بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
تلقّى بن نبي دعوةً من ليبيا في شهر جوان 1970 لإلقاء سلسلة من المحاضرات. ودام اللقاء الذي حظي به عند القذافي زمناً طويلاً. وبتلك المناسبة قدّم للرئيس الليبي مجموعة من الوثائق تتكون من “نبذة تاريخية عن ليبيا”، و ” البترول وقاعدة ويلوس Wheelus” و “المثالية” و يقظة ضرورية”، و ”خاتمة”.
ومما جاء في النص الوارد تحت عنوان “المثالية”: ” في عالمنا العربي نجد رجل السياسة يتكلم بلغة الديبلوماسية، فهو يتفادى قول الحقيقة، وإن تحدّث عنها فهو يُموِّهُها. والحالُ أنّنا لو أردنا تعريف الديبلوماسية بمُقابَلَتِها مع السياسة لقُلنا عن الأولى إنها فن قولِ ما يُنوِّمُ الضمير، بينما الثانية هي قول ما يوقظه”. وهو يُطلق مُصطلح ” عُقدة الديبلوماسية” على هذا الموقف الذي أدّى بالعديد من البلدان العربية إلى السقوط.
وما يجب أن نعرفه هو أن القذافي كان شديد الاحترام لبن نبي، وكان كثيراً ما يلتمس منه تحاليله. وقد ساعده لمّا كان حياًّ كما ساعده بعد وفاته، إذ كان يُحيط بناته وأرملته بكثير من العناية. وهناك ليبيان آخران، وهما من تلاميذه، قدّما لبن نبي كثيراً من المساعدة، وهما: محمد دخيل ومحمد كويسة. وكان بن نبي من جهته يُكِنُّ للقذافي كثيراً من الحنان، وكان يُعلِّقُ به كثيراً من الأمل بخصوص الشأن العربي الإسلامي.
عُيّنَ مالك بن نبي عضواً في معهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة من طرف جمال عبد الناصر في شهر سبتمبر سنة 1970. وعاد الكاتب لمواصلة تأليف كتاب “مشكلة الأفكار” الذي انقطع عنه منذ جانفي 1960 بالقاهرة. وقد أنهى تحرير الفصل الأول بتاريخ 4 أكتوبر 1970، وما إنْ حلّ الرابع عشر من ذات الشهر والسنة حتى كان في الفصل الرابع. وبعد ذلك بخمسة أسابيع، أي في 22 نوفمبر، أمْكَنَ له أن يُسجّل هذه الملاحظة في دفاتره: ” الساعة تشير إلى الثامنة والنصف ليلاً، وقد فرغْتُ اللحظةَ من تحرير آخر سطر من هذا الكتاب”.
كتاب “مشكلة الأفكار في المجتمع الإسلامي”.
هذا الكتاب، الذي هو أحد أكثر كُتب بن نبي جاذبيّةً، هو أيضاً كتابٌ برز فيه تطوُّر فكره وقدراته على التكيُّفِ مع مشاكل العالم. وهو يتكوّنُ من مقدمة موجزة، وسبعة عشر فصلاً وخاتمة. وجاءت فصوله بهذه العناوين: إجابتان عن الفراغ الفضائي، الطفل والأفكار، المجتمع والأفكار، الحضارة والأفكار، الطاقة الحيوية والأفكار، عالم الأفكار، الأفكار المطبوعة والأفكار المُعبّر عنها، جدلية الفضاء الثقافي، جدلية الفكرة ـ الشيء، مبارزة بين الفكرة والمعبود، أصالة الأفكار وفاعليتها، الأفكار والديناميكية الاجتماعية، الأفكار والمسار الثوري، الفكرة والسياسة، الفكرة وازدواجية اللغة، الأفكار الميتة والأفكار القاتلة، ثأر الأفكار التي وقعتْ خيانتها.
انتقل إلى ليبيا في شهر ديسمبر رفقة شريف بلقاسم وعمار طالبي وعبد الوهاب حمودة. وفي مارس كان في القاهرة رفقة زوجته. وهناك ألقى بعض المُحاضرات، ودام مقامه فيها أكثر من شهر. ومن القاهرة توجه إلى طرابلس إجابة لدعوة القذافي، والتقى به مراراً، كما قدّم له عملاً جديداً حول “رسالة الإسلام في العالم”.
