Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (33)‏

حياة مالك بن نبي (33)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

تعرّض بن نبي وزوجته لاعتداءٍ على يد جار في الطابق السُّفليّ عند باب العمارة الواقع في شارع ‏روزفلت بتاريخ 07 مارس سنة 1973. فقد اعترض طريقه ثلاثة رجال وامرأتان، ثُمّ طرحوه أرضا ‏وأشبعوه ضربا حتى وقع منه برنوسه الأبيض وتكسرت نظّارتاه.‏
وهذا ما قاله حرفياًّ أحد الشهود أمام الشرطة، وهو مواطن جزائري مُقيم في وهران، شهِد الواقعة ‏بالصدفة، ولم تكن له معرفة بأيٍّ مِنْ طرفَيِ الخصام: ” في يوم الأربعاء 07 مارس، الساعة 17. 45د ‏تقريباً، كُنتُ أقطع شارع روزفلت بسيارتي، فرأيتُ على مستوى الرقم 50 رجالاً ونساءً ينهالون ضرباً ‏على رجُلٍ مُسِنٍّ مُلقى على الرّصيف بثياب النوم. وكان برنوسه مُلقى بجانبه، ومعه نظارتان. وعلى بُعْدِ ‏‏3 إلى 4 أمتار كانت سيّدة مُسِنّة مرتدية جلاّبة تترنح بما يدُلّ على أنها تعرّضتْ للضرب على أيدي عدة ‏نساء أخريات. كانت تُحاول جهدها أن تَصُدّ الضربات المنهالة عليها بواسطة لوحة خشبية صغيرة في ‏يدها، وحول الرجُلِ المُلقى على الرصيف أطفال يبكون وهم مذعورون. وكان مُعظمُ المُعتدين مُسلحين ‏بألواح خشبية. بعد ذلك بلحظات وصلت سيارة الشرطة إلى مكان الحادث، ونزل منها شرطيون ليتدخلوا ‏بقوة. رأيتُ اثنين أو ثلاثة من المُعتدين يدفعون برجال الشرطة بعنف ويعودون إلى اعتدائهم. لكن ‏سرعان ما تغلب رجال الشرطة عليهم وأجبروهم على الصعود إلى السيارة. وكانت المساعدة التي قدمها ‏رجال الشرطة المسؤولون عن حركة المرور في مفترق الطرق ببوقارة هي التي أنقذت الموقف. قُمتُ ‏مع صديقي بمساعدة الرجل المُلقى على الوقوف، وبتهدئة روع السيدة التي كانت معه ثُمّ رافقناهما إلى ‏مقرُبة من شُقّتهما. وكانت النتوءات والخدوش تملأ وجه تلك السيدة، وأنفها ينزف دماً. وفي حدود الساعة ‏‏18. 45د حملناهما إلى قسم الشرطة بالدائرة الثامنة التي كُنّا مُتّجهين إليها كي تُقدِّمَ الضحيتان شكواهما ‏وأُقدِّمَ أنا شهادتي.‏
التحقَتْ بنا امرأة كانت ممّن شارك في الاعتداء، ونطقتْ بكلمات غير مفهومة وهي تُلوِّحُ بيديها طيلة ‏خمس دقائق تقريباً. كانت في غاية الاهتياج حتى أنّ بعض المارة تجمهروا حول قسم الشرطة ليروا ذلك ‏المشهد العجيب. ويبدو أنْ تلك المرأة قد شجّعها سكوت الجميع فازدادت اهتياجاً، واقتربتْ مني لتقول لي ‏إنها قد سجلت ترقيم سيارتي، ثُمّ انصرفتْ. أعتقد أنها ناقمة عليّ لأني ساعدتُ الرجل المُسِنّ وزوجته، ‏ولم يُعجبْها ما فعلْت. فهي ترى أنّ إسعاف أشخاصٍ في خطرٍ يُعدُّ مُخالفة. وبعد أن انصرفتْ خاطبْتُ أحد ‏رجال الشرطة الحاضرين في القسم كي أُعبّر له عن دهشتي من ذلك