Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (18)‏

حياة مالك بن نبي (18)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

عقد حزب “حركة انتصار الحريات الديمقراطية” ‏PPA-MTLD‏ مؤتمره الأول في فيفري 1947 ‏بالجزائر العاصمة، وفيه اتُّخِذ قرار تعزيز صفوفه بأداة شبه عسكرية أُطلِق عليها اسم “المنظمة ‏الخاصة” ‏OS)‎‏). أمّا عمار عيماش فقد حرّر رسالة موجهة إلى المناضلين يُندد فيها بسياسة عبادة ‏الأشخاص التي يسلكها مصالي بغرض التعالي. ومما جاء في تلك الرسالة: “لقد حرّرناكم من الوثنية ‏والتعصب، لكنكم تريدون الانسياق خلف ما هو أكثر خطورةً. أيقظناكم من عبادة الأوثان، وحثَثْناكم على ‏السعي إلى رؤية كل شيء، وفهم كلّ شيء، ومراقبة كلّ شيء، لكنكم تركعون مُنتَشِين لأوثانٍ جديدة إلى ‏درجة أنكم تجرؤون على اعتبار شعرات لحية من الفضائل الإلهية. عليكم بالتخلي عن المُهرِّجين الذين ‏يُهْدون لكم أوهاماً مُضَلِّلة، وعليكم بالعودة إلى الواقع” (1).‏

أمّا بن نبي فكان باقياً في إصراره على مُغادرة الجزائر المُستعمَرة وفرنسا المُستعمِرة معاً، ولذلك قدّم ‏طلب الحصول على جواز سفر كي يتوجه إلى مصر. لكن الأمر لم يتوقف هذه المرة عند رفض طلبه، ‏بل تجاوزه إلى اعتقاله على يد مُحافظ شرطة عنابة التي كان بن نبي ماراًّ بها، وذلك بتاريخ 28 أفريل ‏‏1947، ثُمّ أخبره بأن بحوزته أمراً بالقبض عليه منذ سبتمبر 1945. قضى ليلتين في السجن، ثُمّ أُطْلِقَ ‏سراحُه بعد إخباره بمنعه من مغادرة البلاد. لم يكن ذلك إلاّ ذريعةً لإشعاره بالضغط والحراسة التي كانت ‏تُمارس ضده بلا انقطاع. ‏

انتقل إلى تبسة، ثُمّ إلى الجزائر حيث التقى بالطيب العقبي وأحمد توفيق المدني. ولمّا أخبرهما باعتقاله ‏الأخير توسّط له العقبي لدى أحد الجزائريين الذي ضَبَطَ له موعداً مع العقيد شووَنْ ‏Schoen‏ في مقرّ ‏الحكومة العامة (قصر الحكومة حالياًّ)، وأرسله هذا العقيد إلى ولاية قسنطينة كي يلتقي بالعقيد تيرسي ‏Tercé‏ الذي اقترح عليه أن ينضمّ …إلى الشرطة، كمُستشار اجتماعي. فأجابه بن نبي مُتأفِّفاً: “سيدي، ‏أنا الشاهِد، وليس للنفوس البريئة التي تُعاني بسببي إلاّ الله ليحفظهم”. في آخر هذا اللقاء العجيب الذي ‏قال فيه بن نبي تلك الكلمات فكّر لأول مرّة في تأليف كتاب يكون عنوانه “الشاهد”. وسيتّخذ هذا الكتاب ‏في المستقبل صورة سيرة ذاتية تحت عنوان “مُذكرات شاهد على القرن”. وعن تلك الفترة جاءت هذه ‏العبارات بقلم بن نبي: “لقد وضعني جهاز‎ ‎المخابرات ‏psychological-service‏ بين الفقر المُدقِع ‏المُتمثل في المحنة المزمنة التي تتخبط فيها عائلتي، وبين ابتزاز جهاز الشرطة، فهو يتذرّع بملف ‏تعاوني مع الألمان كي يضطرني إلى قبول تزكيتي بامتهان أحقر عمل، وهو أن أكون عميلاً. كانوا ‏يُريدون دفعي إلى الانتحار المعنوي”. ‏

ونظراً لمنعه من مُغادرة الجزائر فكّر بن نبي في الخروج بطريقة غير شرعية عن طريق تونس. وقد ‏وافقه كلٌّ مِن الشيخ التبسي والإبراهيمي وخير الدين (1902-1993) على مشروعه واقترحوا عليه ‏المساعدة، لكنهم لم يفعلوا شيئا في النهاية. ولمّا عاد إلى تبسة لاحظ أنّ محافظ الشرطة يُبدي له البشاشة ‏والانشراح، بل ويُعبّر له عن استعداده للتعاون معه. أما بن نبي فقد رأى في ذلك أنهم يُريدون شراء ذمّته ‏وصرفه عن موقفه المُعادي للاستعمار. فكتب رسالة وجهها إلى محافظ شرطة عنابة، وكلّف أباه بتسليمها ‏عن يدٍ لمحافظ شرطة تبسة الذي يُفترض أنْ يُمرّرها إلى زميله في عنابة. وهو في هذه الرسالة يؤكِّدُ أنه ‏ليس مُستعداًّ لقبول الضغط البوليسي المُمارَس عليه، وأنه لن يستجيب ابتداءً من الآن لأي استدعاء إلاّ ‏إذا صدر عن العدالة. لازَمَ بيته وبقي مُستعداًّ للدفاع عن نفسه بواسطة سلاح ناريّ لسنا ندري كيف ‏تحصّل عليه. وبعد ذلك بيومين زاره المُحافظ كاستللي ليُخبره برفع الحجر عنه. كان ذلك في جويلية ‏‏1947.‏

وأياماً قليلة بعد ذلك وجّه ماسينيون “نداءً” لمُثقفي الضفتين لإنشاء “وفاق بين فرنسا والإسلام”، ونشره ‏في الصحافة. وقد تمّ الاتصال ببن نبي بهذا الشأن، وأبدى موافقته وصار عضواً مؤسسا لذلك الوفاق. ‏وبغرض تبرير هذا الانضمام ألقى بن نبي محاضرة في قاعة الحفلات بتبسة. وعلِمَ بعد ذلك أنّ تحقيقاً ‏إداريا سريعاً يجري في تلك الأثناء من أجل منحه منصباً هاماًّ في الحكومة العامة. دُعِي لإلقاء مُحاضرة ‏في الجزائر العاصمة، فكانت فرصة تعرّف فيها بالبروفيسور أندري ماندوز ‏André Mandouze‏. ‏وبعد ذلك بشهر واحد كان هذا الأخير هو الذي دُعِيَ لإلقاء محاضرة في النادي الفرنسي الإسلامي، أما ‏بن نبي فكان مُكلّفاً بتقديمه إلى الجمهور.‏

