بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
في فيفري 1940 انضمّ مالك بن نبي إلى عُمال مصنع للمطاط بناحية درو Dreux كعامل يدويّ. و هو عمل مُضني إلى درجة أنه كان يجد صعوبة في الوقوف مُستوياً إذا عاد إلى بيته في المساء. فالجهد العضليّ الذي يبذله طيلة ساعات اليوم كان أعلى من طاقته. وما إنْ حلّ شهر جوان حتى كانت فرنسا تحت الاحتلال الألماني، وانجرّ عن ذلك غلق المصنع الذي يعمل فيه.
وقف بن نبي مشدوها أمام سرعة انهيار الجيش الفرنسي، ووجد صعوبة في تصديق أنّ تلك القوة العظيمة تنهزم بتلك السرعة. هل كان راضياً عن ذلك؟ كلاَّ ! ففي 18 جوان 1940 لجأ إلى قبوٍ في 8 شارع غابة سابو (8 rue du Bois Sabot) ببلدة درو وراح يذرف الدموع على المأساة التي حلّتْ بالفرنسيين. وقد اندهش هو نفسه من ذلك الموقف الخارج عن سيطرته، والذي يكاد ضميره يؤنِّبُهُ عليه، إذ يقول: “أنا شخصياًّ يصعب عليّ أنْ أُصدِّق شخصاً يقول لي إنه بكى في جنازة جلاَّدِهِ. ومع ذلك فقد بكيتُ أمام مشهد التهجير عندما رأيتُ ملايين اللاّجئين الهولنديين والبلجيكيين ومِن فرنسيي الشمال تمرّ أمام منزلي طيلة الفترة الممتدة من منتصف ماي إلى منتصف جوان 1940 … كما بكيتُ في 16 جوان عندما احتلّ الألمان مدينة درو الخامدة التي لم يبق فيها إلاّ الفقراء مثلي، بدون مال، ولا سيارة، ولا أصدقاء، ممّا أعجزهم عن الهجرة”.
تلك كانت ردّة فعلِ نفسٍ تَعشق الحق، وليست أنّة جريح يتألّم: “في تلك الأثناء انبجس من أعماقي نورٌ مُشِعّ استراحت له ذاتي: إنّ الله لا يُعاقب لِيُتيح لنا التلمّظ بالانتقام، بل لكي نتأمّلَ الدرس ونستفيد منه تهذيباً لأنفسنا. و هكذا فهمْتُ أنّ الدرس هو الذي أثّر في ذاتي، وأنّ انهيار بلدٍ قويٍّ في بضعة أيامٍ هو مَدْعاةٌ للتأمّلِ والتهجّد… نعمْ، أنا المُستَعمَرُ، والطالب الذي حُرِمَ من حقه في الحياة، والمنبوذ الذي سُدّتْ في وجهه الأبواب، كُنتُ أخشى أنْ يُعامَلَ الفرنسيون على أيدي الألمان كما عاملوني هم أنفسهم. وكم مِنْ مرّةٍ وجدْتُ نفسي أدعو الله ألاّ يَؤُولَ مَصيرُهم إلى ما يشبه حالي وحال أهْلِنا في الجزائر…”.
يُخَيّلُ إليك وأنت تقرأ هذه الأسطر أنك في أجواء رواية فكتور هيجو “البؤساء”. فمالك بن نبي المُطارَد كان بالفعل نظير جان فالجان Jean Valjean الذي طارده المفتش جافير Javert ، والذي كان شديد العطف على المجتمع مع أنه لمْ يَذُقْ منه إلاّ الأمَرّين، وعلى النظام رغم ما يُعانيه بسببه مِن اضطهاد وقهر. وإذا صحّ القول إنّ جان فالجان كان ضحية فإننا بالمًقابل قد نجد سبب ذلك في بعض الأفعال التي صدَرتْ منه، مثل: سرقة تفاحة من ملكية خاصة، أو شمعدانات من إقامة أحد القساوسة، أو الاستيلاء على قطعة نقدية مِن طفل، هذا قبل أن يتوب.
