بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
نال بن نبي مِن كتابيه “الظاهرة القرآنية: دراسة من أجل نظرية حول القرآن” (1947)، و”لبيك”(1948) وهي رواية ذات منحى ديني، شهرةً كبيرةً وبعض الأرباح المالية. و تمكّنَ مِن إيجاد وظيفةٍ كمُدرّسٍ خاصٍّ في بيت أحد أثرياء مدينة الجزائر، ثُمّ التحقتْ به زوجته. وفي هذه الأثناء اتّصلتْ به الآنسة سوجيي Mlle Sugier، وهي شابة فرنسية ظنّ بن نبي أنها تنتمي إلى جهاز المخابرات، وطلبتْ منه إخراج رواية “لبيك” في عمل مسرحيّ. وكان آنذاك بصدد إصدار كتابه الثالث، لكنه تعرّض للاعتقال في مدينة عنابة بتاريخ 27 أفريل 1947 في الوقت الذي أنهى فيه وضع الخطوط العريضة له. ولمّا استقرّ به الحال في بيت العائلة التي آوَتْه مُقابل تعليم أحد أبنائها، وتحسنت حالته المادية، أصبح بإمكانه أن يعود إلى الكتابة. وكان الدكتور خالدي يُتابع تحرير فصول الكتاب ويحرص على حذف الفقرات التي يبدو له فيها أنّ بن نبي يميل إلى الضغينة أو الجِدال. وسيكون هو صاحب المُقدمة الرائعة التي صدر بها هذا الكتاب.
كان بن نبي في باريس شهر ماي 1948، حيث زار ماسينيون في مكتبه، ثُمّ زاره ثانيةً في الكوليج دوفرانس. كان ماسينيون في الثانية والستين، وبن نبي في الثالثة والأربعين. وقد أخبره المُستشرق أنه ينوي إنشاء “محكمة” في باريس، وأضاف قائلاً: “عندما ستنجح هذه المحكمة في إعطاء المسلمين حق العيش في فرنسا، فإنّ المسلمين سيعترفون للفرنسيين بحق العيش في الجزائر”. ويُعلّق بن نبي على ذلك في مذكراته غير المنشورة قائلاً: ” لم يكُنْ يبدو عليه أنه متأثر بالشرخ الواسع بين “المحكمة” و الاستعمار”.
وفي بلدة لوات كليري راح بن نبي يضع اللمسات الأخيرة لكتاب “شروط النهضة”. وفي شهر جوان دشّن سلسلة مقالات سينشرها في جريدة La République algérienne مجاناً طيلة الفترة الممتدة بين 1948 و 1955 مع بعض الانقطاعات الظرفية. وكان موضوع أول مقال له هو مُرافعة من أجل دخول اللغة العربية كلغة رسمية في المجلس الجزائريّ، وقد ذكر فيه ماسينيون باعتباره “مِن دُعاة الغرب الكبار”. وكان هذا المدح المُبطَّن بالقدح في أعلى درجات الوضوح، خاصة وأن ماسينيون كان يُحب أن يظهر بمظهر الداعي للإسلام.
سافر بن نبي إلى تونس مُلبّياً دعوة لإلقاء مُحاضرة حول النهضة. ولا يُعدّ هذا الموضوع عنده موضوعاً ثقافيا فحسب، لكنه موضوع سياسي كذلك لأن الشرطين اللّذين وضعهما لحدوث أية نهضة هما نهاية الاستعمار والقابلية للاستعمار. و بعد فترة وجيزة قدّم محاضرة حول: “مُدوّنة الأرقام العربية”. و في تلك المناسبة دُعِيَ للتعبير عن رأيه في فكرة “الوفاق بين فرنسا والإسلام”.
في شهر ديسمبر اجتمعت اللجنة المركزية لحزب الشعب في مزرعة أحد قادة المنظمة الخاصة في عين الدفلى (بالغرب الجزائري). وكان الاجتماع تحت رئاسة مصالي الحاج الذي شرح لأعضاء إدارة حزبه نظرية “المراحل الثلاث” من أجل تحقيق الاستقلال. وتلك المراحل هي: الدعاية، ثُمّ التنظيم، ثُمّ الثورة. فهاهو رئيس الحزب الذي ألهبَ القلوب حماساً بفكرة الاستقلال طيلة عشرين سنة يقع تحت ضغط إطاراته، وخاصة منهم المنتمين إلى المنظمة الخاصة، والذين يُريدون منه الإسراع بالتنفيذ والعمل الفعلي. لكنه لم يقتنع بموقفهم، ولا اللجنة المركزية استجابت لدعواتهم، ولسان حاله يقول: يجب الانتظار. لكن اللجنة المركزية كانت قد اتّخذت قراراً هاماًّ، وهو انتخاب أمين عام للحزب باقتراح من مصالي. و هكذا عاد هذا المنصب الذي لم يكن موجوداً إلى حسين لحْوَل. ومن المسائل التي عولجت في هذه الدورة المنعقدة منذ أسبوع تلك المتعلقة بحركة الانفصال التي يعرفها الحزب، وهي بتدبير من مسؤولين سامين فيه. إنها “المسألة البربرية” التي ستنفجر بعد ذلك بشهرين وستُنهِكُ طاقة الحزب على مدى عاميْن. ونظراً للشكوك التي دارت حول حسين آيت أحمد بخصوص كونه مُدبِّر المؤامرة، فقدْ أُبْعِدَ من المكتب السياسيّ ومن اللجنة المركزية ومن المنظمة الخاصة، وأُرْسِلَ إلى القاهرة التي سبقه إليها محمد خيدر لكونه محل بحث ومتابعة من الشرطة.
في فيفري 1949 نشر بن نبي مقالاً تحت عنوان “إلى الضمير المسيحي” (1) ليتعرّض فيه إلى الشرخ الواسع بين الجماعة الإسلامية والجماعة المسيحية بأسلوبٍ مَجازيّ، ويستشهد بآية قرآنية ليدعم دعوته إلى الروح الإنسانية التي يتمنى رؤيتها بينهما، إذ يقول تعالى: ” لَتَجِدَنَّ أشد الناس عداوةً للذين آمنوا اليهودَ والذين أشركوا، ولتجِدَنّ أقربهم مودّةً للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى، ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورُهباناً وأنّهم لا يستكبرون” المائدة، 82. وهو لا يتردد في ذكر وضعيته ووضعية عائلته كمثالين عن الأضرار الجسيمة المترتبة عن العداوة بين المجتمع الاستعماري والمجتمع المُستعمَر:” فأنا أرى في قاع الحفرة التي حفروها سبعَ عشرة سنة ضائعة من حياتي شخصياًّ. فلقد دفنوا كل الحقوق المتصلة بحاجياتي الأساسية، ودفنوا مشاعري وكلّ أفراحي البسيطة، ودفنوا طموحات شرعية كانت تصبو إليها عائلتي…”
فلا شكّ أنّ أفكاره السياسية فيها قبول بحلّ لمشكلة الاستعمار تُؤخذ فيه بعين الاعتبار مصالح الطرفين، وهو في هذا قريب من مواقف فرحات عباس والعلماء والحزب الشيوعي الجزائري. بل إنّنا نجده مُؤيِّداً لمقال افتتاحي كتبه فرحات عباس حول هذه الفكرة (2). وهو بهذا يتخذ موقفا وسطاً بين المؤيّدين والمُعارضين، ويرى أنّ ” حياة الجزائريين طال بقاؤها قابعة بمظهر صراعٍ بين كيانيْنِ مُتنافريْن” (3). وهو يتبنى الفكرة التي دعا إليها فرحات عباس تحت عنوان “مجموعة جزائرية”، ويتمنّاها بقلبٍ نابضٍ: ” لا يمكن تصور إمكانية وجود وضعٍ مُريح ما دام هناك تطرّف في هذه الجهة أو تلك عندما نطرح المشكلة مثلاً من وجهة النظر الأوروبية الصرفة أو من وجهة النظر الإسلامية”.