السكوت الذي التزم به الجميع أمام ‏ما فعلته تلك المرأة داخل قسم الشرطة. فأجابني بأنه أبٌ لعدة أطفال ولا يُريدُ أن يجد نفسه منقولاً إلى ‏مكان بعيد عن أولاده. طُلِبَ منِّي إذاً أن أعود غداة ذلك كي أدلي بشهادتي. لكنني عندما قصدتُ قسم ‏الشرطة يوم 8 مارس طُلِبَ مني ثانيةً أن أعود يوم الجمعة 9 مارس، وهذا ما فعلتُه. في ذلك اليوم ‏سُجِّلت شهادتنا. ولمّا أردتُ أنْ تُسجّل مُلاحظة رأيتُها بنفسي رفض الشرطي المُكلّف بالتسجيل تسجيلها ‏في المحضر، فثار بيننا نقاش حادّ. وتلك المُلاحظة تتعلق بتعرّض رجال الشرطة النازلين من السيارة ‏للدفع العنيف على أيدي المُعتدين عندما تدخلوا في البداية. وقد عادت الكلمة الأخيرة للشرطي ولم تُسجل ‏المُلاحظة التي ذكرتُها. وبعد ذلك قدّمتِ الضحيتان شكواهما”. إمضاء: قرموش عبد الحميد (1).‏‎ ‎
انتقل بن نبي في بداية شهر ماي 1973 إلى كلّ من باتنة وبسكرة رفقة زوجته وابنته إيمان من أجل ‏إلقاء مُحاضرات. وفي السابع عشر من شهر جوان كتب أسطره الشهيرة التي يقول فيها: “إنني أُحَيِّي ‏نهايتي. صِرْتُ أجد خلال هذه السنة التي تشهد التاسعة والستين ربيعاً من عمري، شعوراً مُتزايداً ‏بالراحة والخلاص. أنا مثل رجُلٍ أُثْقِلَ كاهلُهُ بعبءٍ ثقيل، وهو يشكر الله على أنه أتاح له حملَهُ طيلة هذه ‏المسافة وطيلة هذا الزمن الطويلين، لكنه مع ذلك ينتظر اللحظة التي يضعه مِن على كتفيه. كانت حياتي ‏جدّ مُثقلة بالأعباء. وأنا على مشارف السبعين أرى قُرب نهايتي بارتياح”. ‏‎ ‎
لكنهُ يُضيفٌ قائلاً، وكأنه يريد أن يُصحح خطأ في حق بناته اللواتي كُنّ في سنّ التاسعة والعاشرة من ‏العمر: ” ومع ذلك فإنني أتمنى أن تُؤجل هذه النهاية ما دامت بناتي بحاجة إلى حضوري”. وغداة ذلك ‏تلقى استدعاءً للمثول أمام محكمة الجنايات. ووُجِّهتْ إلى زوجته تهمة “مُحاولة قتل” في حقّ جارتها ‏التي اعتدتْ عليها قبل ذلك بشهر. ‏
وفي السابع والعشرين من ماي انتقل إلى وهران لإلقاء مُحاضرة، ثُمّ عاد إلى باتنة يوم 06 جوان لنفس ‏الغرض، ومنها توجّه إلى الأغواط التي سيُلقي فيها ثلاث مُحاضرات ويُدشّن بها نادي الترقِّي. عاد إلى ‏بيته يوم 14 جوان وسجّل هذه الملاحظة في دفاتره: ” لم أنتبه إلى تدهوُرِ صحّتي إلاّ بعد عودتي إلى ‏بيتي، والفضلُ في ذلك يعود إلى زوجتي التي لم يهدأ لها بالٌ حتى زارنا الطبيب وهدّأ مِنْ رَوْعِها”. ‏
وتلك كانت آخر السطور مِن آخر دفتر في يوميات بن نبي، وهو دفتر أزرق اللّون، وعليه الرقم 19. ‏كان توقُّفُهُ عن الكتابة مُفاجئاً، قاصماً، وبلا إشعار مُسبق. لم يتمكن صاحِبُ هذا الدفتر من إضافة كلمة ‏واحدة بسبب الضعف الذي لحقه جرّاء المرض، وستبقى الصفحات المتبقية من ذلك الدفتر بيضاء إلى ‏الأبد.‏
الوصيــــة

