Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (32)‏

حياة مالك بن نبي (32)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

تلقّى بن نبي دعوةً من ليبيا في شهر جوان 1970 لإلقاء سلسلة من المحاضرات. ودام اللقاء الذي حظي ‏به عند القذافي زمناً طويلاً. وبتلك المناسبة قدّم للرئيس الليبي مجموعة من الوثائق تتكون من “نبذة ‏تاريخية عن ليبيا”، و ” البترول وقاعدة ويلوس ‏Wheelus‏” و “المثالية” و يقظة ضرورية”، و ‏‏”خاتمة”.‏

ومما جاء في النص الوارد تحت عنوان “المثالية”: ” في عالمنا العربي نجد رجل السياسة يتكلم بلغة ‏الديبلوماسية، فهو يتفادى قول الحقيقة، وإن تحدّث عنها فهو يُموِّهُها. والحالُ أنّنا لو أردنا تعريف ‏الديبلوماسية بمُقابَلَتِها مع السياسة لقُلنا عن الأولى إنها فن قولِ ما يُنوِّمُ الضمير، بينما الثانية هي قول ما ‏يوقظه”. وهو يُطلق مُصطلح ” عُقدة الديبلوماسية” على هذا الموقف الذي أدّى بالعديد من البلدان ‏العربية إلى السقوط.‏

وما يجب أن نعرفه هو أن القذافي كان شديد الاحترام لبن نبي، وكان كثيراً ما يلتمس منه تحاليله. وقد ‏ساعده لمّا كان حياًّ كما ساعده بعد وفاته، إذ كان يُحيط بناته وأرملته بكثير من العناية. وهناك ليبيان ‏آخران، وهما من تلاميذه، قدّما لبن نبي كثيراً من المساعدة، وهما: محمد دخيل ومحمد كويسة. وكان بن ‏نبي من جهته يُكِنُّ للقذافي كثيراً من الحنان، وكان يُعلِّقُ به كثيراً من الأمل بخصوص الشأن العربي ‏الإسلامي.‏

عُيّنَ مالك بن نبي عضواً في معهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة من طرف جمال عبد الناصر في شهر ‏سبتمبر سنة 1970. وعاد الكاتب لمواصلة تأليف كتاب “مشكلة الأفكار” الذي انقطع عنه منذ جانفي ‏‏1960 بالقاهرة. وقد أنهى تحرير الفصل الأول بتاريخ 4 أكتوبر 1970، وما إنْ حلّ الرابع عشر من ‏ذات الشهر والسنة حتى كان في الفصل الرابع. وبعد ذلك بخمسة أسابيع، أي في 22 نوفمبر، أمْكَنَ له ‏أن يُسجّل هذه الملاحظة في دفاتره: ” الساعة تشير إلى الثامنة والنصف ليلاً، وقد فرغْتُ اللحظةَ من ‏تحرير آخر سطر من هذا الكتاب”.‏

‏ كتاب “مشكلة الأفكار في المجتمع الإسلامي”.‏

هذا الكتاب، الذي هو أحد أكثر كُتب بن نبي جاذبيّةً، هو أيضاً كتابٌ برز فيه تطوُّر فكره وقدراته على ‏التكيُّفِ مع مشاكل العالم. وهو يتكوّنُ من مقدمة موجزة، وسبعة عشر فصلاً وخاتمة. وجاءت فصوله ‏بهذه العناوين: إجابتان عن الفراغ الفضائي، الطفل والأفكار، المجتمع والأفكار، الحضارة والأفكار، ‏الطاقة الحيوية والأفكار، عالم الأفكار، الأفكار المطبوعة والأفكار المُعبّر عنها، جدلية الفضاء الثقافي، ‏جدلية الفكرة ـ الشيء، مبارزة بين الفكرة والمعبود، أصالة الأفكار وفاعليتها، الأفكار والديناميكية ‏الاجتماعية، الأفكار والمسار الثوري، الفكرة والسياسة، الفكرة وازدواجية اللغة، الأفكار الميتة والأفكار ‏القاتلة، ثأر الأفكار التي وقعتْ خيانتها. ‏

انتقل إلى ليبيا في شهر ديسمبر رفقة شريف بلقاسم وعمار طالبي وعبد الوهاب حمودة. وفي مارس كان ‏في القاهرة رفقة زوجته. وهناك ألقى بعض المُحاضرات، ودام مقامه فيها أكثر من شهر. ومن القاهرة ‏توجه إلى طرابلس إجابة لدعوة القذافي، والتقى به مراراً، كما قدّم له عملاً جديداً حول “رسالة الإسلام ‏في العالم”.‏

