بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
يقول نيتشه في كتاب “المعرفة المرحة” (Le gai savoir) : ” إنّنا، نحن الرجال المولودين بعد وفاتهم، لا نُحقق حياتنا ولا نصير أحياءً، وجِدُّ أحياء، إلاّ بعد الموت” (1). وممّا لا شكّ فيه أنّ نيتشه لا يزال حياًّ، وهو حيّ أكثر من أيّ وقتٍ مضى، في كلّ الجامعات وفي آداب العالم بأسره. فهل تنطبق هذه الحالة على بن نبي؟
إنّ وجه الاختلاف يكمن في أن نيتشه ظهر كعقلٍ مُفكِّرٍ خلال القرن 19 في أوروبا وهي في أيام نهضتها، وفي ألمانيا أيام وحدتها، وهُما دائبتان على تكريم نُخبتها وإحلالها أعلى المراتب. أمّا بن نبي فقد وُلِدَ في بلدٍ مُستعْمَرٍ، وصار على الفور يُنْظَرُ إليه، مِن قِبَلِ خصومه أو مِن قِبَلِ ذويه على السواء، على أنه خطرٍ، حتى ولو اختلفت أسباب ذلك النكران عند الفريقين. وقد حدث له أكثر من مرة في الندوات التي كان يُنظمها في بيته أنْ نطق بهذه الكلمات المُلغزة: “سأعود بعد ثلاثين سنة”.
وبعد وفاته بثلاث سنوات شرعت الجزائر في إعداد إطار مؤسساتي مبني على سياسة الحزب الواحد. ذلك أنّ البلاد كانت تسير بدون دستور ولا تمثيل برلماني منذ الإطاحة ببن بلّة سنة 1965.
وفي سنة 1976 أتاحت السلطة إجراء نقاش وطني لبضعة أسابيع بغرض مناقشة الإطار الشرعيّ الجديد المُتجسّد في “الميثاق الوطني” ومشروع دستور وانتخابات رئاسية.
اغتنمْتُ أجواء حرية التعبير التي رافقتْ تلك العملية وقُمْتُ بجمع خمسة نصوص لبن نبي مرفوقة بتمهيد وهوامش لتسهيل القراءة، ونشرْتُها رفقة الصديق والزميل الدكتور عُمر بن عيسى، تحت عنوان: ”القضايا الكبرى” (2)
وكان ذلك الاختيار في علاقةٍ مع المسائل التي أُثيرتْ خلال النقاش الوطني. وقد أتاح هذا العمل للأمريكي دافيد جونستون David Johnston أنْ يكتشف بن نبي بعد شرائه الكتاب في مكتبة من مكتبات الجزائر العاصمة. وبعد ذلك تعرّفتُ به سنة 2003 وقدّمتُ له ألان كريستلاو Allan Christelow، وهو أمريكي آخر ممّن اهتمّوا بفكر مالك بن نبي. وأُتيح لهذا الكتاب أنْ يُنشر بعد ترجمته بقلم عمر كمال مسقاوي، وهو من تلاميذ بن نبي ووزير لبناني سابق، لكنني لم أكن أعرفه آنذاك إلاّ بالاسم.
واغتنم فرحات عباس من جهته تلك الحرية في التعبير بتوجيه ” نداء إلى الشعب الجزائريّ” رفقة بن خدّة وحسين لحْوَل، والشيخ خير الدين وعبد الرحمن كيوان. ومما جاء في ذلك النداء: “لا وجود للدولة الجزائرية بدون مؤسسات. ولا بُدّ من خلق هذه الدولة. إنّ الجزائر ليس لها دستور ولا قوانين. فهي تعيش في المؤقت… وانقلاب 19 جوان لم يحُلّ أية مشكلة… عبادة الأشخاص لا تزال قائمة. السلطة الشخصية تُمارَسُ بدون رقابة… وهي سلطة تُخْضِعُنا لإيديولوجيا مُعادية للقيم الأخلاقية والروحية التي أتى بها الإسلام… إنّ مثل هذه السلطة تُعتبر خارجة عن الزمن في عصرنا”.
وكان ردّ السلطات عنيفاً، إذ داهمَتِ الشرطة منزل فرحات عباس وفرضتْ عليه الإقامة الجبرية. كما تمّ تأميمُ صيدليته وتجميد حسابه البنكي وقطع خطه الهاتفيّ وسحب جواز السفر منه. كان الرجل في السابعة والسبعين، وكان قبل ذلك مُنكباًّ على كتابة مُذكراته التي عنوانها: ” تشريح حرب “، ثُمّ ” الاستقلال المُصادَر”، وسيُنشر كِلا العنوانيْن في فرنسا.
وممّا جاء في الكتاب الثاني: “عِشْتُ الفترة الاستعمارية بدون خوف، وبدون تنازلات ولا حقد… ومهما كانت سيطرة النظام الاستعماري فإنه لم يمنعنا من الكلام والنقد والمُطالبة. وشعْبُنا لم يتكوّن سياسياًّ وأخلاقياًّ إلاّ بفضل حرية التعبير…”. وقد باح لأحدِ مُقربيه عشيةَ وفاته، وبمرارة لا تُقاس، فقال: “كان خصومي الفرنسيون أكثر احتراما لِي مِن أبناء وطني” (التسطير بيد المؤلف). وتوفي في بيته يوم 24 ديسمبر سنة 1985.