أجرى بن نبي خلال إقامته الأخيرة بلبنان مُحاورة مع إبراهيم عسي، وهو مثقف لبناني، وهو الذي ‏نشرها تحت عنوان: ” آخر مُحاورة مع مالك بن نبي: شهادة واستشراف”. وتضمّن الكتاب بالإضافة إلى ‏المُحاورة نصاًّ تحت عنوان: ” وصية مالك بن نبي” التي يبدو أنها سُجِّلتْ في مقرّ إقامة المرحوم.‏

إنّ الفكرة الأساسية التي يمكن استخراجها من هذه الوصية لن تكتسي دلالتها الكاملة إلاّ بعد كتابتها ‏بثلاثين سنة من الزمن، أي عندما سيشرع الأمريكان في تنفيذ فكرتهم الشهيرة حول إصلاح الشرق ‏الأوسط الكبير. يقول بن نبي وهو يُجدد إنذاراته التي أطلقها منذ سنة 1956 وسنة 1958: ” إمّا أنْ ‏نتغيّر بأنفسنا وإمّا أنْ نُضْطرّ إلى التغيّر من الخارج”. فهو يرى أنّ الثلث الأخير من القرن 20 يخبِّئ ‏مُفاجآت وتغييرات أساسية على مستوى الكرة الأرضية، ويقول:” هل نحن مُستعدّون لمواجهة تلك ‏التغييرات؟”. وكانت إجابته عن هذا التساؤل سلبية بكلّ أسف. ‏

لم يكُنْ العالم الإسلاميّ يبدو له مُستعدا للقيام بالتحوّلات الضرورية التي ستسمح له بمُسايرة العالم، لا مِن ‏الناحية السياسية، ولا من الناحية الاجتماعية والاقتصادية. وعندما كشفتْ أمريكا عن مشروعها ابتدع ‏الرئيس علي صالح عبد الله صورة تناقلتْها وسائل الإعلام، وهي قوله: “علينا أنْ نُحلّق أذقاننا قبل أن ‏تُحلّق رؤوسنا”. وهو بذلك يؤكد صحة الانشغال الذي عاش به بن نبي في زمانه حول مستقبل العالم ‏الإسلامي.‏

إنّ الأفكار التي تتضمنها هذه الوصية هي نفسها الأفكار التي نادى بها بن نبي منذ زمنٍ بعيد: فحلول ‏المشاكل التي يتخبط فيها العالم الإسلامي لا يمكن أن تكون محلية أو وطنية، بل عليها أنْ تكون شاملة ‏وذات صبغة حضارية. ومشروع الوحدة العربية في نظره كان طريقا خاطئاً، وستظهر صراعات على ‏حدود ما يُسمى بـ “دار الإسلام”، في كلٍّ من الفيلبين وأندونيسيا وإفريقيا الوسطى (نيجيريا)، إلخ، وهي ‏صراعات أُريدَ بها إيقاف انتشار الإسلام. أمّا المسيحية فقد استعبدتْها الصهيونية، والعالم الإسلامي يشكو ‏من التأخر المادي، بينما يشكو العالم الغربي من تأخر روحي وأخلاقي. إنّ هذا العجز المزدوج هو سبب ‏هذه الوضعية القابلة للانفجار، والتي يجب نزع فتيلها بالتقريب بين الحضارتين، وذلك بتحسين الحالة ‏الاجتماعية والاقتصادية والتقنية عند الأولى، وتصحيح الوضع الثقافي والأخلاقي والروحي عند الثانية.‏