وفي أواخر ماي سافر جواًّ إلى بيروت، حيث قضى بضعة أسابيع عند مسقاوي، ووكّله رسمياًّ بنشر ‏كُتبه في نسختها العربية. في تلك الأثناء حرّر نصاًّ تحت عنوان ” الأزمة الثقافية”، وجعل منه فصلاً ‏مُلحقاً بكتاب ” مشكلة الأفكار”، كما حرّر مقدمة الطبعة الثانية منه. وبعدها عاد إلى القاهرة حيث قضى ‏فيها شهراً آخر لِمُعاينة عملية نشر كتاب ” مشكلة الأفكار في المجتمع الإسلامي”.‏

دام غيابه عن الجزائر أربعة أشهر، وصدر الكتاب يوم 10 جويلية، فأهدى أول نسخة منه لأمين ‏منصور رئيس تحرير جريدة “أخبار اليوم”. وفي اليوم نفسه ألقى مُحاضرة في نادي الطلبة الماليزيين. ‏ثُمّ عاد إلى ليبيا ثانية حيث وجد القذافي في استقباله.‏

سافر جواًّ إلى الولايات المُتّحدة يوم 15 سبتمبر، وحطّت به الطائرة في شيكاغو حيث وجد الطلبة الذين ‏وجهوا له الدعوة في استقباله. ألقى بعض المُحاضرات في تلك الولاية ثُمّ واصل جولته ماراًّ بكل من ‏ديتروا، ميشيغان، ماديسون، لوس أنجلس، نيو أورلينس، باتون روج، واشنطن، وفيلاديلفيا…‏

وعند عودته إلى الجزائر في أواخر شهر نوفمبر ألقى مُحاضرة في قسنطينة حول ” دور المُسلم في ‏الثلث الأخير من القرن 20″. وبتاريخ 01 جانفي 1972 وجه رسالة إلى الرئيس بومدين، نقل له فيها ‏ما جرى له في الآونة الأخيرة: ففي الثاني والعشرين ديسمبر المنصرم قصد المطار من أجل السفر إلى ‏جدة بدعوة من جامعة عبد العزيز، ومن أجل إلقاء محاضرات وأداء فريضة الحج رفقة زوجته وابنته ‏رحمة.‏

وبعد استكمال كل الإجراءات وتعبئة أمتعته في الطائرة جاءه شرطيّ ليُخبره بأنه ممنوع من مُغادرة ‏التراب الوطنيّ. عاد بن نبي إلى مقر سكناه رفقة عائلته وحاول أن يستقصي الأخبار حول أسباب ذلك ‏الإجراء الذي حرمه من ممارسة حق من حقوقه الدينية ومن ممارسه نشاطه الثقافي. وهو يقول في ‏الرسالة الموجهة إلى بومدين أنه مُضطرّ إلى تأويل هذا المنع بأنه “وضع في الإقامة الجبرية”. وسُمِحَ له ‏أخيرا بالسفر إلى السعودية يوم 21 جانفي. ومكّنَهُ ذلك من أداء فريضة الحج للمرة الثالثة، وكانت الأولى ‏سنة 1954 والثانية سنة 1961. وألقى بالمناسبة مجموعة من المحاضرات في جدة ومكة والمدينة ‏والرياض.‏

‏ كتاب “المسلم في عالم الاقتصاد” ‏

كان في بيروت رفقة زوجته وابنته عندما كتب هذه الملاحظة في السابع من مارس: ” جاءتني فكرة ‏كتاب جديد بعنوان “المسلم في الفضاء الاقتصادي” إثر المحاضرات التي ألقيتُها في جامعة الملك عبد ‏العزيز بن سعود في جدّة”. وقد باشر تأليف هذا الكتاب على الفور، وأنهى تحرير جزئه الأول، وفي ‏السابع عشر من الشهر نفسه أنهى جزأه الثاني. وفي التاسع عشر توجه إلى دمشق، وبعد أسبوع كان في ‏بيروت، حيث تلقّى برقية تحمل خبر وفاة الدكتور خالدي (1). وقد أصيب بصدمة عنيفة إثر هذا الخبر، ‏ويُستفادُ من عائلته أنه لم ينظر في شاشة التلفزيون بعد ذلك اليوم إلى يوم وفاته. ألقى بعدها عشر ‏مُحاضرات ثُمّ عاد إلى بيروت في العاشر من أفريل، وعرّج على دمشق ثانيةً من أجل إلقاء مُحاضرات ‏أخرى في الجامعات السّوريّة. ودام غيابه عن الجزائر ثلاثة أشهر.‏