في 15 اوت 1947، على الساحة العالمية شهدت الهند أحداثاً خطيرة خلال هذه السنة، وانتهى الأمر ‏إلى تقسيمها الذي أدى إلى ظهور دولة باكستان. وكان بن نبي يُتابع تلك الأحداث التي هي في نظره لا ‏تعدو أن تكون مؤامرة بريطانية ضد الإسلام. وهو يذكر في كتابه غير المنشور “وجهة العالم الإسلامي ‏‏2″ : ” تلك الدولة الباكستانية التي علينا أن نرى فيها إنجازاً كبيراً للسياسة الأنجليزية بكُلِّ أسف”. ‏وسيبقى بن نبي مُتألِّماً من تقسيم الهند لأنه كان يرى فيها أحسن بقعةٍ للتعايش بين الإسلام والفكر ‏الهندوسي. ومما كتبه عن ذلك في كتاب “الصراع الفكري في البلدان المُستعمَرة” ‏La lutte ‎idéologique dans les pays‏)‏‎ colonisés ‎‏) سنة 1960: ” ليس بإمكان أيّ مؤرِّخٍ أنْ يقيس حجم ‏الكارثة التي حلّت بالعالم الإسلاميّ يوم ظهرت باكستان إلى الوجود. و باستطاعتنا أن نسارع بالقول إنّ ‏هذا الحدث قد غيّر مجرى التاريخ الإسلاميّ في آسيا لعدّة قرون…”.‏

لكنّه سيتمكن من قبول الواقع كما هو ويُخفف من حُكمِه ابتداءً من سنة 1952، إذ يقول في “وجهة ‏الإسلامي 2″ غير منشور: ” مهما يَكُنْ، فإخواننا الباكستانيون بإمكانهم أن يؤدّوا دوراً بارزاً في التاريخ ‏العالمي من الناحية الأخلاقية. فلهُم الفضل في أنهم يكادون أن يكونوا الشعب الإسلامي الوحيد (باستثناء ‏مُسلمي إفريقيا السوداء) الذي عاد إلى رسالة السلام الإسلامية في العالم. فباكستان بالفعل هو البلد ‏الإسلامي الوحيد الذي يبذل جهوداً في الدعوة، وقد بادر بإرسال بعثات إلى الخارج، وإلى أنجلترا ‏وسويسرا خصوصاً. لكن هذا العمل المحمود الذي يستحق الإعجاب يبقى ناقصاً إذا لم يُعْطِ كتلة ‏الجماهير الضخمة في الهند حقها من العناية، خاصةً وأنّ كل شيء يدلّ أنّ تلك الكتلة التي تعيش تحت ‏القيادة الرشيدة للرئيس نهرو، ستلعب في القريب العاجل دوراً أساسياًّ في العالم بجانب الصين”. ( علينا ‏التأمل في هذه الجملة الأخيرة لنرى كم كانت رؤى بن نبي صائبة).‏

وأكثر من ذلك فإننا نرى أنّ بن نبي يُسنِدُ لباكستان في كتابه “وجهة العالم الإسلامي” (1954) دوراً ‏كبيراً في مستقبل الإسلام بجانب أندونيسيا، إذ يقول: “إنّ نهاية المرحلة المتوسِّطية أذانٌ بأنّ الإسلام ‏سيتحرّر من عوائقه الداخلية. وهذا ما يُرى بوضوحٍ في باكستان، وكذا في جافا، وهما بَلَدان يُعتبر ‏الإسلام فيهما حديث عهدٍ، ويعني ذلك أنهما بَلَدان فتيّان وجديدان يُفترض أن تكون فيهما الأحْرَويّة للفكر ‏والعمل على حساب تقاليد العلمِ المُنغلق على ذاته، بحيث على الإسلام أن يتجدد وأن يصير عملياًّ ويُعيد ‏فيه المُسلمون النّظر في أسلوب حياتهم. فالبنية الاجتماعية الجديدة التي سيكون فيها الإسلام ليست ‏طبَقيّةً، بل شعبية إلى أبعد حدّ. ومِن جهةٍ أخرى سيكون عليه أن يتكيّف مع عبقرية الشعوب ذات التوجّه ‏الفلاحي، وذات الميل الفطريّ إلى العمل: وهذا ما يُبشِّرُ بظهور تركيبة جديدة بين الإنسان والأرض ‏والزمن، وبالتالي ظهور حضارة جديدة. وعلى الإسلام في الأخير أن يتكيّف مع المحيط الروحي الجديد، ‏ومع الجوار مع الهند، ذلك البلد الذي لا يزال فيه إشعاع فكر نصوص الفيدا ‏Védas‏… ولقد تركت ‏أنجلترا في باكستان مِن رجال الثقافة والفكر ما لا يُمكن إنكاره. فيجب ألاّ ننسى أنّ سيد عامر علي، أول ‏داعية في العصر الحديث، ومحمد إقبال مُفكّر باكستان الأول، ينتميان إلى تلك النخبة.‏‎ ‎وعندما اندلعت ‏الحرب بين الهند وباكستان سنة 1971 نجد أنّ بن نبي يتنكّرُ لسياسة أنديرا غاندي، ابنة نهرو والوزيرة ‏الأولى للهند، وينعى عليها “التسبب في الخراب الميتافيزيقي والسياسي للإيديولوجيا التي قامت عليها ‏الوحدة المعنوية بين الشعوب الأفروآسيوية في باندونغ‎ ‎‏” (2). ‏

في شهر سبتمبر سنة 1947 تمّت المُصادقة على قانون جديد خاص بالجزائر، وهو ينص على إنشاء ‏مجلس جزائريّ مُكوّنٍ من مجموعتين، ولكل مجموعة ستون نائباً، يتمّ انتخاب النواب الأوروبيين من ‏طرف السكان الأوروبيين، والنواب الجزائريين من طرف السكان الجزائريين (الذين يُساوي عددهم ‏عشر مرات عدد الأوروبيين). وأُجْرِيت الانتخابات المحلية في شهر أكتوبر، شاركت فيها كل القوى ‏المُمثِّلة للحركة الوطنية، وكذا مترشحون جزائريون “أحرار” بدعمٍ من الإدارة. وعاد الفوز لحزب ‏مصالي فيما يخصّ المجموعة الثانية.‏

وبمُبادرة من الحاكم العام تمّ تنظيم اجتماع خاص برجال الثقافة في فيلاّ مداني، دُعِيت للمشاركة فيه ‏شخصيات ذات شهرة، مثل: ألبير كامو، بريس باران، بارو، الآنسة سوجيي، عمر راسم (1884-‏‏1959)، ميموني، خالدي، بن نبي… الذي حظِيَ أخيراً بالاعتراف، لكنه سيبقى إلى الأبد محلّ شكوك، ‏وستُمارَس عليه ألوان من الضغوط بسبب رفضه الخضوع لتأثير الإدارة. فهو ممنوعٌ ضمنياًّ من ممارسة ‏أيّ عملٍ ومِن مُغادرة القُطر الفرنسي الذي كانت الجزائر جزءاً منه.‏