وقبل هذا كلّه فالأمرُ هنا لا يعدو أن يكون رواية خيالية. لكنْ، ما هو الخطأ الذي ارتكبه بن نبي بالفعل، والذي بإمكاننا أنْ نُبرِّرَ به ما مرّ به مِنْ مُعاناة؟ فلو تصفّحنا آثاره بدءاً بمُذكراته المنشورة وغير المنشورة، ومروراً على الكتب التي ألّفَها، ووصولاً إلى المقالات التي نشرها مِن سنة 1948 إلى سنة وفاته 1973، لمَا وجدْنا كلمة واحدة ولا فكرة واحدة ضدّ فرنسا أو الفرنسيين، أو ضدّ الحضارة الغربية أو الدين المسيحي.
اتّخذ الألمان مقرّ بلدية مدينة درو مكاناً لمركز قيادتهم (الكومندانتور la Kommandantur). وكان على السكان الذين مكثوا في المدينة أن يمثُلُوا يومياًّ أمام مقر البلدية على الساعة الثامنة صباحاً. أمّا بن نبي فقد بقي مُرابطاً في بيته ولم يُذعن لأوامر السلطة العسكرية حتى جاء ذلك اليوم الذي دعاه يهوديّ مُتعاون مع الألمان وهدده بكشف أمره إنْ هو رفض الاستجابة. ذهب بن نبي إلى مركز القيادة غداة ذلك، واستقبله الضابط المسؤول ليسأله عن أسباب رفضه الإذعان للأوامر.
قدّم بن نبي نفسه وأخبر الضابط بملمحه الجامعيّ، فكلّفه الضابط بإصلاح الأعطاب الموجودة في شبكة الكهرباء بالمدينة، وعيّنه كاتباً لنائب رئيس بلدية درو، السيد لوموليك M. Lemoulec الذي اقترح بمحض إرادته على الألمان أن يكون في خدمتهم. وهذا ما اندهش له بن نبي بقوة، إذ يقول: “كُنتُ مشدوهاً… فمائة سنة من الوجود الاستعماري أنتجتْ أنديجان مُستعِد للإسفاف إلى أدنى درجات السُّلّم. لكنني لا أظنّ أنّي قادر على النزول إلى هذه الدرجة من التّدنّي الذي سقطتْ فيه سُمعة الجمهورية الثالثة سقوطاً حُراًّ في ظرف ثلاثة أيامٍ أو أربعة من الاحتلال الأجنبيّ”.
وبعد ذلك ببضعة أيامٍ ها هو السيد موريس فيولات، رئيس بلدية درو الرسمي، يعود بعد اختفائه ويطلب مُقابلة المسؤول الألماني ويتطوّع للتعاون مع السلطة الجديدة. ولمّا التقى به بن نبي في أروقة دار البلدية بادره فيولات بقوله: “السيد بن نبي، هل أتيتم لتَمُدّوا لنا يد العون؟”، فأجابه: “لا يا سيدي الحاكم العام، لقد تمّ تجنيدي عُنوةً من طرف الألمان”. فاصفرّ وجه فيولات ولم يجد ما يقول. لكنه لن يُسامحه على هذه المواجهة المتحدّية.