صدر كتاب “المسلم في عالم الاقتصاد” باللغة العربية في بيروت بتاريخ 18 ماي 1972. وهو يتضمن ‏تجميعاً لأفكاره الاقتصادية التي طرحها في كتبه ومقالاته. وستصدُر الطبعة الفرنسية من هذا الكتاب سنة ‏‏1996 وكَتَبَ تمهيدها كاتب هذه السطور. وهو كتاب يتكون من مُقدمة بقلم بن نبي مؤرخ في 07 مارس ‏‏1972، ومن ثلاثة أجزاء، وهي: أسس العلاقات الاقتصادية الحالية في العالم، خرائط توزيع القدرات ‏في العالم، وشروط الانطلاقة، بالإضافة إلى الخاتمة.‏

‏ كتاب “مجالس دمشق” ‏

هذا كتاب جَمَعَ فيه بن نبي المُحاضرات المتبوعة بمناقشة، والتي ألقاها في دمشق سنة 1972، لكنه لم ‏يُنشر إلاّ سنة 2005 بمبادرة من عمر كمال مسقاوي في دار الفكر. ويتضمن الكتاب تمهيداً موجزاً بقلم ‏بن نبي، ومُقدمة مُسهِبة بقلم مسقاوي، وستة نصوص عناوينها: القابلية للاستعمار، الحضارة والإسلام، ‏الثقافة والأزمة الثقافية، الحقوق والواجبات، المرأة والرجل أمام واجبات واحدة في مرحلة النهضة، دور ‏المسلم في الثلث الأخير من القرن 20 ورسالة المسلم في الثلث الأخير من القرن 20.‏

كتاب “دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين”.‏

نُشِرتْ آخر مُحاضرتين ألقاهما بن نبي في دمشق مُنفردة في شكل قُصاصة. وهو يشرح فهمه وتَخوّفاته ‏تُجاه نهاية القرن العشرين، إذ يُعلن أنّ الثلث الأخير سيكون مصيرياًّ بالنسبة للإنسانية عموماً والعالم ‏الإسلامي خصوصاً. وهو يرى أنّ الحضارة الغربية تمُرّ بأزمة وجودية يُجسِّدُها ظهور أمراض أخلاقية ‏تُنْذِرُ بِقُرْبِ أُفولِها، ومِن تلك الأمراض: نقص الدافعية، الثورات الاجتماعية (كثورة ماي 1968 ‏بفرنسا)، المُخدرات، الميل إلى الانتحار، إلخ. ويتراءى له في الأفق قرب نهاية تاريخ وبداية تاريخ ‏آخر، وعلى الإسلام أن يؤدّي فيه دوراً روحياًّ بالأساس. ثُمّ يُقيمُ موازاة بين ظهور الإسلام في مرحلة ‏انتقالية بين الأمبراطورية الفارسية والأمبراطورية البيزنطية، وبين الوضعية الحالية (1972)، حيث ‏يظهر الإسلام في وضعية مرجعية بين الإيديولوجيا السوفياتية والإيديولوجيا الغربية. ‏

وقد آل الأمرُ ببن نبي إلى استخلاص أن الصراع الفكري، بالنظر إلى تقهقر المسيحية كمصدر للدافعية ‏وأفول البوذية والبراهمانية بشكل شبه تام، ستشهد حتماُ مُواجهة بين الإسلام والشيوعية اللّذين لا بُدّ أن ‏يصطدما في معركة تُفضي إلى نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة.‏

سافر إلى لبنان مُجدّداً في شهر جوان 1972. وفي الرابع عشر من ذات الشهر انتقل جواًّ إلى القاهرة، ‏حيث أقام عشرة أيام قبل أن يتجه إلى ليبيا. استقبله القذافي مرتين، وألقى بعض المحاضرات. وفي ‏الخامس من جويلية كتب هذه الملاحظة في دفاتره: ” شرعتُ بالأمس في ترجمة الكتاب الثاني من العمل ‏المتضمن كتاباتي بعد الثورة. وكُنتُ قد بدأتُهُ في بيت الساسي رابح بباريس التي حللْنا بها منذ ثلاثة أيام ‏قادِمَيْنِ من ليبيا”. وأضاف قائلاً في التاسع والعشرين من ذات الشهر: “أنا في الصفحة 80 من ترجمة ‏‏”ما بعد الثورة” (2).‏