وكانت تتراءى له أزمة الغرب الأخلاقية في صورة آفات نفسية مُتزايدة (كالإيمان بالوجودية وعبثية ‏الحياة، والهيبية ‏hippisme، والحرية الجنسية…). ويستنتج من ذلك أن المجتمع الغربي آخِذٌ في فقدان ‏إرادته الحضارية ‏vouloir civilisationnel، في حين أنّ المجتمع الإسلامي يجد صعوبة في اكتساب ‏قدرته الحضارية ‏pouvoir civilisationnel ‎‏. الغرب لم تَعُد لديه مصادر ميتافيزيقية، إذ صارت ‏المسيحية مُجرّد حضور مؤسساتي مُتمثل في الفاتيكان (2) حتى صار الغربيون يبحثون عن الإلهام في ‏الهروب من الواقع أو في الفلسفات الشرقية التي ينتقلون إلى التيبت (الهند) تنقيباً عنها.‏

ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ “وصية مالك بن نبي” كانت قد نُشِرَتْ في مجلة ” المعرفة ” التونسية سنة ‏‏1975 قبل أنْ يُقدّمها إبراهيم عسي، كما نُشرت نسخة منه في كتاب” صفحات مُشِعّة مِن فكر مالك بن ‏نبي ” (3) للدكتور عبد اللطيف عبادة. هذا عن الفكر المُصرّح به، فماذا عن الفكر الذي لم يُصرّح به ‏أمام الجمهور؟ فبن نبي يقول في ملاحظة مؤرخة في 08 أفريل 1968: ” إنّ الشوط الأخير من التاريخ ‏سيكون بين اليهود مدعومين من العالم بأسره بعد أن يكونوا قد أخضعوه لسيطرتهم السياسية ‏والإيديولوجية، والإسلام. إنه منطق التاريخ. ‏

الوفــاة

اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية مِن جديد بتاريخ 6 أكتوبر 1973. وقد حققت القوات المصرية خلال ‏الأيام الأولى من الحرب أعمالاً شُجاعةً تمثلت في اجتياز قناة السويس وتحطيم خط بارليف الذي كان ‏يُعتبر من الحصون المُمتنعة عن أي خرق. ولم تتوقف الولايات المتحدة خلال الأيام التي تلت ذلك عن ‏تزويد إسرائيل بصُوَرِ الأقمار الصناعية وتموين الجيش الإسرائيلي. وقد تضامنت الدول العربية مع ‏مصر وسوريا وأعلنت عن “حرب البترول”، فالتهبت أسعار النفط التي كانت دون الدولار الواحد ‏للبرميل وتضاعفت أربع مرات. فساد الهلع في البلدان الغربية، وانهالت التهديدات ضد البلدان المُنتجة ‏لهذه المادة، وبلغ الأمر ذروته لمّا بدأ التلويح بشبح شن هجومٍ نووي.‏

وكان بن نبي في مستشفى بباريس ( لابيتيي سالباتريار ‏la Pitié-Salpêtrière‏ ) منذ شهر سبتمبر في ‏حالة غيبوبة أغلب الأحيان. لقد كشف الأطباء عنده عن مرض في غدّة البروستات. وقد ووجِهتْ ‏صعوبات جمّة عند مُحاولة نقله من الجزائر إلى فرنسا منذ شهر جويلية. وفي باريس تمّ إشعار عائلته ‏بأنه لا فائدة من بقائه، والأحسن أن يُعاد نقلُهُ إلى الجزائر. وتوفي مالك بن نبي في بيته بتاريخ 31 ‏اكتوبر 1973.‏

وغداة ذلك نُقِلَ جُثمانُهُ إلى مسجد جامعة الجزائر وأُديتْ عليه صلاة الجنازة التي حضرها كاتب هذه ‏السطور. وبعدها نُقِلَ إلى مثواه الأخير في مقبرة سيدي محمد بموكب جنائزي مَهيب، ودُفِنَ بجوار علي ‏الحمّامي والدكتور خالدي. وليس بعيداً عن قبره يوجد قبر الشيخ البشير الإبراهيمي الذي توفي في شهر ‏ماي 1965. وبعد ذلك بيومٍ لم يرِد عن وفاته في الصحافة الرسمية التي كانت تحت رقابة أحمد طالب ‏الإبراهيمي ـ الذي صار وزيراً للإعلام ـ إلاّ عمود صغير في أسفل إحدى الصفحات (4). ‏