وكان أغلب الجزائريين في تلك الفترة يرون أن نهاية الاستعمار لا تعني بالضرورة رحيل الأوروبيين كلّهم. وبعد اندلاع حرب التحرير جاءت مواثيق الثورة كلّها ضامنة لحقوق الفرنسيين، بما فيهم اليهود، في جزائر مُستقلّة. أمّا أنصار السياسية الاستعمارية فسيرفضون هذا الانفتاح وسيُحاربونه إلى آخر يومٍ من الوجود الفرنسي بالجزائر. إنهم يتحملون عبء مسؤولية المأساة التي ستحدث بعد سنوات.
وإذا كان بن نبي عدواًّ لدوداً لفكرة “رسالة الاستعمار الحضارية”، فإنه في الوقت نفسه كان يؤمن بإمكانية وجود تفاهم بين السكان الأوروبيين والجزائريين، كما يؤمن بالأمل في قيام حوار صادق ونزيه بين الديانتين. وهو يُعوِّلُ في ذلك على تأثير رجال الثقافة ورجال الدين الفرنسيين. هل كان ذلك ضرباً من السذاجة؟ لا. إنه بن نبي في بساطته: فهو يهفو حيث يهفو قلبه، ويُنْصِتُ لصوت الضمير، ويؤمن بالوازع الأخلاقي، ولا يظنّ بالآخرين غير الصدق والنزاهة، مع استعداده لمدّ يده لمن يريدها. وتلك كانت فطرته على الدوام. وبما أنه مِن المُعجبين بغاندي فهو يُريد أن يقتدي به في رهانه على الأخلاق من أجل “انفتاح الضمير على الضمير الآخر”. وقد أنشأ يقول في “شروط النهضة”، (1949 ): ” لقد تمكّن غاندي من إنقاذ كل المصالح متعاليا بالمأساة الإنسانية ككُلٍّ وفي نفس الوقت، فالهندي والأنجليزي اللّذيْنِ كانا يؤدِّيان دور العدو ضد عدوّه قد أفْضَيا إلى صداقةٍ جامعة. إنها نظرة قرآنية أصيلة عند هذا النبي البراهماني”. وإذا كان فرحات عباس قد اختار العِراك السياسي، فإنّ بن نبي قد اختار أن يخوض معركة أكثر شموليةً، إنه “الصراع الفكري”، وهي المشهد الخلفي الذي يوجد فيه مُنشّطو العراك السياسي الذين بأيديهم خيوط يُحرّكون بها الدُّمى.
في وقتٍ عاد فيه بن نبي إلى تعاسة حاله المادية والمعنوية، ها هو يتلقى في بداية السنة (1949) رسالة من النواب: سيسبان وأورابح وبن علي شريف، موجّهين له دعوة لحضور الاجتماع التأسيسي لحزب ”الوحدة الجزائرية” (4). وجاءه مبعوث ليقول له: ” ستستفيد من مليونين أو ثلاثة، وسيارة، وأربعة كاتبات، ومكتب. كل هذا من أجل تسيير جريدة”. لكن بن نبي رفض العرض. فأبوه المريض كان طريح الفراش، وأختاه مع أبنائهما فريسة للفقر المُدقع. وعند مروره على الجزائر العاصمة ألقى مُحاضرة حول ”الإنسان والأرض والزمن” في مقر “جمعية الطلبة المسلمين”.
كتاب “خطاب حول شروط النهضة الجزائرية”
صدر هذا الكتاب الثالث لبن نبي في أواخر شهر فيفري سنة 1949. وقد أنهى تأليفه وهو يُفكر في أنّ عليه أنْ يترك لإخوانه الجزائريين تقنية للنهضة قبل أن يموت، لأن فكرة الموت أصبحتْ مُلازمة له. ولا شك أنه أراد التعبير عن هذه الفكرة عندما اختار أن يورد هذه العبارة لماكيافلMachiavel في شكلٍ بارز: “إن واجب الرجل الشريف أن يُعلِّمَ لغيره الخير الذي لم يتمكن هو من فعله بسبب ظُلم الزمان ومكر الظروف، وهذا أملاً في وجود رجالٍ آخرين أكثر قدرةً وأحسن حظاًّ في الظروف المحيطة بهم حتى يتمكنوا من فعل ذلك الخير” (5)
افتتح الدكتور خالدي مقدمة الكتاب بقوله: ” تنتابُني الرغبة، وأنا أُقدِّمُ هذه الدراسة، في التعريج على سيرة صاحبها، وهي سيرة لم أعرف لها مثيلاً في الجزائر من حيث تعاستها ومن حيث إثارتها للعواطف. لكنني مُضطرّ للإعراض عن ذلك لأنّ الكاتب مُمَانِعٌ في ذلك أشدّ المُمانعة ولو تلميحاً”.
كان الدكتور خالدي أكثر الناس معرفة ببن نبي. كما كان أوفاهم له رفقة صالح بن ساعي وعمر كمال مسقاوي. ومع أنّ اختلافهما في الطبع أدّى إلى حدوث سوء التفاهم بينهما مراراً طيلة عُشرتهما بين 1934 و 1972، لكنّهما بقيا مُتضامنين في قناعاتهما ومواقفهما التي دافعا عنها معاً طول حياتهما. والدكتور خالدي كان بدوره كاتباً له أعمال منشورة، وهو من كُتاب المقالات الجدلية ذوي الهيبة، وقد نشر مقالاته الأولى في جريدة (Egalité). وهو في مُقدّمة هذا الكتاب يُقدِّمُ لنا أحسن صورة لصديقه ومُفكّره الأكبر مالك بن نبي.
وهذا مقتطف من تلك المقدمة: “بن نبي ليس كاتباً مُحترفاً، وهو ليس بذلك العامل المكتبيّ الذي يتعامل مع أشياء جامدة ومع الورقٍ والكلماتٍ، لكنه رجلٌ وجدَ في حياته الخاصة معنى الكائن الإنسانيّ بدلالته المزدوجة: الأخلاقية والاجتماعية… وهو ليس بالمُثقف المولوع بالتجريد، ولا جماليا ينتشي بالأشكال الجميلة. وهو لا ينجذب ولا يُسحَرُ إلاّ بالقشعريرة الإنسانية، كالألم، والجوع، والأسمال البالية، و الجهل. فهل هو المُنَظِّرُ الذي يجعل لهذه المشكلة في تفكيره مكان الصدارة؟ لقد عاشها بالكامل قبل أن يُفكِّر فيها. وهناك مَنْ استغلّها لأغراض انتخابية عندما راح يُشيدُ بالتعاسة إلى درجة الْعَتَهِ المناسب لكلّ المُغالطات وكلّ أشكال الاستغلال… لكن التجربة الشخصية عند بن نبي تعني شيئاً آخر تماماً: إنها سبب كافٍ للتفكير في العلاج. وانطلاقاً من ذلك التفكير تُصبِحُ المأساة عنده مسألة تقنية…”.
ويتبيّن لنا مِن خلال هاته الأسطر مدى فهم الدكتور خالدي لمقصدية الكاتب العميقة، وإدراكه لِمرمى هذا الكتاب الجديد: “إنّ فائدة هذا العمل لا تعود على الجزائر وحدها، فهذه الدراسة تتجاوز الخصوصية الجزائرية بشكلٍ مُمَيّز، لتشمل حظيرة العالم الإسلامي كلّه، حيثُ يُطرح مشكل الإنسان بنفس المُعطيات الأساسية… نتمنى أن تُفيد هذه الدراسة في إنارة الطريق لمسيرة العالم الإسلامي الحاضرة، إذ على هذا الأخير أنْ يحرص على مُسايرة الضمير العالمي الذي يُعاني في سعيه إلى تحقيق الرّقيّ في طريق السلام والديمقراطية. كما نرجو ألاّ تجِد القوى العظمى في هذه اليقظة خطراً إسلامياًّ داهماً، بل نهضةً لمئات الملايين من البشر ينوون الإسهام بدورهم في المجهود الأخلاقي والفكري للبشرية”.