وفي أواخر ماي سافر جواًّ إلى بيروت، حيث قضى بضعة أسابيع عند مسقاوي، ووكّله رسمياًّ بنشر كُتبه في نسختها العربية. في تلك الأثناء حرّر نصاًّ تحت عنوان ” الأزمة الثقافية”، وجعل منه فصلاً مُلحقاً بكتاب ” مشكلة الأفكار”، كما حرّر مقدمة الطبعة الثانية منه. وبعدها عاد إلى القاهرة حيث قضى فيها شهراً آخر لِمُعاينة عملية نشر كتاب ” مشكلة الأفكار في المجتمع الإسلامي”.
دام غيابه عن الجزائر أربعة أشهر، وصدر الكتاب يوم 10 جويلية، فأهدى أول نسخة منه لأمين منصور رئيس تحرير جريدة “أخبار اليوم”. وفي اليوم نفسه ألقى مُحاضرة في نادي الطلبة الماليزيين. ثُمّ عاد إلى ليبيا ثانية حيث وجد القذافي في استقباله.
سافر جواًّ إلى الولايات المُتّحدة يوم 15 سبتمبر، وحطّت به الطائرة في شيكاغو حيث وجد الطلبة الذين وجهوا له الدعوة في استقباله. ألقى بعض المُحاضرات في تلك الولاية ثُمّ واصل جولته ماراًّ بكل من ديتروا، ميشيغان، ماديسون، لوس أنجلس، نيو أورلينس، باتون روج، واشنطن، وفيلاديلفيا…
وعند عودته إلى الجزائر في أواخر شهر نوفمبر ألقى مُحاضرة في قسنطينة حول ” دور المُسلم في الثلث الأخير من القرن 20″. وبتاريخ 01 جانفي 1972 وجه رسالة إلى الرئيس بومدين، نقل له فيها ما جرى له في الآونة الأخيرة: ففي الثاني والعشرين ديسمبر المنصرم قصد المطار من أجل السفر إلى جدة بدعوة من جامعة عبد العزيز، ومن أجل إلقاء محاضرات وأداء فريضة الحج رفقة زوجته وابنته رحمة.
وبعد استكمال كل الإجراءات وتعبئة أمتعته في الطائرة جاءه شرطيّ ليُخبره بأنه ممنوع من مُغادرة التراب الوطنيّ. عاد بن نبي إلى مقر سكناه رفقة عائلته وحاول أن يستقصي الأخبار حول أسباب ذلك الإجراء الذي حرمه من ممارسة حق من حقوقه الدينية ومن ممارسه نشاطه الثقافي. وهو يقول في الرسالة الموجهة إلى بومدين أنه مُضطرّ إلى تأويل هذا المنع بأنه “وضع في الإقامة الجبرية”. وسُمِحَ له أخيرا بالسفر إلى السعودية يوم 21 جانفي. ومكّنَهُ ذلك من أداء فريضة الحج للمرة الثالثة، وكانت الأولى سنة 1954 والثانية سنة 1961. وألقى بالمناسبة مجموعة من المحاضرات في جدة ومكة والمدينة والرياض.
كتاب “المسلم في عالم الاقتصاد”
كان في بيروت رفقة زوجته وابنته عندما كتب هذه الملاحظة في السابع من مارس: ” جاءتني فكرة كتاب جديد بعنوان “المسلم في الفضاء الاقتصادي” إثر المحاضرات التي ألقيتُها في جامعة الملك عبد العزيز بن سعود في جدّة”. وقد باشر تأليف هذا الكتاب على الفور، وأنهى تحرير جزئه الأول، وفي السابع عشر من الشهر نفسه أنهى جزأه الثاني. وفي التاسع عشر توجه إلى دمشق، وبعد أسبوع كان في بيروت، حيث تلقّى برقية تحمل خبر وفاة الدكتور خالدي (1). وقد أصيب بصدمة عنيفة إثر هذا الخبر، ويُستفادُ من عائلته أنه لم ينظر في شاشة التلفزيون بعد ذلك اليوم إلى يوم وفاته. ألقى بعدها عشر مُحاضرات ثُمّ عاد إلى بيروت في العاشر من أفريل، وعرّج على دمشق ثانيةً من أجل إلقاء مُحاضرات أخرى في الجامعات السّوريّة. ودام غيابه عن الجزائر ثلاثة أشهر.
