Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (19)‏

حياة مالك بن نبي (19)‏

by admin


بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

نال بن نبي مِن كتابيه “الظاهرة القرآنية: دراسة من أجل نظرية حول القرآن” (1947)، ‏و”لبيك”(1948) وهي رواية ذات منحى ديني، شهرةً كبيرةً وبعض الأرباح المالية. و تمكّنَ مِن إيجاد ‏وظيفةٍ كمُدرّسٍ خاصٍّ في بيت أحد أثرياء مدينة الجزائر، ثُمّ التحقتْ به زوجته. وفي هذه الأثناء اتّصلتْ ‏به الآنسة سوجيي ‏Mlle Sugier، وهي شابة فرنسية ظنّ بن نبي أنها تنتمي إلى جهاز المخابرات، ‏وطلبتْ منه إخراج رواية “لبيك” في عمل مسرحيّ. وكان آنذاك بصدد إصدار كتابه الثالث، لكنه ‏تعرّض للاعتقال في مدينة عنابة بتاريخ 27 أفريل 1947 في الوقت الذي أنهى فيه وضع الخطوط ‏العريضة له. ولمّا استقرّ به الحال في بيت العائلة التي آوَتْه مُقابل تعليم أحد أبنائها، وتحسنت حالته ‏المادية، أصبح بإمكانه أن يعود إلى الكتابة. وكان الدكتور خالدي يُتابع تحرير فصول الكتاب ويحرص ‏على حذف الفقرات التي يبدو له فيها أنّ بن نبي يميل إلى الضغينة أو الجِدال. وسيكون هو صاحب ‏المُقدمة الرائعة التي صدر بها هذا الكتاب. ‏

كان بن نبي في باريس شهر ماي 1948، حيث زار ماسينيون في مكتبه، ثُمّ زاره ثانيةً في الكوليج ‏دوفرانس. كان ماسينيون في الثانية والستين، وبن نبي في الثالثة والأربعين. وقد أخبره المُستشرق أنه ‏ينوي إنشاء “محكمة” في باريس، وأضاف قائلاً: “عندما ستنجح هذه المحكمة في إعطاء المسلمين حق ‏العيش في فرنسا، فإنّ المسلمين سيعترفون للفرنسيين بحق العيش في الجزائر”. ويُعلّق بن نبي على ذلك ‏في مذكراته غير المنشورة قائلاً: ” لم يكُنْ يبدو عليه أنه متأثر بالشرخ الواسع بين “المحكمة” و ‏الاستعمار”. ‏

وفي بلدة لوات كليري راح بن نبي يضع اللمسات الأخيرة لكتاب “شروط النهضة”. وفي شهر جوان ‏دشّن سلسلة مقالات سينشرها في جريدة ‏La République algérienne ‎‏ مجاناً طيلة الفترة الممتدة ‏بين 1948 و 1955 مع بعض الانقطاعات الظرفية. وكان موضوع أول مقال له هو مُرافعة من أجل ‏دخول اللغة العربية كلغة رسمية في المجلس الجزائريّ، وقد ذكر فيه ماسينيون باعتباره “مِن دُعاة ‏الغرب الكبار”. وكان هذا المدح المُبطَّن بالقدح في أعلى درجات الوضوح، خاصة وأن ماسينيون كان ‏يُحب أن يظهر بمظهر الداعي للإسلام. ‏

سافر بن نبي إلى تونس مُلبّياً دعوة لإلقاء مُحاضرة حول النهضة. ولا يُعدّ هذا الموضوع عنده موضوعاً ‏ثقافيا فحسب، لكنه موضوع سياسي كذلك لأن الشرطين اللّذين وضعهما لحدوث أية نهضة هما نهاية ‏الاستعمار والقابلية للاستعمار. و بعد فترة وجيزة قدّم محاضرة حول: “مُدوّنة الأرقام العربية”. و في تلك ‏المناسبة دُعِيَ للتعبير عن رأيه في فكرة “الوفاق بين فرنسا والإسلام”. ‏

في شهر ديسمبر اجتمعت اللجنة المركزية لحزب الشعب في مزرعة أحد قادة المنظمة الخاصة في عين ‏الدفلى (بالغرب الجزائري). وكان الاجتماع تحت رئاسة مصالي الحاج الذي شرح لأعضاء إدارة حزبه ‏نظرية “المراحل الثلاث” من أجل تحقيق الاستقلال. وتلك المراحل هي: الدعاية، ثُمّ التنظيم، ثُمّ الثورة. ‏فهاهو رئيس الحزب الذي ألهبَ القلوب حماساً بفكرة الاستقلال طيلة عشرين سنة يقع تحت ضغط ‏إطاراته، وخاصة منهم المنتمين إلى المنظمة الخاصة، والذين يُريدون منه الإسراع بالتنفيذ والعمل ‏الفعلي. لكنه لم يقتنع بموقفهم، ولا اللجنة المركزية استجابت لدعواتهم، ولسان حاله يقول: يجب ‏الانتظار. لكن اللجنة المركزية كانت قد اتّخذت قراراً هاماًّ، وهو انتخاب أمين عام للحزب باقتراح من ‏مصالي. و هكذا عاد هذا المنصب الذي لم يكن موجوداً إلى حسين لحْوَل. ومن المسائل التي عولجت في ‏هذه الدورة المنعقدة منذ أسبوع تلك المتعلقة بحركة الانفصال التي يعرفها الحزب، وهي بتدبير من ‏مسؤولين سامين فيه. إنها “المسألة البربرية” التي ستنفجر بعد ذلك بشهرين وستُنهِكُ طاقة الحزب على ‏مدى عاميْن. ونظراً للشكوك التي دارت حول حسين آيت أحمد بخصوص كونه مُدبِّر المؤامرة، فقدْ أُبْعِدَ ‏من المكتب السياسيّ ومن اللجنة المركزية ومن المنظمة الخاصة، وأُرْسِلَ إلى القاهرة التي سبقه إليها ‏محمد خيدر لكونه محل بحث ومتابعة من الشرطة.‏

في فيفري 1949 نشر بن نبي مقالاً تحت عنوان “إلى الضمير المسيحي” (1) ليتعرّض فيه إلى الشرخ ‏الواسع بين الجماعة الإسلامية والجماعة المسيحية بأسلوبٍ مَجازيّ، ويستشهد بآية قرآنية ليدعم دعوته ‏إلى الروح الإنسانية التي يتمنى رؤيتها بينهما، إذ يقول تعالى: ” لَتَجِدَنَّ أشد الناس عداوةً للذين آمنوا ‏اليهودَ والذين أشركوا، ولتجِدَنّ أقربهم مودّةً للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى، ذلك بأنّ منهم قسّيسين ‏ورُهباناً وأنّهم لا يستكبرون” المائدة، 82. وهو لا يتردد في ذكر وضعيته ووضعية عائلته كمثالين عن ‏الأضرار الجسيمة المترتبة عن العداوة بين المجتمع الاستعماري والمجتمع المُستعمَر:” فأنا أرى في قاع ‏الحفرة التي حفروها سبعَ عشرة سنة ضائعة من حياتي شخصياًّ. فلقد دفنوا كل الحقوق المتصلة ‏بحاجياتي الأساسية، ودفنوا مشاعري وكلّ أفراحي البسيطة، ودفنوا طموحات شرعية كانت تصبو إليها ‏عائلتي…”‏

فلا شكّ أنّ أفكاره السياسية فيها قبول بحلّ لمشكلة الاستعمار تُؤخذ فيه بعين الاعتبار مصالح الطرفين، ‏وهو في هذا قريب من مواقف فرحات عباس والعلماء والحزب الشيوعي الجزائري. بل إنّنا نجده مُؤيِّداً ‏لمقال افتتاحي كتبه فرحات عباس حول هذه الفكرة (2). وهو بهذا يتخذ موقفا وسطاً بين المؤيّدين ‏والمُعارضين، ويرى أنّ ” حياة الجزائريين طال بقاؤها قابعة بمظهر صراعٍ بين كيانيْنِ مُتنافريْن” (3). ‏وهو يتبنى الفكرة التي دعا إليها فرحات عباس تحت عنوان “مجموعة جزائرية”، ويتمنّاها بقلبٍ ‏نابضٍ: ” لا يمكن تصور إمكانية وجود وضعٍ مُريح ما دام هناك تطرّف في هذه الجهة أو تلك عندما ‏نطرح المشكلة مثلاً من وجهة النظر الأوروبية الصرفة أو من وجهة النظر الإسلامية”.‏