لقد صدر هذا الكتاب الذي أهداه بن نبي للدكتور سعدان ولمدام بيا Madame Pia (6) في ظرفٍ كانت فيه البلدان الإسلامية ترُصُّ صفوفها لتقف ضدّ الشيوعية. وكان العالم يعيش بدايات الحرب الباردة. وقد رفض بن نبي كلّ الدعوات التي وُجِّهتْ له ليؤدّي دوره في التجنيد ضدّ الشيوعية. إننا لا نجد في أعماله أي تهجُّمٍ على المعسكر السوفياتي أو الشيوعية، بل إنه كان يرى فيهما حليفين موضوعيين. وهو يرى، مثل نهرو، أنّه “إذا كانت الشيوعية رديئة، فإنّ الاستعمار أردأ منها بكثير”.
ولذلك نجد أنّ المُتحاملين عليه يُقدّمونه على أنه عميل للشيوعية. فهذا كاتب ياسين (1928-1989) ينشر مقالاً في جريدة Combat الفرنسية ليُهاجِمَ كتاب بن نبي. والواقع أنّ كل الصحف الناطقة باسم الحركة الوطنية قد هاجمتْهُ، ومنها: جريدة الحزب الشيوعي الجزائري Liberté، وجريدة الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري La République algérienne ، وجريدة جمعية العلماء (البصائر) (7)، وصحيفة جمعية الطلبة المسلمين الجزائريين Le Jeune musulman ، وجريدة Alger-Républicain …
لم يُجِبْ بن نبي عن أي هجوم من تلك الهجومات، لكنه سجل في مذكراته غير المنشورة قائلاً: “لقد انتصر جهاز الـمخابرات psychological-service على أول دراسة لمُعامل المُستعمِر (coefficient colonisateur ) ولذلك المرض الخبيث الذي سمّيْتُهُ “القابلية للاستعمار” وبيّنْتُ الوسائل الفورية لعلاجه، في حين أن الاستعمار كان في الحقيقة سعيداً بأنّ الحركات الوطنية تسعى للحصول على تلك الوسائل على سطح القمر”. لنْ يُجيبهم ابن نبي بذكر أسمائهم العلماء، الحزب الشيوعي، والمثقفون الجزائريون) إلاَ بعد ذلك بعشر سنوات في كتابه “الصراع الفكري في البلدان المُستعمَرة” (8).
أمّا السبب في هذا الهجوم الجماعي فيتمثل في تلك الانتقادات اللاّذعة التي وجهها لهم جميعاً، والتي اطّلعْنا على جانبٍ منها، بالإضافة إلى ظهور مفهوم جديدٍ صاغه بن نبي في ذلك الظرف، و هو “القابلية للاستعمار”. فلقد ثارتْ ثائرة كلّ مَنْ أحسّ بأنّه مُستهدَفٌ بأوصافه. وهذه عيّنة من تلك الهجمات التي وُجّهت ضدّ الكتاب: نص تحليليّ نُشِرَ في جريدة La République algérienne ، بتاريخ 25 مارس 1949 بقلم يوبا 3، وهو اسم مُستعار تختفي وراءه امرأة فرنسية، فيما يعتقد بن نبي (فهل هي الآنسة سوجيي؟). ومع أنّ هذا النص جاء نقداً لكتاب بن نبي غير أنّ كاتبه لم يكن بمقدوره أن ينفي قيمته: “إنّ تلك الآراء التي تبقى صحيحة بجرأتها وجِدّتِها تكشف لنا عن شخصية قوية عند الكاتب، وأكثر من ذلك فمزاجه هو مزاج المُفكرين والكُتّاب. وقد بلغ من قوة الشخصية وأصالتها حداًّ يُذكِّرُنا أحياناً بأوجيست كونت Auguste Comte… ونحن خاضعون دوماً لنظام الحمام الإيقوسي المُتعِب. فلسنا بإزاء مفكر طوباوي، بل هو مفكر وضعيّ وتقنيّ. وإنْ لم تَكُنْ نظراته صائبة في جميع الحالات، فهو يعلو بالفكر إلى مراتب الكبار !” أمّا محمد الشريف ساحلي (1989-1906) فقد نشر مقالاً مُعتدِل العُدوانية، قال فيه أن بن نبي عَرَضَ “مفهوماً خاطئاً في مبدإه وخطيراً في نتائجه” (9).
ويُطلق بن نبي العنان لغضبه في كتاب “وجهة العالم الإسلامي 2″ قائلاً: ” وُلِدْتُ في بلدٍ وفي عصرٍ أهلُه لا يفهمون الكلام الواضح إلاّ فهماً ناقصاً، ولا يفهمون شيئاً مما يُعبّرُ عنه بالتلميح… لقد كتبْتُ لإخواني القابلين للاستعمار والمُستعمَرين في الجزائر، لكنهم لم يفهموا فكري إلاّ فهماً ناقصاً، لأنني عمَدْتُ إلى إعطائه صورة لعنة متواصلة في وجه قابليتهم للاستعمار. ولا شك أن هؤلاء الأشقياء كانوا يتمنون أن يروني ألعن الاستعمار (ببطولة) ! ومما يؤسَفُ له أنّ الاستعماريين فهموني بسرعة، وزَجُّوا بي في المصير الذي يستحقه ـ في عُرفِهم ـ مَنْ لا يلعن الاستعمارَ بل يقتله… في المرحلة الجنينية، ويخنقه في جذوره المغروسة في القابلية للاستعمار. عندما بدأتُ مساري في الكتابة منذ عشرين سنة، لم أَكُنْ بطبيعة الحال أطمع في أنْ تمُدّ لي الإدارة يد العون كي أحاربها. لكنْ لم يخطُر ببالي أنّ تلك الشريحة من إخواني الذين يتخذون مُحاربة الإدارة حرفةً سيرفضون مُساعدتي وسيُحاربونني بأسلحة الإدارة التي يتظاهرون بمحاربتها. والواقع يدُلّ على أنهم خاضعون للإدارة، إذ يكفي أن تصدُرَ منها إشارة بسيطة حتى ترى فلول الوطنيين والعلماء و(المُنقذين) يتهافتون على إدانة فكري ومجهودي”.
كان قُرّاء كتاب بن نبي قليلين، وهم من المتعلّمين، غير أنه خصّهم هُمْ بالذات بالنقد اللاذع مُستعملاً عبارات قادحة بالقياس مع تلك الفترة. فهو يُهاجمُ مُباشرةً، وبذكر الأسماء، كُلاًّ مِن “المُنتخبين”، و”العلماء”، و”الخطاب الشعبوي” الذي عُرِفَ به “حزب الشعب”، و”الطلبة التقدُّميين”… ويكون بذلك قد فتح جبهة صراع معهم جميعا. فالمواجهة بينه وبين الحركة الوطنية، والتي عرفتْ بعض فترات الهدنة حين يتصلب موقف الاستعمار أو بمناسبة مبادرات للمقاومة الجماعية، لن تتوقّف إلاّ باندلاع الثورة، بل وحتى بعدها كما سنرى.