صدر كتاب “المسلم في عالم الاقتصاد” باللغة العربية في بيروت بتاريخ 18 ماي 1972. وهو يتضمن تجميعاً لأفكاره الاقتصادية التي طرحها في كتبه ومقالاته. وستصدُر الطبعة الفرنسية من هذا الكتاب سنة 1996 وكَتَبَ تمهيدها كاتب هذه السطور. وهو كتاب يتكون من مُقدمة بقلم بن نبي مؤرخ في 07 مارس 1972، ومن ثلاثة أجزاء، وهي: أسس العلاقات الاقتصادية الحالية في العالم، خرائط توزيع القدرات في العالم، وشروط الانطلاقة، بالإضافة إلى الخاتمة.
كتاب “مجالس دمشق”
هذا كتاب جَمَعَ فيه بن نبي المُحاضرات المتبوعة بمناقشة، والتي ألقاها في دمشق سنة 1972، لكنه لم يُنشر إلاّ سنة 2005 بمبادرة من عمر كمال مسقاوي في دار الفكر. ويتضمن الكتاب تمهيداً موجزاً بقلم بن نبي، ومُقدمة مُسهِبة بقلم مسقاوي، وستة نصوص عناوينها: القابلية للاستعمار، الحضارة والإسلام، الثقافة والأزمة الثقافية، الحقوق والواجبات، المرأة والرجل أمام واجبات واحدة في مرحلة النهضة، دور المسلم في الثلث الأخير من القرن 20 ورسالة المسلم في الثلث الأخير من القرن 20.
كتاب “دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين”.
نُشِرتْ آخر مُحاضرتين ألقاهما بن نبي في دمشق مُنفردة في شكل قُصاصة. وهو يشرح فهمه وتَخوّفاته تُجاه نهاية القرن العشرين، إذ يُعلن أنّ الثلث الأخير سيكون مصيرياًّ بالنسبة للإنسانية عموماً والعالم الإسلامي خصوصاً. وهو يرى أنّ الحضارة الغربية تمُرّ بأزمة وجودية يُجسِّدُها ظهور أمراض أخلاقية تُنْذِرُ بِقُرْبِ أُفولِها، ومِن تلك الأمراض: نقص الدافعية، الثورات الاجتماعية (كثورة ماي 1968 بفرنسا)، المُخدرات، الميل إلى الانتحار، إلخ. ويتراءى له في الأفق قرب نهاية تاريخ وبداية تاريخ آخر، وعلى الإسلام أن يؤدّي فيه دوراً روحياًّ بالأساس. ثُمّ يُقيمُ موازاة بين ظهور الإسلام في مرحلة انتقالية بين الأمبراطورية الفارسية والأمبراطورية البيزنطية، وبين الوضعية الحالية (1972)، حيث يظهر الإسلام في وضعية مرجعية بين الإيديولوجيا السوفياتية والإيديولوجيا الغربية.
وقد آل الأمرُ ببن نبي إلى استخلاص أن الصراع الفكري، بالنظر إلى تقهقر المسيحية كمصدر للدافعية وأفول البوذية والبراهمانية بشكل شبه تام، ستشهد حتماُ مُواجهة بين الإسلام والشيوعية اللّذين لا بُدّ أن يصطدما في معركة تُفضي إلى نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة.
سافر إلى لبنان مُجدّداً في شهر جوان 1972. وفي الرابع عشر من ذات الشهر انتقل جواًّ إلى القاهرة، حيث أقام عشرة أيام قبل أن يتجه إلى ليبيا. استقبله القذافي مرتين، وألقى بعض المحاضرات. وفي الخامس من جويلية كتب هذه الملاحظة في دفاتره: ” شرعتُ بالأمس في ترجمة الكتاب الثاني من العمل المتضمن كتاباتي بعد الثورة. وكُنتُ قد بدأتُهُ في بيت الساسي رابح بباريس التي حللْنا بها منذ ثلاثة أيام قادِمَيْنِ من ليبيا”. وأضاف قائلاً في التاسع والعشرين من ذات الشهر: “أنا في الصفحة 80 من ترجمة ”ما بعد الثورة” (2).