وستُنظّمُ انتخابات المجلس الجزائري الجديد في أفريل 1948. وقبل ذلك تمّ تعيين حاكمٍ عام جديد، وهو ‏وزير التربية الأسبق، إيدموند نيجلان ‏Edmond Naegelen‏ الذي سيرتبط اسمُهُ بتزوير الانتخابات. ‏وكان “حزب الشعب” هو الحزب الأكثر استهدافاً بالقمع والتزوير، إذ لم يحصُل سوى على 9 مقاعد من ‏أصل ستين مقعداً مُخصصا للسكان المسلمين.‏
وباعتراف التقارير الواردة من الوُلاة، فإنه لولا ذلك التزوير لحصل حزب الشعب على 90‏‎%‎‏ من ‏المقاعد (3). ولم تتحكم القاعدة النضالية لهذا الحزب في أعصابها، إذ كانت كتائب المنظمة الخاصة ‏المتكونة من 1500 عنصر على أحرّ مِن الجمر في انتظار المرور إلى العمل المسلّح، ومُعظم أعضاء ‏قيادة الحزب لم يَعودوا يُخْفُون تضايقهم من تناقضات سياسة مصالي، لكن لا أحد كان باستطاعته أن ‏يُواجهه بالحقيقة.‏

‏ كتاب ” لبّيْك، حجُّ الفقراء”‏

نشر بن نبي كتابه الثاني في دار النشر “النهضة” في مطلع سنة 1948 (4). إنّ صدور هذه الرواية ‏التي استغرق تأليفها شهراً واحداً أمْرٌ غريب، خاصة وأنّ فيها إشارة إلى قُرب صدور كتابين لم يصدُرا ‏إطلاقاً بهذين العنوانين: “وجوهُ مع الفجر” و “على آثار الفكر العلمي الإسلامي”، إذ إنّ الكتاب الذي ‏صدر له بعد هذه الرواية بعامٍ هو: “شروط النهضة الجزائرية”، وأعتقد أنه جاء بدلاً من (وجوهُ مع ‏الفجر)، على أنّ بن نبي لم يُصرِّح بذلك. ولم يصدُر لبن نبي أي كتاب بالعنوان الثاني المذكور أعلاه. ‏فالكتاب الذي جاء بعد “شروط النهضة” هو “وجهة العالم الإسلامي” الذي كان يُفترض أن يكون عنوانه ‏هو (البُنى التحتية للعالم الإسلامي الحديث) بدليل أنّ المُقتطفات التي نُشِرتْ في الصحافة بين سنة ‏‏1950 و1951 تُشير إلى هذا العنوان الأخير. والواقع أن الدكتور خالدي هو الذي اقترح على بن نبي ‏العنوان الذي عُرِف به الكتاب بعد نشره سنة 1954 في دار النشر ‏Seuil‏. و جاء بهذا الإهداء: “إلى ‏محمد خطاب، كشهادة عرفان، ولأخي الدكتور خالدي الذي يعود له الفضل في اختيار عنوان الكتاب، ‏والذي يدين له كاتبه بالشيء الكثير”.‏

لماذا ألّف بن نبي تلك الرواية التي قال عنها خالدي في مقدمة كتاب “شروط النهضة” بعد عامٍ أنّ ‏‏”بعض القُرّاء اعتبروه أجنبياًّ عن المدار المُشِعِّ الذي رسمَهُ كتاب “الظاهرة القرآنية”؟ قد لا نُجانبُ ‏الصواب إذا اعتبرناه مرحلة وسيطة بين لحظتين طبعتها درجة عالية من التركيز في حياة بن نبي ‏الفكرية. وتتمثل اللحظة الأولى في تلك التي حرّر فيها “الظاهرة القرآنية”، والثانية في اللحظة التي هو ‏فيها بصدد صياغة نظرته إلى الحضارة في كتاب “شروط النهضة”. ‏

تمُرُّ بالإنسان لحظات قد يكون فيها بحاجة إلى نسمة هواء تُريحُه وتُروِّحُ على عقله بجرعةٍ من عبيرِ ‏الروح. وبن نبي يُشعِرُنا منذ البدءِ بأنّه كتب هذه الرواية بسرعة بين رحلتين توسّطتْهُما فترة وجيزة، إذْ ‏كتب مُعظمها “في غرفة بفندق من الفنادق”. ثُمّ يُبيِّنُ أنّ الشخصيتين الرئيسيتين في الرواية شخصيتان ‏حقيقيتان، ويتعلّق الأمر ببائع الفحم وبطفلٍ من مدينة عنابة. وقد يكون المقصود من ذلك لفت انتباهنا إلى ‏أنه ليس كاتباً روائياًّ مهمّتُهُ خلق الأحداث والشخصيات الخيالية، وفي ذلك نوع من الاعتذار على أنّه ‏يُقدِّمُ عملاً روائيا مُتواضعاً جداًّ. وبحسب بعض الشهادات، فإنّ بن نبي لم يَكُن يروقُ له أن يُذكّرَ بوجود ‏رواية “لبّيك” بين مؤلفاته، وكأنّي به نادمٌ عل استسلامه لهواه في لحظة من لحظات حياته عندما كتب ‏‏”رواية”، وهو المعروف بروحه العلمية. ‏

وجاءت هذه الرواية بخلفيةٍ دينية أساساً، كما بٌنِيَتْ أحداثُها على مشاعر حرصَ الكاتب على تبليغها إلى ‏القارئ. أمّا موضوعها فليس بالجديد لأنه يتمحور حول التوبة والخلاص اللّذيْنِ يُمثِّلان جوهر كلّ ‏الرسائل الدينية. وهو موضوعٌ مُبتَذَلٌ لأنه طالما عولج بأقلام الروائيين والسينمائيين، وطالما ألْهَمَ كُتاب ‏الأغاني الاحتفالية والأغاني الشعبية. وقد أورَدَ بن نبي بعض الإشارات في “الظاهرة القرآنية” فيها ‏تلميح إلى رواية “لبيك” في مثل قوله: “الضمير الإنساني الذي أسْلَمَ أمْرَهُ للتوبة واستكانَ إلى البراءة ‏والأمانة” وذلك في معرض حديثه عن زوجة بوتيفار التي حاولتْ أنْ تُغْوِيَ يوسف في القصة الشهيرة ‏الواردة في الكتاب المُقدّس، ثُمّ اعترفتْ بخطيئتها.‏