وهذه، بالتأكيد، شهادة غائبٍ غيرُ مُنتظرة، ولا شكّ في كونها مُزعجة أيضاً. ولا تُهمّنا تلك المحطّة التاريخية في حدّ ذاتها إلاّ بقدر الحقيقة التي تحملها بخصوص اتهام بن نبي بـ “التعاون”، وهي التّهمة التي ستكون لها تبعات على صاحبها. وهو يُجري مُقارنة بين وضعيته ووضعية تلك الشخصية الفرنسية البارزة في ذلك المشهد: “لم أُفكِّرْ يوماً في لعب دور”القائد الأنديجاني”، وهو موقف كان كفيلاً بإغنائي تحت صولجان موسوليني وهتلر… ولم أرْضَ أنْ أُجرِّبَ هذا الحظ. ففي الوقت الذي أتيحت لي تلك الفرصة المؤكدة، أي بعد الانتصار الساحق الذي حققته ألمانيا، ومنذ الأيام الأولى للاحتلال الألماني، كُنتُ أُحاول أن أترك ذلك لأسافر إلى الحجاز وأُقيمَ بها”.
عاد فيولات إلى منصبه كرئيس لبلدية درو بعد هذا بوقت قصير. أمّا منصب الكاتب فسرعان ما ظهر صاحبه ليُطالب بالعودة إليه، ولم يبق لبن نبي إلاّ منصب موظف إضافي بسيط: “فضَّلْتُ هذا الوضع على أيّ وضعٍ آخر قد يقترحه عليّ الألمان الذين كانوا يبحثون عن “مُتعاونين” في كل المجالات التي تُهِمّ أيّ احتلال”. وقد أنكر فيولات انتماءه إلى الماسونية كتابياًّ، ولم تمْضِ شهور قليلة حتى فُصِلَ مِنْ منصبه ووُضِع تحت الإقامة الجبرية من طرف حكومة بيتان Pétain. وفي 01 أفريل 1941 فُصِلَ بن نبي من وظيفته في بلدية درو بعد مجيء رئيسها الجديد اليسوعي الذي خلَفَ فيولات.
لاذَ بن نبي بصلواته وصار حبيس وحدة مزدوجة: وحدة “الأنديجان” ووحدة “المحظور”. وممّا خطر بباله وسجّله أنّ فرنسيي مدينة درو لا تظهر “وطنيتهم” إلاّ تُجاهه. فهو شاهِدٌ مُزعِج. وكلّ ذلك جعله يحلم بالذهاب إلى اليابان حيثُ تنوي الحكومة تنظيم مُسابقة دولية حول “أحسن مقال عن الحضارة اليابانية”، وذلك في إطار الاحتفال بذكرى ألفي عام من عمر الأمبراطورية.
وهو يعترف بأنه لا يعرف شيئا عن الموضوع، لكنه كان يرى منذ مُراهقته أنّ اليابان بإمكانه أن يُنقِذ العالم الإسلاميّ من براثن الاستعمار الفرنسي والأنجليزي: “كانت بلا شكٍّ نظرةً سطحية… لكنْ، هل هُناك مُسلِم من جيلي وبنفس تكويني لم تكُنْ لديه مثل هذه النزوة ؟ فقد كان لكلٍّ من عبد الكريم الخطابي، ومصطفى كمال، وابن سعود، وحتى هتلر، نزوته التي يحلو له امتطاءها. ومطيتي أنا كانت: قصر الميكادو”.
استهْوَتْه فكرة تجريب حظه في الفرصة التي أتاحتها المُسابقة، فشرع في تحرير مقال حول وِجْهةٍ آسيوية يكون الإسلام هو قاعدتها الروحية، والقوة اليابانية هي قاعدتها التقنية، وذلك من أجل ترجيح الكفة ضد الاستعمار الغربيّ. اختار لمقاله هذا العنوان: “الإسلام واليابان في المجموعة الآسيوية”، وأودعه في السفارة اليابانية بباريس. وهو يقول عن ذلك: “كان هذا الأثر المكتوب افتتاحية لمسيرة حياتي في الكتابة… وهو لا يزال محفوظاً في أرشيفات KokusaiSimbum ”.