عاد ثانية إلى بيروت في أواخر شهر أوت. وسجل هذه الملاحظة في دفاترة بتاريخ 05 سبتمبر: “أنا بعيدٌ عن أهلي منذ ثمانية أشهر. فموت الدكتور خالدي قد زادني بُعداً عن بلادي”. وفي 08 سبتمبر انتقل إلى القاهرة لحضور اجتماع المؤتمر الإسلامي. ولمّا عاد إلى الجزائر قدّم لشريف بلقاسم رسالة موجّهة إلى بومدين، ويقول فيها: ” لن أبيع ضميري لأيٍّ كان وبأيِّ ثمن. إنّ ظروف حياتي أصبحت مُشوّشة على جميع الأصعدة: السكن، الوظيفة، العمل الثقافي، إلخ. لكن الأهم من كل ذلك هو الصعيد المعنوي، حيثُ، ومنذ عودتي إلى الجزائر بعد الثورة، صِرْتُ أعيش مع عائلتي مُحاصرين بين بيتٍ للمواعيد غير الأخلاقية في الطابق السفلي، ومقهى لا يكُفّ عن الغناء في الطابق العلوي، دون أن أتمكن من تغيير أي شيء بالمساعي التي قمت بها لدى مختلف الأطراف منذ تسع سنوات. وعندما حصل أنْ أخذ الوالي بعين الاعتبار مسعاي، إذ اغتنم فرصة غلق مقهى الغناء، فاتخذ قراراً بمنح المسكن لأسرة شهيد شريفة، لكن شيئاً منعه في آخر لحظة من تنفيذ قراره ليُعاد فتح مقهى آخر للغناء فوق رأسي… ولا أجد لهذه الوضعية إلاّ أحد حلّيْن: فإمّا أنْ تُسوّى وضعيتي كمواطنٍ وككاتب من حقه أن يعيش في ظروف تُساعده على استكمال عمله، أو أنْ يُسمحَ لي بالانسحاب صحبة عائلتي، بمُرتّبٍ أو بدونه”.
تمهيد آخر غير منشور.
بدأ بن نبي بتاريخ 10 فيفري تحرير تمهيدٍ لمشروع كتاب عنوانه ” خط أنابيب الخيانة، أو رضّاعة الخَوَنَة” الذي لا نعرف شيئا عن مصيره. فهل كتبهُ فعلاً؟ وهل اختفى كغيره من الوثائق الأخرى. إنّ ما نقرؤه في هذا التمهيد شيء مُريعٌ حقاًّ. فهل هو مذكرات مجنون؟ أم هو اعتراف شخصٍ فاقِدٍ للأمل؟ أمْ هو شهادة دافيد فانسان (3) الذي لا يُريد أيُّ أحدٍ أنْ يُصدّقه؟ كلاّ. لا شيء من كلِّ ذلك.