وكان أغلب الجزائريين في تلك الفترة يرون أن نهاية الاستعمار لا تعني بالضرورة رحيل الأوروبيين ‏كلّهم. وبعد اندلاع حرب التحرير جاءت مواثيق الثورة كلّها ضامنة لحقوق الفرنسيين، بما فيهم اليهود، ‏في جزائر مُستقلّة. أمّا أنصار السياسية الاستعمارية فسيرفضون هذا الانفتاح وسيُحاربونه إلى آخر يومٍ ‏من الوجود الفرنسي بالجزائر. إنهم يتحملون عبء مسؤولية المأساة التي ستحدث بعد سنوات.‏

وإذا كان بن نبي عدواًّ لدوداً لفكرة “رسالة الاستعمار الحضارية”، فإنه في الوقت نفسه كان يؤمن ‏بإمكانية وجود تفاهم بين السكان الأوروبيين والجزائريين، كما يؤمن بالأمل في قيام حوار صادق ونزيه ‏بين الديانتين. وهو يُعوِّلُ في ذلك على تأثير رجال الثقافة ورجال الدين الفرنسيين. هل كان ذلك ضرباً ‏من السذاجة؟ لا. إنه بن نبي في بساطته: فهو يهفو حيث يهفو قلبه، ويُنْصِتُ لصوت الضمير، ويؤمن ‏بالوازع الأخلاقي، ولا يظنّ بالآخرين غير الصدق والنزاهة، مع استعداده لمدّ يده لمن يريدها. وتلك ‏كانت فطرته على الدوام. وبما أنه مِن المُعجبين بغاندي فهو يُريد أن يقتدي به في رهانه على الأخلاق ‏من أجل “انفتاح الضمير على الضمير الآخر”. وقد أنشأ يقول في “شروط النهضة”، (1949 ): ” لقد ‏تمكّن غاندي من إنقاذ كل المصالح متعاليا بالمأساة الإنسانية ككُلٍّ وفي نفس الوقت، فالهندي والأنجليزي ‏اللّذيْنِ كانا يؤدِّيان دور العدو ضد عدوّه قد أفْضَيا إلى صداقةٍ جامعة. إنها نظرة قرآنية أصيلة عند هذا ‏النبي البراهماني”. وإذا كان فرحات عباس قد اختار العِراك السياسي، فإنّ بن نبي قد اختار أن يخوض ‏معركة أكثر شموليةً، إنه “الصراع الفكري”، وهي المشهد الخلفي الذي يوجد فيه مُنشّطو العراك ‏السياسي الذين بأيديهم خيوط يُحرّكون بها الدُّمى.‏

في وقتٍ عاد فيه بن نبي إلى تعاسة حاله المادية والمعنوية، ها هو يتلقى في بداية السنة (1949) رسالة ‏من النواب: سيسبان وأورابح وبن علي شريف، موجّهين له دعوة لحضور الاجتماع التأسيسي لحزب ‏‏”الوحدة الجزائرية” (4). وجاءه مبعوث ليقول له: ” ستستفيد من مليونين أو ثلاثة، وسيارة، وأربعة ‏كاتبات، ومكتب. كل هذا من أجل تسيير جريدة”. لكن بن نبي رفض العرض. فأبوه المريض كان طريح ‏الفراش، وأختاه مع أبنائهما فريسة للفقر المُدقع. وعند مروره على الجزائر العاصمة ألقى مُحاضرة حول ‏‏”الإنسان والأرض والزمن” في مقر “جمعية الطلبة المسلمين”. ‏

‏ كتاب “خطاب حول شروط النهضة الجزائرية”‏

صدر هذا الكتاب الثالث لبن نبي في أواخر شهر فيفري سنة 1949. وقد أنهى تأليفه وهو يُفكر في أنّ ‏عليه أنْ يترك لإخوانه الجزائريين تقنية للنهضة قبل أن يموت، لأن فكرة الموت أصبحتْ مُلازمة له. ‏ولا شك أنه أراد التعبير عن هذه الفكرة عندما اختار أن يورد هذه العبارة لماكيافلMachiavel ‎‏ في ‏شكلٍ بارز: “إن واجب الرجل الشريف أن يُعلِّمَ لغيره الخير الذي لم يتمكن هو من فعله بسبب ظُلم ‏الزمان ومكر الظروف، وهذا أملاً في وجود رجالٍ آخرين أكثر قدرةً وأحسن حظاًّ في الظروف المحيطة ‏بهم حتى يتمكنوا من فعل ذلك الخير” (5)‏

افتتح الدكتور خالدي مقدمة الكتاب بقوله: ” تنتابُني الرغبة، وأنا أُقدِّمُ هذه الدراسة، في التعريج على ‏سيرة صاحبها، وهي سيرة لم أعرف لها مثيلاً في الجزائر من حيث تعاستها ومن حيث إثارتها ‏للعواطف. لكنني مُضطرّ للإعراض عن ذلك لأنّ الكاتب مُمَانِعٌ في ذلك أشدّ المُمانعة ولو تلميحاً”.‏

كان الدكتور خالدي أكثر الناس معرفة ببن نبي. كما كان أوفاهم له رفقة صالح بن ساعي وعمر كمال ‏مسقاوي. ومع أنّ اختلافهما في الطبع أدّى إلى حدوث سوء التفاهم بينهما مراراً طيلة عُشرتهما بين ‏‏1934 و 1972، لكنّهما بقيا مُتضامنين في قناعاتهما ومواقفهما التي دافعا عنها معاً طول حياتهما. ‏والدكتور خالدي كان بدوره كاتباً له أعمال منشورة، وهو من كُتاب المقالات الجدلية ذوي الهيبة، وقد ‏نشر مقالاته الأولى في جريدة (‏Egalité‏). وهو في مُقدّمة هذا الكتاب يُقدِّمُ لنا أحسن صورة لصديقه ‏ومُفكّره الأكبر مالك بن نبي.‏

وهذا مقتطف من تلك المقدمة: “بن نبي ليس كاتباً مُحترفاً، وهو ليس بذلك العامل المكتبيّ الذي يتعامل ‏مع أشياء جامدة ومع الورقٍ والكلماتٍ، لكنه رجلٌ وجدَ في حياته الخاصة معنى الكائن الإنسانيّ بدلالته ‏المزدوجة: الأخلاقية والاجتماعية… وهو ليس بالمُثقف المولوع بالتجريد، ولا جماليا ينتشي بالأشكال ‏الجميلة. وهو لا ينجذب ولا يُسحَرُ إلاّ بالقشعريرة الإنسانية، كالألم، والجوع، والأسمال البالية، و الجهل. ‏فهل هو المُنَظِّرُ الذي يجعل لهذه المشكلة في تفكيره مكان الصدارة؟ لقد عاشها بالكامل قبل أن يُفكِّر فيها. ‏وهناك مَنْ استغلّها لأغراض انتخابية عندما راح يُشيدُ بالتعاسة إلى درجة الْعَتَهِ المناسب لكلّ المُغالطات ‏وكلّ أشكال الاستغلال… لكن التجربة الشخصية عند بن نبي تعني شيئاً آخر تماماً: إنها سبب كافٍ ‏للتفكير في العلاج. وانطلاقاً من ذلك التفكير تُصبِحُ المأساة عنده مسألة تقنية…”.‏

ويتبيّن لنا مِن خلال هاته الأسطر مدى فهم الدكتور خالدي لمقصدية الكاتب العميقة، وإدراكه لِمرمى هذا ‏الكتاب الجديد: “إنّ فائدة هذا العمل لا تعود على الجزائر وحدها، فهذه الدراسة تتجاوز الخصوصية ‏الجزائرية بشكلٍ مُمَيّز، لتشمل حظيرة العالم الإسلامي كلّه، حيثُ يُطرح مشكل الإنسان بنفس المُعطيات ‏الأساسية… نتمنى أن تُفيد هذه الدراسة في إنارة الطريق لمسيرة العالم الإسلامي الحاضرة، إذ على هذا ‏الأخير أنْ يحرص على مُسايرة الضمير العالمي الذي يُعاني في سعيه إلى تحقيق الرّقيّ في طريق ‏السلام والديمقراطية. كما نرجو ألاّ تجِد القوى العظمى في هذه اليقظة خطراً إسلامياًّ داهماً، بل نهضةً ‏لمئات الملايين من البشر ينوون الإسهام بدورهم في المجهود الأخلاقي والفكري للبشرية”. ‏

