Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (15)‏

حياة مالك بن نبي (15)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

في فيفري 1940 انضمّ مالك بن نبي إلى عُمال مصنع للمطاط بناحية درو ‏Dreux‏ كعامل يدويّ. و‎ ‎هو ‏عمل مُضني إلى درجة أنه كان يجد صعوبة في الوقوف مُستوياً إذا عاد إلى بيته في المساء. فالجهد ‏العضليّ الذي يبذله طيلة ساعات اليوم كان أعلى من طاقته. وما إنْ حلّ شهر جوان حتى كانت فرنسا ‏تحت الاحتلال الألماني، وانجرّ عن ذلك غلق المصنع الذي يعمل فيه. ‏

وقف بن نبي مشدوها أمام سرعة انهيار الجيش الفرنسي، ووجد صعوبة في تصديق أنّ تلك القوة ‏العظيمة تنهزم بتلك السرعة. هل كان راضياً عن ذلك؟ كلاَّ ‏‎!‎‏ ففي 18 جوان 1940 لجأ إلى قبوٍ في 8 ‏شارع غابة سابو ‏‎(8 rue du Bois Sabot)‎‏ ببلدة درو وراح يذرف الدموع على المأساة التي حلّتْ ‏بالفرنسيين. وقد اندهش هو نفسه من ذلك الموقف الخارج عن سيطرته، والذي يكاد ضميره يؤنِّبُهُ عليه، ‏إذ يقول: “أنا شخصياًّ يصعب عليّ أنْ أُصدِّق شخصاً يقول لي إنه بكى في جنازة جلاَّدِهِ. ومع ذلك فقد ‏بكيتُ أمام مشهد التهجير عندما رأيتُ ملايين اللاّجئين الهولنديين والبلجيكيين ومِن فرنسيي الشمال تمرّ ‏أمام منزلي طيلة الفترة الممتدة من منتصف ماي إلى منتصف جوان 1940 … كما بكيتُ في 16 جوان ‏عندما احتلّ الألمان مدينة درو الخامدة التي لم يبق فيها إلاّ الفقراء مثلي، بدون مال، ولا سيارة، ولا ‏أصدقاء، ممّا أعجزهم عن الهجرة”.‏

تلك كانت ردّة فعلِ نفسٍ تَعشق الحق، وليست أنّة جريح يتألّم: “في تلك الأثناء انبجس من أعماقي نورٌ ‏مُشِعّ استراحت له ذاتي: إنّ الله لا يُعاقب لِيُتيح لنا التلمّظ بالانتقام، بل لكي نتأمّلَ الدرس ونستفيد منه ‏تهذيباً لأنفسنا. و هكذا فهمْتُ أنّ الدرس هو الذي أثّر في ذاتي، وأنّ انهيار بلدٍ قويٍّ في بضعة أيامٍ هو ‏مَدْعاةٌ للتأمّلِ والتهجّد… نعمْ، أنا المُستَعمَرُ، والطالب الذي حُرِمَ من حقه في الحياة، والمنبوذ الذي سُدّتْ ‏في وجهه الأبواب، كُنتُ أخشى أنْ يُعامَلَ الفرنسيون على أيدي الألمان كما عاملوني هم أنفسهم. وكم مِنْ ‏مرّةٍ وجدْتُ نفسي أدعو الله ألاّ يَؤُولَ مَصيرُهم إلى ما يشبه حالي وحال أهْلِنا في الجزائر…”. ‏