ونظراً لكون بن نبي قد تنبّه وهو شابّ يافِعٌ إلى أنّ حياته ستكون قاسية، فلقد اهتمّ بالموتِ في وقتٍ مُبكِّرٍ ‏جداًّ: تمنّاه وهو يُغادر الجزائر سنة 1934 بعد وفاة أمِّهِ عندما وقعت السفينة التي كان على ظهرها في ‏عاصفة هوجاء. كما تمنّى خروج القطار عن سكّته لمّا كان عائداً من إيطاليا سنة 1936. وتضرّعَ إلى ‏الله أن يكتب له موتاً برصاصةٍ طائشة أو قذيفة أثناء قصف ألمانيا سنة 1943. ولا ننسى أنه كان حائزاً ‏على سلاح ناريّ سنة 1947، وأنه قام بجمع كمية هائلة من الأدوية بنيةِ تسميم نفسه، بل إنه وصل إلى ‏حدّ تنصيب مشنقة بغرض شنق نفسه سنة 1951…إلخ. لكنْ، لا هو استطاع مُخالفة تحريم الانتحار، ‏ولا السماء استجابت لدعواته. مات في النهاية بنارٍ هادئة، إذ قتلتْه “القابلية للاستعمار” و”الصراع ‏الفكري” و”البوليتيك” قتلاً بطيئاً.‏

عاش بن نبي ومات، فكان مساره كفارةً للصراعات التي طبعت عصره، وعن الجهل الذي ميّز أمّته. ‏مات مُقاتلاً منعزلاً في جبهة لا تُرى ساحتُها ولا تُسمع قرقعة أسلحتها. كان خوفه على أعماله ‏ومخطوطاته ودفاتره ـ وهو على فراش الموت ـ أشدّ مِن خوفه على نفسه. وممّا جاء في ملاحظة له ‏مؤرخة في 9 ماي 1969: ” أنا على يقين مِن أنّ الحقد الحيواني الذي أشعر به حولي لن ينطفئ حتى ‏بعد موتي. أنا أشعر بأن السيد ‏X‏ سيبحث عن أيّ أثرٍ من كتاباتي (خاصة دفاتري التي يعلم بوجودها)، ‏سيبحث عنها حتى في أحشاء أولادي كي يمحو كلّ أثرٍ لفكري”. لقد قاوم بن نبي كل العواصف بمحض ‏ثقافته وقدرته على الاستدلال ونزعته العقلانية، وبإيمانه وقلمه، حتى شاءت العناية الإلهية أن تتوفاه إلى ‏جوارها…‏

كان شديد الاعتقاد بأنّ حياته هي نظير رسالة وبأنه كُتِبَ عليه أن يؤدِّيَ الواجب الذي خلقه اللّهُ مِن أجله. ‏كان يشعر بذلك شعوراً قوياّ، وهو الذي يقول في إحدى ملاحظاته التي سجلها سنة 1956: ” أنا ذرّة ‏تتحرّك بين قوى جبّارة، لكنها ذرّة ضرورية لحركة عجلة التاريخ”.‏