على نقيض كلّ هذا، فما نقرؤه في ذلك التمهيد هو أحسنُ ما عند كاتبنا: شجاعته، وصفاء سريرته، وإصراره على تحمل وزر رسالته إلى نهايتها، إنها رسالة الشهادة. يقول: ” لقد نيّفْتُ على الثامنة والستين من عمري… ويعني ذلك أني قد جاوزْتُ خط فُرص الحياة حسب ما يُتيحه الإحصاء للإنسان حتى ولو كان يعيش في بلدٍ مُتقدِّمٍ. فيُفترض إذاً أن أنتظر الموت من لحظة إلى أخرى. وهذا المنظور لا يُزعجني إلاّ عندما أفكِّرُ في بناتي اللّواتي لم يبلغا من النضج ما يكفيهما حتى يستقلاّ ويستغنيا عن أبيهما، أو عندما أفكر في عملي الذي سأتركه غير كامل بسبب الخونة الذين، ومنذ أن اخترتُ الإقامة بصفة نهائية في العالم الإسلامي عام 1956 بالقاهرة، حرموني من كل وسائل العمل، بما في ذلك النوم. وبطبيعة الحال، أنا كُنتُ أعرف الخونة و”الخونة الصغار “traîtrillons” في الجزائر والمغرب منذ سنوات الدراسة بباريس. لكنني كُنتُ أجهل سُلّم الخيانة، وطبيعتها، وطوبوغرافياها، وجانبها النفسي في المجتمع العربي والإسلاميّ، وفي صفوف الطبقة المثقفة ورجال السياسة خصوصاً… ويتراءى لي ما يُشبه خط أنابيب يربط بين العواصم العربية… وهذا الخط هو ضربٌ من الرضّاعة التي تملؤها تل أبيب وباريس وواشنطن يومياًّ لإرضاع الخيانة في العواصم الإسلامية…”
يُخيّلُ إلينا ونحن نقرأ هذه السطور أننا مُقبِلون على ما يُشبه ” العفن” (Pourritures)، أو السباحة في أجواء رواية جورج أورويل Georges Orwell (4). ويواصل بن نبي قائلاً: ” لقد اصطدمتُ بكل تلك الماسونية الخائنة، وعلى طول خط أنابيب الخيانة أو معظمه. وأنا أعرف ما أنا مَدينٌ لها به حتى في هذه اللحظة التي لم يَعُدْ لي فيها أمل ممدود، وبناتي مُهدّدات بالبقاء في العراء… (5). فمِن الظلمِ إذا كان عليّ أن أترك عملي غير مُكتملٍ، ألآّ أقول شيئاً قبل أن أغادر الحياة، عن أولئك الإخوة في الرضاع والذين يؤدون نفس العمل ويقومون بنفس المهام من طنجة إلى جاكرتا تمجيداً لإسرائيل، حتى ولو كان ذاك الشيء الذي أقوله مُقتضباً… ولم يُفكّر أحدٌ في أيامنا، وقد صار التاريخ الإسلامي كلّه نسيجاً من الخيانات، أنْ يُخصص كتاباً للخونة. إنه لَمِن الظُّلْمِ تركُ ثغرة بهذا الحجم في أدبنا وفي عملي أنا، وهو عملٌ يعتزّ صاحبُهُ ـ وهو مُحِقٌّ ـ بأنه الوحيد الذي خصص كتاباً للصراع الفكري. يبدو لي أنه من الضروريّ سدُّ هذه الثغرة بِما مِنْ شأنه أن يكون جديراً بأن يكون جزءاً من ذلك العمل، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى يكون بمثابة تفنيدٍ في وجه أولئك الأبطال التُّعساء الذين لم تتمكن من زعزعة سلطانهم في العالم الإسلامي حتى أحداث جوان المؤلمة ولا أيام بانجلاداش التعيسة”.
وغداة ذلك اليوم أنهى بن نبي تحرير ذلك التمهيد الذي اختتمه بقوله: ” في ظلّ الظروف القاسية التي أعمل فيها، وفي الوقت الذي قد أُطرَدُ فيه من مسكني بأبسط إشارة من سفارةٍ أجنبية، فإنّ مشروعي قد يتوقف عند هذا التمهيد البسيط. وفي هذه الحالة، قد يأتي مَنْ يُتمِّمُهُ في يومٍ ما مُرْتَفِقاً بدفاتري وبمخطوطاتي. (التسطير بيدِ مؤلِّف هذه السطور).
وماذا عسى أنْ تعني كلمة “الخيانة” على لسان بن نبي؟ إنها، طبعاً، تعني في المقام الأول ما تعنيه في كلّ اللغات، أي: الانضمام إلى العدو وإمداده بالعون في مجال الإخبار، وكذلك الخضوع له… لكن ما يُفكر فيه بن نبي ليس مِن كلّ ذلك. فبعيداً عن هذا المفهوم يجب الانتباه إلى أنّ لدى بن نبي معايير ثقافية وأخلاقية في الغالب، وهي المعايير التي يحكم بها على السلوك والمواقف بطريقة الثوريين الصادقين والمتشددين مثل سان جوست Saint-Just أو روباسبيار Robespierre الذي أعلن في إحدى خُطبِه: ” إنّ ما أخشاه ليس الثورة المُضادة، بل أخشى تطوّر المبادىء الخاطئة والوثنية وضياع الروح العمومية… إنّ صنف الخيانة الذي علينا أنْ نخشاه لا يُنذِرُ اليقظة العمومية، بل يُمدد نوم الشعب إلى أن تصل لحظة تكبيله بالقيود” (6).