وتُعتبر هذه الدراسة مِن عيون الأدب الراقي، وهي تتضمن صفحات يظهر فيها تأثير نيتشه بوضوح. كما أنّ العنوان قدْ يُذكّرُنا بكتاب فيخته الذي عنوانه “خطاب إلى الأمة الألمانية”، وقد كتبه سنة 1807، وهي فترة لم تَكُن الأمة الألمانية قد حققت وحدتها بعْدُ. ويحثُّ هذا الفيلسوف الكبير مواطنيه على تحقيق وجهتهم في هذه الحياة الدنيا ساعين في نفس الوقت إلى إعطاء وجودهم معنى كونياًّ. و المعروف عن فيخته أنه يعطي العامل الديني أهمية كبيرة ويرى أن الدين هو الذي يكفل الوحدة الذاتية للأفراد، وذلك ما يتناسب تماماً مع أفكار بن نبي.
وعلى أية حال فإنّ أسلوب كتاب “شروط النهضة” ونبرته يكشفان عن نزعة الكاتب الحيوية وعن تأثره بالفكر الألماني مُتمثلاً في أكبر فلاسفته، مثل: فيخته Fichte، نيتشه Nietzsche، شبنجلرSpengler وهرمان دو كيسرلينجHermann de Keyserling. ولقد سارت فصول الكتاب ومباحثه على إيقاع التناوب بين المنحى الشعري والمنحى التراجيدي. وجاء هذا العمل في شكل أبواب قصيرة لكنها غاية في التكثيف، حيثُ لُخِّص تاريخ الجزائر عبر فترات التطور الاجتماعي التي مرّ بها في صفحات قليلة (مِن المرحلة الملحمية: المُحاربون والتقاليد، إلى المرحلة السياسية: فكرة ووثن). وذلك هو الجزء الأول.
أمّا الجزء الثاني فقد بدأه الكاتب بتوْسِعةٍ جاءت بنفس الأسلوب الذي جاءت به الافتتاحية، وهو مزيج من النثر والشعر. وفي هذا الجزء تبدأ أولى ملامح نظرية بن نبي حول الحضارة بالظهور (العودة الأبدية، عمر الحضارة، والثروات الدائمة)، وهو يُجسدها في رسم بيانيّ تبرز فيه اللحظات الحاسمة في تطور الحضارة: ظهور فكرة دينية تقوم بإيجاد تركيبة متكونة من الإنسان والأرض والزمن، وهي مرحلة الذات.
وتؤدي هذه التركيبة البيوتاريخية إلى ظهور مرحلة تطور اجتماعي وإبداع فكري، وبعبارة أوجز تؤدي إلى ظهور حضارة تسير في اتجاه تصاعدي تحت تأثير قوة دافعة حتى يقع حادث يتسبب في توقف هذه الحركة التصاعدية: وتلك بداية مرحلة العقل التي تُواصل فيها الحضارة توسُّعَها في حين أنّ النار المُقدّسة التي أوجدتْها تبدأ في الخفوت حتى تنطفىء. وهنا يبدأ الانحطاط أو مرحلة الغريزة التي بها ينتهي الإبداع الفكري والعلميّ ويتجه المجتمع إلى التشبّث بنموذج لم يعُدْ قادراً على الأداء المُفيد بسبب غياب التجديد. ثُمّ تتوقف مسيرة الحضارة بشكل نهائي.
لكن بن نبي يرى أنّ النهضة ممكنة إذا توفرت بعض الشروط. وهذا هو موضوع الكتاب. ويورِدُ الكاتب بعد ذلك “خطابات” حول المهام الواجب إنجازها بغية توفير ظروف مناسبة لانطلاق النهضة (توجيه الثقافة، وتوجيه العمل، وتوجيه رأس المال). أمّا الجزء الثالث والأخير فقد خصّصَهُ الكاتب للمُعامِلِ المُسْتَعْمِر coefficient colonisateur ومُعامل الإحباط الذاتي coefficient autoréducteur، بالإضافة إلى رسوم بيانية مُخصصة لفئات اجتماعية مثل (النساء، والكشافة، والعلماء، والسياسيين…) أو لمفاهيم مثل ( الفن، والأرض، والزمن…) (10).
أمّا الخاتمة فجاءت بمثابة إشعارٍ بالمواضيع التي ستُعالجُ في الكتاب التالي، وخاصة منها ما يتعلق بالنزعة العالمية و “المدينة البشرية”.
وإذا كان الهدف من كتاب “الظاهرة القرآنية” هو إثبات صحّة الفكرة الإسلامية، والهدف من رواية ”لبّيْك” هو تبيين قدرتها على إحداث التحوّل في الإنسان، فإنّ كتاب “شروط النهضة” قد انكبّ على تحديد الشروط التي يجب على المجتمع أن يستجيب لها كي يصير مجتمعاً فعّالاً، أي قادراً على إحداث مسار تطور فكريّ واقتصاديّ واجتماعيّ نُطلِق عليه اسم “الحضارة”. وجاء هذا الكتاب بمثابة خلاصة لِما سيُعالج بتفصيل فيما سيأتي من أعمال، لكن فيه ملامح النظام العام الذي سيسير عليه تفكير مالك بن نبي، إذ سنراه مُنتقلاً مِن الفكرة إلى الواقع، ومن الفرد إلى المجتمع، ومن المُجتمع إلى الإنسانية قاطبة.
علمْنا سابقاً أنّ هذا الكتاب كان يُفترضٌ أن يصدُر تحت عنوان “وجوهٌ مع مطلع الفجر”. والمؤكّد أن هذا العنوان يُذكِّرُنا بعنوان كتاب للفيلسوف نيتشه، وهو “مطلع الفجر”. فالنهضة والفجر عند هذين الفيلسوفيْن استعارة واحدة يُعبِّران بها عن لحظة انطلاقِ شعبٍ في مسيرة تاريخه. إنّ المقصود بهذه الوجوه هو على الأرجح ذلك “المريض فكرياًّ” “intellectomane، وذلك المينوس هابنس، وذلك الهومو ناتورا..إلخ، والذين صادفناهم عَرَضاً فيما مضى. ويمكن أن نضيف إليهم هذه اللوحة المقتبسة من نفس الكتاب:
“إنّ المشهد الاجتماعي الجزائري يُرى مِنْ خلال مساحة لا مُتناهية من التنوعات التي تُفسِّرُ لنا سبب كلّ النشوز وكلّ مظاهر عدم الانسجام في مجتمعٍ فاقِدٍ لتوازنه التقليدي، وهو يبحث عن توازن جديد. وطريق البحث إلى توازن جديد محفوفة في حياة الجزائريين بتفاصيل غير مُتوقّعة ومُتنافرة، بل ساذجة وتافهة، ومأساوية أحياناً. وهذا البحث ينعكس حتى على نظراتنا. فهناك فرق بين نظرة المُثقف المُتعلّم المُتشبع بما يكفي من العلم، نظرة مُقتنعة تعكس صورة السعادة البشرية منذ القرن 19، وبين نظرة المُشكِّك الذي لا يرى في الحضارة الحالية إلاّ مرارة الصراعات الاقتصادية، وهذا المُشكِّك متمسك بيقينٍ واحدٍ وهو: أنّ خلاص الشعب لن يكون إلاّ بلعبة تجارية أو ضربة ترافالجار Trafalgar في البورصة أو السوق السوداء، وبين نظرة الحَقُود والديماغوجي الذي لم يكتشف الحضارة إلاّ بمناسبة تجمّعاته الشعبية وأعراسه الانتخابية، والذي يعتقد أن بإمكانه أن يُحدِث تغييرا في النظام الاجتماعي بخُطبِهِ الرّنّانة، وبين نظرة “الباديسي” الشاب المُستسلم للحنين، والذي يظنّ أنّ التحوّل الاجتماعي يكون بمُجرّد تنقيح لغته وتقويم لسانه، كما أنّ هناك نظرة المخمور الذي سفّهتهُ أجواء الحانات والخمّارات، والذي لا يرى صورة الحضارة المُثلى إلاّ وهي مُتلألئة في كؤوس الخمر، وهناك نظرة الشهواني الذي يظن أنه سيحتل الحضارة بفضل تواطؤ امرأة، وهناك نظرة المذعور الذي لم يَعُدْ يرى شيئا، ولم يعُد يبحث عن أيّ شيءٍ، وهو يدفع أتاواته للدولة دون أن يسأل عن السبب. وقليلون هم أصحاب النظرة الناسكة التي ترى أن الحضارة ليست شيئاً أو لوناً أو تنوُّعاً، أو موقفاً، بل هي تركيبة، وهي قبل كلّ شيءٍ فكرةٌ وروحٌ ونفس”.