والمعروف أنّه ممّا تنتشي له نفوس الجماهير في كلّ زمانٍ ومكانٍ، كلّ ما يتعلّق بانتصار الحق على ‏الباطل، وعلوّ الهمّة، والكرم. ولا يزال القراء والمُشاهدون في أرجاء العالم كلّه يتأثرون لمشاهد الصراع ‏بين الرذيلة والفضيلة، وبين الإسفاف والقداسة، وبين العادل والجائر. ومما عُرِفَ عن بن نبي وجدانه ‏الفيّاض، وشدة تأثره بالقيم الأخلاقية السّامية، ولذلك جاءت روايتُه متمحورةً حول قصة رجلٍ مِن طينةٍ ‏شريفة لكنه، ولأسبابٍ مجهولة، انغمس في الإدمان على الخمر حتى جاءت تلك الليلة التي عاد فيها إلى ‏الطريق المستقيم دفعةً واحدة. ‏

وتُفتتح هذه الرواية على مشهد الأجواء الاجتماعية في مدينة عنابة عشية انطلاق موكب الحجيج في ‏اتجاه مكة، وهُمْ قادمون مِن مُدنٍ مُجاورة مثل تبسة أو قسنطينة ليأخذوا أماكنهم على متن السفينة التي ‏ستنقلهم إلى البقاع المُقدّسة. ولم يكُن مِن عادات الجزائريين المُسافرين إلى الحج آنذاك أنْ يُقيموا في ‏الفنادق لأنّ أهل المدينة هم الذين يتكفلون بهم فور نزولهم من القطار. وكان كلّ ذلك ممّا يُولِّدُ نشاطاً من ‏نوع خاصٍّ في المدينة.‏

وقد صادف موسم الحج في تلك السنة شهر أفريل. وبمُجرّد أنْ يُرخى الليل سُدوله على المدينة نرى في ‏أحد أزقة المدينة سِكِّيريْنِ يتشاكسان ويُحدِثان ضجّةً كبيرة. وكان أحدُهما يُسمّى إبراهيم، وهو بطلُ ‏الرواية. إنه شابّ في الثلاثين، يشتغل ببيع الفحمِ في المحلّ الذي نراهُ يمشي مُتعثِّراً عند مدخله رفقة ‏زميله السّكّير. وبقي هذا الزميل بدون اسمٍ في الرواية، إذ اكتفى الكاتب بعبارة “رفيق السوء لابراهيم” ‏‏(‏acolyte‏) .‏

كان والِدَا إبراهيم مِن أتقياء الناس وأغناهم، وقد أورثوهُ بعض المحلاّت التجارية ومنزلاً يقْطُنُ هو في ‏إحدى غُرَفِه، والبقية يقطنها سكان بالكراء. بقي إبراهيم وحيداً بعد وفاة والديه، أمّا زوجته فقد غادرته ‏بسبب إدمانه على الخمر. ومنذ انغماسه في هذه الرذيلة تردّتْ أحوالُهُ لأنّه أصبح يُبذِّرُ كلّ أمواله ‏ويُطفىء جِمار الندم في كؤوس الخمر. ولم يبق له مِن إرث والديه غير ذلك المحل الذي يشتغل فيه ببيع ‏الفحم. وكان من نتيجة ذلك كلّه أنه أصبح ممقوتاً في الحي الذي يسكن فيه حتى أصبح الصبيان ‏يستهدفونه بسخريتهم. ويُصوِّرُ بن نبي ذلك بطريقته الفلسفية المعروفة في قوله: “عندما يُصْدِرُ الوسط ‏الاجتماعي حُكمه على الفرد، فإن الصبيان هم الذين يتكفلون بالإعلان عن الحُكم لأنهم يُسمّون المجنون ‏مجنوناً والسِّكِّيرَ سكِّيراً. فهُمْ الرُّعاة الساهرون على التقاليد والسَّنَنات والعادات”.‏

استيقظ إبراهيم باكراً وهو في آخر لحظة من حُلْمه الذي سافر به إلى مكة. فلا شكّ أنّه تشبّع لا شعورياًّ ‏بمشهد أفواج الحجيج الذين أقبلوا على المدينة بالأمس. وللعلم، فإنّ إبراهيم كان قد قضى ردحاً من الوقت ‏في المدرسة القرآنية عندما كان صبياًّ: “رغم المنحى السلبي الذي اتخذه إبراهيم في حياته، فقد حافظ ‏على الروح الصوفية التي يتركها السلف الصالح لأبنائهم”. استيقظ إبراهيم ومشاهد الحُلم لا تزال بين ‏عينيه، ونظر بِعينِ البصيرة إلى أوضاعه المُتردِّية حتى انتابته موجة من الحياء. يقول الكاتب ليؤكد أنّ ‏‏”نفس المُسلِم تُحافظ على قدر من العزّة والكرامة مهما تردّتْ أحواله، لأنها تنفر بطبعها مِن عار الرذيلة ‏عند ارتكابها”.‏

راح إبراهيم يُفكّر في تفسير حُلمه، فَبَدَا له أنه قد يكون وحياً من الله. لقد أصبح الآن يرى بوعي تام ‏شريط ماضيه وهو يمرّ أمام عينيه. وهو يرى الآن ذلك المشهد الذي هوتْ فيه حياتُه الزوجية في منزلق ‏الضياع، وما نجم عن ذلك من مهالك أوْهنتْ عظامه. وهذا صوت مؤذن الفجر يخترق سكون العتمة ‏ويوقظ النفوس من غفلتها والأجساد من غفوتها. هُنا أحسّ إبراهيم براحة مُفاجئة في أعماق نفسه وكأنّها ‏قد تحرّرت من سلاسل كان يظنّ أنّ التحرّر منها ضرْبٌ من المُستحيل. خرج الرّجل من محلّه ‏مُضطرب الحال وراح يجري باتجاه مسجد الحيّ، ولمّا وصلَ قُبالتَهُ انتابه التردد، فرفع يديه إلى السماء ‏بهذا الدّعاء: “اللّهُمّ اشفِني مِن عِلّتي، واهدِني فأنا من الضالين”.‏

وفجأةً مرّت بخاطره فكرة: أليس هناك سبيل إلى مواصلة ما رآه حُلْماً في الواقع؟ وبدأتْ ترتسم في عقله ‏خيوط مشروعٍ أو ما أشبهه، فاتجه إلى أحد الحمّامات واغتسل، ثُمّ عاد إلى بيته كي يُفاتِحَ جاره بالفكرة ‏الخارقة التي ملكتْ فؤاده فجأةً، وكان جاره هذا شيخاً مُسِناًّ يحتل عند إبراهيم مكانة الأب. إنه على ‏استعداد لبيع داره لتغطية التكاليف التي يتطلبُها مشروعه. أمّا جاره فلمْ يكدْ يُصدّق ما سمعه من إبراهيم ‏وبدا له أنه بإزاء مُعجزةٍ تجري أحداثها أمام ناظره. ومع ذلك فقد وافقه على ما ينوي فعله، وأفاده بأحسن ‏فكرةٍ لحلّ مشكلته، وهي أن يرهن داره بدلاً من بيعها. أمّا المحلّ فقد صرّح إبراهيم بأنّه وهبَه لرفيق ‏السوء. وسيُساعده أحد معارفه مِن المُنتخَبين على استخراج رخصة السفر من الدائرة. فلمْ يبقَ له إلاّ ‏الذهاب إلى محلّ بيع الأقمشة كي يقتني لباس الإحرام الخاص بالحُجّاج. وقد جرى كلّ ذلك خلال ‏ساعات قليلة. ‏