سنتان من بعد (ديسمبر 1978) توفي بومدين إثر مرضٍ مُبهم.
ومما جاء في مقال خصصته مجلة Jeune Afrique لوفاة فرحات عباس: ” لم تكُن الشيخوخة عنده إلاّ أقسى أنواع النفي. فقد قضى سنواته الأخيرة في شبه عذاب. كان يتآكل ويدعو أن يُعجَّلَ له بالراحة الأبدية”. وهذه سطور تنطبق على حال بن نبي تمام الانطباق.
ولقد حظيتُ بشرف زيارة فرحات عباس في بيته لأناقشه مُطوّلاً قبل وفاته ببضعة أسابيع. كان يُتابع المقالات التي نشرتُها بين أكتوبر وديسمبر 1985، وهي فترة عرفت الإعداد لـ ” الميثاق الوطني الثاني ”. كُنتُ أجد فيه وأنا أستمع إليه مثالاً للرجل الشريف، وكان يجلس على كرسي مُتحرك مُغطِّياً رُكبتيه، وزوجته الفرنسية الأصل واقفة وراءه لتستجيب لكل رغباته.
شهدت الساحة الاقتصادية في تلك الفترة (بداية الثمانينيات) ارتفاع أسعار النفط ارتفاعا كبيرا، ونتيجة لبرنامج الاستيراد الذي تبنته الحكومة في إطار سياسة ” مِن أجل حياة أفضل ” كانت الأسواق الجزائرية مُكتظة بالمنتوجات الإلكترومنزلية والغذائية بدعمٍ من عناية الدولة.
وكان مَنْ سيُطلق عليهم اسم الإسلاميين يغزون حقل الأنشطة العمومية والجامعات والمساجد في سرّيّة. أما مجموعة بويعلي فكانت تُعِدُّ العُدّة للعمل المُسلّح الذي سيكون ميداناً تدريبياًّ لِمَنْ سيتحوّلون إلى قادة للإرهاب. أما السلطة فكانت تستعد لعقد مؤتمر الحزب الواحد. وفي هذا الخِضمِّ اختفى اسم مالك بن نبي كُلِّيةً…
وقد كرّمه الرئيس الشاذلي بن جديد بوسام الاستحقاق سنة 1984 مع مائة من الشخصيات الجزائرية من مختلف المشارب (ومن بينهم فرحات عباس). كانت البلاد تسبح بلا وعيٍ في بحر البترول الهادئ عندما حدثت هزة عنيفة في أسواق النفط أدت إلى تدني أسعاره إلى أدنى المستويات. ونَجَمَ عن ذلك نقص في العملة الصعبة، بحيث عجزت الدولة عن تمويل حاجيات شعبٍ تعوّد على الراحة والفراغ.
وشهد شهر أكتوبر سنة 1988 انهيار النظام السياسي والاقتصادي المُستوحى من النموذج السوفياتي في خضمّ المُظاهرات. وقد قام الشاذلي بآخر مُحاولة لإنقاذ النظام، لكنْ ونظرا، لقلة عزمه على ذلك، جاء دوره ليُزاح من السلطة في خضم موجة الغضب وتصاعد الحركات الإسلامية بشكل قوي. وستؤدي الأحداث الأليمة التي تلت ذلك إلى مقتل مئات الآلاف من الجزائريين وخسائر مادية قُدِّرتْ بعشرات الملايير من الدولارات. وهذا ما أدى إلى تأخير عجلة التطور بعدة سنوات.
وبمجيء التعددية الحزبية وحرية التعبير في بداية التسعينيات عاد اسم بن نبي إلى الساحة الوطنية على صفحات الجرائد، وتزامن ذلك مع تأسيس ” حزب التجديد الجزائري ” من طرف كاتب هذه السطور. وكان الصحفيون الجزائريون والأجانب يأتون إلى مقر الحزب طلباً لمزيد من التعرف على الرجل الذي ألهم فكرة الحزب وبرنامجه.
وكان استقبالي للباحثة الألمانية 1991 سنةSigrid Fath سيجريد فات في ذلك الإطار، وكلّمتُها عن بن نبي طيلة ساعات. وبعد ذلك ببضعة شهور نشرت هذه الباحثة دراسة تحت عنوان: ” مالك بن نبي، كاتب سياسي، ناقد اجتماعي، مُستشرف لحضارة إسلامية في الجزائر المُستعمَرة والمستقلة ” في مجلة بمدينة هامبورغ (3).