بقي بن نبي مُتعلِّقاً بهذه النظرة التي تطمح إلى الدمج بين قيَمِ الإسلام الآسيوي والقوى الآسيوية الكبرى (اليابان، الصين، والهند)، بل إنه سعى إلى تحقيقها واقعياًّ في الخمسينيات لمّا اتخذها كموضوع مركزيّ في الكتاب الذي نشره في القاهرة سنة 1956 تحت عنوان “النزعة الأفروآسيوية” L’Afro-Asiatisme». غير أنه في هذا الكتاب لمْ يُبْقِ على اليابان كصاحب دور أساسيّ في العملية، بل عوّضه بالهند التي كان على رأسها نهروNehru، والصين بزعيمها ماو Mao Tse Toung. والمُهِمّ بالنسبة إلينا مُلاحظة أنّ بن نبيّ يهتمّ للمرة الثانية باليابان. فكيف كانت نظرتُه إلى هذا البلد؟ وما حجم المعلومات التي كانت بحوزته حول هذا الوطن الذي بَهَرَ العالم الإسلامي بانطلاقته المُدهشة؟ وفي الجهة المُقابلة، كيف كان اليابان ينظر إلى العالم العربي الإسلاميّ؟
إنّ الأسباب التي تُفسِّرُ اهتمام بن نبي باليابان مرتبطة بإشكالية النهضة التي كانت تَقُضُّ مضجعه، والتي تُعدّ المجال الذي أعطى فيه اليابان أحسن مثال. لقد أتيح له أن يُقيم علاقة صداقة مع زميل صينيّ قبل هذا ببضع سنوات في مدرسة الميكانيك ESME. وكان التفاهم سائداً بينهما إلاّ حول نقطة واحدة، وهي اليابان. فهذا البلد كان غازياً مُعتدِياً وأمبريالياًّ عند ذلك الصديق الصيني، لكنه عند بن نبي “يُمثِّل القوة غير الأوروبية الوحيدة التي بإمكانها أن تكسر شوكة الاستعمار الأوروبي”.
وستظهر علامات الإعجاب باليابان في جميع آثار بن نبي، وذلك لِما وجدهُ فيه مِن إتقانٍ في جميع أوجه الحضارة. فممّا جاء في “وِجهة الإسلام” (1954): “لقد نجح اليابان حيث فشل العالم الإسلامي في تحقيق أيّ انتصار حاسمٍ لأنّ المسلمين يُوجِّهون جهودهم إلى عالم الأشياء بدلاً من توجيهها إلى الجانب الإنساني وإلى الأفكار”. وجاء في كتاب “فكرة كومنويلث إسلامي” Idée d’un Commonwealth islamique (1958): “إذا كان اليابان قد تبنّى أفكاراً، فإنّ المجتمع الإسلاميّ لا يزال يشتري أشياء. فما أكثر الشعر الذي ألّفناه حول نهضتنا وما أجمله! هذا في الوقت الذي كان فيه اليابان قد كلّل نهضته بالعديد من الانتصارات المُدهِشة”.