وبناءً على ذلك فكلّ خرْقٍ للمبادئ وللمُقدسات وللمنطق هو مِن قبيل الخيانة. وما نعرفه عن بن نبي أنه ثابت على المواقف، ولا ميلَ لديه إلى المساومة، كما نعرف عنه “روح النظام” الذي هو نقيض “النزعة الذّريّة” بالتمام، وعدم تسامُحه بخصوص الجانب الأخلاقي. عدوّه اللّدود في المقام الأول هو الجهل وانعدام الثقافة. فهُما مصدر كل الخيانات وكلّ “العَدَميات” التي لا تقل أضرارها عن الأضرار التي قد يُسببها غزوٌ خارجيّ أو تُسببها خيانة عظمى.
وممّا قاله في كتاب ” الصراع الفكري في البلدان المُستعمَرة”: “عندما تكون السياسة مدفوعة بقوة الضمير والعقل والقلب، أو ـ في كلمة واحدة ـ بقوة “الأفكار”، فمن الصعب حملُها على الانحراف… ولو حلّلنا أحداث العشرية الأخيرة في البلدان الإسلامية لأدركنا بسرعة أن الذين يقودون الأمم إلى الكوارث الكبرى ليسوا هم الخونة العاديين، بل هم مِن الرّجال المُكرّمين، ومِن عِلِّية القوم، رجال ازدانوا بألقاب البطولة على محراب وطنهم”. أُصارحكم بأنه صَعُبَ عليّ الامتناع عن تذَكُّرِ بعض “كبار زعمائنا” العرب بعد قراءة هذه السطور.
لكن هناك تعريفاً آخر للخيانة أورده بن نبي في كتاب “ميلاد مجتمع”، وهو: ” هناك نوعان من الخيانة في حق المجتمع: خيانة تُدمِّرُ روحها، وخيانة تُدمِّرُ إمكاناتها. الأولى تُولّدُ الفراغ الاجتماعي بتدمير المبادئ والبُنى الاجتماعية والطاقات الأزلية التي تُحافظ على الضغط الكافي لمواصلة المجتمع لحركته المنسجمة في التاريخ. والثانية تُولّدُ الفراغ بتوجيه كلّ المؤهِّلات الخلاّقة وكلّ الفضائل الأخلاقية في المجتمع خارج عالم الواقع والظواهر.. وإذا كانت الأولى تتجاهل مقتضيات السماء فالثانية تتجاهل مقتضيات الأرض. وكلاهما يصل إلى نفس النتيجة عبر طرق مختلفة وأحياناً مُتعارضة، وتلك النتيجة هي: الفراغ الاجتماعي الذي تنغمس فيه روح الحضارة وإمكاناتها”.
وهو يرى أنّ السياسة هي تجسيد لأفكار صحيحة أو خاطئة. و”الزعماء” في البلدان الإسلامية يستعملهم الاستعمار الإيديولوجي في تحقيق غاية مزدوجة، وهي: اتّخاذهم كمُكثِّفات condensateurs تستقطب كل الطاقة السياسية في بلدٍ ما لصرفها عن التيار الثوري إلى التيار الثوري المزعوم، واتخاذهم كقواطع interrupteurs لمنع الفكرة الأصيلة من الوصول إلى الضمير الشعبي. وعادةً ما يؤدّي هؤلاء الزعماء أدوارهم دون علمٍ منهم. وهذا هو السّرّ في تمييزه بين “الخائن الواعي” و ” الزعيم غير الواعي”، وبين “الخطإ المُلازِم” و ” الخطإ الحادث”.
