بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
تعرّض بن نبي وزوجته لاعتداءٍ على يد جار في الطابق السُّفليّ عند باب العمارة الواقع في شارع روزفلت بتاريخ 07 مارس سنة 1973. فقد اعترض طريقه ثلاثة رجال وامرأتان، ثُمّ طرحوه أرضا وأشبعوه ضربا حتى وقع منه برنوسه الأبيض وتكسرت نظّارتاه.
وهذا ما قاله حرفياًّ أحد الشهود أمام الشرطة، وهو مواطن جزائري مُقيم في وهران، شهِد الواقعة بالصدفة، ولم تكن له معرفة بأيٍّ مِنْ طرفَيِ الخصام: ” في يوم الأربعاء 07 مارس، الساعة 17. 45د تقريباً، كُنتُ أقطع شارع روزفلت بسيارتي، فرأيتُ على مستوى الرقم 50 رجالاً ونساءً ينهالون ضرباً على رجُلٍ مُسِنٍّ مُلقى على الرّصيف بثياب النوم. وكان برنوسه مُلقى بجانبه، ومعه نظارتان. وعلى بُعْدِ 3 إلى 4 أمتار كانت سيّدة مُسِنّة مرتدية جلاّبة تترنح بما يدُلّ على أنها تعرّضتْ للضرب على أيدي عدة نساء أخريات. كانت تُحاول جهدها أن تَصُدّ الضربات المنهالة عليها بواسطة لوحة خشبية صغيرة في يدها، وحول الرجُلِ المُلقى على الرصيف أطفال يبكون وهم مذعورون. وكان مُعظمُ المُعتدين مُسلحين بألواح خشبية. بعد ذلك بلحظات وصلت سيارة الشرطة إلى مكان الحادث، ونزل منها شرطيون ليتدخلوا بقوة. رأيتُ اثنين أو ثلاثة من المُعتدين يدفعون برجال الشرطة بعنف ويعودون إلى اعتدائهم. لكن سرعان ما تغلب رجال الشرطة عليهم وأجبروهم على الصعود إلى السيارة. وكانت المساعدة التي قدمها رجال الشرطة المسؤولون عن حركة المرور في مفترق الطرق ببوقارة هي التي أنقذت الموقف. قُمتُ مع صديقي بمساعدة الرجل المُلقى على الوقوف، وبتهدئة روع السيدة التي كانت معه ثُمّ رافقناهما إلى مقرُبة من شُقّتهما. وكانت النتوءات والخدوش تملأ وجه تلك السيدة، وأنفها ينزف دماً. وفي حدود الساعة 18. 45د حملناهما إلى قسم الشرطة بالدائرة الثامنة التي كُنّا مُتّجهين إليها كي تُقدِّمَ الضحيتان شكواهما وأُقدِّمَ أنا شهادتي.
التحقَتْ بنا امرأة كانت ممّن شارك في الاعتداء، ونطقتْ بكلمات غير مفهومة وهي تُلوِّحُ بيديها طيلة خمس دقائق تقريباً. كانت في غاية الاهتياج حتى أنّ بعض المارة تجمهروا حول قسم الشرطة ليروا ذلك المشهد العجيب. ويبدو أنْ تلك المرأة قد شجّعها سكوت الجميع فازدادت اهتياجاً، واقتربتْ مني لتقول لي إنها قد سجلت ترقيم سيارتي، ثُمّ انصرفتْ. أعتقد أنها ناقمة عليّ لأني ساعدتُ الرجل المُسِنّ وزوجته، ولم يُعجبْها ما فعلْت. فهي ترى أنّ إسعاف أشخاصٍ في خطرٍ يُعدُّ مُخالفة. وبعد أن انصرفتْ خاطبْتُ أحد رجال الشرطة الحاضرين في القسم كي أُعبّر له عن دهشتي من ذلك السكوت الذي التزم به الجميع أمام ما فعلته تلك المرأة داخل قسم الشرطة. فأجابني بأنه أبٌ لعدة أطفال ولا يُريدُ أن يجد نفسه منقولاً إلى مكان بعيد عن أولاده. طُلِبَ منِّي إذاً أن أعود غداة ذلك كي أدلي بشهادتي. لكنني عندما قصدتُ قسم الشرطة يوم 8 مارس طُلِبَ مني ثانيةً أن أعود يوم الجمعة 9 مارس، وهذا ما فعلتُه. في ذلك اليوم سُجِّلت شهادتنا. ولمّا أردتُ أنْ تُسجّل مُلاحظة رأيتُها بنفسي رفض الشرطي المُكلّف بالتسجيل تسجيلها في المحضر، فثار بيننا نقاش حادّ. وتلك المُلاحظة تتعلق بتعرّض رجال الشرطة النازلين من السيارة للدفع العنيف على أيدي المُعتدين عندما تدخلوا في البداية. وقد عادت الكلمة الأخيرة للشرطي ولم تُسجل المُلاحظة التي ذكرتُها. وبعد ذلك قدّمتِ الضحيتان شكواهما”. إمضاء: قرموش عبد الحميد (1).