لقد صدر هذا الكتاب الذي أهداه بن نبي للدكتور سعدان ولمدام بيا ‏Madame Pia‏ (6) في ظرفٍ كانت ‏فيه البلدان الإسلامية ترُصُّ صفوفها لتقف ضدّ الشيوعية. وكان العالم يعيش بدايات الحرب الباردة. وقد ‏رفض بن نبي كلّ الدعوات التي وُجِّهتْ له ليؤدّي دوره في التجنيد ضدّ الشيوعية. إننا لا نجد في أعماله ‏أي تهجُّمٍ على المعسكر السوفياتي أو الشيوعية، بل إنه كان يرى فيهما حليفين موضوعيين. وهو يرى، ‏مثل نهرو، أنّه “إذا كانت الشيوعية رديئة، فإنّ الاستعمار أردأ منها بكثير”.‏

ولذلك نجد أنّ المُتحاملين عليه يُقدّمونه على أنه عميل للشيوعية. فهذا كاتب ياسين (1928-1989) ‏ينشر مقالاً في جريدة ‏‎ Combat ‎‏ الفرنسية ليُهاجِمَ كتاب بن نبي. والواقع أنّ كل الصحف الناطقة باسم ‏الحركة الوطنية قد هاجمتْهُ، ومنها: جريدة الحزب الشيوعي الجزائري ‏Liberté، وجريدة الاتحاد ‏الديمقراطي للبيان الجزائري ‏La République algérienne ‎، وجريدة جمعية العلماء (البصائر) ‏‏(7)، وصحيفة جمعية الطلبة المسلمين الجزائريين ‏Le Jeune musulman ‎، وجريدة ‏Alger-‎Républicain ‎‏…‏
لم يُجِبْ بن نبي عن أي هجوم من تلك الهجومات، لكنه سجل في مذكراته غير المنشورة قائلاً: “لقد ‏انتصر جهاز الـمخابرات ‏psychological-service ‎‏ على أول دراسة لمُعامل المُستعمِر (‏coefficient ‎colonisateur ‎‏) ولذلك المرض الخبيث الذي سمّيْتُهُ “القابلية للاستعمار” وبيّنْتُ الوسائل الفورية ‏لعلاجه، في حين أن الاستعمار كان في الحقيقة سعيداً بأنّ الحركات الوطنية تسعى للحصول على تلك ‏الوسائل على سطح القمر”. لنْ يُجيبهم ابن نبي بذكر أسمائهم العلماء، الحزب الشيوعي، والمثقفون ‏الجزائريون) إلاَ بعد ذلك بعشر سنوات في كتابه “الصراع الفكري في البلدان المُستعمَرة” (8).‏

أمّا السبب في هذا الهجوم الجماعي فيتمثل في تلك الانتقادات اللاّذعة التي وجهها لهم جميعاً، والتي ‏اطّلعْنا على جانبٍ منها، بالإضافة إلى ظهور مفهوم جديدٍ صاغه بن نبي في ذلك الظرف، و هو “القابلية ‏للاستعمار”. فلقد ثارتْ ثائرة كلّ مَنْ أحسّ بأنّه مُستهدَفٌ بأوصافه. وهذه عيّنة من تلك الهجمات التي ‏وُجّهت ضدّ الكتاب: نص تحليليّ نُشِرَ في جريدة ‏La République algérienne ‎، بتاريخ 25 مارس ‏‏1949 بقلم يوبا 3، وهو اسم مُستعار تختفي وراءه امرأة فرنسية، فيما يعتقد بن نبي (فهل هي الآنسة ‏سوجيي؟). ومع أنّ هذا النص جاء نقداً لكتاب بن نبي غير أنّ كاتبه لم يكن بمقدوره أن ينفي قيمته: “إنّ ‏تلك الآراء التي تبقى صحيحة بجرأتها وجِدّتِها تكشف لنا عن شخصية قوية عند الكاتب، وأكثر من ذلك ‏فمزاجه هو مزاج المُفكرين والكُتّاب. وقد بلغ من قوة الشخصية وأصالتها حداًّ يُذكِّرُنا أحياناً بأوجيست ‏كونت ‏Auguste Comte‏… ونحن خاضعون دوماً لنظام الحمام الإيقوسي المُتعِب. فلسنا بإزاء مفكر ‏طوباوي، بل هو مفكر وضعيّ وتقنيّ. وإنْ لم تَكُنْ نظراته صائبة في جميع الحالات، فهو يعلو بالفكر ‏إلى مراتب الكبار ‏‎!‎‏” أمّا محمد الشريف ساحلي (1989-1906) فقد نشر مقالاً مُعتدِل العُدوانية، قال فيه ‏أن بن نبي عَرَضَ “مفهوماً خاطئاً في مبدإه وخطيراً في نتائجه” (9).‏

ويُطلق بن نبي العنان لغضبه في كتاب “وجهة العالم الإسلامي 2″ قائلاً: ” وُلِدْتُ في بلدٍ وفي عصرٍ ‏أهلُه لا يفهمون الكلام الواضح إلاّ فهماً ناقصاً، ولا يفهمون شيئاً مما يُعبّرُ عنه بالتلميح… لقد كتبْتُ ‏لإخواني القابلين للاستعمار والمُستعمَرين في الجزائر، لكنهم لم يفهموا فكري إلاّ فهماً ناقصاً، لأنني ‏عمَدْتُ إلى إعطائه صورة لعنة متواصلة في وجه قابليتهم للاستعمار. ولا شك أن هؤلاء الأشقياء كانوا ‏يتمنون أن يروني ألعن الاستعمار (ببطولة) ‏‎!‎‏ ومما يؤسَفُ له أنّ الاستعماريين فهموني بسرعة، وزَجُّوا ‏بي في المصير الذي يستحقه ـ في عُرفِهم ـ مَنْ لا يلعن الاستعمارَ بل يقتله… في المرحلة الجنينية، ‏ويخنقه في جذوره المغروسة في القابلية للاستعمار. عندما بدأتُ مساري في الكتابة منذ عشرين سنة، لم ‏أَكُنْ بطبيعة الحال أطمع في أنْ تمُدّ لي الإدارة يد العون كي أحاربها. لكنْ لم يخطُر ببالي أنّ تلك ‏الشريحة من إخواني الذين يتخذون مُحاربة الإدارة حرفةً سيرفضون مُساعدتي وسيُحاربونني بأسلحة ‏الإدارة التي يتظاهرون بمحاربتها. والواقع يدُلّ على أنهم خاضعون للإدارة، إذ يكفي أن تصدُرَ منها ‏إشارة بسيطة حتى ترى فلول الوطنيين والعلماء و(المُنقذين) يتهافتون على إدانة فكري ومجهودي”.‏

كان قُرّاء كتاب بن نبي قليلين، وهم من المتعلّمين، غير أنه خصّهم هُمْ بالذات بالنقد اللاذع مُستعملاً ‏عبارات قادحة بالقياس مع تلك الفترة. فهو يُهاجمُ مُباشرةً، وبذكر الأسماء، كُلاًّ مِن “المُنتخبين”، ‏و”العلماء”، و”الخطاب الشعبوي” الذي عُرِفَ به “حزب الشعب”، و”الطلبة التقدُّميين”… ويكون بذلك ‏قد فتح جبهة صراع معهم جميعا. فالمواجهة بينه وبين الحركة الوطنية، والتي عرفتْ بعض فترات ‏الهدنة حين يتصلب موقف الاستعمار أو بمناسبة مبادرات للمقاومة الجماعية، لن تتوقّف إلاّ باندلاع ‏الثورة، بل وحتى بعدها كما سنرى. ‏