ولمّا أنهى إبراهيم كلّ الإجراءات المتعلّقة بالسفر عاد إلى بيته، حيث وجد جاره (عمّي محمد) قد نشر ‏الخبر بين كل القاطنين في تلك الدار، إذ استقبلوه بوجوهٍ تتنازعها علامات المفاجأة والإعجاب. وسرعان ‏ما أدرك أن ذلك الاستقبال من علامات الاحترام التي نالها على التوّ، لأنه لم يَعُدْ ذلك الصعلوك الذي ‏يتأفف الجيران مِن الالتقاء به. لقد أحبّوه فجأةً وأعدّوا له المؤونة التي سيحتاج إليها في رحلته إلى الحجّ. ‏وكان لذلك بالغ الأثر في نفسه، وأصبح يُحِسّ أنه نال رتبة “الحاج” المُشرِّفة في حين أنه لم يُغادر ‏المدينة بعدُ. وحتى زوجته أنبؤوها بما وقع، فبادرت بإرسال السبحة التي تركها له والداه إليه. أمّا رفيق ‏السوء فلم يفهم شيئا عندما جاءه صديقه ومفاتيح المحل في يده ليُعلِن له أنه مُتنازل عنه لصالحه. وفي ‏الأخير ودّع إبراهيم جيرانه واتّجه إلى الميناء.‏

أنشأ بن نبي يقول: ” لمّا اعتلى إبراهيم ظهر السفينة أحسّ بأنه على أهبة الدخول إلى عالمٍ جديد”. ‏وعندما بدأت السفينة تتأهب للإبحار بدأت صُوَرُ الماضي تتباعد عن ناظره، وكأنه ليس بماضيه بل ‏ماضي شخصٍ آخر. ويُعلّق بن نبي على ذلك بأسلوب فيكتور هيجو قائلاً: “إنّ زمن الانزلاق قد ولّى”، ‏ثُمّ يُضيف: “إنه الآن مغمور بسكينة تستعصي على الوصف. فلقد زال مِن نفسه كلّ أثرٍ للندم على ذاك ‏الماضي… إنّ المُسلِمُ بإيمانه العميق بالله أقوى مِن أن يستسلمَ للندمِ المُحبِط بعد توبته، باستثناء تلك ‏الجرائم الخطيرة، مثل تحطيم حياة إنسان بشكل غير قابل للإصلاح، فهي جرائم تبقى مطبوعة بشكل ‏مستمر وأبديّ في نفسِ المُسلِم”. ‏

ولمْ تكُنْ هناك حاجة في هذه الرواية إلى أنْ يمُرّ السّكيرُ بمرحلة علاج طويلة لكي يُقلِع عن الإدمان. ‏فمُعجزة التّديُّن ومُعجزة الإيمان التي حلّت في نفس فحّام، وفضلُ الله على مخلوق تائبٍ، كل ذلك كان ‏كافياً لتسويغ ما حدث. ولمّا بدأت الرحلة راح الكاتب يصف مشاهد التآخي بين الحُجاج الذين انتظموا ‏في مجموعات تسودها الحميمية والتضامن في أبهى صُوَرِهما. وهكذا استرجع إبراهيم مكانته بين ‏أعضاء ذلك المجتمع المُصغَّر الذي كان يُعامله كما يُعامَلُ أهل السموّ والرفعة. فلقد شرّفه عنوان “الحاج” ‏الذي مُنِح له كما تُمنح الترقية الاجتماعية. لم يَعُد مكانه في الحضيض، بل أصبح في قمة المجتمع، ولم ‏يعُدْ منبوذاً ومحلاًّ للاحتقار والشتم، بل صار مِن أشرف رجال الدين، فهو أكثر الناس حظوةً بالاحترام ‏في المشهد الاجتماعي للوسط التقليدي. وإذا كانت الخمر قد فصمتْهُ عن المجتمع ورمت به في الأوحال، ‏فإنّ الإيمان هو الذي أعاده إليه.‏

لقد وصف فيكتور هيجو مشهداً مُشابهاً لهذا التحوّل الأخلاقي والنفسي عندما جَثَا جان فالجان ‏Jean ‎Valjean ‎‏ على ركبتيه مُنهاراً من شدة الندم أمام مونسينيور موريال، إذ قال في رواية “البؤساء”: “إنه ‏سقوط، لكنه سقوط على الركبتين كانت نهايتُه صلاةً”.‏

رستِ السفينة في ميناء جولات بمدينة تونس لكي تحمل على متنها آخر حُجاج الشمال الإفريقي. وفي ‏الوقت الذي بدأ فيه سَحْبُ المصعد لتُواصل السفينة رحلتها، شوهِدَ رجلٌ على الرصيف وهو يجري نحو ‏المصعد ليُحاول التشبث به والصعود إلى ظهر السفينة، لكن بعض رجال الشرطة منعوه من ذلك. ‏ويصف بن نبي هذا المشهد قائلاً: “كلّ الأنظار كانت مُحدِّقة فيه وكأنه أيقونة من أيقونات الإيمان تتجسد ‏في شكلٍ ملموس… ولقد تأثر كلّ مَنْ رأى المشهد، بما فيهم رجال الشرطة، وهُمْ يرون انهيار الرجل ‏يائساً وهو يصيح بأعلى صوته: “يا رسول الله ‏‎!‎‏ ها أنت ترى كيف تخلّيْتُ عن خيمتي وأبنائي كي ‏أزورك. لكنك ترى أني قطعتُ 700 كلم سيراً على قدَميّ ولا أستطيع أن أواصل طريقي إليك، يا رسول ‏الله “‏‎!‎‏.‏

إنّ مثل هذه المشاهد هي التي تُخلّدُ بعض الروايات. لكن بن نبي يؤكّد أن ما جرى في ميناء جولات كان ‏حدثاً واقعياًّ علّقت عليه الصحافة التونسية، ويقول: “لقد مرّ تولستوي على أكبر نكسة معنوية بعد رؤية ‏أحد المُتسوِّلين وهو يُهانُ على يد شرطي في مدينة موسكو بحُجة أن التسوّلَ ممنوع”. ولقد انهمرت ‏دموع إبراهيم عندما خطر بباله شبح مُعاناته لو حدث له ما حدث لذلك البدويّ المسكين وحُرِمَ مِن تحقيق ‏حُلمه.‏