انتقل بن نبي في بداية شهر ماي 1973 إلى كلّ من باتنة وبسكرة رفقة زوجته وابنته إيمان من أجل إلقاء مُحاضرات. وفي السابع عشر من شهر جوان كتب أسطره الشهيرة التي يقول فيها: “إنني أُحَيِّي نهايتي. صِرْتُ أجد خلال هذه السنة التي تشهد التاسعة والستين ربيعاً من عمري، شعوراً مُتزايداً بالراحة والخلاص. أنا مثل رجُلٍ أُثْقِلَ كاهلُهُ بعبءٍ ثقيل، وهو يشكر الله على أنه أتاح له حملَهُ طيلة هذه المسافة وطيلة هذا الزمن الطويلين، لكنه مع ذلك ينتظر اللحظة التي يضعه مِن على كتفيه. كانت حياتي جدّ مُثقلة بالأعباء. وأنا على مشارف السبعين أرى قُرب نهايتي بارتياح”.
لكنهُ يُضيفٌ قائلاً، وكأنه يريد أن يُصحح خطأ في حق بناته اللواتي كُنّ في سنّ التاسعة والعاشرة من العمر: ” ومع ذلك فإنني أتمنى أن تُؤجل هذه النهاية ما دامت بناتي بحاجة إلى حضوري”. وغداة ذلك تلقى استدعاءً للمثول أمام محكمة الجنايات. ووُجِّهتْ إلى زوجته تهمة “مُحاولة قتل” في حقّ جارتها التي اعتدتْ عليها قبل ذلك بشهر.
وفي السابع والعشرين من ماي انتقل إلى وهران لإلقاء مُحاضرة، ثُمّ عاد إلى باتنة يوم 06 جوان لنفس الغرض، ومنها توجّه إلى الأغواط التي سيُلقي فيها ثلاث مُحاضرات ويُدشّن بها نادي الترقِّي. عاد إلى بيته يوم 14 جوان وسجّل هذه الملاحظة في دفاتره: ” لم أنتبه إلى تدهوُرِ صحّتي إلاّ بعد عودتي إلى بيتي، والفضلُ في ذلك يعود إلى زوجتي التي لم يهدأ لها بالٌ حتى زارنا الطبيب وهدّأ مِنْ رَوْعِها”.
وتلك كانت آخر السطور مِن آخر دفتر في يوميات بن نبي، وهو دفتر أزرق اللّون، وعليه الرقم 19. كان توقُّفُهُ عن الكتابة مُفاجئاً، قاصماً، وبلا إشعار مُسبق. لم يتمكن صاحِبُ هذا الدفتر من إضافة كلمة واحدة بسبب الضعف الذي لحقه جرّاء المرض، وستبقى الصفحات المتبقية من ذلك الدفتر بيضاء إلى الأبد.
الوصيــــة
أجرى بن نبي خلال إقامته الأخيرة بلبنان مُحاورة مع إبراهيم عسي، وهو مثقف لبناني، وهو الذي نشرها تحت عنوان: ” آخر مُحاورة مع مالك بن نبي: شهادة واستشراف”. وتضمّن الكتاب بالإضافة إلى المُحاورة نصاًّ تحت عنوان: ” وصية مالك بن نبي” التي يبدو أنها سُجِّلتْ في مقرّ إقامة المرحوم.