وتُعتبر هذه الدراسة مِن عيون الأدب الراقي، وهي تتضمن صفحات يظهر فيها تأثير نيتشه بوضوح. ‏كما أنّ العنوان قدْ يُذكّرُنا بكتاب فيخته الذي عنوانه “خطاب إلى الأمة الألمانية”، وقد كتبه سنة 1807، ‏وهي فترة لم تَكُن الأمة الألمانية قد حققت وحدتها بعْدُ. ويحثُّ هذا الفيلسوف الكبير مواطنيه على تحقيق ‏وجهتهم في هذه الحياة الدنيا ساعين في نفس الوقت إلى إعطاء وجودهم معنى كونياًّ. و المعروف عن ‏فيخته أنه يعطي العامل الديني أهمية كبيرة ويرى أن الدين هو الذي يكفل الوحدة الذاتية للأفراد، وذلك ما ‏يتناسب تماماً مع أفكار بن نبي.‏

وعلى أية حال فإنّ أسلوب كتاب “شروط النهضة” ونبرته يكشفان عن نزعة الكاتب الحيوية وعن تأثره ‏بالفكر الألماني مُتمثلاً في أكبر فلاسفته، مثل: فيخته‎ Fichte، نيتشه‎ Nietzsche، شبنجلرSpengler‏ ‏وهرمان دو كيسرلينجHermann de Keyserling‏. ولقد سارت فصول الكتاب ومباحثه على إيقاع ‏التناوب بين المنحى الشعري والمنحى التراجيدي. وجاء هذا العمل في شكل أبواب قصيرة لكنها غاية ‏في التكثيف، حيثُ لُخِّص تاريخ الجزائر عبر فترات التطور الاجتماعي التي مرّ بها في صفحات قليلة ‏‏(مِن المرحلة الملحمية: المُحاربون والتقاليد، إلى المرحلة السياسية: فكرة ووثن). وذلك هو الجزء الأول.‏

أمّا الجزء الثاني فقد بدأه الكاتب بتوْسِعةٍ جاءت بنفس الأسلوب الذي جاءت به الافتتاحية، وهو مزيج من ‏النثر والشعر. وفي هذا الجزء تبدأ أولى ملامح نظرية بن نبي حول الحضارة بالظهور (العودة الأبدية، ‏عمر الحضارة، والثروات الدائمة)، وهو يُجسدها في رسم بيانيّ تبرز فيه اللحظات الحاسمة في تطور ‏الحضارة: ظهور فكرة دينية تقوم بإيجاد تركيبة متكونة من الإنسان والأرض والزمن، وهي مرحلة ‏الذات.‏

وتؤدي هذه التركيبة البيوتاريخية إلى ظهور مرحلة تطور اجتماعي وإبداع فكري، وبعبارة أوجز تؤدي ‏إلى ظهور حضارة تسير في اتجاه تصاعدي تحت تأثير قوة دافعة حتى يقع حادث يتسبب في توقف هذه ‏الحركة التصاعدية: وتلك بداية مرحلة العقل التي تُواصل فيها الحضارة توسُّعَها في حين أنّ النار ‏المُقدّسة التي أوجدتْها تبدأ في الخفوت حتى تنطفىء. وهنا يبدأ الانحطاط أو مرحلة الغريزة التي بها ‏ينتهي الإبداع الفكري والعلميّ ويتجه المجتمع إلى التشبّث بنموذج لم يعُدْ قادراً على الأداء المُفيد بسبب ‏غياب التجديد. ثُمّ تتوقف مسيرة الحضارة بشكل نهائي. ‏

لكن بن نبي يرى أنّ النهضة ممكنة إذا توفرت بعض الشروط. وهذا هو موضوع الكتاب. ويورِدُ الكاتب ‏بعد ذلك “خطابات” حول المهام الواجب إنجازها بغية توفير ظروف مناسبة لانطلاق النهضة (توجيه ‏الثقافة، وتوجيه العمل، وتوجيه رأس المال). أمّا الجزء الثالث والأخير فقد خصّصَهُ الكاتب للمُعامِلِ ‏المُسْتَعْمِر ‏coefficient colonisateur‏ ومُعامل الإحباط الذاتي ‏coefficient autoréducteur، ‏بالإضافة إلى رسوم بيانية مُخصصة لفئات اجتماعية مثل (النساء، والكشافة، والعلماء، والسياسيين…) ‏أو لمفاهيم مثل ( الفن، والأرض، والزمن…) (10). ‏
أمّا الخاتمة فجاءت بمثابة إشعارٍ بالمواضيع التي ستُعالجُ في الكتاب التالي، وخاصة منها ما يتعلق ‏بالنزعة العالمية و “المدينة البشرية”.‏
وإذا كان الهدف من كتاب “الظاهرة القرآنية” هو إثبات صحّة الفكرة الإسلامية، والهدف من رواية ‏‏”لبّيْك” هو تبيين قدرتها على إحداث التحوّل في الإنسان، فإنّ كتاب “شروط النهضة” قد انكبّ على ‏تحديد الشروط التي يجب على المجتمع أن يستجيب لها كي يصير مجتمعاً فعّالاً، أي قادراً على إحداث ‏مسار تطور فكريّ واقتصاديّ واجتماعيّ نُطلِق عليه اسم “الحضارة”. وجاء هذا الكتاب بمثابة خلاصة ‏لِما سيُعالج بتفصيل فيما سيأتي من أعمال، لكن فيه ملامح النظام العام الذي سيسير عليه تفكير مالك بن ‏نبي، إذ سنراه مُنتقلاً مِن الفكرة إلى الواقع، ومن الفرد إلى المجتمع، ومن المُجتمع إلى الإنسانية قاطبة.‏

علمْنا سابقاً أنّ هذا الكتاب كان يُفترضٌ أن يصدُر تحت عنوان “وجوهٌ مع مطلع الفجر”. والمؤكّد أن هذا ‏العنوان يُذكِّرُنا بعنوان كتاب للفيلسوف نيتشه، وهو “مطلع الفجر”. فالنهضة والفجر عند هذين ‏الفيلسوفيْن استعارة واحدة يُعبِّران بها عن لحظة انطلاقِ شعبٍ في مسيرة تاريخه. إنّ المقصود بهذه ‏الوجوه هو على الأرجح ذلك “المريض فكرياًّ” “‏intellectomane، وذلك المينوس هابنس، وذلك ‏الهومو ناتورا..إلخ، والذين صادفناهم عَرَضاً فيما مضى. ويمكن أن نضيف إليهم هذه اللوحة المقتبسة ‏من نفس الكتاب:‏

‏ “إنّ المشهد الاجتماعي الجزائري يُرى مِنْ خلال مساحة لا مُتناهية من التنوعات التي تُفسِّرُ لنا سبب ‏كلّ النشوز وكلّ مظاهر عدم الانسجام في مجتمعٍ فاقِدٍ لتوازنه التقليدي، وهو يبحث عن توازن جديد. ‏وطريق البحث إلى توازن جديد محفوفة في حياة الجزائريين بتفاصيل غير مُتوقّعة ومُتنافرة، بل ساذجة ‏وتافهة، ومأساوية أحياناً. وهذا البحث ينعكس حتى على نظراتنا. فهناك فرق بين نظرة المُثقف المُتعلّم ‏المُتشبع بما يكفي من العلم، نظرة مُقتنعة تعكس صورة السعادة البشرية منذ القرن 19، وبين نظرة ‏المُشكِّك الذي لا يرى في الحضارة الحالية إلاّ مرارة الصراعات الاقتصادية، وهذا المُشكِّك متمسك بيقينٍ ‏واحدٍ وهو: أنّ خلاص الشعب لن يكون إلاّ بلعبة تجارية أو ضربة ترافالجار ‏Trafalgar‏ في البورصة أو ‏السوق السوداء، وبين نظرة الحَقُود والديماغوجي الذي لم يكتشف الحضارة إلاّ بمناسبة تجمّعاته الشعبية ‏وأعراسه الانتخابية، والذي يعتقد أن بإمكانه أن يُحدِث تغييرا في النظام الاجتماعي بخُطبِهِ الرّنّانة، وبين ‏نظرة “الباديسي” الشاب المُستسلم للحنين، والذي يظنّ أنّ التحوّل الاجتماعي يكون بمُجرّد تنقيح لغته ‏وتقويم لسانه، كما أنّ هناك نظرة المخمور الذي سفّهتهُ أجواء الحانات والخمّارات، والذي لا يرى صورة ‏الحضارة المُثلى إلاّ وهي مُتلألئة في كؤوس الخمر، وهناك نظرة الشهواني الذي يظن أنه سيحتل ‏الحضارة بفضل تواطؤ امرأة، وهناك نظرة المذعور الذي لم يَعُدْ يرى شيئا، ولم يعُد يبحث عن أيّ ‏شيءٍ، وهو يدفع أتاواته للدولة دون أن يسأل عن السبب. وقليلون هم أصحاب النظرة الناسكة التي ترى ‏أن الحضارة ليست شيئاً أو لوناً أو تنوُّعاً، أو موقفاً، بل هي تركيبة، وهي قبل كلّ شيءٍ فكرةٌ وروحٌ ‏ونفس”.‏