عاد ثانية إلى بيروت في أواخر شهر أوت. وسجل هذه الملاحظة في دفاترة بتاريخ 05 سبتمبر: “أنا ‏بعيدٌ عن أهلي منذ ثمانية أشهر. فموت الدكتور خالدي قد زادني بُعداً عن بلادي”. وفي 08 سبتمبر انتقل ‏إلى القاهرة لحضور اجتماع المؤتمر الإسلامي. ولمّا عاد إلى الجزائر قدّم لشريف بلقاسم رسالة موجّهة ‏إلى بومدين، ويقول فيها: ” لن أبيع ضميري لأيٍّ كان وبأيِّ ثمن. إنّ ظروف حياتي أصبحت مُشوّشة ‏على جميع الأصعدة: السكن، الوظيفة، العمل الثقافي، إلخ. لكن الأهم من كل ذلك هو الصعيد المعنوي، ‏حيثُ، ومنذ عودتي إلى الجزائر بعد الثورة، صِرْتُ أعيش مع عائلتي مُحاصرين بين بيتٍ للمواعيد غير ‏الأخلاقية في الطابق السفلي، ومقهى لا يكُفّ عن الغناء في الطابق العلوي، دون أن أتمكن من تغيير أي ‏شيء بالمساعي التي قمت بها لدى مختلف الأطراف منذ تسع سنوات. وعندما حصل أنْ أخذ الوالي ‏بعين الاعتبار مسعاي، إذ اغتنم فرصة غلق مقهى الغناء، فاتخذ قراراً بمنح المسكن لأسرة شهيد شريفة، ‏لكن شيئاً منعه في آخر لحظة من تنفيذ قراره ليُعاد فتح مقهى آخر للغناء فوق رأسي… ولا أجد لهذه ‏الوضعية إلاّ أحد حلّيْن: فإمّا أنْ تُسوّى وضعيتي كمواطنٍ وككاتب من حقه أن يعيش في ظروف تُساعده ‏على استكمال عمله، أو أنْ يُسمحَ لي بالانسحاب صحبة عائلتي، بمُرتّبٍ أو بدونه”.‏