إنّ الفكرة الأساسية التي يمكن استخراجها من هذه الوصية لن تكتسي دلالتها الكاملة إلاّ بعد كتابتها بثلاثين سنة من الزمن، أي عندما سيشرع الأمريكان في تنفيذ فكرتهم الشهيرة حول إصلاح الشرق الأوسط الكبير. يقول بن نبي وهو يُجدد إنذاراته التي أطلقها منذ سنة 1956 وسنة 1958: ” إمّا أنْ نتغيّر بأنفسنا وإمّا أنْ نُضْطرّ إلى التغيّر من الخارج”. فهو يرى أنّ الثلث الأخير من القرن 20 يخبِّئ مُفاجآت وتغييرات أساسية على مستوى الكرة الأرضية، ويقول:” هل نحن مُستعدّون لمواجهة تلك التغييرات؟”. وكانت إجابته عن هذا التساؤل سلبية بكلّ أسف.
لم يكُنْ العالم الإسلاميّ يبدو له مُستعدا للقيام بالتحوّلات الضرورية التي ستسمح له بمُسايرة العالم، لا مِن الناحية السياسية، ولا من الناحية الاجتماعية والاقتصادية. وعندما كشفتْ أمريكا عن مشروعها ابتدع الرئيس علي صالح عبد الله صورة تناقلتْها وسائل الإعلام، وهي قوله: “علينا أنْ نُحلّق أذقاننا قبل أن تُحلّق رؤوسنا”. وهو بذلك يؤكد صحة الانشغال الذي عاش به بن نبي في زمانه حول مستقبل العالم الإسلامي.
إنّ الأفكار التي تتضمنها هذه الوصية هي نفسها الأفكار التي نادى بها بن نبي منذ زمنٍ بعيد: فحلول المشاكل التي يتخبط فيها العالم الإسلامي لا يمكن أن تكون محلية أو وطنية، بل عليها أنْ تكون شاملة وذات صبغة حضارية. ومشروع الوحدة العربية في نظره كان طريقا خاطئاً، وستظهر صراعات على حدود ما يُسمى بـ “دار الإسلام”، في كلٍّ من الفيلبين وأندونيسيا وإفريقيا الوسطى (نيجيريا)، إلخ، وهي صراعات أُريدَ بها إيقاف انتشار الإسلام. أمّا المسيحية فقد استعبدتْها الصهيونية، والعالم الإسلامي يشكو من التأخر المادي، بينما يشكو العالم الغربي من تأخر روحي وأخلاقي. إنّ هذا العجز المزدوج هو سبب هذه الوضعية القابلة للانفجار، والتي يجب نزع فتيلها بالتقريب بين الحضارتين، وذلك بتحسين الحالة الاجتماعية والاقتصادية والتقنية عند الأولى، وتصحيح الوضع الثقافي والأخلاقي والروحي عند الثانية.
وكانت تتراءى له أزمة الغرب الأخلاقية في صورة آفات نفسية مُتزايدة (كالإيمان بالوجودية وعبثية الحياة، والهيبية hippisme، والحرية الجنسية…). ويستنتج من ذلك أن المجتمع الغربي آخِذٌ في فقدان إرادته الحضارية vouloir civilisationnel، في حين أنّ المجتمع الإسلامي يجد صعوبة في اكتساب قدرته الحضارية pouvoir civilisationnel . الغرب لم تَعُد لديه مصادر ميتافيزيقية، إذ صارت المسيحية مُجرّد حضور مؤسساتي مُتمثل في الفاتيكان (2) حتى صار الغربيون يبحثون عن الإلهام في الهروب من الواقع أو في الفلسفات الشرقية التي ينتقلون إلى التيبت (الهند) تنقيباً عنها.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ “وصية مالك بن نبي” كانت قد نُشِرَتْ في مجلة ” المعرفة ” التونسية سنة 1975 قبل أنْ يُقدّمها إبراهيم عسي، كما نُشرت نسخة منه في كتاب” صفحات مُشِعّة مِن فكر مالك بن نبي ” (3) للدكتور عبد اللطيف عبادة. هذا عن الفكر المُصرّح به، فماذا عن الفكر الذي لم يُصرّح به أمام الجمهور؟ فبن نبي يقول في ملاحظة مؤرخة في 08 أفريل 1968: ” إنّ الشوط الأخير من التاريخ سيكون بين اليهود مدعومين من العالم بأسره بعد أن يكونوا قد أخضعوه لسيطرتهم السياسية والإيديولوجية، والإسلام. إنه منطق التاريخ.