وبعد ذلك بوقت قصير، راح البعض يذكر اسم بن نبي وصفاً لتيار ظهر داخل الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وانجرّ عن ذلك أنّ خصوم الإسلاموية اعتبروا ذلك دليلاً على أنّ بن نبي هو ” مؤسس الإسلاموية الجزائرية “. إنّ ما أُطْلِق عليه اسم ” الجزأرة ” لم يكُن إلاّ وهماً وتخريفاً، لأن بن نبي، بالنظر إلى واقع حياته وفكره، لم يُلهِم، ولم يكن ليُلْهِمَ خطاباً شعبوياًّ (بوليتيك)، أو أن يتسبب في أعمال العنف، أو أن يُساند فكرة دولة تيوقراطية.
ولم يحدُث أن انتسبت الحركة الإسلامية الجزائرية بكل أطيافها بشكل فعليٍّ إلى فكر مالك بن نبي رغم أنّ بعض مُمثليها كانوا يرتادون ندواته أحياناً بين سنة 1964 و سنة 1973، أي قبل ظهور التطرف الإسلاموي في الجزائر بعدة عشريات من الزمن.
وما يجب الاعتراف به هو أنّ شعبوية الاخوان المسلمين وديماغوجية الخطباء الإسلامويين المصريين أو غيرهم كانت أقوى من النهج النخبوي الذي سار عليه بن نبي. فالإسلاموية التي ظهرت في الجزائر يمكن اعتبارها مصرية أو إيرانية أو أفغانية، لكن لا شيء يربطها بأفكار بن نبي التي كانت كلها اتزاناً وروحاً إنسانية وعقلانية.
إنّ ما يُفسِّرُ العِداء الذي أكنّه لهُ الماركسيون والشعبويون إلى أن توفيَ، هو ذلك السدّ الذي وضعهُ أمامهم بأفكاره طيلة حياته. وقد حاول هؤلاء الماركسيون مِنْ قبلُ أنْ يُدينوه ويُشككوا في وطنيته بتشويه مفهوم ” القابلية للاستعمار ” والذي أبدعه للتعبير عن فكرة موغلةٍ في القِدَمِ. ولمْ يسلم بن نبي مِنْ عِداء المُستشرقين بسبب مسيرته الفكرية عموماً وبسبب كِتابين نغّصا عليهم صفو حياتهم، وهما ” الصراع الفكري في البلدان المُستعمَرة ” و ” أعمال المُستشرقين وأثرها على الفكر الإسلامي الحديث “. ويُمْكِنُ القول إنه لمْ يُستفَدْ أيُّ شيءٍ مِن تحاليل بن نبي واقتراحاته وتحذيراته وإنذاراته، لا في الجزائر ولا في باقي العالم الإسلامي.
ففي الجزائر لم تكُن الحركة الوطنية مُهتمّة بالنهضة، بل كان كل همّها هو المطالب السياسية. وعادت الكلمة الأخيرة لمُفكرنا بدليل المشاكل التي لا زالت الجزائر تتخبط فيها. وإذا كان الاستقلال قد افتُكّ بعد سبع سنوات من الحرب فإنّ حرباً أخرى نشبتْ بين الجزائريين أنفسهم بعد ثلاثين سنة من الاستقلال.
وهذا يعني أنّ ما كرّس له بن نبي كلّ حياته لم يكُنْ أقلّ قيمة من العمل الثوري الذي تكلل بتحرير البلاد. فالمعركة المُسلّحة لا تتطلب إلاّ رجالاً مهيّئين لذلك، وهُمْ كُثُر. لكن إنجاب مُفكِّرٍ واحدٍ يُكلِّف الشعوب قروناً، بل ألْفياتٍ مِن الانتظار.
إنّ “مرحلة ما بعد المُوحّدين” التي تناقلتْها الأجيال بصفة آلية جاءت لتُضاف إلى عيوب الماضي في صورةِ مديونيةٍ خارجية خانقة، وإرهاب أعمى. فالشعوذة التي حاربها “العلماء” قد عادت في صورة جديدة هي الإسلاموية. وألُصِقت وصمةُ اللاّئكية بالفكر الحداثي الذي دعا إليه الدكتور بن جلول، أمّا شعبوية الماضي فقد صارت ظُلماً صارخاً في الحاضر.
إنّ الشعبوية هي ذلك النفاق الذي يُريك الأشياء على غير ما هي عليه، إنها عقدة الكبت التي تمنع كلمة الحق من أنْ تصدح في وجه الاعوجاج، إنها الخوف من التصريح بالحقائق واتخاذ القرارات الضرورية من أجل الخروج من مأزق. والشعبوية هي التي تقف وراء السياسات الاقتصادية ذات النظرة الضيّقة، والحلول المؤقتة وعمليات الترقيع التي دأبت الحكومات على القيام بها منذ الاستقلال.
إنّ الحُكام غير الواثقين من شرعيتهم والعاجزين عن تسويغ القرارات التي يتّخذونها، يتفادون إثارة غضب الجماهير ويقومون بأي شيء لِمُحاباتِها. إنهم يُفضلون التنازل والتقهقر على مُواجهة الواقع، وهُمْ بذلك يتملّصون من القيام بالجهد المؤدي إلى الحضارة. وذلك كلّه سيؤدّي حتماً إلى تربية جيلٍ مُشاغبٍ سيظهر في الغد القريب.