أمّا في كتاب “ميلاد مجتمع” Naissance d’une société، (1962) فقد أجرى بن نبي مقارنة بين الحضارتين (اليابانية والإسلامية) منذ استيقاظهما إلى أواخر ق19، إذ يقول: “لقد عاد اليابان إلى ركب التاريخ في نفس الوقت مع المجتمع الإسلامي الحالي. وما إنْ بزغ فجر القرن 20 حتى علا نجمُ عدة أعلام من النخبة اليابانية، مثل أوكاكورا الذي تكوّن في المدرسة الغربية حتى صار ذا فكر جديد مُتشبع بثقافة دانتي وشكسبير وديكارت، مع تشبّعه أكثر بالثقافة الروحية الناتجة عن تراكمات قرونٍ عديدة بين جدران معابد الشينتو في سفح فوجي ياما، تلك الثقافة التي ظهرت فجأةً للعالم في صورة تقاليد الفروسية عند الساموراي، ومن خلال كتابات أوكاكورا نفسه. وسرعان ما تعززت صفوف النخبة اليابانية بعلماء ساهموا في تطوير المعارف الإنسانية، مثل عالِم الفيزياء نجاوْكا الذي لا يزال مُختصّو الكهرباء الإشعاعية في العالم كلّه، ومنذ ثلاثين سنة، يعملون بالصيغة المشهورة التي وضعها. وأخيراً فإن هذه النخبة اليابانية توجد بين صفوفها مجموعة من العلماء الرّواد في مجال الدراسات الرياضية والدراسات الذّرّيّة. إنّ هذه النخبة التي بقيت وفيّةً للنماذج المثالية المحلّية الموروثة تمكنت من البقاء وفيّةً كذلك للنماذج المثالية الغربية. فلقد أقبلتْ تلك النخبة على الجامعة الغربية إقبال الناسك على معبده، حيث الإحساس بالتواضع وبضرورة الالتزام بالآداب الواجبة. أمّا النخبة الإسلامية فهي تغشى الجامعة كالذي يغشى السوق من أجل شراء (الأشياء) التي قد تزيد من راحتها وطِيبِ عيشها والتفاني في ملذاتها وعنجهيتها. فالفرق هنا شاسع”.
ولم يُتَحْ لليابان أنْ يكتشف العالم الإسلاميّ إلاّ في وقتٍ متأخّرٍ جداًّ، إذ تعود أول علاقة بينهما إلى أواخر القرن 19 (1). فعندما كان اليابان مُهدّداً باحتلاله على يد القوات الغربية، بدأ يهتمّ بمصر وبتونس اللّتين وقعتا منذ زمن قصير تحت السيطرة الأنجليزية والفرنسية، وهذا الاهتمام كان بدافع أخذ الدروس والعبرة من تجربة تونس ومصر لتفادي الوقوع في الحالة التي وقعتا فيها. إنّ مسار التحديث الذي شرع فيه محمد علي (1770- 1848) بمصر خلال النصف الأول من ق 19 قد توقف بموته، إذ جاء حفيده عباس وألغى سياسة الأشغال الكبرى التي انتهجها جدّه، وطرد كلّ المستشارين الأجانب الذين كانوا محيطين به. ولمّا تمّ تدشين قناة السّويس سنة 1869 كانت ملكيتها مُناصفةً بين مصر وفرنسا. وبما أنّ أنجلترا كانت ترغب في السيطرة على هذا المنفذ البحريّ الجديد فقد اشترتْ الأسهم المصرية سنة 1876 مِن الخديوي إسماعيل (1830-1899) الذي كان مُثقلاً بالدّيون لدى البنوك. وهكذا صارت الشركة العالمية للقناة (Compagnie universelle du Canal ) تحت سيطرة فرنسا وأنجلترا، ولم تعُدْ مصر تجني شيئا من جبايتها، ثُمّ قام الفرنسيون والأنجليز باستبدال الخديوي إسماعيل بابنه توفيق.
ولمّا أحس المصريون بتلك السيطرة الفرنسية على بلادهم اندلعت ثورة بقيادة العقيد عُرابي باشا (1839-1911). وتتلخص مطالب تلك الثورة في وضع دستور للبلاد وانتخاب برلمان. وكان الرّد من الأنجليز أنهم قمعوا الثورة بالقوة العسكرية وفرضوا الحماية على مصر. أمّا عُرابي فتَمّ نفْيُهُ إلى جزيرة سيلان.
وصلت أصداء حركة المقاومة هذه إلى اليابان حيث كان المفكر القومي شيبا شيرو (1852-1922) الذي تابع دراساته في أمريكا، وزار عُرابي في منفاه، يُتابع باهتمامٍ كلَّ الأحداث الجارية في مصر وفي كل البلدان التي تشهد صراعاً بين القوى الأوروبية والشعوب المُستعمرة. وخرج من ذلك بحصيلةٍ تتمثل في تأليف رواية سياسية تتكوّن في 1885 من اثني عشر مُجلَّداً، وخصص فصلاً من فصولها لثورة عُرابي باشا (2).