الوفــاة
اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية مِن جديد بتاريخ 6 أكتوبر 1973. وقد حققت القوات المصرية خلال الأيام الأولى من الحرب أعمالاً شُجاعةً تمثلت في اجتياز قناة السويس وتحطيم خط بارليف الذي كان يُعتبر من الحصون المُمتنعة عن أي خرق. ولم تتوقف الولايات المتحدة خلال الأيام التي تلت ذلك عن تزويد إسرائيل بصُوَرِ الأقمار الصناعية وتموين الجيش الإسرائيلي. وقد تضامنت الدول العربية مع مصر وسوريا وأعلنت عن “حرب البترول”، فالتهبت أسعار النفط التي كانت دون الدولار الواحد للبرميل وتضاعفت أربع مرات. فساد الهلع في البلدان الغربية، وانهالت التهديدات ضد البلدان المُنتجة لهذه المادة، وبلغ الأمر ذروته لمّا بدأ التلويح بشبح شن هجومٍ نووي.
وكان بن نبي في مستشفى بباريس ( لابيتيي سالباتريار la Pitié-Salpêtrière ) منذ شهر سبتمبر في حالة غيبوبة أغلب الأحيان. لقد كشف الأطباء عنده عن مرض في غدّة البروستات. وقد ووجِهتْ صعوبات جمّة عند مُحاولة نقله من الجزائر إلى فرنسا منذ شهر جويلية. وفي باريس تمّ إشعار عائلته بأنه لا فائدة من بقائه، والأحسن أن يُعاد نقلُهُ إلى الجزائر. وتوفي مالك بن نبي في بيته بتاريخ 31 اكتوبر 1973.
وغداة ذلك نُقِلَ جُثمانُهُ إلى مسجد جامعة الجزائر وأُديتْ عليه صلاة الجنازة التي حضرها كاتب هذه السطور. وبعدها نُقِلَ إلى مثواه الأخير في مقبرة سيدي محمد بموكب جنائزي مَهيب، ودُفِنَ بجوار علي الحمّامي والدكتور خالدي. وليس بعيداً عن قبره يوجد قبر الشيخ البشير الإبراهيمي الذي توفي في شهر ماي 1965. وبعد ذلك بيومٍ لم يرِد عن وفاته في الصحافة الرسمية التي كانت تحت رقابة أحمد طالب الإبراهيمي ـ الذي صار وزيراً للإعلام ـ إلاّ عمود صغير في أسفل إحدى الصفحات (4).
ونظراً لكون بن نبي قد تنبّه وهو شابّ يافِعٌ إلى أنّ حياته ستكون قاسية، فلقد اهتمّ بالموتِ في وقتٍ مُبكِّرٍ جداًّ: تمنّاه وهو يُغادر الجزائر سنة 1934 بعد وفاة أمِّهِ عندما وقعت السفينة التي كان على ظهرها في عاصفة هوجاء. كما تمنّى خروج القطار عن سكّته لمّا كان عائداً من إيطاليا سنة 1936. وتضرّعَ إلى الله أن يكتب له موتاً برصاصةٍ طائشة أو قذيفة أثناء قصف ألمانيا سنة 1943. ولا ننسى أنه كان حائزاً على سلاح ناريّ سنة 1947، وأنه قام بجمع كمية هائلة من الأدوية بنيةِ تسميم نفسه، بل إنه وصل إلى حدّ تنصيب مشنقة بغرض شنق نفسه سنة 1951…إلخ. لكنْ، لا هو استطاع مُخالفة تحريم الانتحار، ولا السماء استجابت لدعواته. مات في النهاية بنارٍ هادئة، إذ قتلتْه “القابلية للاستعمار” و”الصراع الفكري” و”البوليتيك” قتلاً بطيئاً.