عندما كان الجميع ينتشي بفكرة أنّ الجزائر تُمثِّلُ قٌطبا هاماًّ في العالم، كان بن نبي لا يتردد في التذكير بالعيوب والنقائص التي بُنِيَتْ عليها الدولة. لكنه، ومرّةً أخرى، وجد نفسه معزولاً: فهو وحده الذي كان يشعر بأن الجزائر سائرة في طريق خاطئة، وأنّ ما كانت تفعلُهُ بإمكاناتها الريعية لا يعدو أنْ يكون تزويقاً لـ “القابلية للاستعمار” و “البوليتيك”.
وقد أورد في دفاتره فكرةً يقول عنها إنها منقوشة على الرخام على واجهة قصر نائب المَلِك في مدينة دلهي، وهي: “إنّ الحرية ليست هي التي تنزل إلى الشعب، بل الشعب هو الذي يصعد إلى الحرية”. وهذا عكسُ ما اعتُقِدَ في الجزائر.
لمْ يدْعُ بن نبي إلى مبادئ تُلْهِبُ الحماس، لكنه حاول أنْ يُعلِّمَ الناس طُرقَ التفكير والاستدلال. كان مُعارضاً طيلة حياته: فقد عارض الاستعمار، وعارض “القابلية للاستعمار” والإدماج و “البوليتيك”، وعارض مرض الزعامة، والشعبوية، ونزعة الحلول الاقتصادية الآنية… كان يسير في تيار مُعاكس لكل التوجُّهات التي سادت في العالم الإسلامي خلال القرن المنصرم. فكيف كان يمكن أن يُكرّمَ، بعد كل هذا، على أيدي ذويه؟
تلك هي الأفكار، وذلك هو الفكر، وتلك هي الأعمال التي كان يجب أنْ تُعلَّمَ وتُنشر من أجل تربية المواطنين وتزويدهم بتصوُّرات صحيحة، وتوعيتهم بشروط الحضارة، وإعطائهم مناعةً ضد الشعوذة والظُّلم والجور. لكن الدولة الجزائرية انشغلتْ بتدابير البناء الوطنيّ وراحت تلهث وراء الأفكار التي توصف بأنها تقدُّمية، دون أنْ تُعير أي انتباه لفكر بن نبي. وجاءت النتائج صارخةً: فالأفكار الخاطئة جاءت لتُحطِّمَ ما أُنْجِزَ تحت عنوان “البناء الوطني”، وفرّقتْ بين صفوف الشعب، وأضاعت استقرار البلاد وأمنَها.
ومِن تداعياتِ تلك الأزمة ظهور طوابير الجزائريين أمام مداخل القنصليات الخارجية طلباً لرُخصِ الخروج… أمّا الذين لم يجدوا وجهةً يتجهون إليها، فإنّ كثيراً منهم راحوا ـ في الفترة بين 1993 و 1997 ـ يُطالبون بتدخل المؤسسات الدولية. وهكذا صدحتْ “القابلية للاستعمار” بأعلى صوتها… أمّا في هيئة الأمم فإن الحديث بدأ يدور بِجِدٍّ حول إمكانية وضع الجزائر تحت الوصاية.
ويمكن تشبيه بن نبي بالمستطلع الذي يسعى إلى إيجاد طريق النجاة، فيُفاجأ بأنّ الجمهرة لم تكتفِ بالإعراض عن الطريق التي اختارها، بل اتّخذتْ طريقاً مُعاكسةً تماماً. وهذا يُذكرنا بقصة النبي موسى الذي صعد إلى جبل سيناء ليأتي بالحقيقة للقوم العبري، وعندما عاد وجدهم مُنكبين على عبادة العجل الذهبي. ويدُلُّنا التاريخ على أن أُمماً كثيرةً أنقذها رجل واحد من رجالها، كما يدُلُّنا على أنّ هناك أمماً بِرُمّتها لم تُنجِبْ رجلاً عظيما واحداً.
إنّ العالم الإسلامي الذي يصطدم بجدار كُلّما حاول أن يتحرّك، يبدو أنه عاجز عن إنجاب رجل ذي نظرةٍ استشرافية كي ينير له الطريق في العالم الحاضر. أمّا الشعوب الإسلامية فهي لاهثة وراء الحركات السياسية المُطالِبة بالحقوق، ومُنتشيةٌ بالخُطبِ الإيديولوجية المُزدانة بالأوهام، ويؤطرها رجال دين مُزيّفون. وهكذا راحت تلك الشعوب تتبع خُطى “الزعماء” و ” الشعوذيين gourous” الذين قادوها إلى الانهزام في كل المعارك والرهانات، وضيّعوا عليها كلّ فرص النجاة خلال القرنين المُنصرِمَيْن.
وها نحنُ اليوم في ظلامٍ دامس. لم نَعُدْ نعرف أيّ طريق نختار، ولا إلى أية وجهةٍ نتّجه، كما يقول الفيلسوف والسياسي سينيك Sénèque: ” لا توجد ريحٌ مُناسبة لِمن لا وجهةَ له”.