إنّ ذلك الرجُلَ المُحِبّ للقوانين والنظريات والمُسلّمات والفرضيات كان يحرص دوماً على أن يرى مِن خلال كل الأشياء علامات إيجابية أو سلبية. وبِحُكم روحه العلمية فإنّ كل شيء في الوجود لا بُدّ أن يكون نتيجةً لشيءٍ آخر سيكون هو بدوره مُوَلّداً لأشياء أخرى. وكان غالباً ما يتبنّى في استدلالاته على المُقاربة الرياضية، ولذلك كان يُحبّ اختزال كل الأشياء في مُعادلات وفي عمليات. ونحن نجده آخذاً أمثلته من الفيزياء ومن البيولوجيا والتيرموديناميا والميكانيك… كما لا يتردد عن الارتفاق بالمُجسمات والصيَغ الكيميائية كي يُجسد فكرة الحضارة مثلاً، أو الكومنويلث الإسلاميّ أو الصراع الفكري أو الروابط الاجتماعية… إنه الرجُل المُكتمل الذي يحدوه الشعور بالإطلاق، ولذلك كانت حياته خطاًّ مُستقيماً لمْ يَحِدْ عنه ولو بسنتيمتر واحدٍ.
وقد سكَنَ موضوع “الخيانة” ذاتَهُ منذ سنوات دراسته في باريس التي واجه فيها شبح القوة الاستعمارية الخفيّ. وعلّمتْهُ الأيام ألاّ يؤمن بالصدفة أبداً، وأنْ يُخْضِع الأحداث لمقاييس مُعَدّة مُسبقاً قبل الحُكمِ عليها. كان شغله الشاغل هو النظام، شأنُهُ في ذلك شأن جنديّ الرعيل الأول. كما كان دقيقاً ومنضبطاً في حياته وعاداته مثل الساعة الجدارية، حتى أنه كان ينزعج بوجدانه ومعنوياته إزاء كلّ ما من شانه أنْ يُخِلّ بالنظام والانسجام.
وكان للمعركة التي خاضها في الظلام الدامس ضد الإدارة الاستعمارية وماسينيون أثرٌ في ميله إلى الحذر: فإنّ للعالَم وللحياة وللتاريخ وللأحداث وجهيْنِ وبُعْدَيْن ودلالتين، الوجه المرئي الظاهر والرسميّ، والوجه غير المرئي وغير المادّي والخفيّ. فالعالم لا يتحرك بقوة العناية الطيبة وحدها، إذ يُنافسها في ذلك كلٌّ من الشّرّ والرغبة في السيطرة والمصلحة الأنانية. والمعركة بين الخير والشر ليست عنده صورة ميتافيزيقية، بل هي واقع يوميّ. وكان هو نفسه في مركز تلك المعركة، إذ علّمته الأيام أن يتموقع في حياته بحسب حيثياتها.
ولا مكان عنده للعبثية في حياة الأمم والبشر. فكل شيء محسوب ومقصود ومُحْدَث. أمّا ضربات الحظ والمُصادفات فلا يكاد يؤمن بها. وممّا جاء في الطبعة الفرنسية من كتاب ” الصراع الفكري في البلدان المُستعمَرَة”: ” كلّ ما هو جزء من الحياة ومن حركة الأفكار هو بالضرورة حلقة في سلسلة، أو في مجموعة عناصر تُحدد دلالته وبُعده بطريقة جدلية، باعتباره نتيجة لعنصر سابق له وباعتباره بداية لعنصر لاحِقٍ له. ولا يمكن لنا فصل أحدهما عن الآخر إلاّ إذا كُنا مُصابين بالنزعة الذّرية”. وقد قال بالزاك: ” هناك تاريخان: التاريخ الرسميّ الذي نُعلِّمُهُ للصِّغار، والتاريخ السِّريُّ الذي توجد فيها الأسباب الحقيقية التي تؤدي إلى وقوع الأحداث، وهو تاريخ مُخْزي” (7).
إنّ ” الصراع الفكري” هي الاسم الشامل الذي أطلقه على تلك المُقابلة بين الخير والشر، وبين الإسلام وخصومه، وبين البلدان الإسلامية من جهةٍ والاستعمار والصهيونية من جهةٍ أخرى. وممّا جاء في الكتاب الذي يحمل هذا العنوان: ” إنّ الأفكار لا تتحرك في بوتقة مُغلقة، وفي معزلٍ عن عالم الأشخاص، كما هي الحال في “عالم المُثُل” عند أفلاطون. لا يمكن أن نفصُل بين رحلة الفكرة وبين حامِلِها ومُرسِلِها مهما كانت درجة التجريد، بل على نقيض ذلك فإن أوديسا الفكرة تجري على الأرض. وباختزال هذه الاعتبارات نقول: إن الاستعمار يُحاول في المقام الأول أن يصنع من الفرد خائناً يعمل ضد المجتمع الذي يعيش في كنفه. وإنْ فشل في مُحاولته هذه، فسيجتهد في تقليب الأدوار، إذ يجعل من المجتمع هو الذي يخون ذلك الفرد بواسطة أفرادٍ لا وازِع لهم”.