عاش بن نبي ومات، فكان مساره كفارةً للصراعات التي طبعت عصره، وعن الجهل الذي ميّز أمّته. مات مُقاتلاً منعزلاً في جبهة لا تُرى ساحتُها ولا تُسمع قرقعة أسلحتها. كان خوفه على أعماله ومخطوطاته ودفاتره ـ وهو على فراش الموت ـ أشدّ مِن خوفه على نفسه. وممّا جاء في ملاحظة له مؤرخة في 9 ماي 1969: ” أنا على يقين مِن أنّ الحقد الحيواني الذي أشعر به حولي لن ينطفئ حتى بعد موتي. أنا أشعر بأن السيد X سيبحث عن أيّ أثرٍ من كتاباتي (خاصة دفاتري التي يعلم بوجودها)، سيبحث عنها حتى في أحشاء أولادي كي يمحو كلّ أثرٍ لفكري”. لقد قاوم بن نبي كل العواصف بمحض ثقافته وقدرته على الاستدلال ونزعته العقلانية، وبإيمانه وقلمه، حتى شاءت العناية الإلهية أن تتوفاه إلى جوارها…
كان شديد الاعتقاد بأنّ حياته هي نظير رسالة وبأنه كُتِبَ عليه أن يؤدِّيَ الواجب الذي خلقه اللّهُ مِن أجله. كان يشعر بذلك شعوراً قوياّ، وهو الذي يقول في إحدى ملاحظاته التي سجلها سنة 1956: ” أنا ذرّة تتحرّك بين قوى جبّارة، لكنها ذرّة ضرورية لحركة عجلة التاريخ”.
إنّ وجوده على الأرض لا يُعقَلُ أنْ يكون نتيجة ضربة حظ أو مُجرد امتداد زمنيّ. لا بُدّ أن يكون لذلك الوجود معنى، وأن تكون له مهمة يؤدِّيها. وإن لمْ يُتَحْ لبن نبي أن يكتب الكتاب الذي حَلَم به، وهو ”الكتاب المُحرّم”، فقد عاش حياة مَنْ حُرِمَ مِنْ كلِّ شيء. وكانت أقسى مراحل حياته، وهو الذي لم يكُن يتنفس إلاّ من خلال الكتابة، هي التي صادفتْ سنوات الاستقلال الأولى، حيثُ كان بلدُهُ وحكومتُهُ هما اللذان يمنعانه من التفكير، ومن النشر طبعاً. فباستثناء الكتاب الأول من مذكراته (“الطفل”) وثلاث كُتيِّبات (5)، لم يُتَحْ لأيٍّ مِنْ كُتُبِهِ أنْ يُنْشَرَ في الجزائر في الفترة الممتدّة بين 1962 و 1989.
ولقد مُنِعَ من النشر في الصحافة منعاً تاماًّ منذ سنة 1968. وهذا ما جعله يستأنس بوسائل إعلام ليست ذات وقعٍ كبير، مثل نشرية Que sais-je de l’islam، أو يكتفي ببعض المنشورات التي يُعِدّها بنفسه ويستنسخها بواسطة الرونيو (الناسخة) ثُمّ يُوزِّعُها في بضعة عشرات من النُّسخ، ومع ذلك فهو لا يُقلِّلُ من شأن تلك الوسائل. فهو مثل الإنسان الأول الذي كان يكتب على عظام الكتف أو جلود الحيوانات.
المُذكِّرات الشخصية
تبيّنَ لنا أنّ بن نبي لم يُتَحْ لهُ أن ينشُرَ كلّ أعماله. بل إنّه حتى في أعماله المنشورة لم يُعبِّرْ عن رأْيِهِ إلاّ في الحدود التي كان يسمح بها نظام الحزب الواحد وكذا “الصراع الفكري”. ولم يُنشر مِن سيرته الذاتية إلاّ الكتابان الأول والثاني اللّذان يُغطِّيان الفترة بين 1905 و 1939: الأول نُشِرَ بالفرنسية سنة 1965 وبالعربية سنة 1970، والثاني بالعربية وحدها سنة 1970 رغم توفُّر النسخة الفرنسية.
أما سيرتُه الذاتية غير المنشورة فهي تتكوّن من ” العفن” (Pourritures)، ويُغطّي الفترة بين 1939 وجوان 1954، بالإضافة إلى دفاتره التسعة عشر المُرقّمة والمؤرّخة ورقةً بورقة، وهي أوراق مكتوبة على الوجهين يمكن تقديمها على الوجه الآتي:
ـالدفتر رقم 1: 11 سمx16 سم، 288 صفحة، يُغطي الفترة بين 9 فيفري 1958 و 30 ديسمبر 1958.