لوحة رائعة يختمها بن نبي بهذه النبوءة العجيبة: “إنّ هذه النظرات المُتعدِّدة تعكس مختلف درجات التكيّف الاجتماعي التي نُصادفها في الجزائر، كما تعكس التناقض في الملبس وفي الآراء والأذواق، وفي الخلافات الحادّة. فليس هناك اتّفاق على كروية الأرض بين جميع الناس، إذ يعيش البعض في سنة 1368، والبعض الآخر في سنة 1948، وفئة أخرى تعيش بين هذين التاريخين المُتباعدين. وتلك هي مأساةُ تكيُّفِنا بكل حِدّتها، والتي تمتد لتشمل حتى علاقاتنا الحميمية والعائلية. إذ ينتابُنا شعور بأننا نعيش في وسطٍ مُكوّنٍ مِنْ ألْفِ شعب وألف ثقافة. وهذه الأنواع من النشاز مصدرُها الأول هو النظرة الضيّقة والجزئية إلى الوسط الجديد الذي نعيش فيه، وهو حُكمُنا الخاطىء على الحضارة التي تجذبُنا إليها بقوة”.
وسيُضافُ ملمح جديد في وقتٍ لاحِقٍ إلى تلك المجموعة، وهو ملمح المسلم في “مرحلة ما بعد المُوحِّدين”، والذي تحوّلَ بعد الاستقلال إلى “تقدُّميٍّ”. فلكل زمانٍ وجوهُهُ. وبن نبي يُطلِق على هذا الملمح وصف “العقل الموضوعي”، ويُعامله بنفس الاستهزاء والسُّخرية في قوله: ” أمْرٌ عجيبٌ أنّ كلّ التّجمُّعات التي تهدف إلى تحقيق “المَطالب الاجتماعية” في العالم تظهر بنفس الوجه وتنطق بنفس الأسلوب. فالنماذج التعبيرية المُستعملة واحدة، إذْ يكثر الحديث فيها عن (الشروط الموضوعية). إنه لغة مَنْ كان صاحب “عقل موضوعي”… وإنْ كُنتَ ترفض التكلم بلغته في كتاباتك أو ملفوظك فأنت لست ”تقدُّمياًّ”، بل “رجعيّ”. وأنت تُضطرّ تحت وطأة هذه التهمة أنْ تطرح هذه المسألة: ماذا يحوي “العقل الموضوعي”؟ بل لنتساءل قبل ذلك عن الصورة التي نراه بها؟ عندنا في الجزائر كثرة كثيرة مِن الأشخاص الذين يُمثلون هذا الملمح في حاضرنا وفي تاريخنا. لكن تفادياً لذكر الأسماء نكتفي بأخذ شخصية رمزية ونُسمِّيها “العقل الموضوعي”. قد يكون شاباًّ كما قد يكون شيخاً، وقد يكون طالباً أو عاملاً لا يعمل، فهذا لا يُهمّ، فما تلك إلاّ أقنعة لا نشعر وراءها بأية حياة داخلية. فيبدو إذاً أنّ صاحب ”العقل الموضوعي” لا يملك ذاتاً داخلية، بل يملك مظهراً خارجياًّ. وهذا مثال عن طالب جزائريّ حاورتُهُ في الحيّ اللاتينيّ منذ أكثر من ثلاثين سنة، وكان يقول إنه يشترط رؤية الله كي يؤمن بوجوده. هذا عقل موضوعيّ، وزاد على ذلك قدراً من الفظاظة. أمّا اليوم فأخوه الأكبر سيقول: حتى لو أني رأيتُ الله فإني لن أؤْمِنَ به. فلقد سجّل العقل الموضوعيّ عندنا تطوّراً كبيراً في ظرف ثلاثين سنة. ومثال ذلك أنّ العقل الموضوعي مُحافظ بالمعنى المادي للكلمة: فهو يُريد أنْ يُحافظ على حياته ومصالحه بكل موضوعية. لقد عاصر صُنّاع الثورة الذين كان يُحركهم وازعٌ دينيّ صِرْفٌ وعاش بعدهم. أمّا هو فقد حافظ على حياته إلى غدٍ أفضل، حافظ عليها كي يتسنّى له الكلام عن ظروف البلاد “الموضوعية”، ويُدخِلها في دروب “التّقدّميّة” (11).
وفي افتتاحية “شروط النهضة” أورد بن نبي القصيدة الشعرية الجميلة الآتية التي يُعبّر فيها عن رؤيته الشعرية للنهضة:
يا صاحبي، ها هو شُعاع الفجر المُحتشم ينساب بين نجوم المشرق.
كلّ مُستيقظ بدأ يتململ ليُقاوم الجمود وبقايا النوم العميق.
وبعد حين سيُشرق الكوكب الدُّريُّ على أولى خُطاك في السهول التي بها آثار للمدينة النائمة.
وستمضي أشعة الشمس الأولى بعيداً، مُتجاوزةً خُطاك وأطيافَ حركة يدك التي تملأ السهل زرعاً.
ونسيمُ الصباح سيزرعُ الحَبّ إلى أبعد مما تزرع حركاتُ يدك.
ازرع يا أخي الزارع ! ازرع إلى أبعد مِن عصرك، في الثّلْمِ الذي يمضي بعيداً.
ها أنت تسمع أصواتاً تُنادي، إنها تلك التي أيقظْتَها وأنت تدوس خلال الديار، ماضياً إلى كدّك كل صباح.
بعد حين سيتبعك كل مَنْ أيقظْتَه وينضمّ إليك.
غنِّ يا أخي الزارع كي تنير الطريق للخارجين من ظلمة الفجر قاصدين الثّلْم الآتي من بعيد.
وليصْدحْ نشيدُك كما صدح نشيد الأنبياء ساعة انبجاس صُبْح الحضارات.
ولْيَعْلُ نشيدُك فوق نعيق الأجواق الآتية من هناك…
انتبهْ إذاً: فقد بدأ تنظيم العُرس عند مدخل المدينة لتلهية كلّ مَنْ عقد العزم على النهوض واتّباع خُطاك.
وضعوا الأوتاد ونصبوا المنصات لكل مُهرّجٍ كي يُشوِّشوا بضجيجهم على نبرات صوتك.
أشعَلوا مصابيح الوهمِ ليُغطوا أشعة الشمس القادمة ويمحوا طيفك الماضي في أرجاء السهل.
زيَّنوا الوثن المعبود كي يُهينوا الفكرة.
لكن هيهات أنْ يَثْنُوا الكوكب الدٌّريَّ عن مسيرته الثابتة. وسيُنيرُ فكرتَك المنتصرة بعد لَأْيٍ، ويفضح سقطة الأوثان كمثيلاتها بالأمس… في الكعبة.