تمهيد آخر غير منشور.‏

بدأ بن نبي بتاريخ 10 فيفري تحرير تمهيدٍ لمشروع كتاب عنوانه ” خط أنابيب الخيانة، أو رضّاعة ‏الخَوَنَة” الذي لا نعرف شيئا عن مصيره. فهل كتبهُ فعلاً؟ وهل اختفى كغيره من الوثائق الأخرى. إنّ ما ‏نقرؤه في هذا التمهيد شيء مُريعٌ حقاًّ. فهل هو مذكرات مجنون؟ أم هو اعتراف شخصٍ فاقِدٍ للأمل؟ أمْ ‏هو شهادة دافيد فانسان (3) الذي لا يُريد أيُّ أحدٍ أنْ يُصدّقه؟ كلاّ. لا شيء من كلِّ ذلك.‏
على نقيض كلّ هذا، فما نقرؤه في ذلك التمهيد هو أحسنُ ما عند كاتبنا: شجاعته، وصفاء سريرته، ‏وإصراره على تحمل وزر رسالته إلى نهايتها، إنها رسالة الشهادة. يقول: ” لقد نيّفْتُ على الثامنة ‏والستين من عمري… ويعني ذلك أني قد جاوزْتُ خط فُرص الحياة حسب ما يُتيحه الإحصاء للإنسان ‏حتى ولو كان يعيش في بلدٍ مُتقدِّمٍ. فيُفترض إذاً أن أنتظر الموت من لحظة إلى أخرى. وهذا المنظور لا ‏يُزعجني إلاّ عندما أفكِّرُ في بناتي اللّواتي لم يبلغا من النضج ما يكفيهما حتى يستقلاّ ويستغنيا عن أبيهما، ‏أو عندما أفكر في عملي الذي سأتركه غير كامل بسبب الخونة الذين، ومنذ أن اخترتُ الإقامة بصفة ‏نهائية في العالم الإسلامي عام 1956 بالقاهرة، حرموني من كل وسائل العمل، بما في ذلك النوم. ‏وبطبيعة الحال، أنا كُنتُ أعرف الخونة و”الخونة الصغار “‏traîtrillons‏” في الجزائر والمغرب منذ ‏سنوات الدراسة بباريس. لكنني كُنتُ أجهل سُلّم الخيانة، وطبيعتها، وطوبوغرافياها، وجانبها النفسي في ‏المجتمع العربي والإسلاميّ، وفي صفوف الطبقة المثقفة ورجال السياسة خصوصاً… ويتراءى لي ما ‏يُشبه خط أنابيب يربط بين العواصم العربية… وهذا الخط هو ضربٌ من الرضّاعة التي تملؤها تل ‏أبيب وباريس وواشنطن يومياًّ لإرضاع الخيانة في العواصم الإسلامية…” ‏
يُخيّلُ إلينا ونحن نقرأ هذه السطور أننا مُقبِلون على ما يُشبه ” العفن” (‏Pourritures‏)، أو السباحة في ‏أجواء رواية جورج أورويل ‏Georges Orwell‏ (4). ويواصل بن نبي قائلاً: ” لقد اصطدمتُ بكل ‏تلك الماسونية الخائنة، وعلى طول خط أنابيب الخيانة أو معظمه. وأنا أعرف ما أنا مَدينٌ لها به حتى في ‏هذه اللحظة التي لم يَعُدْ لي فيها أمل ممدود، وبناتي مُهدّدات بالبقاء في العراء… (5). فمِن الظلمِ إذا كان ‏عليّ أن أترك عملي غير مُكتملٍ، ألآّ أقول شيئاً قبل أن أغادر الحياة، عن أولئك الإخوة في الرضاع ‏والذين يؤدون نفس العمل ويقومون بنفس المهام من طنجة إلى جاكرتا تمجيداً لإسرائيل، حتى ولو كان ‏ذاك الشيء الذي أقوله مُقتضباً… ولم يُفكّر أحدٌ في أيامنا، وقد صار التاريخ الإسلامي كلّه نسيجاً من ‏الخيانات، أنْ يُخصص كتاباً للخونة. إنه لَمِن الظُّلْمِ تركُ ثغرة بهذا الحجم في أدبنا وفي عملي أنا، وهو ‏عملٌ يعتزّ صاحبُهُ ـ وهو مُحِقٌّ ـ بأنه الوحيد الذي خصص كتاباً للصراع الفكري. يبدو لي أنه من ‏الضروريّ سدُّ هذه الثغرة بِما مِنْ شأنه أن يكون جديراً بأن يكون جزءاً من ذلك العمل، هذا من جهة، ‏ومن جهةٍ أخرى يكون بمثابة تفنيدٍ في وجه أولئك الأبطال التُّعساء الذين لم تتمكن من زعزعة سلطانهم ‏في العالم الإسلامي حتى أحداث جوان المؤلمة ولا أيام بانجلاداش التعيسة”.‏

وغداة ذلك اليوم أنهى بن نبي تحرير ذلك التمهيد الذي اختتمه بقوله: ” في ظلّ الظروف القاسية التي ‏أعمل فيها، وفي الوقت الذي قد أُطرَدُ فيه من مسكني بأبسط إشارة من سفارةٍ أجنبية، فإنّ مشروعي قد ‏يتوقف عند هذا التمهيد البسيط. وفي هذه الحالة، قد يأتي مَنْ يُتمِّمُهُ في يومٍ ما مُرْتَفِقاً بدفاتري ‏وبمخطوطاتي. (التسطير بيدِ مؤلِّف هذه السطور).‏