يُخَيّلُ إليك وأنت تقرأ هذه الأسطر أنك في أجواء رواية فكتور هيجو “البؤساء”. فمالك بن نبي المُطارَد ‏كان بالفعل نظير جان فالجان‎ Jean Valjean‏ الذي طارده المفتش جافير‎ ‎‏ ‏Javert‏ ، والذي كان شديد ‏العطف على المجتمع مع أنه لمْ يَذُقْ منه إلاّ الأمَرّين، وعلى النظام رغم ما يُعانيه بسببه مِن اضطهاد ‏وقهر. وإذا صحّ القول إنّ جان فالجان كان ضحية فإننا بالمًقابل قد نجد سبب ذلك في بعض الأفعال التي ‏صدَرتْ منه، مثل: سرقة تفاحة من ملكية خاصة، أو شمعدانات من إقامة أحد القساوسة، أو الاستيلاء ‏على قطعة نقدية مِن طفل، هذا قبل أن يتوب. ‏
وقبل هذا كلّه فالأمرُ هنا لا يعدو أن يكون رواية خيالية. لكنْ، ما هو الخطأ الذي ارتكبه بن نبي بالفعل، ‏والذي بإمكاننا أنْ نُبرِّرَ به ما مرّ به مِنْ مُعاناة؟ فلو تصفّحنا آثاره بدءاً بمُذكراته المنشورة وغير ‏المنشورة، ومروراً على الكتب التي ألّفَها، ووصولاً إلى المقالات التي نشرها مِن سنة 1948 إلى سنة ‏وفاته 1973، لمَا وجدْنا كلمة واحدة ولا فكرة واحدة ضدّ فرنسا أو الفرنسيين، أو ضدّ الحضارة الغربية ‏أو الدين المسيحي. ‏

اتّخذ الألمان مقرّ بلدية مدينة درو مكاناً لمركز قيادتهم (الكومندانتور ‏la Kommandantur‏). وكان ‏على السكان الذين مكثوا في المدينة أن يمثُلُوا يومياًّ أمام مقر البلدية على الساعة الثامنة صباحاً. أمّا بن ‏نبي فقد بقي مُرابطاً في بيته ولم يُذعن لأوامر السلطة العسكرية حتى جاء ذلك اليوم الذي دعاه يهوديّ ‏مُتعاون مع الألمان وهدده بكشف أمره إنْ هو رفض الاستجابة. ذهب بن نبي إلى مركز القيادة غداة ذلك، ‏واستقبله الضابط المسؤول ليسأله عن أسباب رفضه الإذعان للأوامر.‏

قدّم بن نبي نفسه وأخبر الضابط بملمحه الجامعيّ، فكلّفه الضابط بإصلاح الأعطاب الموجودة في شبكة ‏الكهرباء بالمدينة، وعيّنه كاتباً لنائب رئيس بلدية درو، السيد لوموليك ‏M. Lemoulec‏ الذي اقترح ‏بمحض إرادته على الألمان أن يكون في خدمتهم. وهذا ما اندهش له بن نبي بقوة، إذ يقول: “كُنتُ ‏مشدوهاً… فمائة سنة من الوجود الاستعماري أنتجتْ أنديجان مُستعِد للإسفاف إلى أدنى درجات السُّلّم. ‏لكنني لا أظنّ أنّي قادر على النزول إلى هذه الدرجة من التّدنّي الذي سقطتْ فيه سُمعة الجمهورية الثالثة ‏سقوطاً حُراًّ في ظرف ثلاثة أيامٍ أو أربعة من الاحتلال الأجنبيّ”.‏

وبعد ذلك ببضعة أيامٍ ها هو السيد موريس فيولات، رئيس بلدية درو الرسمي، يعود بعد اختفائه ويطلب ‏مُقابلة المسؤول الألماني ويتطوّع للتعاون مع السلطة الجديدة. ولمّا التقى به بن نبي في أروقة دار البلدية ‏بادره فيولات بقوله: “السيد بن نبي، هل أتيتم لتَمُدّوا لنا يد العون؟”، فأجابه: “لا يا سيدي الحاكم العام، ‏لقد تمّ تجنيدي عُنوةً من طرف الألمان”. فاصفرّ وجه فيولات ولم يجد ما يقول. لكنه لن يُسامحه على هذه ‏المواجهة المتحدّية. ‏