ولا شكّ أنّ هذه القصيدة تُذكِّرُنا بافتتاحية كتاب “هكذا كان يتكلّمُ زرادُشت” للفيلسوف نيتشه. والنهضة إنْ كانت أمراً مُمكناً من الناحية النظرية، فهذا لا يعني أنها تأتي بنفسها ولا تُعفينا من الجهود الجبارة التي تتطلبها. وتلك فكرة مشتركة بين بن نبي والفيلسوف نيتشه، كما يُشاركهما فيها مُفكر آخر، وهو الإسباني خوسي أورتيجا إي جاسي José Ortega Y Gasset (1883-1956) الذي أنشأ يقول في أشهر مؤلفاته (12): “مِن الممكن أن تبقى شعوبٌ في وضعها البدائي أبدياًّ. وهي موجودة بالفعل، وبرايسيج Breyssig يُسمِّيها (شعوب الفجر الأبدي). إنها الشعوب التي بقيت في فجر ساكنٍ مُتجمِّدٍ، والتي ليس لها أية وجهة”.
لا بُد إذاً أنْ نُضيف إلى الشراكة الفلسفية بين بن نبي ونيتشه مفكراً ثالثاً هو الإسباني خوسي أورتيجا إي جاسي لِما بينهما مِن قواسم مشتركة من حيث السيرة ومن حيث الأعمال. ولقد حلّ أورتيجا بفرنسا في العشرينيات قبل بن نبي ببضع سنوات، وهو يصف تلك المرحلة قائلاً: “خلال الأشهر القليلة الأخيرة كُنتُ وحيداً في شوارع باريس، إذ اكتشفْتُ أنّي في الحقيقة لا أعرف أحداً في هذه المدينة، باستثناء التماثيل. فقد حصل لي على الأقل أنْ التقيتُ ببعض تلك التماثيل التي كانت بيني وبينها صداقة قديمة والتي كانت مُحرّكة حياتي الخاصة حتى صارت لي كمُعلّمٍ دائم. وبما أنني لا أعرف أحداً حتى أحاوره، فقد حاورتُها حول مواضيع إنسانية هامة. وقد يأتي يومٌ سأُصْدِرُ فيه تلك “المحاورات مع تماثيل” مطبوعةً، وهي التي خفَّفتْ عليّ كثيراً من الهموم التي مرّتْ بي في مرحلةٍ من حياتي. وستتضمن تلك المُحاورات بعض الاستدلالات التي عالجْتُها مع المركيس دي كوندورسيMarquis de Condorcet فوق جسر دي كونتي حول فكرة التطوّر الخطيرة. كما تحدّثْتُ مع تمثال الكونت في شُقّة شارع السيد الأمير حول “السلطة الروحية” التي لم تحظ بما يكفي من الاهتمام عند كُتّاب البلاط ولا في الجامعة التي لم تعُدْ تهتمّ بما يجري في حياة الأمم الواقعية…”.
مِن الصعب عليك وأنت تقرأ هذه السطور ألاّ تلاحظ ما هنالك مِن توازٍ بين مضمونها وبين المشاعر التي انتابتْ بن نبي وهو يكتشف الحيّ اللاّتيني ونُصُبَهُ سنة 1930. وبجانب ذلك فقد تعرّض النُّقّادُ حين صدور كتاب “شروط النهضة” للشبه الموجود بينه وبين أوجيست كونت. لكنّ المُلاحظ أنّ بن نبي لم يذْكُرْ في أيٍّ مِن آثاره اسم هذا الفيلسوف الإسباني رغم ما بين أفكارهما من تطابق مُثير. كما أنك لن تجد أيّ أثر لهذا الاسم في كتبه غير المنشورة، ولا في دفاتره، ولا في بطاقات قراءاته. وهذا يعني أنه لم يكُن يعرف أعمال الفيلسوف الإسباني. ومع ذلك فإنّ “إنسان ما بعد المُوحدين” هو الأخ التوأم المثالي لـ ”إنسان الجمهرة” (Homme-masse ) الذي وصفه أورتيجا إي جاسي بأنه ” نموذج الإنسان الذي بُنِيَ بسُرعة فائقة وأُسِّسَ على بعض التجريدات الواهية… إنّ إنسان الجمهرة هذا هو الإنسان الذي أُفْرِغ منذ البدءِ من تاريخه حتى فرغت أحشاؤه من الماضي. فهو أشبه شيء بقوقعة إنسان مصنوعة من (أخطاء منطقية بسيطة idolafori)، وهو أبْعَد شيء عن الإنسان الحقيقي. فما ينقصُهُ هو ذلك العالم الداخلي، أو تلك الخصوصية التي لا مجال للتنازل عنها لأنها تُمثِّلُ الأنا التي لا رجعة فيها. فهو إذاً دائم الاستعداد للتظاهر بأيّ شيءٍ، وكلّ ما فيه عبارة عن شراهة وشهوات، كما يعتبر نفسه صاحب حقوق بدون واجبات ولا التزامات… لقد تربّع على عرش المُجتمع نموذجٌ بشريٌّ لا تعنيه مبادىء هذه الحضارة أو تلك، لكنْ بحسب ما يمكن تقديره في الحاضر، فهو لا يهتم بها جميعاً. إنه يهتمّ بالمُنوِّمات، طبعاً، وبالسيارات، وببعض الأشياء النادرة الأخرى أيضاً. لكن ذلك يؤكِّدُ عدم اهتمامه بالحضارة أساساً، لأنّ الأشياء التي يهتمّ بها لا تعدو أنْ تكون من منتوجات الحضارة، والإفراط في الاهتمام بها دليل على عدم الاهتمام بالمبادىء التي أدت إلى إنتاجها… إنّ الإنسان المُسيطر اليوم هو إنسان بدائي ظهر في قلب العالم المتحضّر. فالعالم هو المُتحضِّر، وليسوا سكانه، لأنّ هؤلاء السكان لا يرون من الحضارة شيئاً، بل يكتفون باستغلال محاسنها وكأنها جاءت من الطبيعة. إنّ الإنسان الحديث يُريد أن تكون عنده سيارة يتمتع بها، لكنه يظنّ أن تلك السيارة ثمرة من ثمار شجرة في جنات عدن. وهو في قرارة نفسه يجهل الطابع الاصطناعي للحضارة، ولهذا فهو يكتفي بالتحمّس لاستعمال تلك الأجهزة دون ان يمتدّ حماسه إلى المبادىء التي تقف وراء إنتاجها…” (13).
وإنّ “العِلْمَ” الديني الذي انتقده بن نبي هو صورة ثانية لـ فن الخطابة (rhétorique) الذي يُوَجِّهُ إليه هذا المؤلف الإسباني تلك الضربة القاتلة: “عندما تغرق سفينة وضعٍ من أوضاع التاريخ بعد اكتمال رحلتها، يموت ذلك الوضع لتحمله أمواج البحر إلى شاطىء علم الخطابة الذي يتكفل بتمديد حياة ذلك الوضع وهو جُثّة هامدة. فعلم الخطابة هو مقبرة الأوضاع البشرية، وفي أحسن حالٍ هو مستشفى معطوبيه” (14).
ويتّفق هذان الرّجلان في ملمحهما النفسي، وفي الدور الذي لعبه كلٌّ منهما كموقظ لشعبه وكمُجدِّد. وهذه فقرة للمفكر الإسباني تتضمن وصفاً لِذلك الديماغوجي الذي يُسمّيه بن نبي بـ”مريض الفكر” (intellectomane): “هذا ليس كتاباً في السياسة، وأنا لا أمارس السياسة. فالموضوع الذي أتحدث عنه هنا سابق للسياسة، أو قُلْ إنّه تحت أرضية السياسة. وعملي كدٌّ مُظلِمٌ في مغارة المنجم. إنّ رسالة مَنْ يسمّى برجل الفكر والثقافة مُعاكسة لرسالة رجل السياسة من زاوية نظر مُعيّنة. ذلك أنّ آثار رجل الثقافة تصبو ـ بلا فائدة أحياناً ـ إلى إلقاء بصيص من الضوء على الأشياء، بينما أعمال رجل السياسة تسعى إلى زيادة درجة اللُّبس في الأشياء… ومِن الصعب جداًّ إنقاذ حضارة عندما يحين وقت سقوطها تحت وطأة الديماغوجيين. فالديماغوجيون كانوا أكبر مَن يخنق الحضارات. لكننا لا نعتبر الإنسان ديماغوجياًّ لمجرّد أنه صدح بصوته أمام الجماهير. إذ الديماغوجية الأساسية تسكن في رأس الديماغوجي، وهي تُنمّي جذورها في كنف لامُبالاته بالأفكار التي يتلاعب بها، وهي أفكار لم يُبْدِعْها بل تلقاها مِن مُبدعيها الحقيقيين. والديماغوجية ضربٌ مِن انتكاس الفكر…” (15).