لوحة رائعة يختمها بن نبي بهذه النبوءة العجيبة: “إنّ هذه النظرات المُتعدِّدة تعكس مختلف درجات ‏التكيّف الاجتماعي التي نُصادفها في الجزائر، كما تعكس التناقض في الملبس وفي الآراء والأذواق، ‏وفي الخلافات الحادّة. فليس هناك اتّفاق على كروية الأرض بين جميع الناس، إذ يعيش البعض في سنة ‏‏1368، والبعض الآخر في سنة 1948، وفئة أخرى تعيش بين هذين التاريخين المُتباعدين. وتلك هي ‏مأساةُ تكيُّفِنا بكل حِدّتها، والتي تمتد لتشمل حتى علاقاتنا الحميمية والعائلية. إذ ينتابُنا شعور بأننا نعيش ‏في وسطٍ مُكوّنٍ مِنْ ألْفِ شعب وألف ثقافة. وهذه الأنواع من النشاز مصدرُها الأول هو النظرة الضيّقة ‏والجزئية إلى الوسط الجديد الذي نعيش فيه، وهو حُكمُنا الخاطىء على الحضارة التي تجذبُنا إليها ‏بقوة”‏‎.‎

وسيُضافُ ملمح جديد في وقتٍ لاحِقٍ إلى تلك المجموعة، وهو ملمح المسلم في “مرحلة ما بعد ‏المُوحِّدين”، والذي تحوّلَ بعد الاستقلال إلى “تقدُّميٍّ”. فلكل زمانٍ وجوهُهُ. وبن نبي يُطلِق على هذا ‏الملمح وصف “العقل الموضوعي”، ويُعامله بنفس الاستهزاء والسُّخرية في قوله: ” أمْرٌ عجيبٌ أنّ كلّ ‏التّجمُّعات التي تهدف إلى تحقيق “المَطالب الاجتماعية” في العالم تظهر بنفس الوجه وتنطق بنفس ‏الأسلوب. فالنماذج التعبيرية المُستعملة واحدة، إذْ يكثر الحديث فيها عن (الشروط الموضوعية). إنه لغة ‏مَنْ كان صاحب “عقل موضوعي”… وإنْ كُنتَ ترفض التكلم بلغته في كتاباتك أو ملفوظك فأنت لست ‏‏”تقدُّمياًّ”، بل “رجعيّ”. وأنت تُضطرّ تحت وطأة هذه التهمة أنْ تطرح هذه المسألة: ماذا يحوي “العقل ‏الموضوعي”؟ بل لنتساءل قبل ذلك عن الصورة التي نراه بها؟ عندنا في الجزائر كثرة كثيرة مِن ‏الأشخاص الذين يُمثلون هذا الملمح في حاضرنا وفي تاريخنا. لكن تفادياً لذكر الأسماء نكتفي بأخذ ‏شخصية رمزية ونُسمِّيها “العقل الموضوعي”. قد يكون شاباًّ كما قد يكون شيخاً، وقد يكون طالباً أو ‏عاملاً لا يعمل، فهذا لا يُهمّ، فما تلك إلاّ أقنعة لا نشعر وراءها بأية حياة داخلية. فيبدو إذاً أنّ صاحب ‏‏”العقل الموضوعي” لا يملك ذاتاً داخلية، بل يملك مظهراً خارجياًّ. وهذا مثال عن طالب جزائريّ ‏حاورتُهُ في الحيّ اللاتينيّ منذ أكثر من ثلاثين سنة، وكان يقول إنه يشترط رؤية الله كي يؤمن بوجوده. ‏هذا عقل موضوعيّ، وزاد على ذلك قدراً من الفظاظة. أمّا اليوم فأخوه الأكبر سيقول: حتى لو أني رأيتُ ‏الله فإني لن أؤْمِنَ به. فلقد سجّل العقل الموضوعيّ عندنا تطوّراً كبيراً في ظرف ثلاثين سنة. ومثال ذلك ‏أنّ العقل الموضوعي مُحافظ بالمعنى المادي للكلمة: فهو يُريد أنْ يُحافظ على حياته ومصالحه بكل ‏موضوعية. لقد عاصر صُنّاع الثورة الذين كان يُحركهم وازعٌ دينيّ صِرْفٌ وعاش بعدهم. أمّا هو فقد ‏حافظ على حياته إلى غدٍ أفضل، حافظ عليها كي يتسنّى له الكلام عن ظروف البلاد “الموضوعية”، ‏ويُدخِلها في دروب “التّقدّميّة” (11).‏

وفي افتتاحية “شروط النهضة” أورد بن نبي القصيدة الشعرية الجميلة الآتية التي يُعبّر فيها عن رؤيته ‏الشعرية للنهضة:‏
‎ ‎
يا صاحبي، ها هو شُعاع الفجر المُحتشم ينساب بين نجوم المشرق.‏
كلّ مُستيقظ بدأ يتململ ليُقاوم الجمود وبقايا النوم العميق.‏
وبعد حين سيُشرق الكوكب الدُّريُّ على أولى خُطاك في السهول التي بها آثار للمدينة النائمة.‏
وستمضي أشعة الشمس الأولى بعيداً، مُتجاوزةً خُطاك وأطيافَ حركة يدك التي تملأ السهل زرعاً.‏
ونسيمُ الصباح سيزرعُ الحَبّ إلى أبعد مما تزرع حركاتُ يدك.‏
ازرع يا أخي الزارع ‏‎!‎‏ ازرع إلى أبعد مِن عصرك، في الثّلْمِ الذي يمضي بعيداً.‏
ها أنت تسمع أصواتاً تُنادي، إنها تلك التي أيقظْتَها وأنت تدوس خلال الديار، ماضياً إلى كدّك كل ‏صباح.‏
بعد حين سيتبعك كل مَنْ أيقظْتَه وينضمّ إليك.‏
غنِّ يا أخي الزارع كي تنير الطريق للخارجين من ظلمة الفجر قاصدين الثّلْم الآتي من بعيد.‏
وليصْدحْ نشيدُك كما صدح نشيد الأنبياء ساعة انبجاس صُبْح الحضارات.‏
ولْيَعْلُ نشيدُك فوق نعيق الأجواق الآتية من هناك…‏
انتبهْ إذاً: فقد بدأ تنظيم العُرس عند مدخل المدينة لتلهية كلّ مَنْ عقد العزم على النهوض واتّباع خُطاك.‏
وضعوا الأوتاد ونصبوا المنصات لكل مُهرّجٍ كي يُشوِّشوا بضجيجهم على نبرات صوتك.‏
أشعَلوا مصابيح الوهمِ ليُغطوا أشعة الشمس القادمة ويمحوا طيفك الماضي في أرجاء السهل.‏
زيَّنوا الوثن المعبود كي يُهينوا الفكرة.‏

لكن هيهات أنْ يَثْنُوا الكوكب الدٌّريَّ عن مسيرته الثابتة. وسيُنيرُ فكرتَك المنتصرة بعد لَأْيٍ، ويفضح ‏سقطة الأوثان كمثيلاتها بالأمس… في الكعبة.‏

