Coran : sortir du cercle ? ) أفريل 2003. وعنوان الكتاب بالألمانية: ( Die Syro-aramaïschelesart des Koran. Ein Beitrag zur Entschlüsselung der Koransprache).
4) أسْلَمَت الجامعية والمستشرقة الفرنسية إيفا دو فيتراي – مييروفيتش Eva de Vitray-Meyerovitch سنة 1955. وكانت في ذلك الوقت مديرة لمصلحة العلوم الإنسانية في المركز الوطني للبحث العلمي CNRS. وقد قالت عن إسلامِها: “وجدْتُ في الإسلام إجابة لاهتمامي بالنزعة الشمولية. فلم يكن بإمكاني تصوّر أنّ الله يخُصّ شعباً (اليهودية) أو كنيسة (المسيحية) بالتجلّي. إنّ الله الذي هو الحقيقة في جوهره لا يمكن أن يتجلّى في عدة صور: فصورته يجب أن تكون واحدة، كما كان يبدو لي… وفكرة الإسلام الكبيرة هي كونه تذكيراً بجوهر الرسالة الإبراهيمية… و لقد فكّرْتُ ملِياًّ قبل أن أتّخذ قراري لأنني كُنتُ أريد أنْ أكون متأكدة ممّا أفعل. فقبل أن أُعْلِنَ عن إسلامي تابعْتُ دراسات في علم اللاهوت المسيحي لمدة ثلاث سنوات كي أكون متأكدة مِن أنني لم أدخل الإسلام بسبب جهلي بالمسيحية… وأنا أرى أنّ الإسلام هو الدين الجامع لكل الديانات الأخرى”.
وفي تاريخ 17 أكتوبر 2005 خصّت جماعة حميدُ الله (Collectif Hamidullah ) كُلاّ من مالك بن نبي وإيفا فيتراي – مييروفيتش بتحية تقدير. وكان نور الدين بوكروح من بينِ المُحاضرين المُتدخِّلين.
5) الآيات القرآنية التي تخص هذا الموضوع هي:
أ ـ “وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتْبعَهم فرعون وجنوده بغْياً وعَدْواً، حتّى إذا أدركه الغرق قال آمنتُ أنّه لا إله إلاّ الذي آمنَتْ به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين 90 آالآن وقد عصيتَ قبلُ وكُنتَ من المفسدين 91 فاليوم نُنَجّيك ببدنك لتكون لمنْ خلفك آيةً، وإنّ كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون 92″يونس 90-92.
ب ـ “فأْتْبَعهم فرعون بجنوده فَغشِيهُمْ من اليمّ ما غشيَهُمْ 78 وأضَلّ فرعونُ قومَهُ وما هدى 79 ”طه 78، 79.
ج ـ “يقْدُمُ قومه يوم القيامة فأوردهم النار، وبيس الوِرْدُ المورود 98″هود 98.
6) ترجمة حرفية للجزء الأول من التشهّد: لا إله إلاّ الله.
7) موسى وعقيدة التوحيد ( Moïse et le monothéisme)،. منشورات غليمار باريس 1948
8) المرجع نفسه.
9) موسى ووجهة اليهود Moïse et la vocation juive) ). منشورات سوي Seuil باريس 1957
10) منشورات الثورة الافريقية، الجزائر العاصمة 1968
11) ابن خلدون ” المقدمة” (خطاب حول التاريخ العالمي) ترجمة فانسون مونتاي، منشورات اونيسكو بيروت 1968
12) ارجع الى “اعمال المستشرقين و تأثيرها على الفكر الاسلامي” المرجع المذكور انفا
13) الدعوة الوحيدة إلى خلق “جبهة وطنية ديمقراطية جزائرية”، والتي سجّلها التاريخ هي تلك التي أطلقتها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الجزائري بتاريخ 21 جويلية 1946. وهي مُوَجّهة إلى “الجزائريين من جميع الأصول، وهُم الجماعة التي تُشكل قاعدة الأمة الجزائرية وهي في طور التكوين، وكانت ثرية بمساهمات كل أبنائها بمختلف أصولهم وبما فيها من امتزاج بين حضارات الشرق والغرب”. وبهدف بناء هذه “الجزائر الجديدة” فهذا النداء يطلب ”خلق مجلس وحكومة جزائرييْن في القريب العاجل، وحلّ الحكومة العامة وإدارتها الاستعمارية، وإعداد الطريق لجمهورية ديمقراطية تابعة لفرنسا فيدرالياًّ”. واختتِم النداء بالحث على الوحدة بين التشكيلات السياسية الموجودة (حزب الشعب، الشيوعيون، العلماء، وأتباع الـ UDMA، الاشتراكيون وكل الجزائريين التقدُّميين) في إطار الجبهة الوطنية الديمقراطية الجزائرية FNDA، بِلا تمييز عرقيّ أو لغويّ أو دينيّ”.ارجع الى ك.كولو C. Collot و ح.ر هنري J.R Henry :” الحركة الوطنية الجزائري حسب النصوص، 1919-1954″، منشورات OPU الجزائر العاصمة1981
يقول الدكتور خالدي في كتابه (“المسألة الجزائرية أمام الضمير الديمقراطي”)، وهو يتحدث عن الحزب الشيوعي الجزائري: “إنّه يُحبِّذُ خلق جبهة وطنية. ولقد ساندنا هذه الفكرة في جانفي 1946، وواجهتْنا بعض الصعوبات مع الشيوعيين”.
ويؤكّدُ صالح بن ساعي ما جاء على لسان بن نبي، إذ يقول في “مُلاحظة حول حياة مالك بن نبي”: “سنة 1947، كانت الأحزاب السياسية الوطنية مُستمرة في لعبتها السياسية البالية (politicaillerie) وفي مُطاحناتها العقيمة. وبالنظر إلى أنّ بارونات الاستعمار آخذةٌ في توحيد صفوفها، فلقد أصبح من الضروري إنشاء جبهة وطنية. وهكذا أصدرنا “بيان من أجل تشكيل جبهة وطنية جزائرية” رفقة كل من بوشامة، وخالدي، وبن نبي، بن ساعي، وساسي رابح، وتمّ نشره في جريدة Alger-Républicain. لكن تلك الجبهة التي كانت بمثابة إرهاص لجبهة التحرير الوطني قد تمّ تفجيرها من طرف المصاليين وقائدهم العائد من المنفى”.