فتَحَ العالم الإسلامي عينيْهِ على صبيحة يوم 11 سبتمبر 2001 لِيَجِدَ أنّ دينَه قد صار هو العدو رقم 1 للعالم كلّه. ومنذ ذلك اليوم راح قادة القوى الكبرى يُخططون لإستراتيجية جديدة لتوزيع الأدوار، وتبيّن أنّ العالم الإسلامي لم يَبق له أي دورٍ في تلك الإستراتيجية، إذ صار مُجرّد وُجودٍ مُحاصَرٍ من كل الجوانب.
أمّا ما يُسمّى بالنُّخب الإسلامية، فقد وجدتْ نفسها، مرةً أخرى، مشلولة من أثر الدهشة، وعاجزة عن استحداث أيّ فكرٍ أو فرض أية فكرة للتغيير. وكما جرت العادة، فإنّ الجمهرة راحت تُتابع على القنوات الفضائية خُطب “رجال الدين” البالية التي تنوح على الإسلام المُحاصر، وتتشدق بـ “خير أمّةٍ أُخرِجَتْ للناس”.
وهذا هو السياق الذي يمكن لفكر بن نبي أن يسترجع فيه قدرته على الأداء. صحيحٌ أنّ تبنّي فكرٍ أصعب من الإيمان بخطاب، إذ أننا نقع تحت تأثير الخُطب الرنانة بسهولة، لكن من الصعب الانقياد للاستدلال الجاف. ثُمّ إنّ الاستماع لا يقتضي مِن الجهد ما تقتضيه القراءة والفهم.
تلك هي الجماهير الإسلامية، وتلك هي التيارات المُعارضة التي واجهها بن نبي في حظيرة ثقافية لم تكُنْ ترى فيه “عالِماً” محضاً، ولا سُلطةً مُخوّلاً لها أن تتكلم عن الدين، ولا خطيباً من الطراز الذي تلتهم الجماهيرُ خُطبَهُ التهاماً، ولا مِنْ أهل الدعاية الخاضعين للسلطة والعاملين بترخيص منها.
وذلك هو المصير المحتوم الذي كان ينتظر ذلك الرجل المشغوف بحرية فكره، والواعي بتبعات رسالة الشهادة عند المولى، والموصوف في ” الصراع الفكري” بأنه عدوّ.
وكان عبد العزيز بوتفليقة هو أول رئيس نطق باسم مالك بن نبي أمام الملإ. كان ذلك بطريقة غير رسمية في بعض الحوارات الصحفية، ثُمّ بطريقة علنية في عدة مناسبات نذكر منها الرسالة التي وجّهها إلى “الملتقى الدولي حول فكر مالك بن نبي” الذي نُظِّم سنة 2003 بمناسبة الذكرى الثلاثين لوفاته، وكذا الخطاب الذي ألقاه أمام المشاركين في ” ملتقى مستقبل العالم العربي” المنعقد في بيروت شهر ديسمبر من نفس السنة (وكاتب هذه السطور هو الذي حرّر كلا النّصّيْن). كُنتُ، في ليلة من ليالي ذاك الملتقى، رفقة السيد مسقاوي ننظر إلى تلك الأعيُنِ المشدودة إلى فم الرئيس وهو يلقي خطابه الذي ذكر فيه اسم بن نبي عدة مرّات.
وإضافة إلى ذلك فإن الرئيس الجزائري كان في تلك المناسبة هو الرئيس العربي الوحيد الذي أثار مسألة ” التقرير حول التنمية البشرية في العالم العربي”، والذي نُشِر تحت رعاية هيئة الأمم، وهو الوحيد الذي حلّلَ المُعطيات التي تضمنها ذلك التقرير، والتي تُشير بصفة صادمة إلى أن العالم العربي يعيش حالة تأخرٍ فظيع مُقارنة بالمجموعات الحضارية الأخرى أو مُقارنةً بالبلدان المتقدمة متوسطة المرتبة.
وجدير بالذكر أنّ الإدارة الأمريكية استندتْ إلى معطيات ذلك التقرير في مُبادرتها المُسمّاة GMO (الشرق الاوسط الكبير) الهادفة إلى إبراز “النقائص الثلاثة” في مجال الحُرّيات، ومجال المعرفة، ومجال وضعية المرأة، ثُمّ اقتراح مخططات إصلاح لسدّ تلك النقائص.
ونُشيرُ أخيراً إلى أنّ الحكومة الجزائرية أطلقت اسم مالك بن نبي على الثانوية الدولية التي افتتحتها في باريس شهر نوفمبر 2005.
عاد الاهتمام بفكر بن نبي في مختلف مناطق العالم خلال العشرية الأخيرة. وصارت كُتبهُ التي تُرجِمَ بعضُها إلى الأنجليزية والإسبانية والأوردية والتركية والفارسية والماليزية، تُنشر في طبعات جديدة. كما خُصِّصَ عدد كبير من أطروحات الماجيستير والدكتوراه لدراسة فكره في مختلف جامعات إفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا. فلقد نظمتْ جامعة كوالا لامبور بماليزيا مُلتقيات خاصة بفكره سنة 1991، وهذا ما فعلته جامعة وهران سنة 1992، والمجلس الإسلامي الأعلى سنة 2003 بالجزائر العاصمة، والجامعة الإسلامية بقسنطينة سنة 2005. ( وكانت هاتان التظاهرتان الأخيرتان بمبادرة مِن كاتب هذه السطور).