إنّ وجوده على الأرض لا يُعقَلُ أنْ يكون نتيجة ضربة حظ أو مُجرد امتداد زمنيّ. لا بُدّ أن يكون لذلك ‏الوجود معنى، وأن تكون له مهمة يؤدِّيها. وإن لمْ يُتَحْ لبن نبي أن يكتب الكتاب الذي حَلَم به، وهو ‏‏”الكتاب المُحرّم”، فقد عاش حياة مَنْ حُرِمَ مِنْ كلِّ شيء. وكانت أقسى مراحل حياته، وهو الذي لم يكُن ‏يتنفس إلاّ من خلال الكتابة، هي التي صادفتْ سنوات الاستقلال الأولى، حيثُ كان بلدُهُ وحكومتُهُ هما ‏اللذان يمنعانه من التفكير، ومن النشر طبعاً. فباستثناء الكتاب الأول من مذكراته (“الطفل”) وثلاث ‏كُتيِّبات (5)، لم يُتَحْ لأيٍّ مِنْ كُتُبِهِ أنْ يُنْشَرَ في الجزائر في الفترة الممتدّة بين 1962 و 1989.‏

ولقد مُنِعَ من النشر في الصحافة منعاً تاماًّ منذ سنة 1968. وهذا ما جعله يستأنس بوسائل إعلام ليست ‏ذات وقعٍ كبير، مثل نشرية ‏Que sais-je de l’islam، أو يكتفي ببعض المنشورات التي يُعِدّها بنفسه ‏ويستنسخها بواسطة الرونيو (الناسخة) ثُمّ يُوزِّعُها في بضعة عشرات من النُّسخ، ومع ذلك فهو لا يُقلِّلُ ‏من شأن تلك الوسائل. فهو مثل الإنسان الأول الذي كان يكتب على عظام الكتف أو جلود الحيوانات.‏

المُذكِّرات الشخصية

تبيّنَ لنا أنّ بن نبي لم يُتَحْ لهُ أن ينشُرَ كلّ أعماله. بل إنّه حتى في أعماله المنشورة لم يُعبِّرْ عن رأْيِهِ إلاّ ‏في الحدود التي كان يسمح بها نظام الحزب الواحد وكذا “الصراع الفكري”. ولم يُنشر مِن سيرته الذاتية ‏إلاّ الكتابان الأول والثاني اللّذان يُغطِّيان الفترة بين 1905 و 1939: الأول نُشِرَ بالفرنسية سنة 1965 ‏وبالعربية سنة 1970، والثاني بالعربية وحدها سنة 1970 رغم توفُّر النسخة الفرنسية. ‏

أما سيرتُه الذاتية غير المنشورة فهي تتكوّن من ” العفن” (‏Pourritures‏)، ويُغطّي الفترة بين 1939 ‏وجوان 1954، بالإضافة إلى دفاتره التسعة عشر المُرقّمة والمؤرّخة ورقةً بورقة، وهي أوراق مكتوبة ‏على الوجهين يمكن تقديمها على الوجه الآتي:‏