وقد نالت تلك الرواية نجاحاً كبيرا في اليابان في عهد الميجي Meiji. وسِرّ هذا النجاح هو أنّ اليابانيين وجدوا في تلك السلسلة أحداثاً تُبيّن لهم الأسباب التي تؤدّي إلى وقوع احتلال بلدٍ من طرف الاستعمار، وتلك الأسباب هي: المديونية الخارجية الناجمة عن سوء التسيير، و”المُعاهدات غير العادلة” التي قد يُضطرّ البلد إلى توقيعها بسبب حاجته إلى مساعدة الأجانب.
والواقع أنّ اليابان كان يرزح تحت ثقلين: المديونية من جهة ونظام القانون المزدوج من جهة ثانية. ولذلك فقد بادرتْ السلطات اليابانية بإرسال بعثاتٍ إلى مصر قصدَ دراسة أوضاعها، ففوجئتْ بملاحظة أنّ الأنجليز هم الذين يشرفون على تسيير المصالح العمومية (كالجمارك، والجباية…).
وبرز مِن بين أعضاء تلك البعثات ضابط جمارك اسمه نامورا سايجي، وكان يرغب في التعرّف بعرابي باشا بأيّ ثمن، فزاره في منفاه بجزيرة سيلان. وبعدها حرّر تقريراً حول تلك الزيارة ونَشَرَهُ سنة 1891. كما أنّ هناك ديبلوماسياًّ يابانياًّ آخر التقى بعرابي باشا. وكان اليابان يَقوم في تونس بنفس المساعي التي قام بها في مصر. وكانت تونس تحت الحماية الفرنسية مند 1883 بذريعة إنقاذها من حالة العُسْر الذي وقعتْ فيه.
ولمّا صار اليابان قوة كبرى بعد انتصاره في الحرب ضد روسيا القيصرية سنة 1905 ، بدأ يهتمّ بمكانة الإسلام في حياة الشعوب الإسلامية الواقعة تحت سيطرة روسيا بِنِيَّةِ تحريضها على الثورة ضدها. وهكذا وجهت دولة اليابان دعوةً إلى بعض الشخصيات الإسلامية لزيارة بلادها، ومِن بين تلك الشخصيات الشيخ أحمد علي جرجاوي الذي قضى بعض الوقت في اليابان وعاد بتقرير نشره في كتاب سنة 1906 تحت عنوان: (الرحلة اليابانية). وهو يدعو في هذا الكتاب إلى التحالف بين الأمبراطورية العثمانية واليابان ضد روسيا. وفي نفس هذا الإطار سنة 1909 جاءت زيارة التتاري عبد الرشيد إبراهيم إلى اليابان، حيث سعى للحصول على دعم الأمبراطور لاستقلال بلاده (3) .
لم يكتب الأمريكي آلان كريستلاو Allan Christelow عن مالك بن نبي إلاّ قليلاً، لكنّ ما قاله عنه في الدراسات التي خصّه بها بين سنة 1992 و2005 يدُلّ على عمق معرفته بنفسية فيلسوفنا وفكره على السواء (4). ونظراً لتحكمه في اللغتين العربية والفرنسية فلقد تمكّن من الاطّلاع على كلّ ما نشره بن نبي. ومِن جانبٍ آخر فقد قضى فترةً مِن طفولته في اليابان (بين 1957 و1962) وبقي حافظاً لذكرى رواية بوتشان Botchan لكاتبها ناتسومي سوسيكي Natsume Soseki التي نالت نجاحاً كبيراً بعد إخراجها في فيلم سينمائي.