وماذا عسى أنْ تعني كلمة “الخيانة” على لسان بن نبي؟ إنها، طبعاً، تعني في المقام الأول ما تعنيه في ‏كلّ اللغات، أي: الانضمام إلى العدو وإمداده بالعون في مجال الإخبار، وكذلك الخضوع له… لكن ما ‏يُفكر فيه بن نبي ليس مِن كلّ ذلك. فبعيداً عن هذا المفهوم يجب الانتباه إلى أنّ لدى بن نبي معايير ثقافية ‏وأخلاقية في الغالب، وهي المعايير التي يحكم بها على السلوك والمواقف بطريقة الثوريين الصادقين ‏والمتشددين مثل سان جوست ‏Saint-Just‏ أو روباسبيار ‏Robespierre‏ الذي أعلن في إحدى خُطبِه: ‏‏” إنّ ما أخشاه ليس الثورة المُضادة، بل أخشى تطوّر المبادىء الخاطئة والوثنية وضياع الروح ‏العمومية… إنّ صنف الخيانة الذي علينا أنْ نخشاه لا يُنذِرُ اليقظة العمومية، بل يُمدد نوم الشعب إلى أن ‏تصل لحظة تكبيله بالقيود” (6). ‏
وبناءً على ذلك فكلّ خرْقٍ للمبادئ وللمُقدسات وللمنطق هو مِن قبيل الخيانة. وما نعرفه عن بن نبي أنه ‏ثابت على المواقف، ولا ميلَ لديه إلى المساومة، كما نعرف عنه “روح النظام” الذي هو نقيض “النزعة ‏الذّريّة” بالتمام، وعدم تسامُحه بخصوص الجانب الأخلاقي. عدوّه اللّدود في المقام الأول هو الجهل ‏وانعدام الثقافة. فهُما مصدر كل الخيانات وكلّ “العَدَميات” التي لا تقل أضرارها عن الأضرار التي قد ‏يُسببها غزوٌ خارجيّ أو تُسببها خيانة عظمى. ‏‎ ‎
وممّا قاله في كتاب ” الصراع الفكري في البلدان المُستعمَرة”: “عندما تكون السياسة مدفوعة بقوة ‏الضمير والعقل والقلب، أو ـ في كلمة واحدة ـ بقوة “الأفكار”، فمن الصعب حملُها على الانحراف… ولو ‏حلّلنا أحداث العشرية الأخيرة في البلدان الإسلامية لأدركنا بسرعة أن الذين يقودون الأمم إلى الكوارث ‏الكبرى ليسوا هم الخونة العاديين، بل هم مِن الرّجال المُكرّمين، ومِن عِلِّية القوم، رجال ازدانوا بألقاب ‏البطولة على محراب وطنهم”. أُصارحكم بأنه صَعُبَ عليّ الامتناع عن تذَكُّرِ بعض “كبار زعمائنا” ‏العرب بعد قراءة هذه السطور.‏
لكن هناك تعريفاً آخر للخيانة أورده بن نبي في كتاب “ميلاد مجتمع”، وهو: ” هناك نوعان من الخيانة ‏في حق المجتمع: خيانة تُدمِّرُ روحها، وخيانة تُدمِّرُ إمكاناتها. الأولى تُولّدُ الفراغ الاجتماعي بتدمير ‏المبادئ والبُنى الاجتماعية والطاقات الأزلية التي تُحافظ على الضغط الكافي لمواصلة المجتمع لحركته ‏المنسجمة في التاريخ. والثانية تُولّدُ الفراغ بتوجيه كلّ المؤهِّلات الخلاّقة وكلّ الفضائل الأخلاقية في ‏المجتمع خارج عالم الواقع والظواهر.. وإذا كانت الأولى تتجاهل مقتضيات السماء فالثانية تتجاهل ‏مقتضيات الأرض. وكلاهما يصل إلى نفس النتيجة عبر طرق مختلفة وأحياناً مُتعارضة، وتلك النتيجة ‏هي: الفراغ الاجتماعي الذي تنغمس فيه روح الحضارة وإمكاناتها”.‏
وهو يرى أنّ السياسة هي تجسيد لأفكار صحيحة أو خاطئة. و”الزعماء” في البلدان الإسلامية يستعملهم ‏الاستعمار الإيديولوجي في تحقيق غاية مزدوجة، وهي: اتّخاذهم كمُكثِّفات ‏‎ condensateurs‏ ‏تستقطب كل الطاقة السياسية في بلدٍ ما لصرفها عن التيار الثوري إلى التيار الثوري المزعوم، واتخاذهم ‏كقواطع ‏interrupteurs‏ لمنع الفكرة الأصيلة من الوصول إلى الضمير الشعبي. وعادةً ما يؤدّي هؤلاء ‏الزعماء أدوارهم دون علمٍ منهم. وهذا هو السّرّ في تمييزه بين “الخائن الواعي” و ” الزعيم غير ‏الواعي”، وبين “الخطإ المُلازِم” و ” الخطإ الحادث”. ‏‎ ‎
إنّ ذلك الرجُلَ المُحِبّ للقوانين والنظريات والمُسلّمات والفرضيات كان يحرص دوماً على أن يرى مِن ‏خلال كل الأشياء علامات إيجابية أو سلبية. وبِحُكم روحه العلمية فإنّ كل شيء في الوجود لا بُدّ أن ‏يكون نتيجةً لشيءٍ آخر سيكون هو بدوره مُوَلّداً لأشياء أخرى. وكان غالباً ما يتبنّى في استدلالاته على ‏المُقاربة الرياضية، ولذلك كان يُحبّ اختزال كل الأشياء في مُعادلات وفي عمليات. ونحن نجده آخذاً ‏أمثلته من الفيزياء ومن البيولوجيا والتيرموديناميا والميكانيك… كما لا يتردد عن الارتفاق بالمُجسمات ‏والصيَغ الكيميائية كي يُجسد فكرة الحضارة مثلاً، أو الكومنويلث الإسلاميّ أو الصراع الفكري أو ‏الروابط الاجتماعية… إنه الرجُل المُكتمل الذي يحدوه الشعور بالإطلاق، ولذلك كانت حياته خطاًّ ‏مُستقيماً لمْ يَحِدْ عنه ولو بسنتيمتر واحدٍ. ‏