ولا شكّ أنّ هذه القصيدة تُذكِّرُنا بافتتاحية كتاب “هكذا كان يتكلّمُ زرادُشت” للفيلسوف نيتشه. والنهضة ‏إنْ كانت أمراً مُمكناً من الناحية النظرية، فهذا لا يعني أنها تأتي بنفسها ولا تُعفينا من الجهود الجبارة ‏التي تتطلبها. وتلك فكرة مشتركة بين بن نبي والفيلسوف نيتشه، كما يُشاركهما فيها مُفكر آخر، وهو ‏الإسباني خوسي أورتيجا إي جاسي ‏José Ortega Y Gasset‏ (1883-1956) الذي أنشأ يقول في ‏أشهر مؤلفاته (12): “مِن الممكن أن تبقى شعوبٌ في وضعها البدائي أبدياًّ. وهي موجودة بالفعل، ‏وبرايسيج ‏Breyssig‏ يُسمِّيها (شعوب الفجر الأبدي). إنها الشعوب التي بقيت في فجر ساكنٍ مُتجمِّدٍ، ‏والتي ليس لها أية وجهة”.‏

لا بُد إذاً أنْ نُضيف إلى الشراكة الفلسفية بين بن نبي ونيتشه مفكراً ثالثاً هو الإسباني خوسي أورتيجا إي ‏جاسي لِما بينهما مِن قواسم مشتركة من حيث السيرة ومن حيث الأعمال. ولقد حلّ أورتيجا بفرنسا في ‏العشرينيات قبل بن نبي ببضع سنوات، وهو يصف تلك المرحلة قائلاً: “خلال الأشهر القليلة الأخيرة ‏كُنتُ وحيداً في شوارع باريس، إذ اكتشفْتُ أنّي في الحقيقة لا أعرف أحداً في هذه المدينة، باستثناء ‏التماثيل. فقد حصل لي على الأقل أنْ التقيتُ ببعض تلك التماثيل التي كانت بيني وبينها صداقة قديمة ‏والتي كانت مُحرّكة حياتي الخاصة حتى صارت لي كمُعلّمٍ دائم. وبما أنني لا أعرف أحداً حتى أحاوره، ‏فقد حاورتُها حول مواضيع إنسانية هامة. وقد يأتي يومٌ سأُصْدِرُ فيه تلك “المحاورات مع تماثيل” ‏مطبوعةً، وهي التي خفَّفتْ عليّ كثيراً من الهموم التي مرّتْ بي في مرحلةٍ من حياتي. وستتضمن تلك ‏المُحاورات بعض الاستدلالات التي عالجْتُها مع المركيس دي كوندورسيMarquis de Condorcet‏ ‏فوق جسر دي كونتي حول فكرة التطوّر الخطيرة. كما تحدّثْتُ مع تمثال الكونت في شُقّة شارع السيد ‏الأمير حول “السلطة الروحية” التي لم تحظ بما يكفي من الاهتمام عند كُتّاب البلاط ولا في الجامعة التي ‏لم تعُدْ تهتمّ بما يجري في حياة الأمم الواقعية…”. ‏

مِن الصعب عليك وأنت تقرأ هذه السطور ألاّ تلاحظ ما هنالك مِن توازٍ بين مضمونها وبين المشاعر ‏التي انتابتْ بن نبي وهو يكتشف الحيّ اللاّتيني ونُصُبَهُ سنة 1930. وبجانب ذلك فقد تعرّض النُّقّادُ حين ‏صدور كتاب “شروط النهضة” للشبه الموجود بينه وبين أوجيست كونت. لكنّ المُلاحظ أنّ بن نبي لم ‏يذْكُرْ في أيٍّ مِن آثاره اسم هذا الفيلسوف الإسباني رغم ما بين أفكارهما من تطابق مُثير. كما أنك لن تجد ‏أيّ أثر لهذا الاسم في كتبه غير المنشورة، ولا في دفاتره، ولا في بطاقات قراءاته. وهذا يعني أنه لم يكُن ‏يعرف أعمال الفيلسوف الإسباني. ومع ذلك فإنّ “إنسان ما بعد المُوحدين” هو الأخ التوأم المثالي لـ ‏‏”إنسان الجمهرة” (‏Homme-masse ‎‏) الذي وصفه أورتيجا إي جاسي بأنه ” نموذج الإنسان الذي ‏بُنِيَ بسُرعة فائقة وأُسِّسَ على بعض التجريدات الواهية… إنّ إنسان الجمهرة هذا هو الإنسان الذي أُفْرِغ ‏منذ البدءِ من تاريخه حتى فرغت أحشاؤه من الماضي. فهو أشبه شيء بقوقعة إنسان مصنوعة من ‏‏(أخطاء منطقية بسيطة ‏‎ idolafori‏)، وهو أبْعَد شيء عن الإنسان الحقيقي. فما ينقصُهُ هو ذلك العالم ‏الداخلي، أو تلك الخصوصية التي لا مجال للتنازل عنها لأنها تُمثِّلُ الأنا التي لا رجعة فيها. فهو إذاً دائم ‏الاستعداد للتظاهر بأيّ شيءٍ، وكلّ ما فيه عبارة عن شراهة وشهوات، كما يعتبر نفسه صاحب حقوق ‏بدون واجبات ولا التزامات… لقد تربّع على عرش المُجتمع نموذجٌ بشريٌّ لا تعنيه مبادىء هذه ‏الحضارة أو تلك، لكنْ بحسب ما يمكن تقديره في الحاضر، فهو لا يهتم بها جميعاً. إنه يهتمّ بالمُنوِّمات، ‏طبعاً، وبالسيارات، وببعض الأشياء النادرة الأخرى أيضاً. لكن ذلك يؤكِّدُ عدم اهتمامه بالحضارة أساساً، ‏لأنّ الأشياء التي يهتمّ بها لا تعدو أنْ تكون من منتوجات الحضارة، والإفراط في الاهتمام بها دليل على ‏عدم الاهتمام بالمبادىء التي أدت إلى إنتاجها… إنّ الإنسان المُسيطر اليوم هو إنسان بدائي ظهر في قلب ‏العالم المتحضّر. فالعالم هو المُتحضِّر، وليسوا سكانه، لأنّ هؤلاء السكان لا يرون من الحضارة شيئاً، بل ‏يكتفون باستغلال محاسنها وكأنها جاءت من الطبيعة. إنّ الإنسان الحديث يُريد أن تكون عنده سيارة ‏يتمتع بها، لكنه يظنّ أن تلك السيارة ثمرة من ثمار شجرة في جنات عدن. وهو في قرارة نفسه يجهل ‏الطابع الاصطناعي للحضارة، ولهذا فهو يكتفي بالتحمّس لاستعمال تلك الأجهزة دون ان يمتدّ حماسه إلى ‏المبادىء التي تقف وراء إنتاجها…” (13).‏

وإنّ “العِلْمَ” الديني الذي انتقده بن نبي هو صورة ثانية لـ فن الخطابة (‏rhétorique‏) الذي يُوَجِّهُ إليه ‏هذا المؤلف الإسباني تلك الضربة القاتلة: “عندما تغرق سفينة وضعٍ من أوضاع التاريخ بعد اكتمال ‏رحلتها، يموت ذلك الوضع لتحمله أمواج البحر إلى شاطىء علم الخطابة الذي يتكفل بتمديد حياة ذلك ‏الوضع وهو جُثّة هامدة. فعلم الخطابة هو مقبرة الأوضاع البشرية، وفي أحسن حالٍ هو مستشفى ‏معطوبيه” (14).‏

ويتّفق هذان الرّجلان في ملمحهما النفسي، وفي الدور الذي لعبه كلٌّ منهما كموقظ لشعبه وكمُجدِّد. وهذه ‏فقرة للمفكر الإسباني تتضمن وصفاً لِذلك الديماغوجي الذي يُسمّيه بن نبي بـ”مريض الفكر” ‏‏(‏intellectomane‏): “هذا ليس كتاباً في السياسة، وأنا لا أمارس السياسة. فالموضوع الذي أتحدث عنه ‏هنا سابق للسياسة، أو قُلْ إنّه تحت أرضية السياسة. وعملي كدٌّ مُظلِمٌ في مغارة المنجم. إنّ رسالة مَنْ ‏يسمّى برجل الفكر والثقافة مُعاكسة لرسالة رجل السياسة من زاوية نظر مُعيّنة. ذلك أنّ آثار رجل الثقافة ‏تصبو ـ بلا فائدة أحياناً ـ إلى إلقاء بصيص من الضوء على الأشياء، بينما أعمال رجل السياسة تسعى ‏إلى زيادة درجة اللُّبس في الأشياء… ومِن الصعب جداًّ إنقاذ حضارة عندما يحين وقت سقوطها تحت ‏وطأة الديماغوجيين. فالديماغوجيون كانوا أكبر مَن يخنق الحضارات. لكننا لا نعتبر الإنسان ديماغوجياًّ ‏لمجرّد أنه صدح بصوته أمام الجماهير. إذ الديماغوجية الأساسية تسكن في رأس الديماغوجي، وهي ‏تُنمّي جذورها في كنف لامُبالاته بالأفكار التي يتلاعب بها، وهي أفكار لم يُبْدِعْها بل تلقاها مِن مُبدعيها ‏الحقيقيين. والديماغوجية ضربٌ مِن انتكاس الفكر…” (15).‏