ـالدفتر رقم 2: 11 سمx16 سم، 280 صفحة، ” ” ” 3 جانفي 1959 و 7 جويلية 1960.
ـالدفتر رقم 3: 11 سمx16 سم، 360 صفحة، ” ” ” 22 جوان 1960 و 29 ديسمبر 1961.
ـالدفتر رقم 4: 10 x 14 ، 280 صفحة، ” ” ” 8 جانفي 1962 و 4 جانفي 1963.
ـالدفتر رقم 5: 11 x 16، 280 صفحة، ” ” ” 25 جوان 1963 و 25 جانفي 1964
ـالدفتر رقم 6: 11x17، 192 صفحة ” ” ” 27 جانفي 1964 و 17 فيفري 1964
ـالدفتر رقم 7: 11x17، 192 صفحة ” ” ” 3 جوان 1965 و 10 أوت 1966
ـالدفتر رقم 8: 11x17، 96 صفحة ” ” ” 15 أوت 1966 و 9 فيفري 1967
ـالدفتر رقم 9: 11x17، 94 صفحة ” ” ” 14 فيفري 1967 و 11 أوت 1967
ـالدفتر رقم 10: 11x17، 192 صفحة ” ” ” 12 أوت 1967 و 21 جويلية 1968
ـالدفتر رقم 11: 11x17، 96 صفحة ” ” ” 21 جويلية 1968 و 4 ديسمبر 1968
ـالدفتر رقم 12: 11x17، 96 صفحة ” ” ” 5 ديسمبر 1968 و 3 ماي 1969
ـالدفتر رقم 13: 11x17، 96 صفحة ” ” ” 3 ماي 1969 و 8 أوت 1969
ـالدفتر رقم 14: 11x17، 96 صفحة ” ” ” 8 أوت 1969 و 15 جانفي 1970
ـالدفتر رقم 15: 11x17، 96 صفحة ” ” ” 15 جانفي و 12 ماي 1970
ـ الدفتر رقم 16: 11x17، 192 صفحة ” ” ” 20 ماي 1970 و 13 ماي 1971
ـالدفتر رقم 17: 11x17، 280 صفحة ” ” ” 14 ماي 1971 و 3 أوت 1972
ـالدفتر رقم 18: 11x17، 186 صفحة ” ” ” 4 أوت 1972 و 10 ماي 1973
ـالدفتر رقم 19: 11x17، 44 صفحة ” ” ” 10 ماي 1973 و 14 جويلية 1973
ويمكن حصر الفترات التي لم تُقيّد في هذه السيرة الذاتية فيما يأتي: الفترة الممتدة من جوان 1954 إلى جانفي 1958، والممتدة من جانفي إلى جوان 1963، والممتدة من فيفري 1964 إلى ماي 1965، ونحن نعتقد أنّ هذه الفترات قد ضاعت إلى غير رجعة.
إنّ هاتين الوثيقتين: ” العفن” و “الدفاتر” تكشفان لنا عن بن نبي آخر لا تقلّ معرفته أهمّيةً عن معرفة أعماله المنشورة. هاتان الوثيقتان هما اللتان تتضمنان تلك الأفكار والحالات النفسية والتعاليق والانطباعات وحالات الغضب التي فرضتها عليه الأحداث السياسية والثقافية أو العلمية. كان يُسجل فيهما كل ما يجول بخاطره، بما في ذلك أحلامه التي كان ينكبّ على تفسيرها بطريقة يونغ، والتقارير حول الكتب التي كان يقرؤها أو الأفلام التي شاهدها، فإنه كان يُحبّ السينما. إنّ بن نبي الذي يتراءى لنا من هاتين الوثيقتين غير الذي كنّا نعتقد معرفته. فهو هنا أكثر صرامةً وأكثر حريةً، وأكثر صدقاً…
ويقفٌ فكر بن نبي في تلك الأعمال غير المنشورة كظِلٍّ عملاق يُغطّي فكرَه المنشور الذي يعرفه العام والخاص، ويُعطيه مدىً يصعُبُ توقٌّعُهُ على مَن اطّلَعَ على تلك الوثائق، وخاصة على المستوى المذهبي الذي يكشف لنا عن الوجه الخفيّ من فكر بن نبي.