وتحكي هذه الرواية قصة حياة أستاذ شاب من طوكيو اشتغل كمعلِّمٍ في إحدى الجزر اليابانية النّائية، ممّا أتاح له أنْ يَتأمّل في تناقضات المجتمع الياباني ومشاكله. ولمّا أتيح لكريستلاو أن يكتشف بن نبي في بداية السبعينيات لم يَغِبْ عنه ما بين مؤلّف (مذكرات شاهد على القرن، ج1،2) وبين بطل رواية بوتشان مِن قواسم مشتركة.
وذلك ما جعل كريستلاو يقترح فكرة إعداد فيلمٍ سينمائيّ حول مالك بن نبي في محاضرة ألقاها في ”ملتقى حول فكر مالك بن نبي الدولي” انعقد في أكتوبر 2003 بالجزائر العاصمة، وبمبادرة من نور الدين بوكروح. وفي المناسبة نفسها ذكر لنا كتاباً ظهر سنة 1787 في فيلادلفيا من تأليف شخص غريب الأطوار اسمه بيتر ماركو Peter Markoe (1752-1792) ، وعنوانه: “جاسوس جزائريّ في بينسلفانيا” (Algérianspy in Pennsylvania ).
وكانت الجزائر في حرب ضد الولايات المُتّحدة في تلك الفترة. وماركو يؤكِّد في مقدمة كتابه أنّ المؤلِّفَ جزائريّ اسمه محمد، وكان قد غادر الجزائر سنة 1783 وانتحل شخصية فرنسيّ وهو يعبُرُ مضيق جبل طارق ويمُرّ على لشبونة مُتّجهاً إلى فيلاديلفيا التي كانت مسرحاً للمناقشات الدائرة حول الدستور الأمريكيّ. ومن خلال الرسائل التي أرسلها إلى زوجته نستشفّ تعلُّقَهُ بأمل رؤية الولايات المتحدة منفتحةً على العالم الإسلاميّ. ونحن لا نُجانِبُ الصواب إذا قُلْنا إنّ هذا الكاتب الغريب الأطوار كان إرهاصاً لظهور طوكفيل الذي كتب عن أمريكا كما كتب عن الجزائر في القرن 19 (5) .
تمكّن بن نبي، بعد فصله من بلدية درو في أفريل 1941، مِن إيجاد عملٍ كحارسٍ ليليّ في أحد المُعسكرات في ضواحي المدينة. فكان يقضي نهاره في القراءة والنوم والكتابة و الصلاة. ولم تكُن الشرطة الفرنسية غافلة عنه. فلقد زاره بعض رجالها في بيته من أجل التفتيش في إطار البحث عن بعض المفقودات التي ضاعت من أحد المخازن، وكأنهم يُريدون اتّهامه بالسّرِقة. قال له أحد رجال الشرطة في نهاية الزيارة التي لم تُسفر عن نتيجة: “هناك أناسٌ يَغيرون منك !”. و بعد ذلك انتقل بن نبي إلى باريس لأنه بقي بدون عملٍ مُجدّداً.
اقترح عليه صاحب مقهى “الهقار” أن يشغل منصباً دائماً في خلية جديدة خاصة بالمسلمين، تابعة للحزب الشعبي الفرنسي(PPF) الذي يتزعمه جاك دوريو Jacques Doriot. وهي تقع في شارع المدارس مُقابل الكوليج دوفرانس. قَبِلَ بن نبي بهذا المقترح واكترى غرفة بالقرب من البانتيون Panthéon. وهو يقول عن ذلك: “لم يَكُنْ يُهِمُّني أنْ أرتبط بمسيرة دوريو السياسيّة الناجحة، فهو يريد أنْ يُصبح (قائداً فرنسياًّ) تحت نير الألمان. لكنني كُنتُ أعرف تمام المعرفة أنّ الأمور كانت بعيدة كل البُعد عن الجدّية في تلك الحركة التي لن تستطيع مُغالطة المسلمين في باريس”. وتفادياًّ لكلّ المصاريف كان بن نبي يأتي بمؤونته من درو.