وهُما مُتفقان كذلك في كون أعمالهما تستند إلى نفس المرجعيات، وهي: أوجست كونت، نيتشه، سبنسر، ‏شبنجلر… وإذا كانت آثار بن نبي موضوعة تحت عنوان واحد هو “مشكلات الحضارة”، فإن أورتيجا ‏يقول: “إنّ مشكلتي كلّها في الحضارة والثقافة”. وإذا كان بن نبي قد تخيّل في كتاب “النزعة ‏الأفروآسيوية” زائراً سموياًّ يتأمل من الفضاء تلك المشاهد الاجتماعية الموجودة في العالم، فإنّ أورتيجا ‏يتحدث في كتاب “ثورة الجماهير” عن “شخص آتٍ مِن أحد النجوم ليزور أوروبا”. ‏

ومِن المواضيع التي عالجها هذان المُفكران في أعمالهما: الانحطاط، و الأفكار الصحيحة، و الحسّ ‏التاريخي. وكلاهما كان مُربياًّ بيداغوجياًّ يسعى إلى جذب اهتمام شعبه بالتحوّلات الضرورية التي تُمكّنه ‏من إيجاد مكانته الضائعة في التاريخ. كان أورتيجا مصدوماً من تقهقر إسبانيا في العلاقات الدولية ومِن ‏ضياع مستعمراتها خلال القرن 19. أما بن نبي فكان مصدوماً من غرق سفينة الإسلام منذ بضعة قرون. ‏وقد انتبه أورتيجا إلى تلك “الأفكار الميتة” الموروثة من عصر الانحطاط، والتي ندّد بها بن نبي بلا ‏هوادة، ووصفها المفكر الإسباني بقوله: “كلّ ثقافة قديمة يُلازِمُها كثيرٌ من المادة الخامدة، والأنسجة ‏المُجفّفة، والبقايا السّامّة التي تُجمِّد حياتها” (16).‏

وعبّر أورتيجا عن مفهوم الأفكار الميّتة بمُصطلح “العقيدة الميتة”. ومما جاء في كتابه “أفكار ‏ومُعتقدات”: ” إنّنا نؤمِنُ بالشَّيءِ وعقيدتُنا ميِّتة عندما يفقد ذلك الشيء فاعليته في حياتنا ونحنُ لا نزال ‏مُتشبثين به. نَجُرّه وراءنا وهو معطوب، ومع ذلك فهو لا يزال جزءاً لا يتجزّأُ منّا وهو قابع بِلا حِراك ‏في أعماق أنفسنا. لمْ نَعُدْ نؤسس وجودنا على شيءٍ نؤمن به، وهذه عقيدةٌ عقيمةٌ لا تُمِدّنا بما يُنشِّطُنا ‏ويُسدِّدُ خُطانا”. وأخيراً فإنّ كُلاّ من بن نبي وأورتيجا وظّف نفس المُصطلح، وهو “التّصعلُك”( ‏encanaillement‏) للتعبير عن الهوان الذي ينجرُّ عن الانحطاط.‏
وأذكُرُ أنّي كُنتُ عضواً في الوفد الرئاسيّ الجزائري الزائر لإسبانيا سنة 2002، وهي الزيارة التي تمّ ‏فيها التوقيع على معاهدة الشراكة مع الاتّحاد الأوروبي. وفي مأدبة العشاء التي نظمها رئيس الحكومة ‏الإسباني السيد خوسي ماريا آزنار، لم أتمكّن مِن كبح رغبتي في طرح سؤال حول الفيلسوف الإسباني ‏الذي اكتشفتُ أعماله في مطلع السبعينيات، فأجابني رئيس الحكومة وفي وجهه بعض علامات المُفاجأة: ‏‏” إنّه مُعلِّمُنا في التفكير”.‏
‏(يتبع)‏
المراجع:‏
‏1)‏ الجمهورية الجزائرية عدد 10 فيفري 1949‏

‏2)‏ ارجع الى ” انقاذ الانسان من الاستلاب الاستعماري”، ” الجمهورية الجزائرية” عدد 27 فيفري ‏‏1953‏

‏3)‏ ارجع الى ” بين نعم القبول و لا الرفض” الجمهورية الجزائرية عدد 13 مارس 1953‏

‏4)‏ بعد القطيعة التي حدثت مع بن جغلول، عمدَ فرحات عباس رفقة محمد الشريف سيسبان (من ‏باتنة) وعبد المجيد أورابح (من واد أميزور) وعلاوة شريف (من أقبو) إلى تأسيس حزب جديد ‏باسم “الوحدة الشعبية الجزائرية” (‏UPA‏ )، وذلك سنة 1938. والأمر لا يتعلق في هذا المقام ‏بتلك التشكيلة. فالفترة التي يقصدها بن نبي، هي تلك التي أسس فيها عمار عيماش وسي ‏الجيلاني “حزب الوحدة الجزائرية” بعد انفصالهما عن مصالي الحاج. وبن نبي لا يتكلم عن ‏هذه التشكيلة كذلك، بل الأرجح أنه يقصد تجمّع “المُنتخبين الأحرار” الذي حظي بدعم الإدارة ‏في انتخابات أفريل 1948.‏

‏5)‏ ذكر بن نبي هذه الفكرة في أكتوبر 1963 في مناقشة مع الدكتور خالدي والدكتور عقبي، وهي ‏فكرة أراد فيها ماكيافلMachiavel ‎‏ أنْ يُوَرِّثَ آثارة لأجيال المستقبل. وممّا جاء في دفاتر بن ‏نبي بتاريخ 13 أكتوبر من نفس السنة: “إنّ أجيال المُسلمين تتعاقب لكنها لا تتوارث. أمّا الروح ‏الغربية فهي تشرئِبُّ إلى المستقبل وهي تعيش الحاضر دون أن تصرف نظرها عن الماضي. ‏ولقد حُرِم مُجتمع ما بعد الموحّدين عقلاً مثل عقل ماكيافل ليحرص على إيصال رسالة إلى ‏الأجيال اللاحقة، كما حُرِمَ مِن ذلك الإنسان الحريص على أن يكون صلةَ وصلٍ ليُمرِّرَ الرسالة ‏إلى العصور اللاحقة”.‏
‏6)‏ لم نتمكّن مِن تحديد هوية هذه الشخصية. فقد جاء الإهداء بهذه الصيغة: “إلى السيدة بيا ‏madame Pia، تلك المرأة الشهمة التي لم تعرف مِن شخصي غير الاسم والدين، والتي ‏منحتني رغم ذلك كلّ الحنان الذي تمنحه الأم لولدها، وأنا بدوري لم أعرف عنها غير ما عرفَتْهُ ‏عني”. ‏