وقد سكَنَ موضوع “الخيانة” ذاتَهُ منذ سنوات دراسته في باريس التي واجه فيها شبح القوة الاستعمارية ‏الخفيّ. وعلّمتْهُ الأيام ألاّ يؤمن بالصدفة أبداً، وأنْ يُخْضِع الأحداث لمقاييس مُعَدّة مُسبقاً قبل الحُكمِ عليها. ‏كان شغله الشاغل هو النظام، شأنُهُ في ذلك شأن جنديّ الرعيل الأول. كما كان دقيقاً ومنضبطاً في حياته ‏وعاداته مثل الساعة الجدارية، حتى أنه كان ينزعج بوجدانه ومعنوياته إزاء كلّ ما من شانه أنْ يُخِلّ ‏بالنظام والانسجام.‏
وكان للمعركة التي خاضها في الظلام الدامس ضد الإدارة الاستعمارية وماسينيون أثرٌ في ميله إلى ‏الحذر: فإنّ للعالَم وللحياة وللتاريخ وللأحداث وجهيْنِ وبُعْدَيْن ودلالتين، الوجه المرئي الظاهر والرسميّ، ‏والوجه غير المرئي وغير المادّي والخفيّ. فالعالم لا يتحرك بقوة العناية الطيبة وحدها، إذ يُنافسها في ‏ذلك كلٌّ من الشّرّ والرغبة في السيطرة والمصلحة الأنانية. والمعركة بين الخير والشر ليست عنده ‏صورة ميتافيزيقية، بل هي واقع يوميّ. وكان هو نفسه في مركز تلك المعركة، إذ علّمته الأيام أن يتموقع ‏في حياته بحسب حيثياتها. ‏
ولا مكان عنده للعبثية في حياة الأمم والبشر. فكل شيء محسوب ومقصود ومُحْدَث. أمّا ضربات الحظ ‏والمُصادفات فلا يكاد يؤمن بها. وممّا جاء في الطبعة الفرنسية من كتاب ” الصراع الفكري في البلدان ‏المُستعمَرَة”: ” كلّ ما هو جزء من الحياة ومن حركة الأفكار هو بالضرورة حلقة في سلسلة، أو في ‏مجموعة عناصر تُحدد دلالته وبُعده بطريقة جدلية، باعتباره نتيجة لعنصر سابق له وباعتباره بداية ‏لعنصر لاحِقٍ له. ولا يمكن لنا فصل أحدهما عن الآخر إلاّ إذا كُنا مُصابين بالنزعة الذّرية”. وقد قال ‏بالزاك: ” هناك تاريخان: التاريخ الرسميّ الذي نُعلِّمُهُ‎ ‎للصِّغار، والتاريخ السِّريُّ الذي توجد فيها الأسباب ‏الحقيقية التي تؤدي إلى وقوع الأحداث، وهو تاريخ مُخْزي” (7).‏‎ ‎
إنّ ” الصراع الفكري” هي الاسم الشامل الذي أطلقه على تلك المُقابلة بين الخير والشر، وبين الإسلام ‏وخصومه، وبين البلدان الإسلامية من جهةٍ والاستعمار والصهيونية من جهةٍ أخرى. وممّا جاء في ‏الكتاب الذي يحمل هذا العنوان: ” إنّ الأفكار لا تتحرك في بوتقة مُغلقة، وفي معزلٍ عن عالم ‏الأشخاص، كما هي الحال في “عالم المُثُل” عند أفلاطون. لا يمكن أن نفصُل بين رحلة الفكرة وبين ‏حامِلِها ومُرسِلِها مهما كانت درجة التجريد، بل على نقيض ذلك فإن أوديسا الفكرة تجري على الأرض. ‏وباختزال هذه الاعتبارات نقول: إن الاستعمار يُحاول في المقام الأول أن يصنع من الفرد خائناً يعمل ‏ضد المجتمع الذي يعيش في كنفه. وإنْ فشل في مُحاولته هذه، فسيجتهد في تقليب الأدوار، إذ يجعل من ‏المجتمع هو الذي يخون ذلك الفرد بواسطة أفرادٍ لا وازِع لهم”.‏‎ ‎
والمُلاحَظُ أن بن نبي لمْ يَعُدْ يذكُر الـ ” جهاز المخابرات” في المؤلفات التي كتبها خلال المرحلة الأخيرة ‏من حياته (1963-1973)، بل صار يتحدث عن “الاستعمار الجديد” الذي “عليه أن يُواصل الحرب ‏الاستعمارية بوسائل أخرى”، وعن “الزواحف متعددة الأرجل ‏‎ myriapode ‎‏”، وعن المِستر ‏X‏. ‏
إنّ كلمة “خيانة” فيما يقول أو يكتب لا تعني غير انعدام الكفاءة والخجل المُفرِط اللّذين صادفهما طيلة ‏مسيرته… وهكذا يتبيّن لنا في آخر المَطاف أنّ أصحّ عتابٍ وجّهه لمُعاصريه من رجال السياسة والثقافة ‏هو أنهم لم يفهموه.‏
كان ناقماً على الحركة الوطنية لأنها، ولكونها مؤسسة على الروح الشعبوية، لم يكُن بمقدورها أن تتبنّى ‏أفكاره أو أن تعترف به مُفكّراً دون أن تمسّ بعبادة “الزعيم”. وقد حدث له أنْ تجاوز الحد في استعمال ‏هذا المصطلح باعتبار كل رأي مُخالف لرأيه أو أي عمل سياسي مُعارضٍ كخيانةٍ، مثلما حدث له مع ‏مبادرة كريم بلقاسم والطاهر زبيري أيام بومدين (8).‏
لقد عانى الشيخ العربي التبسي من السجن، ومات شهيداً، كما عرف الشيخ البشير الإبراهيمي زنزانات ‏الاستعمار وفُرِضتْ عليه الإقامة الجبرية واضطُرّ إلى الهجرة، كما اضطُرّ عبان رمضان إلى الفرار من ‏العدو ليقع بين أيدي إخوانه الذين قتلوه خنقاً، وسُجِنَ فرحات عباس مراراً وأُجبر على السكوت في ظل ‏الجزائر المستقلّة… ‏
كلّ تلك الوجوه قدّمتْ خدمةً للبلاد حسب وجهات نظرها، وبحسب الإمكانات التي أتيحتْ لها، وبكل ما ‏اتّصفت به من فضائل ومثالب. وبن نبي بشرٌ لم يكن بمقدوره أن يتجرد من كل المثالب، لكنها مثالب ‏تشفع لها استقامتُهُ واستحقاقاتُهُ وعبقريتُهُ.‏
‏(يتبع)‏