وهذه، بالتأكيد، شهادة غائبٍ غيرُ مُنتظرة، ولا شكّ في كونها مُزعجة أيضاً. ولا تُهمّنا تلك المحطّة ‏التاريخية في حدّ ذاتها إلاّ بقدر الحقيقة التي تحملها بخصوص اتهام بن نبي بـ “التعاون”، وهي التّهمة ‏التي ستكون لها تبعات على صاحبها. وهو يُجري مُقارنة بين وضعيته ووضعية تلك الشخصية الفرنسية ‏البارزة في ذلك المشهد: “لم أُفكِّرْ يوماً في لعب دور”القائد الأنديجاني”، وهو موقف كان كفيلاً بإغنائي ‏تحت صولجان موسوليني وهتلر… ولم أرْضَ أنْ أُجرِّبَ هذا الحظ. ففي الوقت الذي أتيحت لي تلك ‏الفرصة المؤكدة، أي بعد الانتصار الساحق الذي حققته ألمانيا، ومنذ الأيام الأولى للاحتلال الألماني، ‏كُنتُ أُحاول أن أترك ذلك لأسافر إلى الحجاز وأُقيمَ بها”.‏

عاد فيولات إلى منصبه كرئيس لبلدية درو بعد هذا بوقت قصير. أمّا منصب الكاتب فسرعان ما ظهر ‏صاحبه ليُطالب بالعودة إليه، ولم يبق لبن نبي إلاّ منصب موظف إضافي بسيط: “فضَّلْتُ هذا الوضع ‏على أيّ وضعٍ آخر قد يقترحه عليّ الألمان الذين كانوا يبحثون عن “مُتعاونين” في كل المجالات التي ‏تُهِمّ أيّ احتلال”. وقد أنكر فيولات انتماءه إلى الماسونية كتابياًّ، ولم تمْضِ شهور قليلة حتى فُصِلَ مِنْ ‏منصبه ووُضِع تحت الإقامة الجبرية من طرف حكومة بيتان ‏Pétain‏. وفي 01 أفريل 1941 فُصِلَ بن ‏نبي من وظيفته في بلدية درو بعد مجيء رئيسها الجديد اليسوعي الذي خلَفَ فيولات. ‏

لاذَ بن نبي بصلواته وصار حبيس وحدة مزدوجة: وحدة “الأنديجان” ووحدة “المحظور”. وممّا خطر ‏بباله وسجّله أنّ فرنسيي مدينة درو لا تظهر “وطنيتهم” إلاّ تُجاهه. فهو شاهِدٌ مُزعِج. وكلّ ذلك جعله ‏يحلم بالذهاب إلى اليابان حيثُ تنوي الحكومة تنظيم مُسابقة دولية حول “أحسن مقال عن الحضارة ‏اليابانية”، وذلك في إطار الاحتفال بذكرى ألفي عام من عمر الأمبراطورية.‏

وهو يعترف بأنه لا يعرف شيئا عن الموضوع، لكنه كان يرى منذ مُراهقته أنّ اليابان بإمكانه أن يُنقِذ ‏العالم الإسلاميّ من براثن الاستعمار الفرنسي والأنجليزي: “كانت بلا شكٍّ نظرةً سطحية… لكنْ، هل ‏هُناك مُسلِم من جيلي وبنفس تكويني لم تكُنْ لديه مثل هذه النزوة ؟ فقد كان لكلٍّ من عبد الكريم الخطابي، ‏ومصطفى كمال، وابن سعود، وحتى هتلر، نزوته التي يحلو له امتطاءها. ومطيتي أنا كانت: قصر ‏الميكادو”. ‏