ـالدفتر رقم 1: 11 سمx‏16 سم، 288 صفحة، يُغطي الفترة بين 9 فيفري 1958 و 30 ديسمبر ‏‏1958.‏
ـالدفتر رقم 2: 11 سمx‏16 سم، 280 صفحة، ” ” ” 3 جانفي 1959 و 7 جويلية 1960.‏
ـالدفتر رقم 3: 11 سمx‏16 سم، 360 صفحة، ” ” ” 22 جوان 1960 و 29 ديسمبر 1961.‏
ـالدفتر رقم 4: 10 ‏x ‎‏ 14 ، 280 صفحة، ” ” ” 8 جانفي 1962 و 4 جانفي 1963.‏
ـالدفتر رقم 5: 11 ‏x‏ 16، 280 صفحة، ” ” ” 25 جوان 1963 و 25 جانفي 1964‏
ـالدفتر رقم 6: 11‏x‏17، 192 صفحة ” ” ” 27 جانفي 1964 و 17 فيفري ‏‏1964‏
ـالدفتر رقم 7: 11‏x‏17، 192 صفحة ” ” ” 3 جوان 1965 و 10 أوت 1966‏
ـالدفتر رقم 8: 11‏x‏17، 96 صفحة ” ” ” 15 أوت 1966 و 9 فيفري 1967‏
ـالدفتر رقم 9: 11‏x‏17، 94 صفحة ” ” ” 14 فيفري 1967 و 11 أوت 1967‏
ـالدفتر رقم 10: 11‏x‏17، 192 صفحة ” ” ” 12 أوت 1967 و 21 جويلية 1968‏
ـالدفتر رقم 11: 11‏x‏17، 96 صفحة ” ” ” 21 جويلية 1968 و 4 ديسمبر 1968‏
ـالدفتر رقم 12: 11‏x‏17، 96 صفحة ” ” ” 5 ديسمبر 1968 و 3 ماي 1969‏
ـالدفتر رقم 13: 11‏x‏17، 96 صفحة ” ” ” 3 ماي 1969 و 8 أوت 1969‏
ـالدفتر رقم 14: 11‏x‏17، 96 صفحة ” ” ” 8 أوت 1969 و 15 جانفي 1970‏
ـالدفتر رقم 15: 11‏x‏17، 96 صفحة ” ” ” 15 جانفي و 12 ماي 1970‏
ـ الدفتر رقم 16: 11‏x‏17، 192 صفحة ” ” ” 20 ماي 1970 و 13 ماي 1971‏
ـالدفتر رقم 17: 11‏x‏17، 280 صفحة ” ” ” 14 ماي 1971 و 3 أوت 1972‏
ـالدفتر رقم 18: 11‏x‏17، 186 صفحة ” ” ” 4 أوت 1972 و 10 ماي 1973‏
ـالدفتر رقم 19: 11‏x‏17، 44 صفحة ” ” ” 10 ماي 1973 و 14 جويلية 1973‏
ويمكن حصر الفترات التي لم تُقيّد في هذه السيرة الذاتية فيما يأتي: الفترة الممتدة من جوان 1954 إلى ‏جانفي 1958، والممتدة من جانفي إلى جوان 1963، والممتدة من فيفري 1964 إلى ماي 1965، ‏ونحن نعتقد أنّ هذه الفترات قد ضاعت إلى غير رجعة.‏‎ ‎
إنّ هاتين الوثيقتين: ” العفن” و “الدفاتر” تكشفان لنا عن بن نبي آخر لا تقلّ معرفته أهمّيةً عن معرفة ‏أعماله المنشورة. هاتان الوثيقتان هما اللتان تتضمنان تلك الأفكار والحالات النفسية والتعاليق ‏والانطباعات وحالات الغضب التي فرضتها عليه الأحداث السياسية والثقافية أو العلمية. كان يُسجل ‏فيهما كل ما يجول بخاطره، بما في ذلك أحلامه التي كان ينكبّ على تفسيرها بطريقة يونغ، والتقارير ‏حول الكتب التي كان يقرؤها أو الأفلام التي شاهدها، فإنه كان يُحبّ السينما. إنّ بن نبي الذي يتراءى لنا ‏من هاتين الوثيقتين غير الذي كنّا نعتقد معرفته. فهو هنا أكثر صرامةً وأكثر حريةً، وأكثر صدقاً…‏
ويقفٌ فكر بن نبي في تلك الأعمال غير المنشورة كظِلٍّ عملاق يُغطّي فكرَه المنشور الذي يعرفه العام ‏والخاص، ويُعطيه مدىً يصعُبُ توقٌّعُهُ على مَن اطّلَعَ على تلك الوثائق، وخاصة على المستوى المذهبي ‏الذي يكشف لنا عن الوجه الخفيّ من فكر بن نبي.‏
ولماذا كتب بن نبي تلك الدفاتر؟ يبدو أنه كتبها لنفسه أوّلاً، إذ كانت به حاجة إلى الكتابة واختيار الوجهة، ‏وكتبها للأجيال اللاّحقة بعد ذلك، لأنه عاش مُحافظاً على الأمل في إيصال رسالته إليها، ولو بعد الممات. ‏وجاءت الأفكار الصريحة والتلميحية التي عنّتْ له طيلة حياته في شكلٍ تراكميّ غير خاضعٍ للقيود ‏المنهجية. إنها الأحداث اليومية التي تُضيء خطّ سيْرِ مصيره، وخطّ سير تاريخ الجزائر، وكذلك ‏الأحداث العالمية… وجاءت مُلاحظاته كُلُّها مُعنْوَنَةً، وهي تشبه الوقفات الصحفية.‏‎ ‎وجاءت غالباً ‏بأسلوب اعتبارات نيتشه “العارضة ‏considérations intempestives ‎‏”، أي إنها موجزة ومؤثِّرة. ‏وأصعب تلك المُلاحظات على القراءة، وأقواها تأثيراً، هي تلك التي تُغطِّي فترة وجوده في القاهرة مِن ‏سبتمبر 1960 إلى جانفي 1963.‏‎ ‎