بقي في ذلك المنصب من 01 فيفري إلى 01 جويلية سنة 1942. وكان يقضي أيامه في مكتبة سانت جونفييف التي تعرّف فيها على زوجته منذ عشر سنوات. ولم يذكر بن نبي شيئا عمّا قرأه ولا عن البحوث التي يكون قد قام بها في تلك الفترة. لكنّ المؤكّدَ أنّ تردّده على المكتبة باستمرار طيلة خمسة أشهر كان حَرِياًّ بأنْ يُفيده في تحقيق مُخطّطاته، أو في إنارة الحدس الذي كان يُنير له الطريق. يقول في ذلك: “كُنتُ ألْتَهِمُ كلّ المادة المعرفية التي تقع بين يديّ والتي تُمثِّلُ جملة زادي الفكريّ، باستثناء تكويني العلميّ… وإنّنا نشهدُ اليوم ميلاد عملٍ فكريّ أُريدَ إجْهاضُهُ مِن سنة 1932 إلى سنة 1940. وأراني اليوم (1952) أكتب وأنشُرُ هذا العمل دون أن أعلم شيئا عن جذوره لأنّ الجميع يعرف أنّني أكتُبُ بدون توثيق، بل ودون إمكانية لأنْ يكون لي أيّ توثيق. و الخُلاصة أنّ تلك الفترة التي قضيتُها في مكاتب الحزب الشعبي PPF بباريس قد سمحتْ لي بتحقيق حُلْمِ شبابي… بل وأكثر من ذلك، إذ كُنتُ أحلُم بأن أكون أنا مؤلف صاحب “الكتاب المحظور”، فحقّقتُ ذلك إلى حدّ أبعد مما كُنتُ أتمنى. أنا مَدينٌ لهذه الفترة التي ميّزها الحرمان بجميع ألوانه، والتعاسة الشاملة، والخطر المُحدق باستمرار والمُعلّق في أجنحة الطائرات الأنجليزية، أنا مَدينٌ لها بنوع من الحماسة الدينية والتّفاني الصوفي اللّذين سيبقيان مُلازميْنِ لي طيلة أيام حياتي”.
فالراجح أنّ بن نبي أتيحَ له مِن القراءة والمُطالعة في مكتبة سانت جونفييف، وقبل ذلك في مكتبة “اتحاد الشبيبة الكاثوليكية”، ما يمكن اعتباره أساساً لتكوينه الفكريّ.
(يتبع)
المراجع:
1) ظهرتْ أول ترجمة للقرآن إلى اللغة اليابانية سنة 1920. ( ارجع الى بسام تايار:”اليابان و العرب”، منشورات مديان، باريس 2004)
2) عنوان هذه الرواية هو “كاجين نو كيجو Kajin no kigû ” التي تعني: “لقاء مع الحسناوات”. و “شيباشيرو” هو مؤلف كتاب آخر عنوانه “تاريخ مصر الحديث” Histoire moderne de l’Egypte))، ويبيّن فيه أنّ فشل مُحاولة التحديث هي التي أدّت بمصر إلى الوقوع في قبضة الأنجليز.
3) ارجع الى بسام تايار ، المرجع المذكور سابقا
4) المراجع:
أ- ”مُسلِم ذو نزعة إنسانية من القرن 20، مالك بن نبي” فيThe Maghreb Review” ، 1992، مُترجم من الأنجليزية إلى الفرنسية بقلم نورة بوزيدة.
ب – “مالك بن نبي والحدود الثقافية في عصر الشمولية” “الملتقى الدولي حول فكر مالك بن نبي، الجزائر، أكتوبر 2003).
ج – “مالك بن نبي ونظرتان عالميتان أنجليزيتان سنة 1954: نموذج أرنولد توينبي و ويندل ويلكي”، سبتمبر 2005.
5) ”حول الديمقراطية في أمريكا” و “حول المُعمّرة في الجزائر”.