وهُما مُتفقان كذلك في كون أعمالهما تستند إلى نفس المرجعيات، وهي: أوجست كونت، نيتشه، سبنسر، شبنجلر… وإذا كانت آثار بن نبي موضوعة تحت عنوان واحد هو “مشكلات الحضارة”، فإن أورتيجا يقول: “إنّ مشكلتي كلّها في الحضارة والثقافة”. وإذا كان بن نبي قد تخيّل في كتاب “النزعة الأفروآسيوية” زائراً سموياًّ يتأمل من الفضاء تلك المشاهد الاجتماعية الموجودة في العالم، فإنّ أورتيجا يتحدث في كتاب “ثورة الجماهير” عن “شخص آتٍ مِن أحد النجوم ليزور أوروبا”.
ومِن المواضيع التي عالجها هذان المُفكران في أعمالهما: الانحطاط، و الأفكار الصحيحة، و الحسّ التاريخي. وكلاهما كان مُربياًّ بيداغوجياًّ يسعى إلى جذب اهتمام شعبه بالتحوّلات الضرورية التي تُمكّنه من إيجاد مكانته الضائعة في التاريخ. كان أورتيجا مصدوماً من تقهقر إسبانيا في العلاقات الدولية ومِن ضياع مستعمراتها خلال القرن 19. أما بن نبي فكان مصدوماً من غرق سفينة الإسلام منذ بضعة قرون. وقد انتبه أورتيجا إلى تلك “الأفكار الميتة” الموروثة من عصر الانحطاط، والتي ندّد بها بن نبي بلا هوادة، ووصفها المفكر الإسباني بقوله: “كلّ ثقافة قديمة يُلازِمُها كثيرٌ من المادة الخامدة، والأنسجة المُجفّفة، والبقايا السّامّة التي تُجمِّد حياتها” (16).
وعبّر أورتيجا عن مفهوم الأفكار الميّتة بمُصطلح “العقيدة الميتة”. ومما جاء في كتابه “أفكار ومُعتقدات”: ” إنّنا نؤمِنُ بالشَّيءِ وعقيدتُنا ميِّتة عندما يفقد ذلك الشيء فاعليته في حياتنا ونحنُ لا نزال مُتشبثين به. نَجُرّه وراءنا وهو معطوب، ومع ذلك فهو لا يزال جزءاً لا يتجزّأُ منّا وهو قابع بِلا حِراك في أعماق أنفسنا. لمْ نَعُدْ نؤسس وجودنا على شيءٍ نؤمن به، وهذه عقيدةٌ عقيمةٌ لا تُمِدّنا بما يُنشِّطُنا ويُسدِّدُ خُطانا”. وأخيراً فإنّ كُلاّ من بن نبي وأورتيجا وظّف نفس المُصطلح، وهو “التّصعلُك”( encanaillement) للتعبير عن الهوان الذي ينجرُّ عن الانحطاط.
وأذكُرُ أنّي كُنتُ عضواً في الوفد الرئاسيّ الجزائري الزائر لإسبانيا سنة 2002، وهي الزيارة التي تمّ فيها التوقيع على معاهدة الشراكة مع الاتّحاد الأوروبي. وفي مأدبة العشاء التي نظمها رئيس الحكومة الإسباني السيد خوسي ماريا آزنار، لم أتمكّن مِن كبح رغبتي في طرح سؤال حول الفيلسوف الإسباني الذي اكتشفتُ أعماله في مطلع السبعينيات، فأجابني رئيس الحكومة وفي وجهه بعض علامات المُفاجأة: ” إنّه مُعلِّمُنا في التفكير”.
(يتبع)
المراجع:
1) الجمهورية الجزائرية عدد 10 فيفري 1949
2) ارجع الى ” انقاذ الانسان من الاستلاب الاستعماري”، ” الجمهورية الجزائرية” عدد 27 فيفري 1953
3) ارجع الى ” بين نعم القبول و لا الرفض” الجمهورية الجزائرية عدد 13 مارس 1953
4) بعد القطيعة التي حدثت مع بن جغلول، عمدَ فرحات عباس رفقة محمد الشريف سيسبان (من باتنة) وعبد المجيد أورابح (من واد أميزور) وعلاوة شريف (من أقبو) إلى تأسيس حزب جديد باسم “الوحدة الشعبية الجزائرية” (UPA )، وذلك سنة 1938. والأمر لا يتعلق في هذا المقام بتلك التشكيلة. فالفترة التي يقصدها بن نبي، هي تلك التي أسس فيها عمار عيماش وسي الجيلاني “حزب الوحدة الجزائرية” بعد انفصالهما عن مصالي الحاج. وبن نبي لا يتكلم عن هذه التشكيلة كذلك، بل الأرجح أنه يقصد تجمّع “المُنتخبين الأحرار” الذي حظي بدعم الإدارة في انتخابات أفريل 1948.
5) ذكر بن نبي هذه الفكرة في أكتوبر 1963 في مناقشة مع الدكتور خالدي والدكتور عقبي، وهي فكرة أراد فيها ماكيافلMachiavel أنْ يُوَرِّثَ آثارة لأجيال المستقبل. وممّا جاء في دفاتر بن نبي بتاريخ 13 أكتوبر من نفس السنة: “إنّ أجيال المُسلمين تتعاقب لكنها لا تتوارث. أمّا الروح الغربية فهي تشرئِبُّ إلى المستقبل وهي تعيش الحاضر دون أن تصرف نظرها عن الماضي. ولقد حُرِم مُجتمع ما بعد الموحّدين عقلاً مثل عقل ماكيافل ليحرص على إيصال رسالة إلى الأجيال اللاحقة، كما حُرِمَ مِن ذلك الإنسان الحريص على أن يكون صلةَ وصلٍ ليُمرِّرَ الرسالة إلى العصور اللاحقة”.
6) لم نتمكّن مِن تحديد هوية هذه الشخصية. فقد جاء الإهداء بهذه الصيغة: “إلى السيدة بيا madame Pia، تلك المرأة الشهمة التي لم تعرف مِن شخصي غير الاسم والدين، والتي منحتني رغم ذلك كلّ الحنان الذي تمنحه الأم لولدها، وأنا بدوري لم أعرف عنها غير ما عرفَتْهُ عني”.
7) تفضّل عليّ الأستاذ الهادي حسني في مارس 2005 بتسليمي نُسخاً من المقالات المنشورة باللغة العربية في هذه الجريدة والتي لها علاقة بهذا الموضوع. وتلك المقالات هي “وسائل النهضة الجزائرية” لأحمد قصيبة بتاريخ 21 مارس 1949، و “مناقشة حول كتاب بن نبي في مقر منظمة الطلبة” لبعزيز بن عمر بتاريخ 04 أفريل 1949، و “ماهي شروط النهضة الجزائرية؟” لإسماعيل محمد العربي بتاريخ 18 جويلية 1949.