خدّوجة حوّاس

إذا كانت زوجة بن نبي الأولى قد اعتنتْ به طيلة خمسٍ وعشرين سنة وهو رجُلٌ ناضجٌ وكاتب، فإن ‏الثانية قد اعتنتْ بتسيير شؤون بيته وتربية بنْتيه. ولمّا تُوفي واجهتْ تلك الزوجة الثانية كلّ الصِّعاب ‏لتلبية حاجات بناته وتعليمهما حتى زواجهن، وكانت تُصارع الحياة مُجرّدة من كلّ الوسائل.‏

والكاتب يتكلّم عنها كثيراً في دفاتره ذاكراً إياها على الدوام بأنها “السيدة بن نبي”. ذلك أنه وجد فيها سنداً ‏معنوياًّ قوياًّ مُزداناً برقّة العقل وخفّة الروح التي أخذتها من تقاليد ناحية تبسة العريقة. كانت شُجاعة ‏وعمليّةً، واعيةً بشظف العيش المحيط بها، وبقيتْ كذلك وهي ترعاه إلى أنْ وافتْهُ المنية.‏

وبعد وفاة زوجها كان على خدوجة أنْ تعيش حدثاً أليماً آخر، وهو وفاة ابنتها “نْعيمة” في ريعان شبابها. ‏وكم كانت نشوتي وأنا أستمع إليها وهي تُصوِّرُ لي بلغتها الفضفاضة حيثيات ذكرياتها بصحبة المفكر ‏الوحيد الذي أنجبتْهُ شمال إفريقيا بعد ابن خلدون. ولقد توفيت في مقر سكناها بتاريخ 11 جوان سنة ‏‏2015.‏
‏(يتبع)‏
‏ المراجع:‏

‏1)‏ استلمْتُ هذه الوثيقة مِن ابن السيد قرموش عبد الحميد سنة 2003.‏

‏2)‏ يُستفادُ من مجلة “لكسبرس” الفرنسية (نوفمبر 2005) أنه منذ اجتماع الفاتيكان 2 (1962-1965) تخلى ما يُقارب ‏‏90000 أسقف (منهم 10000 فرنسي) عن مهامهم، وأنه قبل خمسين عاماً كان هناك 10000 أسقف تابعون للفاتيكان، ‏ولم يبق منهم اليوم إلاّ 100 أسقف.‏

‏3)‏ منشورات الفرقان الجزائر العاصمة 2002‏

‏4)‏ جاء ذلك العمود الصغير الذي لا يتجاوز حجمه حجم إعلان قصير بهذه الصيغة: “توفي المفكر المسلم الجزائري مالك ‏بن نبي أمس في مقر سكناه إثر مرض عُضال. ستُشيع جنازته يوم 2 نوفمبر على الساعة 14 بعد صلاة الجمعة انطلاقا ‏من هذا العنوان: 50 شارع روزفلت، الجزائر العاصمة. اشتهر السيد بن نبي بمؤلفاته الكثيرة، وخاصة منها: “شروط ‏النهضة، “وجهة الإسلام”، و”مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي”.‏

‏5)‏ ‏” أفاق جزائرية”، “اسلام و ديمقراطية” و “أعمال المستشرقين”‏

You may also like

Leave a Comment