لكن ما يشُدُّ الانتباه أكثر هو الاهتمام الذي بدأ يُبديه بفكرِ بن نبي مُفكرون خارج المحيط الإسلاميّ، مثل الأمريكي ألان كريستلاو والألمانية سيجريد فات. فهذه الأخيرة تصفه في دراستها بأنه “مُقاتل معزول، مُستفزّ، ولا يتراجع أمام أي انتقاد مُزعج، ومستعد، كفردٍ، لتحمّل نتائج أنشطته”.
أما ألان كريستلاو فهو يرى أنّ بن نبي “هو أحد أكثر الكُتاب الجزائريين إنتاجاً في القرن العشرين. أعماله نالت شهرة في الشرق الأوسط وفي أوروبا بقدر شهرتها في بلدان المغرب. لكنه مُؤلف يُرْجَعُ إليه عَرَضياًّ، ولا يُدرسُ دراسة وافية. وهو مُفكر معزول، لمْ يترك تلاميذ يشرحون أفكاره ويُنقِّحونها… والقارئ الأوروبي والأمريكي يفهم كتاباته أحسن من فهمه لكتابات مُفكرين مُسلمين آخرين أكثر منه شهرةً، مثل علي الشرياطي وسيد قطب… لقد حاول أنْ يفهم الحضارة الإسلامية باعتبارها جزءاً من الحضارة العالمية… وإنّ المثقفين المسلمين لو سعَوْا إلى إيجاد طُرق ووسائل المُصالحة بين الإسلام والحداثة لأمْكنَ لهم بذلك أن يُحْدِثُوا اهتماماً بأفكار مالك بن نبي”.
إنّ هذا الباحث الأمريكي مِن أولئك الذين أعادوا قراءة بن نبي على ضوء مُعطيات العالم الحاضر فأدركوا أنّ فكره يبقى حديثاً أكثر من أي وقتٍ مضى. وهو يقول: ” إننا اليوم، وقد تفاقمت الصراعات في الشرق الأوسط واتخذت مجرى جديداً وقوّة أكثر، بحاجةٍ إلى أفكار جديدة مثل أفكار بن نبي… فأفكاره تكتسي أهمّيةً بالغة في بداية هذا القرن الواحد والعشرين… ومِن المُفيد أن يُبذل جهدٌ في نشر أفكاره واتخاذ حياته كإسوة حسنة، وأنْ يُثار النقاش والبحثُ حوله”.
ولقد وجد كريستلاو، في دراسته الأولى (4)، صعوبات جمّة في إدراج بن نبي ضمن فئة من الفئات التي جرتْ العادة على اعتمادها في تصنيف المثقفين المسلمين، إذ يقول: ” إنّ التصنيف السياسي الشائع في الغرب، مثل الليبرالي أو الراديكالي أو الوطني أو الماركسي أو الأصولي الإسلاموي، لا يُناسبُ لتصنيف بن نبي. فهو ليس بالمفكر السياسي المحض، لكنه أقرب إلى كونه مُفكراً اجتماعيا، وثقافياًّ على الخصوص”. ولأجل ذلك سمّاه بـ ” المفكر الوحدوي “.
أمّا في دراسته الثانية (5)، فيبدو أنه ارتقى إلى مستوى أعلى في تعميق فكر بن نبي: “لمْ يكْتَفِ بن نبي طيلة ثلاثين سنة بإرساء أسس التجديد الإسلامي، بل عمل على وضع قواعد التواؤم بين الحضارة والعقيدة… حاول أن يفهم الحضارة الإسلامية باعتبارها جزءاً من حضارة أوسع هي الحضارة العالمية”. وهكذا حاول كريستلاو في هذا النص الأخير أنْ يستطلع السُّبُل التي مِنْ شانها أنْ تجد رابطاً بين فكر بن نبي والرؤى الأمريكية بخصوص العلاقات بين الحضارات والعولمة.