استهْوَتْه فكرة تجريب حظه في الفرصة التي أتاحتها المُسابقة، فشرع في تحرير مقال حول وِجْهةٍ ‏آسيوية يكون الإسلام هو قاعدتها الروحية، والقوة اليابانية هي قاعدتها التقنية، وذلك من أجل ترجيح ‏الكفة ضد الاستعمار الغربيّ. اختار لمقاله هذا العنوان: “الإسلام واليابان في المجموعة الآسيوية”، ‏وأودعه في السفارة اليابانية بباريس. وهو يقول عن ذلك: “كان هذا الأثر المكتوب افتتاحية لمسيرة ‏حياتي في الكتابة… وهو لا يزال محفوظاً في أرشيفات ‏KokusaiSimbum ‎‏”.‏

بقي بن نبي مُتعلِّقاً بهذه النظرة التي تطمح إلى الدمج بين قيَمِ الإسلام الآسيوي والقوى الآسيوية الكبرى ‏‏(اليابان، الصين، والهند)، بل إنه سعى إلى تحقيقها واقعياًّ في الخمسينيات لمّا اتخذها كموضوع مركزيّ ‏في الكتاب الذي نشره في القاهرة سنة 1956 تحت عنوان “النزعة الأفروآسيوية” ‏L’Afro-‎Asiatisme‏». غير أنه في هذا الكتاب لمْ يُبْقِ على اليابان كصاحب دور أساسيّ في العملية، بل ‏عوّضه بالهند التي كان على رأسها نهروNehru، والصين بزعيمها ماو ‏Mao Tse Toung‏. والمُهِمّ ‏بالنسبة إلينا مُلاحظة أنّ بن نبيّ يهتمّ للمرة الثانية باليابان. فكيف كانت نظرتُه إلى هذا البلد؟ وما حجم ‏المعلومات التي كانت بحوزته حول هذا الوطن الذي بَهَرَ العالم الإسلامي بانطلاقته المُدهشة؟ وفي الجهة ‏المُقابلة، كيف كان اليابان ينظر إلى العالم العربي الإسلاميّ؟

إنّ الأسباب التي تُفسِّرُ اهتمام بن نبي باليابان مرتبطة بإشكالية النهضة التي كانت تَقُضُّ مضجعه، والتي ‏تُعدّ المجال الذي أعطى فيه اليابان أحسن مثال. لقد أتيح له أن يُقيم علاقة صداقة مع زميل صينيّ قبل ‏هذا ببضع سنوات في مدرسة الميكانيك ‏ESME‏. وكان التفاهم سائداً بينهما إلاّ حول نقطة واحدة، وهي ‏اليابان. فهذا البلد كان غازياً مُعتدِياً وأمبريالياًّ عند ذلك الصديق الصيني، لكنه عند بن نبي “يُمثِّل القوة ‏غير الأوروبية الوحيدة التي بإمكانها أن تكسر شوكة الاستعمار الأوروبي”. ‏

وستظهر علامات الإعجاب باليابان في جميع آثار بن نبي، وذلك لِما وجدهُ فيه مِن إتقانٍ في جميع أوجه ‏الحضارة. فممّا جاء في “وِجهة الإسلام” (1954): “لقد نجح اليابان حيث فشل العالم الإسلامي في ‏تحقيق أيّ انتصار حاسمٍ لأنّ المسلمين يُوجِّهون جهودهم إلى عالم الأشياء بدلاً من توجيهها إلى الجانب ‏الإنساني وإلى الأفكار”. وجاء في كتاب “فكرة كومنويلث إسلامي” ‏Idée d’un Commonwealth ‎islamique ‎‏ (1958): “إذا كان اليابان قد تبنّى أفكاراً، فإنّ المجتمع الإسلاميّ لا يزال يشتري أشياء. ‏فما أكثر الشعر الذي ألّفناه حول نهضتنا وما أجمله! هذا في الوقت الذي كان فيه اليابان قد كلّل نهضته ‏بالعديد من الانتصارات المُدهِشة”.‏