في صبيحة اليوم الموالي اكتشف طاقم السفينة وجود مُسافر غير شرعي على ظهرها، وهو الطفل ‏‏(هادي) الذي أبحر من عنابة. وبمجرّد رؤيته عرفه وتذكّر أنه هو نفسه ذلك الصبي الذي كان يستفزّه ‏بهذه الصيحات لقاتلة:” يا سكّير ‏‎!‎‏ يا سكّير ‏‎!‎‏”. وخوفاً على الصبي من التعرض لأقسى العقوبات تطوّع ‏إبراهيم بدفع ثمن تذكرته، لكن مُحافظ الطاقم الذي كان رجلاً خيِّراً اكتفى بتسخيره للخدمة في المطبخ. ‏وكان هادي يقضي أوقات فراغه مع المجموعة التي ينتمي إليها إبراهيم. فأحبّه هذا الأخير وشرع في ‏تعليمه الوضوء والصلاة. وهكذا سارت أحداث هذه الرواية على وقع حركة السفينة السابحة في أمواج ‏البحر.‏

وفي سردية هذه القصة وصفٌ ليوميات الحُجاج وصلواتهم الجماعية وتناولهم وجباتهم في مجموعات، ‏بل وفيها كذلك نقلٌ لإحدى المناقشات الفلسفية العفوية بين بحّار فرنسي يتأسف على كثرة الصراعات ‏والفقر والظلم في العالم، وبين مجموعة من الحُجاج الذين يُبرِّئون العناية الإلهية من أية مسؤولية على ‏انحرافات البشر. وواضح أنّ مِثل هذا الوسط هو الذي كان يتمنى بن نبي أن يعيش فيه، لأنه مجتمع ‏فاضل ومدينة مثالية يسير كلّ شيء فيه على قواعد الإيمان وتحتل فيه الأخلاق مكانة القانون. ‏

وقد توقّف بن نبي مُطوّلاً عند التحوّل الأخلاقي الذي حدث لذلك الصبيّ (هادي) الذي وجد نفسه مرمياًّ ‏في الشارع بعد موت والديه واضطراره لمُصارعة الحياة بمفرده. وكان الناس في ذلك الوقت يُسمون ‏مثل هذا الصبي بـ (يا وْلاد). أما إبراهيم فقد غمرتْهُ السعادة إذْ أُتيحَ له أنْ ينقُل ما لديه من علمٍ قليل ‏بالدين إلى هادي الذي صار يريدُ إحْلالِهِ مِن نفسه مكان الابن. وكانت السفينة تُواصل رحلتها على وقع ‏حركات الأمواج وعلى وقع أوقات الصلوات الخمس في كل يوم: “كانت السفينة يحُفُّها جوّ من السكينة ‏وهي تشق طريقها اللّؤلئي في البحر الشاسع”، وإبراهيم يُمرِّرُ حبّات سبحة والديه التي أرسلتها له ‏زوجته وهو مُتّكىء بمرفقيه على شُرَف السفينة الحديدية.‏

ويبدو لك بن نبي أنه هو نفسه كان على ظهر تلك السفينة عندما يقول ” إنّ المسلم يهوى التأمل في ‏السماء كما يهوى الباسكي التأمل في المحيط. فكلاهما يلوذ باللاّمحدود”. وهذا انطباع شخصيّ بحتٌ ‏لكاتبٍ مُتعوّدٍ على ركوب السفينة منذ سنة 1925.‏

كان إبراهيم غارقاً في التفكير في سعادته بالإقامة في المدينة المُنوّرة، واسترجاع زوجته، وتبنّي هادي… ‏وبعد أربعة أيام من الإبحار قطعتِ السفينة قناة السويس ودخلت إلى البحر الأحمر. وتنقضي الرحلة عند ‏هذه النقطة، لتنتهي الرواية بعد ذلك بصفحتين يُستفاد منهما أنّ أحد الحُجّاج العائدين من البقاع المُقدّسة ‏جاء إلى العمّ محمد، جار إبراهيم، وسلّمه رسالة جاء فيها أن هذا الأخير مُقيم في المدينة المنوّرة، وهو ‏يكسب قوت يومه ببيع القهوة للزبائن في حمّامٍ يُسيّره أحد المغاربة، وهو برفقة هادي الذي أصبح ابنه ‏بالتبنّي. ‏

وهكذا انتهت هذه الرواية التي يُحتمَلُ أن يكون كاتبها قد تعمّد تركها بتراء. وللعلم فإن بن نبي لم يكُن في ‏تلك الفترة قد أدّى فريضة الحج، لكنه سيؤديها في سنوات: 1955، و 1961، و 1972. فكلّ ما كان ‏يعرفه عن هذه الفريضة هو ما تعلّمه في المدرسة ومن خلال ثقافته الاجتماعية. لكن العواطف المتّصلة ‏بالحج كانت أمّه هي التي بثّتها في نفسه، وقد أدت هي فريضتها سنة 1933. ‏

وفي مذكراته غير المنشورة ذكْرٌ للعديد من الحكايات التي كانت أمه تحكيها له عن الحج، وهو يقول عن ‏ذلك: “كانت حكاياتها تملؤني حُبوراً وتُثير عواطفي، بالإضافة إلى أني كُنتُ أتعلّمُ منها الشيء الكثير. ‏وباستطاعتي القول إني كُنتُ أؤدي رفقتها فريضة الحج بفكرنا. كانت تمرّ بي لحظات وجدانية تستعصي ‏على الوصف عندما تصف لي تلك الأجواء التي يُقبلُ فيها آلاف البشر ليُسْلِموا أمرهم لله بذلك النداء ‏الشعائري (لبّيك اللّهمّ ‏‎!‎‏) الذي هو بالنسبة للمُسلم الحقّ إسلام الأمر كلّه لله. وحكايات أمي كانت من ‏الحقيقة في بساطتها بحيث كانت تُزلزلني أحياناً… وعندئذ ألوذ بغُرفتي لأُخفيَ دموعي”.‏

ما أسْعَدَهُ لو أنه عاش بين صحابة الرسول برفقة بلال بن رباح وعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري ‏والآخرين ‏‎!‎‏ وما أشدَّ شغفه بالعيش في كنف المدينة المنورة أيام الدعوة المحمدية المباركة ‏‎!‎‏ تلك هي ‏العواطف الدينية التي تمُتُّ إلى كلّ مُقدّسٍ بأقوى الصِّلات، والتي أراد بن نبي أنْ يستعيدها عندما كتب ‏هذه الرواية بعد وفاة أمّه بأربع عشرة سنة. فهل كتبها تكريماً لروحها؟ الحقيقة أننا لا نعرف شيئا عن ‏ذلك. أمّا الديكور الذي بدأت به القصة، وهو بيت إبراهيم، فهو شديد الشّبَهِ ببيت جدته خالتي باية والذي ‏ورد وصفُهُ في كتاب “مُذكرات شاهد على القرن” (5).‏