وممّا قاله عنه الأستاذ ميشال باربو (أمين عبد الكريم) في ملتقى الجزائر شهر أكتوبر 2003: “عاش بن نبي ثلاثة أرباع القرن العشرين مُشاركاً شعبه في كل شؤونه، الحلْوِ منها والمُرّ. وككثيرٍ مِنْ قُرنائه الجزائريين كان عليه أن يكتوي بنار الحرمان التي شاهدها تيون- ريفيار Tillon-Rivière في إطار عملهما الإثنوغرافي (علم الأعراق البشرية) الذي أنجزاه في منطقة الأوراس خلال الثلاثينيات، كما ذاق مرارة انعدام العدالة الاجتماعية، وهو الوضع الذي سيُندِّدُ به ألبير كامو في كتاب ” Actuelles “… ولقد تمكّن بن نبي مِن تحديد فضاء الشخصية الجزائرية الجديدة بفضل منهجه الإنساني الذي لا يخلو مِن جزالة عالية في التعبير. لم يفعل ذلك باستحضار الماضي الأسطوري كبديل عن الواقع الحاضر والمُرّ، ولم يفعل ذلك بالدعوة إلى العنف من أجل العودة إلى ماضٍ طوباويّ لم يكن له وجودٌ في الحقيقة، وهو في حُكمِ الماضي على أية حال، بل بتحليل علاقات الصراع بين ما يُسمّيه بمحْوَر واشنطن – موسكو، ومِحْور طنجة – جاكرتا تحليلاً مُتانِّياً، واعياً وبريئاً من أي تنازل أو ديماغوجيا… ولا بُدّ مِن التأكيد على أنّ تلك الأفكار تنطبق تماماً على الوضعية الحالية التي تُعاني منها الإنسانية وهي ترزح تحت وطأة المِحَن والظّلم. لقد تبنّى بن نبي لغة أخلاقية بالمعنى الشريف والعميق لهذه الكلمة، في فترةٍ لا تقلّ قسوةً عن حاضرنا. لقد دافع عن حقوق جميع الأطراف، دون أن يغفل عن تذكيرهم بواجباتهم في نفس الوقت. إننا بإعادة قراءة بعض مؤلفاته التي تربو على العشرين نندهش إزاء غياب الأحكام القاطعة التي تُشيدُ بطرفٍ إشادة مُطلقة وتُدينُ الطرف الآخر إدانةً عمياء. وممّا يرفع مرتبته ويُبرِزُ شجاعته عندنا أنّهُ كان ينشر تلك الأفكار ـ وهي أفكار تنبض بالأمل والكرامة والإصلاح الوطني، وبالتالي فهي بمثابة إرهاص لمُصالحاتٍ مُستقبلية ـ في الفترة الممتدة بين سنة 1945 وسنة 1962. لقد تمكن بفضل موضوعيته ووضوح رؤيته مِن تخطّي كل تلك الصعاب وراح ينادي بحوار بين الحضارات. وهذا ما يجعل من قيم السّماع والتركيب التي نادى بها بن نبي بكل شجاعة صالحةً إلى يومنا مِن أجل إقامة حوار بين الإسلام والغرب” (6).
كان بن نبي يريد أن يكون هو فيلسوف الأنوار في العالم الإسلامي ومُنظِّر نهضته. كما كانت أمنيتُهُ أن يُعترَفَ به كمُنظّرٍ للنزعة الأفروآسيوية. ووهب نفسه للثورة الجزائرية باقتراح كتابة تاريخها، وعبّر عن استعداده ليكون صائغ إيديولوجيا إعادة بنائها بعد الاستقلال، لكن أفكاره رُفِضَتْ، واختيرتْ الأفكار البعثية والماركسية والشعبوية والإسلاموية كبديلٍ عنها…
لقد علا نجمُ أسماء أخرى مُسايَرَةً للموضة الغالبة، وهي: فرانز فانون، ميشال عفلق، المودودي، وسيد قطب، ناهيك عمّن لا يزال على قيد الحياة. لكن تلك الإيديولوجيات الساحرة التي ارتبطوا بها أتى عليها زمن آلتْ فيه إلى التلاشي كما تتلاشى أحلام اليقظة، بينما أفكار بن نبي لا زالت تُثبِتُ صلاحيتها واستمراريتها إلى وقتنا الحاضر، بل حتى إلى المستقبل.
إنّ في أعمال بن نبي إثراء للعلوم الاجتماعية بفضل فهمه الجيد لنفسية المسلمين وملمحهم الاجتماعي، وفيها تأويل أصيل لتاريخ الإسلام. فلو كان يونانياًّ لأمكن تصنيفه ضمن التراجيديين، ولو كان ألمانيا لأمْكَنَ تصنيفه ضمن الحيويين بجانب فيخته ونيتشه وشبنجلر، ولو كان فرنسياًّ لأمكن تصنيفه مع دوكايم وأجست كونت. وباعتباره مُسلماً فهو نظير ابن خلدون. أمّا وهو جزائري، فهو الرقم واحد في سلسلة لمْ توجد بعدُ، وهو رائد حركة ثقافية لم ترَ النور إلى حدّ الآن، حركة كان يُفترض أن تُحدِثَ تركيبة بين قيم الإسلام والروح العالمية التي طالما حَلَمَ بها.
إنّ ما يُميِّزُ بن نبي عن مؤرِّخي الحضارات مِن أمثال شبنجلر وتوينبي وبرودل وجوفارا، هو أنه لم يكُن مدفوعاً بمُجرد الفضول لفهم التاريخ، بل بإرادة فهم وضعية تاريخية قصد تغييرها. فكُتُبُهُ كُلُّها تنضوي تحت هذا العنوان العام والشامل:”مشكلات الحضارة”.
أضاف بن نبي “علم النفس الطاقوي” إلى “الفلسفة الحيوية”: فالحضارة آلة مُتحركة كبيرة، والدين مُكدِّس عملاق للتيار. ويمكن تشبيهه كذلك برجال الفكر الكبار الذين سحرتْهُمْ ثقافات أخرى غير الثقافة التي ينتمون إليها، مثل بعض المُستشرقين. فهو يمكن اعتباره “المُستغرب” المُسلم الأكثر كفاءةً.