أمّا في كتاب “ميلاد مجتمع” ‏Naissance d’une société، (1962) فقد أجرى بن نبي مقارنة بين ‏الحضارتين (اليابانية والإسلامية) منذ استيقاظهما إلى أواخر ق19، إذ يقول: “لقد عاد اليابان إلى ركب ‏التاريخ في نفس الوقت مع المجتمع الإسلامي الحالي. وما إنْ بزغ فجر القرن 20 حتى علا نجمُ عدة ‏أعلام من النخبة اليابانية، مثل أوكاكورا الذي تكوّن في المدرسة الغربية حتى صار ذا فكر جديد مُتشبع ‏بثقافة دانتي وشكسبير وديكارت، مع تشبّعه أكثر بالثقافة الروحية الناتجة عن تراكمات قرونٍ عديدة بين ‏جدران معابد الشينتو في سفح فوجي ياما، تلك الثقافة التي ظهرت فجأةً للعالم في صورة تقاليد الفروسية ‏عند الساموراي، ومن خلال كتابات أوكاكورا نفسه. وسرعان ما تعززت صفوف النخبة اليابانية بعلماء ‏ساهموا في تطوير المعارف الإنسانية، مثل عالِم الفيزياء نجاوْكا الذي لا يزال مُختصّو الكهرباء ‏الإشعاعية في العالم كلّه، ومنذ ثلاثين سنة، يعملون بالصيغة المشهورة التي وضعها. وأخيراً فإن هذه ‏النخبة اليابانية توجد بين صفوفها مجموعة من العلماء الرّواد في مجال الدراسات الرياضية والدراسات ‏الذّرّيّة. إنّ هذه النخبة التي بقيت وفيّةً للنماذج المثالية المحلّية الموروثة تمكنت من البقاء وفيّةً كذلك ‏للنماذج المثالية الغربية. فلقد أقبلتْ تلك النخبة على الجامعة الغربية إقبال الناسك على معبده، حيث ‏الإحساس بالتواضع وبضرورة الالتزام بالآداب الواجبة. أمّا النخبة الإسلامية فهي تغشى الجامعة كالذي ‏يغشى السوق من أجل شراء (الأشياء) التي قد تزيد من راحتها وطِيبِ عيشها والتفاني في ملذاتها ‏وعنجهيتها. فالفرق هنا شاسع”.‏
‏ ‏
ولم يُتَحْ لليابان أنْ يكتشف العالم الإسلاميّ إلاّ في وقتٍ متأخّرٍ جداًّ، إذ تعود أول علاقة بينهما إلى أواخر ‏القرن 19 (1). فعندما كان اليابان مُهدّداً باحتلاله على يد القوات الغربية، بدأ يهتمّ بمصر وبتونس اللّتين ‏وقعتا منذ زمن قصير تحت السيطرة الأنجليزية والفرنسية، وهذا الاهتمام كان بدافع أخذ الدروس ‏والعبرة من تجربة تونس ومصر لتفادي الوقوع في الحالة التي وقعتا فيها. إنّ مسار التحديث الذي شرع ‏فيه محمد علي (1770- 1848) بمصر خلال النصف الأول من ق 19 قد توقف بموته، إذ جاء حفيده ‏عباس وألغى سياسة الأشغال الكبرى التي انتهجها جدّه، وطرد كلّ المستشارين الأجانب الذين كانوا ‏محيطين به. ولمّا تمّ تدشين قناة السّويس سنة 1869 كانت ملكيتها مُناصفةً بين مصر وفرنسا. وبما أنّ ‏أنجلترا كانت ترغب في السيطرة على هذا المنفذ البحريّ الجديد فقد اشترتْ الأسهم المصرية سنة ‏‏1876 مِن الخديوي إسماعيل (1830-1899) الذي كان مُثقلاً بالدّيون لدى البنوك. وهكذا صارت ‏الشركة العالمية للقناة (‏Compagnie universelle du Canal ‎‏) تحت سيطرة فرنسا وأنجلترا، ولم ‏تعُدْ مصر تجني شيئا من جبايتها، ثُمّ قام الفرنسيون والأنجليز باستبدال الخديوي إسماعيل بابنه توفيق.‏