‏7)‏ تفضّل عليّ الأستاذ الهادي حسني في مارس 2005 بتسليمي نُسخاً من المقالات المنشورة باللغة ‏العربية في هذه الجريدة والتي لها علاقة بهذا الموضوع. وتلك المقالات هي “وسائل النهضة ‏الجزائرية” لأحمد قصيبة بتاريخ 21 مارس 1949، و “مناقشة حول كتاب بن نبي في مقر ‏منظمة الطلبة” لبعزيز بن عمر بتاريخ 04 أفريل 1949، و “ماهي شروط النهضة ‏الجزائرية؟” لإسماعيل محمد العربي بتاريخ 18 جويلية 1949.‏
وقد جاء في المقال الأول بعض الاستصغار لمجهود بن نبي حينما نعى عليه ميله إلى إثارة ‏المشاكل وقلة الحلول التي يقترحها، لكنه ينصح بقراءة الكتاب الذي يعتبره لبنة أولى في صرح ‏النهضة الجزائرية، ثُمّ يدعو إلى ترجمته إلى العربية.‏
أمّا المقال الثاني فيُبْرِز الصدى العميق الذي لَقِيَهُ كتاب بن نبي في أوساط الطلبة والمتعلّمين ‏الجزائريين، ويصف المناقشة التي خُصِّصَتْ له بتاريخ 26 مارس في مقر “اتحاد الطلبة ‏الجزائريين” حيثُ كان من المنتظر أنْ يحضُر بن نبي (ليُدافع عن كتابه وآرائه حول النهضة ‏الجزائرية)، لكنه لم يحضُر. ولقد تحوّلت المناقشة إلى مُحاكمة وإلى إدانةٍ لأطروحات بن نبي.‏
أما المقال الأخير فيبيّنُ اهتمام الصحافة بهذا الكتاب والتساؤلات التي أثارها، ويستهجن لجوء ‏الطلبة إلى المُصادقة على لائحة رسمية للتنديد بالكتاب. لكنه لم يُفوِّت الفرصة لتوجيه النقد إلى ‏بن نبي على “نزعته الشعرية الغامضة” وعلى “تعقيداته العلمية المُتعمّدة” وعلى “بساطة بعض ‏الفصول التي لم تتعدّ صفحتين لكنها جاءت تحت عناوين مُهوِّلة”، وعلى “ذكر كُتاب دون طرح ‏أفكارهم”.‏
وقد عاد بن نبي في نص آخر غير منشور تحت عنوان “الديباجة الأصلية لكتاب مشكلة ‏الأفكار” والتي يعود تاريخها إلى شهر ديسمبر 1959إلى موقف الطلبة الجزائريين من كتابه، ‏فأنشأ يقول: “تلقيتُ دعوةً من جمعية الطلبة لإلقاء محاضرة عليهم. وقد بدا لي أنّ أفضل ‏موضوع هو ذات الموضوع الذي يُعالجه كتابٌ قيدَ الطبع. وفي آخر المحاضرة عبّر الطلبة ‏الحاضرون الذين يُقدّر عددهم بحوالى مائتي مُتابع عن رضاهم بالتصفيق… وقد صدر كتابي ‏بعد أيامٍ قليلة. والحال أن نفس الجمعية نشرت أسبوعاً بعد ذلك بياناً يُحذّرُ القارىء الجزائريّ من ‏هذا الكتاب “الذي يُضِرُّ بالقضية الجزائرية…”. لو سلّمْنا بأن الضمير الأخلاقي قد غاب من ‏نفوس هؤلاء الطلبة، ألا يستحُون مِن مثل هذا الموقف الذي يُثْبِتُ أنّ الاستعمار عندما يُريد أن ‏يفعل شيئا بأفكارنا يجد أن نصف ما كان ينوي فعله قد فعلناه بأنفسنا؟ “‏

‏8)‏ وممّا جاء في هذا الكتاب: “عندما ظهر كتابي”شروط النهضة” في الجزائر منذ خمس عشرة ‏سنةً خلتْ قام الاستعمار بالضغط على زُرٍّ. وفور ذلك انهمرت موجة عداءٍ قوية ومُتمثّلة في ‏ثلاثة ردود أفعال. الأول كان من “جمعية العلماء” بواسطة مقاليْنِ في جريدتها، حيث وصَفَ ‏الكاتب عملي بأنه مأخوذ من مقالاتٍ نُشِرتْ في إحدى كُبرى الجرائد اليومية الباريسية… ‏والثاني مقالان نُشِرا في جريدة أحد الأحزاب الوطنية، يتظاهر كاتبُهما بتقديم نقدٍ نزيه وغير ‏مُتحيِّز للكتاب. وقد اختار لمقاليْهِ هذا العنوان الجذّاب: “انزلاق ولُبْس”، وهو عنوان ينطوي ‏على كثير من التعريض كما هو واضح. أمّا رد الفعل الثالث فقد جاء في الجريدة الناطقة باسم ‏الحزب الشيوعيّ الجزائريّ، وفيه يُقدّم كتابي بأنه “كتاب يستحق رضا الاستعمار”. ولا بُدّ من ‏إضافة موقف الصحافة التقدّميّة عموماً، إذ التزمتِ الصمت الكامل حول هذا الموضوع. وهو ‏صمتٌ مِن ذهب في ميزان الاستعمار”.أمّا جمعية الطلبة فبن نبي يُذكِّر بأنها “نشرتْ بياناً تُندد ‏فيه بهذا العمل باعتباره “يُضِرّ بقضية الشعب ‏‎!‎‏”.‏
ولقد اضطُرّ بن نبي أنْ يروي هذه الأحداث ليس بدافع الانتقام، بل ليُبيّن الكيفية التي يعمل بها ‏الاستعمار في مجال الصراع الفكري . يقول: “إنّ المعركة لم تجْرِ بين كاتب يُصارع من أجل ‏قضية وبين الاستعمار الذي تتناقض مصالحه مع هذا الصراع، بل ظهرتْ وكأنها صراع بين ‏الكاتب والحركات الوطنية التي تدّعي، بِمُفارقة، أنها تُمثِّلُ هذه القضية هي كذلك… لقد قام ‏الاستعمار بتغيير اتجاه المعركة التي يواجهه فيها فردٌ ليجعل منها معركة بين هذا الفرد وإخوانه ‏بالذات… فبضغطةِ زُرٍّ بسيطة تمكن الاستعمار من جعل هذه المعركة عملية سيكولوجية ذات ‏هدفين. فقد وجّهَ إلى الكتاب، من جهةٍ، كل الأضواء الكفيلة بتشويهه في نظر الرأي العام ‏وإحاطته بشكوكٍ يصعب إنقشاعها في بلدٍ تسوده الأمية والسياسة العاطفية. ومن جهة أخرى فإننا ‏نلاحظ أنّ الاستعمار بثَّ، أو حاول أنْ يَبُثَّ، في نفس الكاتب عقدة نفسية بمحاولة إبعاده عن ‏قضيته… فهو من جهة قد أراد أنْ يعزل المُحارب في الحلبة الإيديولوجية، ومن جهة أخرى ‏سعى إلى إبعاده هو عن القضية التي يناضل من أجلها، وذلك بجعله يشعر بعدم جدوى مجهوده ‏وبأنه يُناضل من أجل قضية ذات أفق مسدود”. ‏

‏9)‏ هو الذي كتب مقال (“انزلاق ولُبس”).‏

‏10)‏ يُفيدُنا بن نبي في مذكراته غير المنشورة بان كتاب “شروط النهضة” قد تُرجم إلى ‏العربية منذ صائفة سنة 1950 بقلم الأستاذ مولود الطيب، وكان يُفترض أن يصدُر في نسخته ‏العربية في مطلع سنة 1951. ولا نعرف شيئا عن الأسباب التي منعت دار النشر (النهضة) من ‏نشره وهو مرفوق بمقدمة جديدة. وعند لقائي بالسيد مسقاوي في جويلية 2003 أطْلَعَني على ‏مخطوطة ترجمة، وقال إن بن نبي هو الذي أنجزها بنفسه، وهي مؤرخة في أوت سنة 1949. ‏ويبدو ذلك من غير المعقول. فقد يتعلّق الأمرُ بنسخة نقلَها بن نبي عن ترجمة مولود الطيب التي ‏ذكرها هو نفسه. وعلى أية حال، فإن كتاب “شروط النهضة” بنسخته العربية لم يرَ النور إلاّ ‏سنة 1957 في القاهرة بقلم عبد الصبور شاهين وعمر كمال مسقاوي. ‏
‏11)‏ ‏”السياسة والأخلاق”، الثورة الافريقية عدد 11 سبتمبر 1965‏
‏12)‏ ارجع الى ” ثورة الجماهير ” منشورات غاليمار باريس 1961‏
‏13)‏ المرجع السابق
‏14)‏ المرجع السابق
‏15)‏ المرجع السابق
‏16)‏ ارجع الى ” افكار و معتقدات” منشورات ستوك باريس 1945‏

You may also like

Leave a Comment