كما يمكن تصنيفه ضمن تلك الفلسفات التي تميّزت بالتّذمُّر من حالة الأمّة التي تنتمي إليها، فجاءت كتاباتها في صورة لعنةٍ ضدّ مُعاصريها. وفي هذا الإطار يمكن أن نذكر جبران خليل جبران وأورتيجا إي جاست. أما باعتباره كاتباً مُلتزماً فيمكن تشبيهه بـ إيمي سيزير Aimé Césaire و تيبور مند Tibor Mende و روني ديمون René Dumont و خوسوي دي كاسترو Josué de Castro، وهُم مِن الكُتاب الذين كان بن نبي يستشهد بهم كثيراً.
إنه، مِن بين المُفكرين المُسلمين خلال القرنين الماضيين، صاحب أنسب نظرة إسلامية لمسيرة التاريخ، وذلك بفضل كونه وسيطاً بين حضارة الإسلام وحضارة الغرب، ووسيطاً بين الإسلام والهندوسية. وكان بن نبي يعرف كلّ ذلك بكل هدوء، إذ يقول في ملاحظة مؤرخة في 25 أكتوبر 1959: “إنّ أفكاري تُمثل جهداً لتكييف الفكر الإسلامي مع العالم المُعاصر. وأعتقد ألاّ أحد قدّمَ شيئاً قبلي في هذا النهج”.
كان أقربَ إلى يونغ و “طاقته الحيوية” مِنهُ إلى فرويد و “الليبيدو” التي أقام عليها جزءاً من نظريته في علم النفس. وكان أكثر انسجاماً مع روحانية كيسرلينج مِنهُ مع النظرية الحتمية عند شبنجلر. وكان أكثر ميلاً إلى كونفوشيوس منه إلى لاو تسو أو سقراط أو بوذا. وإذا كان مُسلِماً مِن أحسن طراز من ناحية الروح، فإنه من الناحية العقلية يُمثِّل النزعة الأكثر عقلانية في العالم الإسلاميّ في مرحلة ما بعد المُوحِّدين كُلِّها. وهو نفسُهُ لم يكُنْ يُحِبّ إلاّ اعتبار نفسه “رجلاً شريفاً” بالمعنى الذي كان يقصدُهُ فرنسيو عصر الأنوار بهذه الكلمة.
جاءت أعماله أصيلة بالروح المنهجية التي ميّزتها، وبالأسلوب الواضح الذي أعطاها حيويةً لمّاعة، وبميله الواضح إلى البرهنة والشرح البيداغوجي، وبنظراته المُنبِّئة إلى خطوط تطوّر العالم، وبروحه الإنسانية على وجه الخصوص… وعلى غرار كبار المُربّين، راح بن نبي يدعو إلى الخير لأهله وبعيداً عن أهله، وللأجانب، وفي كل مكان أتيحت له فرصة التعبير.
ولقد تحمّل هذا المُفكّرُ تبِعات حياته الصعبة في عزلة عن زحمة عصره، منفرداً بنفسه داخل حظيرته الثقافية، وعازفاً عن كلّ المُكافآت التي حاولوا إغراءه بها مُقابل تدجينه. وهذه أبيات شعرية للفيلسوف نيتشه تنطبق عليه تمام الانطباق:
” أجلْ، ليس في نظرته أيّ رغبة
ولا يعبأ بتشريفاتكم
عينُهُ هي عينُ النَّسْر، ينظُرُ بعيداً
إنه لا يراكم، ولا يرى إلاّ نجوماً”(7)
إضافة مُقترحة مِن المُترجِم (الأستاذ عبد الحميد بن حسان):
وتنطبق عليه أبيات أبي القاسم الشابي الشهيرة:
سأعيش رغم الداء والأعـــداء كالنسر فوق القمّة الشّمّــاءِ
وأقول للقدْرِ الذي لا ينْ
ثَنِـــــــي عن حربِ آمالـي بكُلِّ بـــلاء
إنِّـي أنا النّايُ الذي لا تنتهـــي أنغامُهُ ما دام في الأحيــــــاء
وأمّا إذا خمدَتْ حياتي وانقضى عمري وأخْرَسَتِ المَنيّةُ نائي
فأنا السعيدُ بأنّي مُتحــــــــــوّلٌ عن عالَمِ الآثامِ والبغضــــــاءِ
المراجع:
1) منشورات غاليمار، باريس 1950
2) يتعلق الأمر بالنصوص المُحتواة في ” أفاق جزائرية”، “اسلام و ديمقراطية” و “أعمال المستشرقين و اثرها على العالم الاسلامي”
3) « Wukuf ». مجلة وقوف
4) مُسلِم ذو نزعة إنسانية من القرن 20، مالك بن نبي
5) ”مالك بن نبي و الحدود الثقافية في عهد الشمولية”، المرجع السابق
6) ” الغرب و وجهة الاسلام عند مالك بن نبي”
7) كتاب “المعرفة المرحة”