وكانت جدّتُهُ تقطن مع أحد إخوتها، وهو علاّوة، وقد ذكره بن نبي في مذكراته في صورة شاب أوْدعَ ‏وألْطفَ من الخِراف الصغيرة، وكان يشتغل فحّاماً في شارع قريب من منزله. فقد تكون حالة علاّوة ‏ومزاجه الميال إلى الزهد هما اللّذان قام بن نبي بإسقاطهما في شخصية إبراهيم. وإجمالاً، فإنّ الانطباع ‏الذي نخرج به من هذه الرواية هي أنّ كاتبها استقى ملامح شخصياتها من الواقع الذي عاش فيه، ومن ‏ذكرياته ومشاعره الذاتية.‏

وجدير بالإشارة إلى أنّ علاّوة لم يكن مِن شاربي الخمر، بينما كان إبراهيم في الرواية من المُدمنين ‏عليها. والخمر ممنوعة في عائلة بن نبي لأن شُربها لا يعني ارتكاب عمل مُحرّم فحسْب، بل يعني كذلك ‏خيانة روح الأمة وثقافتها. فقدْ يكون ذلك السكّيرُ هو مُختار، ذلك المُقامر الذي يعيش من لعبة “راي ‏راي”، والذي صادفناه سابقاً وهو يتبرع بمبلغ ماليّ مُعتبر للجنة المُكلفة ببناء مسجد في تبسة لأنه قد ‏قرّر فجأةً أن يتوب ويُصبح من “الإصلاحيين” المتحمسين. أمّا شخصية (هادي) فتُذكّرنا بالـ “يا وْلاد” ‏الذي التقاه بن نبي أثناء محاولته الأولى للهجرة إلى فرنسا سنة 1925، والذي ساعدهما “هو وقَوَاوْ”، ‏بطريقة عفوية، بكل ما لديه من مال. فهو يشبه “هادي” ببراءته وحيلته وجرأته وكرمه. ولا ننسى أن ‏هذا الـ “ياولاد” كان حرّاقاً بحسب اعترافه لبن نبي.‏

وهكذا تظهر هذه القصة البسيطة والمقتضبة بشخصياتها القليلة وبِحُبكتها المُسطّحة والخالية من اللغز ‏والحركة، كرواية دينية قريبة من مستوى الروايات الرومنسية البسيطة جداًّ. لكن السؤال الذي يطرح ‏نفسه هنا هو: لِمَن وجّه بن نبي هذه الرواية، وما هو الجمهور المستهدف بها؟ كلّ ما نعرفه هو ما جاء ‏في هذا الإهداء: ” إلى زوجتي العزيزة كشهادة على حنانها الفياض على البسطاء في بلدي، إلى أختي ‏الحاجة لطيفة، إلى السيد بيّار ‏M. Billard، إليهم جميعاً عبارات الإعجاب بتحيتي”. ولا نعرف شيئا ‏عن السيد بيّار. لكن ما لا شكّ فيه أنه في هذه الرواية يُخاطب، بطريقة ضمنيّة، وفي الوقت الذي كان ‏منهمكاً فيه بكتابتها، أولئك الذين يتشدّقون بالكلام عن الشعب دون أن تكون لديهم معرفة بحالته النفسية ‏ومُعاناته، والذين يحتقرون الإسلام ويُشكّكون في قدرته على رأب الصدوع وإصلاح النفوس. وعلى أية ‏حالٍ فإنّ كلّ ما كتبه بن نبي كان مُوجّها إلى الشعب، باستثناء “مرضى الفكر”. وهو يُصِرّ على ‏التصريح بذلك في مذكراته غير المنشورة: ” هذه المذكرات مُوجّهة إلى الشعب عندما سيصير قادراً ‏على قراءة تاريخه الصحيح، وعندما سيُرمى بالأقصوصات التي تحكيها الأفلام للتغرير في سلة ‏المُهملات التي أوجدها الاستعمار”.‏

وقد تكون مَقْصِدِيَّةُ الكاتب كذلك وصف تلك الشريحة التي يتزايد حجمها في الأوساط الشعبية الجزائرية ‏الهاوية في دهاليز الفقر والرذيلة بفعل الاستعمار. وهذه نظرة إصلاحية ألقاها الكاتب على تلك الحُثالة ‏التي يُفترض أن يعتني بها “العلماء” و “البوليتيكيون” بدلاً من استغلالها كجمهور مُتلقٍ أو كموضوع ‏لإثراء خُطبهم.‏

وقد يبدو لنا في هذه الرواية قدر غير قليل من السذاجة والبساطة، لكن الحقيقة أنّ حالة بن نبي النفسية ‏كانت كذلك بالذات، فقد كان مجبولاً على البراءة الملائكية والحشمة والتعاطف. وما يجب ألاّ ننساه هو ‏الحالة التي رجع بها من أفلو والانطباع الجيد الذي خرج به من مُجاورته للنفوس البسيطة والغليظة التي ‏تُعدّ هي الوحيدة القادرة على تحقيق النهضة بفضل استعدادها للتضحية واتصافها بالشجاعة. ‏

إنّ إيمان بن نبي، العالِم الذي ألّف “الظاهرة القرآنية”، هو نفسُهُ إيمان الفحّام الذي ورد ذكره ووصفه في ‏رواية “لبّيْك”. فالإيمان قد يكون لأسباب عظيمة كما قد يكون لأسبابٍ بسيطة. وكان بن نبي يُحبّ ‏الحكايات والغرائب التي تحكيها له جدّته. وقد تأثر بها كثيراً بدليل أنه لم ينقطع عن ذكر تلك الجدة ‏الرائعة في معظم كُتبه، بل إنه استلهمها في بعض مقالاته، كمقال “السياسة والحكمة الشعبية” حيث جعل ‏من هذا اللون الأدبيّ (المقال) في خدمة التربية الاجتماعية.‏