ولمّا أحس المصريون بتلك السيطرة الفرنسية على بلادهم اندلعت ثورة بقيادة العقيد عُرابي باشا ‏‏(1839-1911). وتتلخص مطالب تلك الثورة في وضع دستور للبلاد وانتخاب برلمان. وكان الرّد من ‏الأنجليز أنهم قمعوا الثورة بالقوة العسكرية وفرضوا الحماية على مصر. أمّا عُرابي فتَمّ نفْيُهُ إلى جزيرة ‏سيلان.‏
‏ ‏‎ ‎وصلت أصداء حركة المقاومة هذه إلى اليابان حيث كان المفكر القومي شيبا شيرو (1852-1922) ‏الذي تابع دراساته في أمريكا، وزار عُرابي في منفاه، يُتابع باهتمامٍ كلَّ الأحداث الجارية في مصر وفي ‏كل البلدان التي تشهد صراعاً بين القوى الأوروبية والشعوب المُستعمرة. وخرج من ذلك بحصيلةٍ تتمثل ‏في تأليف رواية سياسية تتكوّن في 1885 من اثني عشر مُجلَّداً، وخصص فصلاً من فصولها لثورة ‏عُرابي باشا (2). ‏

وقد نالت تلك الرواية نجاحاً كبيرا في اليابان في عهد الميجي ‏Meiji‏. وسِرّ هذا النجاح هو أنّ اليابانيين ‏وجدوا في تلك السلسلة أحداثاً تُبيّن لهم الأسباب التي تؤدّي إلى وقوع احتلال بلدٍ من طرف الاستعمار، ‏وتلك الأسباب هي: المديونية الخارجية الناجمة عن سوء التسيير، و”المُعاهدات غير العادلة” التي قد ‏يُضطرّ البلد إلى توقيعها بسبب حاجته إلى مساعدة الأجانب.‏

والواقع أنّ اليابان كان يرزح تحت ثقلين: المديونية من جهة ونظام القانون المزدوج من جهة ثانية. ‏ولذلك فقد بادرتْ السلطات اليابانية بإرسال بعثاتٍ إلى مصر قصدَ دراسة أوضاعها، ففوجئتْ بملاحظة ‏أنّ الأنجليز هم الذين يشرفون على تسيير المصالح العمومية (كالجمارك، والجباية…). ‏

وبرز مِن بين أعضاء تلك البعثات ضابط جمارك اسمه نامورا سايجي، وكان يرغب في التعرّف بعرابي ‏باشا بأيّ ثمن، فزاره في منفاه بجزيرة سيلان. وبعدها حرّر تقريراً حول تلك الزيارة ونَشَرَهُ سنة ‏‏1891. كما أنّ هناك ديبلوماسياًّ يابانياًّ آخر التقى بعرابي باشا. وكان اليابان يَقوم في تونس بنفس ‏المساعي التي قام بها في مصر. وكانت تونس تحت الحماية الفرنسية مند 1883 بذريعة إنقاذها من حالة ‏العُسْر الذي وقعتْ فيه.‏

ولمّا صار اليابان قوة كبرى بعد انتصاره في الحرب ضد روسيا القيصرية سنة 1905 ، بدأ يهتمّ بمكانة ‏الإسلام في حياة الشعوب الإسلامية الواقعة تحت سيطرة روسيا بِنِيَّةِ تحريضها على الثورة ضدها. ‏وهكذا وجهت دولة اليابان دعوةً إلى بعض الشخصيات الإسلامية لزيارة بلادها، ومِن بين تلك ‏الشخصيات الشيخ أحمد علي جرجاوي الذي قضى بعض الوقت في اليابان وعاد بتقرير نشره في كتاب ‏سنة 1906 تحت عنوان: (الرحلة اليابانية). وهو يدعو في هذا الكتاب إلى التحالف بين الأمبراطورية ‏العثمانية واليابان ضد روسيا. وفي نفس هذا الإطار سنة 1909 جاءت زيارة التتاري عبد الرشيد ‏إبراهيم إلى اليابان، حيث سعى للحصول على دعم الأمبراطور لاستقلال بلاده (3) .‏