والمُلاحَظُ أن بن نبي لمْ يَعُدْ يذكُر الـ ” جهاز المخابرات” في المؤلفات التي كتبها خلال المرحلة الأخيرة من حياته (1963-1973)، بل صار يتحدث عن “الاستعمار الجديد” الذي “عليه أن يُواصل الحرب الاستعمارية بوسائل أخرى”، وعن “الزواحف متعددة الأرجل myriapode ”، وعن المِستر X.
إنّ كلمة “خيانة” فيما يقول أو يكتب لا تعني غير انعدام الكفاءة والخجل المُفرِط اللّذين صادفهما طيلة مسيرته… وهكذا يتبيّن لنا في آخر المَطاف أنّ أصحّ عتابٍ وجّهه لمُعاصريه من رجال السياسة والثقافة هو أنهم لم يفهموه.
كان ناقماً على الحركة الوطنية لأنها، ولكونها مؤسسة على الروح الشعبوية، لم يكُن بمقدورها أن تتبنّى أفكاره أو أن تعترف به مُفكّراً دون أن تمسّ بعبادة “الزعيم”. وقد حدث له أنْ تجاوز الحد في استعمال هذا المصطلح باعتبار كل رأي مُخالف لرأيه أو أي عمل سياسي مُعارضٍ كخيانةٍ، مثلما حدث له مع مبادرة كريم بلقاسم والطاهر زبيري أيام بومدين (8).
لقد عانى الشيخ العربي التبسي من السجن، ومات شهيداً، كما عرف الشيخ البشير الإبراهيمي زنزانات الاستعمار وفُرِضتْ عليه الإقامة الجبرية واضطُرّ إلى الهجرة، كما اضطُرّ عبان رمضان إلى الفرار من العدو ليقع بين أيدي إخوانه الذين قتلوه خنقاً، وسُجِنَ فرحات عباس مراراً وأُجبر على السكوت في ظل الجزائر المستقلّة…
كلّ تلك الوجوه قدّمتْ خدمةً للبلاد حسب وجهات نظرها، وبحسب الإمكانات التي أتيحتْ لها، وبكل ما اتّصفت به من فضائل ومثالب. وبن نبي بشرٌ لم يكن بمقدوره أن يتجرد من كل المثالب، لكنها مثالب تشفع لها استقامتُهُ واستحقاقاتُهُ وعبقريتُهُ.
(يتبع)
المراجع:
1) تلقّى بن نبي هذا الخبر من الأستاذ عبد الوهاب حمودة، فأجابه بِحُزنٍ شديد كي يستقصي عن أسباب وفاة صديقه.
2) يتعلق الأمر بثلاثين مقالاً نُشِرتْ في Révolution africaine وأعاد الأستاذ عمر كمال مسقاوي نشرها سنة 1973 تحت عنوان: ” بين التيه والرشاد” في دار الفكر. وقد أضاف لها بن نبي خاتمة حرّرها بتاريخ 08 أوت 1972.
3) شخصية رئيسية في المسلسل التلفزيوني الشهير تحت عنوان Les envahisseurs والذي كان بن نبي يحبّه كثيراً.
4) جورج اورويل :”1984″
5) لن تتمكن أرملة بن نبي من تسوية وضعية سكنها إلاّ عشر سنوات بعد وفاته.
6) ارجع الى ” أعمال ماكسيميليان روبيسبيار: خطاب 1791-1792″ المجلد 08، منشورات PUF ، باريس 1953
7) المذكور في ” سر الآلهة ” هنري كوستاند
8) ارجع الى ” درس جريمة”، الثورة الافريقية عدد 02 ماي 1968