فاللون الأدبي ليس إلاّ قالباً لتمرير الرسائل إلى شعبٍ معروفٍ بحُبّه للتراث وإلى إحدى شخصياته ‏البارزة المُتمثلة في “جُحا”. وهذه طريقة بن نبي في استغلال هذا الجانب في المقال المذكور أعلاه: ” ‏لقد لجأ الدين إلى الرمز في مخاطبة الضمير الإنسانيّ من أجل شرح أعقد المفاهيم وأصعبها. وعلى أية ‏حال فبإمكاننا القول إن الرياضيات لا تستعمل إلاّ هذه الطريقة التي تُصاغ في مُعادلات. والشعوب في ‏تجاربها الروحية والعلمية وجدت في مثل هذه اللغة كثيرا من الفاعلية. فالرمز يُصبح أداةً ضرورية كُلّما ‏عجزت اللغة العادية عن إيصال المعنى أو أفْضتْ في تعبيرها إلى إحداث صدمة مع أعرافنا وميولنا ‏الذوقية… وكانت جدتي تحكي لي في ماضي الأيام قصصاً عن “جُحا”. لكن قصة من تلك القصص أجد ‏فيها ما يفي بإبراز الدلالة النفسية والمنهجية التي أريد طرحها في هذا المقال. فلقد كان جُحا إذاً ذات يومٍ ‏من أيام الشتاء الباردة في هضابنا العليا رفقة شركائه في التعاسة تحت سقف كوخ من تلك الأكواخ التي ‏تعرفونها، وقد شكّلوا حلقة حول موقد تنبعث منه حرارة مُريحة. لكن النار بدأت تخبو لقلة الحطب. فقال ‏أحدهم: لنخرج ونأتِ بقليل من الحطب من الغابة المجاورة ‏‎!‎‏ اتّخذ كل واحد منهم وجهته، وكان جحا ‏واحداً منهم. لكن الرفاق لمّا رجعوا مُحمّلين بالحطب وجدوا أن جُحا لمْ يَعُدْ بعْدُ، فانتابهم القلق وقرروا أن ‏يذهبوا ليروا ما حدث له. ولماّ ظهر لهم وجدوا انه كان مُنشغلاً بتمرير حبلٍ طويل على أشجار الغابة. ‏لمّا سألوه عمّا يفعل أجابهم: ألا ترون أني أريد أنْ آتيكم بحطب الغابة كُلّها كي لا تضطروا إلى ‏الاحتطاب كلّ يوم؟ أُعْجِب الرفاق بالفكرة وأحسوا بالحرج لأنهم لم يتمكنوا من الإتيان إلاّ بالنزر القليل ‏من الحطب وراحوا يتوسلون إليه أن يُؤجِّل ذلك العمل إلى يومٍ آخر لأنهم قد أتوا بما يكفيهم ليومهم، ثُمّ ‏دعوه للعودة إلى الكوخ معهم. وهكذا عاد جُحا إلى دفء الموقد دون أن يُساهم بشيء وهو، فوق ذلك، ‏مُعزز مُكرم…”‏

ثُمّ ينتقل بن نبي فجأةً إلى نبرةٍ أخرى وإلى أسلوبٍ آخر، وكأنه يريد أن يقول: كفانا لهواً وعبثا ‏‎!‎‏ والقارئ ‏ينتقل بدوره فجأةً من نشوة القصة وفكاهتها إلى مواجهة الواقع المُرّ الذي سيكشف عن العبرة من تلك ‏القصة المَرِحة: ” إنّ موقف جُحا يُبيّنُ لنا كيف يمكن أن نعيش من عمل الغير ودون أن نفعل شيئا ‏بأنفسنا. إنّ صاحب الحيلة هو الذي يستغلّ السذاجة وهو يتظاهر بالبطولة. والغريب أنّ المُغرّر بهم هُمْ ‏أنفسهم الذين يضعون تاج البطولة على رأسه…” (6). ‏

وفي مقالة أخرى تحت عنوان “طُرفة بسيطة “(‏Simple anecdote ‎‏) (7) ، ينقل لنا الانطباعات ‏التي عاد بها من أنجلترا سنة 1968. فلقد نزل في مدينة ليدز عند أحد أحفاد الأمير عبد القادر، وهو ‏الذي حكى له قصة عجيبة جرتْ له أثناء أدائه فريضة الحج سنة 1935: فلقد تعرّف في البقاع المقدّسة ‏برجل من جنوب إفريقيا قطع رفقة زوجته وأبنائه كامل المسافة بين بلده وميناء السودان في مدة أربع ‏سنوات مِن أجل أداء الفريضة. ومع أنّ بن نبي كان في الثالثة والستين من عمره آنذاك، إلاّ أنه لم يتمكن ‏من كبح دموعه عند سماع القصة.‏

لكن هذا لا يعني أنّ فضائل الأخلاق في حياة الفيلسوف بن نبي لم تكن إلاّ وسيلة لإثارة العواطف ‏الجياشة في النفوس المرهفة الإحساس. فبِقدْرِ مَقْتِهِ للإغراق في النزعة الأخلاقية كان يكرهُ النزعة ‏المُفرِطة في الفوضى والعبَثية. ذلك أنّ لفضائل الأخلاق في فلسفته وظيفة أساسية في الحياة، إذْ هي ‏الطاقة المُحرّكة لعجلة التاريخ. وتلك الفضائل هي التي تعطي للفكرة قوتها التصاعدية، وهي التي تخلق ‏الكبح النفسي اللازم في الحياة النفسية للبشر كي تعلو بهم إلى مستوى التحدِّيات الكبرى.‏

وبن نبي يؤمن بتأثير الأدب في روح الشعب، وروح العصر، بل وفي روح الحضارة، كما يؤمن ‏بوظيفته كحاملٍ للأفكار السائدة فيها. وهو يذكر رواية دانيال ديفو (روبنسون كْروزْوي) ورواية ابن ‏طفيل (حيّ بن يقظان) باعتبارهما نموذجيْن ثقافيين شاملين، أو باعتبارهما لسان صدقٍ للتمازج بين ‏حضارتين مُتماثلتين، هما الحضارة الغربية المُركّزة على الفعالية، والحضارة الإسلامية المُركّزة على ‏الأخلاق.‏

وكان بن نبي يؤمن، مثل الفلاسفة القدامى ومثل الأنبياء، بقوة الفضائل، والإيمان، والأفكار… ولقد بدأ ‏تآليفه من البداية بإنتاج “الظاهرة القرآنية” ثُمّ “لبّيْك”، وهما كتابان، بانتمائهما إلى (الداخل)، يُمثِّلان ‏‏(مرحلة الذات) عند صاحبهما. ‏
‏(يتبع)‏

المراجع:‏
‏1)‏ ذكره عمار وريدان” القضية البربرية في الحركة الوطنية الجزائرية 1926-1980″ منشورات ‏دار الاجتهاد الجزائر العاصمة
‏2)‏ ارجع الى”ماذا اعرف عن الاسلام؟” العدد 06، فيفري 1972‏
‏3)‏ ارجع الى احمد محصاص المذكور سابقا
‏4)‏ أُعيدَ نشر رواية “لبّيك” سنة 2005 للمرة الأولى منذ سنة 1948 في دار الغرب (الجزائر)، ‏المقدمة بقلم عبد القادر جغلول.‏

‏5)‏ لم تَعُدْ هذه الدار موجودة في الحاضر، إذ تمّ هدمها في إطار أشغال إعادة تهيئة الحي سنة ‏‏1986.‏
‏6)‏ الثورة الافريقية عدد 18 سبتمبر 1965‏
‏7)‏ الثورة الافريقية عدد 22 فيفري 1968‏

You may also like

Leave a Comment