وقد جاء في المقال الأول بعض الاستصغار لمجهود بن نبي حينما نعى عليه ميله إلى إثارة المشاكل وقلة الحلول التي يقترحها، لكنه ينصح بقراءة الكتاب الذي يعتبره لبنة أولى في صرح النهضة الجزائرية، ثُمّ يدعو إلى ترجمته إلى العربية.
أمّا المقال الثاني فيُبْرِز الصدى العميق الذي لَقِيَهُ كتاب بن نبي في أوساط الطلبة والمتعلّمين الجزائريين، ويصف المناقشة التي خُصِّصَتْ له بتاريخ 26 مارس في مقر “اتحاد الطلبة الجزائريين” حيثُ كان من المنتظر أنْ يحضُر بن نبي (ليُدافع عن كتابه وآرائه حول النهضة الجزائرية)، لكنه لم يحضُر. ولقد تحوّلت المناقشة إلى مُحاكمة وإلى إدانةٍ لأطروحات بن نبي.
أما المقال الأخير فيبيّنُ اهتمام الصحافة بهذا الكتاب والتساؤلات التي أثارها، ويستهجن لجوء الطلبة إلى المُصادقة على لائحة رسمية للتنديد بالكتاب. لكنه لم يُفوِّت الفرصة لتوجيه النقد إلى بن نبي على “نزعته الشعرية الغامضة” وعلى “تعقيداته العلمية المُتعمّدة” وعلى “بساطة بعض الفصول التي لم تتعدّ صفحتين لكنها جاءت تحت عناوين مُهوِّلة”، وعلى “ذكر كُتاب دون طرح أفكارهم”.
وقد عاد بن نبي في نص آخر غير منشور تحت عنوان “الديباجة الأصلية لكتاب مشكلة الأفكار” والتي يعود تاريخها إلى شهر ديسمبر 1959إلى موقف الطلبة الجزائريين من كتابه، فأنشأ يقول: “تلقيتُ دعوةً من جمعية الطلبة لإلقاء محاضرة عليهم. وقد بدا لي أنّ أفضل موضوع هو ذات الموضوع الذي يُعالجه كتابٌ قيدَ الطبع. وفي آخر المحاضرة عبّر الطلبة الحاضرون الذين يُقدّر عددهم بحوالى مائتي مُتابع عن رضاهم بالتصفيق… وقد صدر كتابي بعد أيامٍ قليلة. والحال أن نفس الجمعية نشرت أسبوعاً بعد ذلك بياناً يُحذّرُ القارىء الجزائريّ من هذا الكتاب “الذي يُضِرُّ بالقضية الجزائرية…”. لو سلّمْنا بأن الضمير الأخلاقي قد غاب من نفوس هؤلاء الطلبة، ألا يستحُون مِن مثل هذا الموقف الذي يُثْبِتُ أنّ الاستعمار عندما يُريد أن يفعل شيئا بأفكارنا يجد أن نصف ما كان ينوي فعله قد فعلناه بأنفسنا؟ “
8) وممّا جاء في هذا الكتاب: “عندما ظهر كتابي”شروط النهضة” في الجزائر منذ خمس عشرة سنةً خلتْ قام الاستعمار بالضغط على زُرٍّ. وفور ذلك انهمرت موجة عداءٍ قوية ومُتمثّلة في ثلاثة ردود أفعال. الأول كان من “جمعية العلماء” بواسطة مقاليْنِ في جريدتها، حيث وصَفَ الكاتب عملي بأنه مأخوذ من مقالاتٍ نُشِرتْ في إحدى كُبرى الجرائد اليومية الباريسية… والثاني مقالان نُشِرا في جريدة أحد الأحزاب الوطنية، يتظاهر كاتبُهما بتقديم نقدٍ نزيه وغير مُتحيِّز للكتاب. وقد اختار لمقاليْهِ هذا العنوان الجذّاب: “انزلاق ولُبْس”، وهو عنوان ينطوي على كثير من التعريض كما هو واضح. أمّا رد الفعل الثالث فقد جاء في الجريدة الناطقة باسم الحزب الشيوعيّ الجزائريّ، وفيه يُقدّم كتابي بأنه “كتاب يستحق رضا الاستعمار”. ولا بُدّ من إضافة موقف الصحافة التقدّميّة عموماً، إذ التزمتِ الصمت الكامل حول هذا الموضوع. وهو صمتٌ مِن ذهب في ميزان الاستعمار”.أمّا جمعية الطلبة فبن نبي يُذكِّر بأنها “نشرتْ بياناً تُندد فيه بهذا العمل باعتباره “يُضِرّ بقضية الشعب !”.
ولقد اضطُرّ بن نبي أنْ يروي هذه الأحداث ليس بدافع الانتقام، بل ليُبيّن الكيفية التي يعمل بها الاستعمار في مجال الصراع الفكري . يقول: “إنّ المعركة لم تجْرِ بين كاتب يُصارع من أجل قضية وبين الاستعمار الذي تتناقض مصالحه مع هذا الصراع، بل ظهرتْ وكأنها صراع بين الكاتب والحركات الوطنية التي تدّعي، بِمُفارقة، أنها تُمثِّلُ هذه القضية هي كذلك… لقد قام الاستعمار بتغيير اتجاه المعركة التي يواجهه فيها فردٌ ليجعل منها معركة بين هذا الفرد وإخوانه بالذات… فبضغطةِ زُرٍّ بسيطة تمكن الاستعمار من جعل هذه المعركة عملية سيكولوجية ذات هدفين. فقد وجّهَ إلى الكتاب، من جهةٍ، كل الأضواء الكفيلة بتشويهه في نظر الرأي العام وإحاطته بشكوكٍ يصعب إنقشاعها في بلدٍ تسوده الأمية والسياسة العاطفية. ومن جهة أخرى فإننا نلاحظ أنّ الاستعمار بثَّ، أو حاول أنْ يَبُثَّ، في نفس الكاتب عقدة نفسية بمحاولة إبعاده عن قضيته… فهو من جهة قد أراد أنْ يعزل المُحارب في الحلبة الإيديولوجية، ومن جهة أخرى سعى إلى إبعاده هو عن القضية التي يناضل من أجلها، وذلك بجعله يشعر بعدم جدوى مجهوده وبأنه يُناضل من أجل قضية ذات أفق مسدود”.
9) هو الذي كتب مقال (“انزلاق ولُبس”).
10) يُفيدُنا بن نبي في مذكراته غير المنشورة بان كتاب “شروط النهضة” قد تُرجم إلى العربية منذ صائفة سنة 1950 بقلم الأستاذ مولود الطيب، وكان يُفترض أن يصدُر في نسخته العربية في مطلع سنة 1951. ولا نعرف شيئا عن الأسباب التي منعت دار النشر (النهضة) من نشره وهو مرفوق بمقدمة جديدة. وعند لقائي بالسيد مسقاوي في جويلية 2003 أطْلَعَني على مخطوطة ترجمة، وقال إن بن نبي هو الذي أنجزها بنفسه، وهي مؤرخة في أوت سنة 1949. ويبدو ذلك من غير المعقول. فقد يتعلّق الأمرُ بنسخة نقلَها بن نبي عن ترجمة مولود الطيب التي ذكرها هو نفسه. وعلى أية حال، فإن كتاب “شروط النهضة” بنسخته العربية لم يرَ النور إلاّ سنة 1957 في القاهرة بقلم عبد الصبور شاهين وعمر كمال مسقاوي.
11) ”السياسة والأخلاق”، الثورة الافريقية عدد 11 سبتمبر 1965
12) ارجع الى ” ثورة الجماهير ” منشورات غاليمار باريس 1961
13) المرجع السابق
14) المرجع السابق
15) المرجع السابق
16) ارجع الى ” افكار و معتقدات” منشورات ستوك باريس 1945