لم يكتب الأمريكي آلان كريستلاو ‏Allan Christelow‏ عن مالك بن نبي إلاّ قليلاً، لكنّ ما قاله عنه في ‏الدراسات التي خصّه بها بين سنة 1992 و2005 يدُلّ على عمق معرفته بنفسية فيلسوفنا وفكره على ‏السواء (4). ونظراً لتحكمه في اللغتين العربية والفرنسية فلقد تمكّن من الاطّلاع على كلّ ما نشره بن ‏نبي. ومِن جانبٍ آخر فقد قضى فترةً مِن طفولته في اليابان (بين 1957 و1962) وبقي حافظاً لذكرى ‏رواية بوتشان ‏Botchan‏ لكاتبها ناتسومي سوسيكي ‏Natsume‏ ‏Soseki‏ التي نالت نجاحاً كبيراً بعد ‏إخراجها في فيلم سينمائي.‏

وتحكي هذه الرواية قصة حياة أستاذ شاب من طوكيو اشتغل كمعلِّمٍ في إحدى الجزر اليابانية النّائية، ممّا ‏أتاح له أنْ يَتأمّل في تناقضات المجتمع الياباني ومشاكله. ولمّا أتيح لكريستلاو أن يكتشف بن نبي في ‏بداية السبعينيات لم يَغِبْ عنه ما بين مؤلّف (مذكرات شاهد على القرن، ج1،2) وبين بطل رواية ‏بوتشان مِن قواسم مشتركة.‏

وذلك ما جعل كريستلاو يقترح فكرة إعداد فيلمٍ سينمائيّ حول مالك بن نبي في محاضرة ألقاها في ‏‏”ملتقى حول فكر مالك بن نبي الدولي” انعقد في أكتوبر 2003 بالجزائر العاصمة، وبمبادرة من نور ‏الدين بوكروح. وفي المناسبة نفسها ذكر لنا كتاباً ظهر سنة 1787 في فيلادلفيا من تأليف شخص غريب ‏الأطوار اسمه بيتر ماركو ‏Peter Markoe‏ (1752-1792) ، وعنوانه: “جاسوس جزائريّ في ‏بينسلفانيا” (‏Algérianspy in Pennsylvania ‎‏).‏

وكانت الجزائر في حرب ضد الولايات المُتّحدة في تلك الفترة. وماركو يؤكِّد في مقدمة كتابه أنّ المؤلِّفَ ‏جزائريّ اسمه محمد، وكان قد غادر الجزائر سنة 1783 وانتحل شخصية فرنسيّ وهو يعبُرُ مضيق ‏جبل طارق ويمُرّ على لشبونة مُتّجهاً إلى فيلاديلفيا التي كانت مسرحاً للمناقشات الدائرة حول الدستور ‏الأمريكيّ. ومن خلال الرسائل التي أرسلها إلى زوجته نستشفّ تعلُّقَهُ بأمل رؤية الولايات المتحدة ‏منفتحةً على العالم الإسلاميّ. ونحن لا نُجانِبُ الصواب إذا قُلْنا إنّ هذا الكاتب الغريب الأطوار كان ‏إرهاصاً لظهور طوكفيل الذي كتب عن أمريكا كما كتب عن الجزائر في القرن 19 (5) .‏