المراجع:‏
‏1)‏ تلقّى بن نبي هذا الخبر من الأستاذ عبد الوهاب حمودة، فأجابه بِحُزنٍ شديد كي يستقصي عن أسباب وفاة صديقه.‏

‏2)‏ يتعلق الأمر بثلاثين مقالاً نُشِرتْ في ‏Révolution africaine ‎‏ وأعاد الأستاذ عمر كمال مسقاوي نشرها سنة ‏‏1973 تحت عنوان: ” بين التيه والرشاد” في دار الفكر. وقد أضاف لها بن نبي خاتمة حرّرها بتاريخ 08 أوت ‏‏1972.‏

‏3)‏ شخصية رئيسية في المسلسل التلفزيوني الشهير تحت عنوان ‏Les envahisseurs ‎‏ والذي كان بن نبي يحبّه كثيراً.‏

‏4)‏ جورج اورويل :”1984″‏

‏5)‏ لن تتمكن أرملة بن نبي من تسوية وضعية سكنها إلاّ عشر سنوات بعد وفاته.‏

‏6)‏ ارجع الى ” أعمال ماكسيميليان روبيسبيار: خطاب 1791-1792″ المجلد 08، منشورات‎ PUF‏ ، باريس 1953‏

‏7)‏ المذكور في ” سر الآلهة ” هنري كوستاند

‏8)‏ ارجع الى ” درس جريمة”، الثورة الافريقية عدد 02 ماي 1968‏

You may also like

Leave a Comment