ولماذا كتب بن نبي تلك الدفاتر؟ يبدو أنه كتبها لنفسه أوّلاً، إذ كانت به حاجة إلى الكتابة واختيار الوجهة، وكتبها للأجيال اللاّحقة بعد ذلك، لأنه عاش مُحافظاً على الأمل في إيصال رسالته إليها، ولو بعد الممات. وجاءت الأفكار الصريحة والتلميحية التي عنّتْ له طيلة حياته في شكلٍ تراكميّ غير خاضعٍ للقيود المنهجية. إنها الأحداث اليومية التي تُضيء خطّ سيْرِ مصيره، وخطّ سير تاريخ الجزائر، وكذلك الأحداث العالمية… وجاءت مُلاحظاته كُلُّها مُعنْوَنَةً، وهي تشبه الوقفات الصحفية. وجاءت غالباً بأسلوب اعتبارات نيتشه “العارضة considérations intempestives ”، أي إنها موجزة ومؤثِّرة. وأصعب تلك المُلاحظات على القراءة، وأقواها تأثيراً، هي تلك التي تُغطِّي فترة وجوده في القاهرة مِن سبتمبر 1960 إلى جانفي 1963.
خدّوجة حوّاس
إذا كانت زوجة بن نبي الأولى قد اعتنتْ به طيلة خمسٍ وعشرين سنة وهو رجُلٌ ناضجٌ وكاتب، فإن الثانية قد اعتنتْ بتسيير شؤون بيته وتربية بنْتيه. ولمّا تُوفي واجهتْ تلك الزوجة الثانية كلّ الصِّعاب لتلبية حاجات بناته وتعليمهما حتى زواجهن، وكانت تُصارع الحياة مُجرّدة من كلّ الوسائل.
والكاتب يتكلّم عنها كثيراً في دفاتره ذاكراً إياها على الدوام بأنها “السيدة بن نبي”. ذلك أنه وجد فيها سنداً معنوياًّ قوياًّ مُزداناً برقّة العقل وخفّة الروح التي أخذتها من تقاليد ناحية تبسة العريقة. كانت شُجاعة وعمليّةً، واعيةً بشظف العيش المحيط بها، وبقيتْ كذلك وهي ترعاه إلى أنْ وافتْهُ المنية.
وبعد وفاة زوجها كان على خدوجة أنْ تعيش حدثاً أليماً آخر، وهو وفاة ابنتها “نْعيمة” في ريعان شبابها. وكم كانت نشوتي وأنا أستمع إليها وهي تُصوِّرُ لي بلغتها الفضفاضة حيثيات ذكرياتها بصحبة المفكر الوحيد الذي أنجبتْهُ شمال إفريقيا بعد ابن خلدون. ولقد توفيت في مقر سكناها بتاريخ 11 جوان سنة 2015.
(يتبع)
المراجع:
1) استلمْتُ هذه الوثيقة مِن ابن السيد قرموش عبد الحميد سنة 2003.
2) يُستفادُ من مجلة “لكسبرس” الفرنسية (نوفمبر 2005) أنه منذ اجتماع الفاتيكان 2 (1962-1965) تخلى ما يُقارب 90000 أسقف (منهم 10000 فرنسي) عن مهامهم، وأنه قبل خمسين عاماً كان هناك 10000 أسقف تابعون للفاتيكان، ولم يبق منهم اليوم إلاّ 100 أسقف.
3) منشورات الفرقان الجزائر العاصمة 2002
4) جاء ذلك العمود الصغير الذي لا يتجاوز حجمه حجم إعلان قصير بهذه الصيغة: “توفي المفكر المسلم الجزائري مالك بن نبي أمس في مقر سكناه إثر مرض عُضال. ستُشيع جنازته يوم 2 نوفمبر على الساعة 14 بعد صلاة الجمعة انطلاقا من هذا العنوان: 50 شارع روزفلت، الجزائر العاصمة. اشتهر السيد بن نبي بمؤلفاته الكثيرة، وخاصة منها: “شروط النهضة، “وجهة الإسلام”، و”مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي”.
5) ” أفاق جزائرية”، “اسلام و ديمقراطية” و “أعمال المستشرقين”