تمكّن بن نبي، بعد فصله من بلدية درو في أفريل 1941، مِن إيجاد عملٍ كحارسٍ ليليّ في أحد ‏المُعسكرات في ضواحي المدينة. فكان يقضي نهاره في القراءة والنوم والكتابة و الصلاة. ولم تكُن ‏الشرطة الفرنسية غافلة عنه. فلقد زاره بعض رجالها في بيته من أجل التفتيش في إطار البحث عن ‏بعض المفقودات التي ضاعت من أحد المخازن، وكأنهم يُريدون اتّهامه بالسّرِقة. قال له أحد رجال ‏الشرطة في نهاية الزيارة التي لم تُسفر عن نتيجة: “هناك أناسٌ يَغيرون منك ‏‎!‎‏”. و بعد ذلك انتقل بن ‏نبي إلى باريس لأنه بقي بدون عملٍ مُجدّداً.‏

اقترح عليه صاحب مقهى “الهقار” أن يشغل منصباً دائماً في خلية جديدة خاصة بالمسلمين، تابعة ‏للحزب الشعبي الفرنسي(‏PPF‏) الذي يتزعمه جاك دوريو ‏Jacques Doriot‏. وهي تقع في شارع ‏المدارس مُقابل الكوليج دوفرانس. قَبِلَ بن نبي بهذا المقترح واكترى غرفة بالقرب من البانتيون ‏Panthéon‏. وهو يقول عن ذلك: “لم يَكُنْ يُهِمُّني أنْ أرتبط بمسيرة دوريو السياسيّة الناجحة، فهو يريد ‏أنْ يُصبح (قائداً فرنسياًّ) تحت نير الألمان. لكنني كُنتُ أعرف تمام المعرفة أنّ الأمور كانت بعيدة كل ‏البُعد عن الجدّية في تلك الحركة التي لن تستطيع مُغالطة المسلمين في باريس”. وتفادياًّ لكلّ المصاريف ‏كان بن نبي يأتي بمؤونته من درو. ‏

بقي في ذلك المنصب من 01 فيفري إلى 01 جويلية سنة 1942. وكان يقضي أيامه في مكتبة سانت ‏جونفييف التي تعرّف فيها على زوجته منذ عشر سنوات. ولم يذكر بن نبي شيئا عمّا قرأه ولا عن ‏البحوث التي يكون قد قام بها في تلك الفترة. لكنّ المؤكّدَ أنّ تردّده على المكتبة باستمرار طيلة خمسة ‏أشهر كان حَرِياًّ بأنْ يُفيده في تحقيق مُخطّطاته، أو في إنارة الحدس الذي كان يُنير له الطريق. يقول في ‏ذلك: “كُنتُ ألْتَهِمُ كلّ المادة المعرفية التي تقع بين يديّ والتي تُمثِّلُ جملة زادي الفكريّ، باستثناء تكويني ‏العلميّ… وإنّنا نشهدُ اليوم ميلاد عملٍ فكريّ أُريدَ إجْهاضُهُ مِن سنة 1932 إلى سنة 1940. وأراني ‏اليوم (1952) أكتب وأنشُرُ هذا العمل دون أن أعلم شيئا عن جذوره لأنّ الجميع يعرف أنّني أكتُبُ بدون ‏توثيق، بل ودون إمكانية لأنْ يكون لي أيّ توثيق. و الخُلاصة أنّ تلك الفترة التي قضيتُها في مكاتب ‏الحزب الشعبي‎ PPF‏ بباريس قد سمحتْ لي بتحقيق حُلْمِ شبابي… بل وأكثر من ذلك، إذ كُنتُ أحلُم بأن ‏أكون أنا مؤلف صاحب “الكتاب المحظور”، فحقّقتُ ذلك إلى حدّ أبعد مما كُنتُ أتمنى. أنا مَدينٌ لهذه ‏الفترة التي ميّزها الحرمان بجميع ألوانه، والتعاسة الشاملة، والخطر المُحدق باستمرار والمُعلّق في ‏أجنحة الطائرات الأنجليزية، أنا مَدينٌ لها بنوع من الحماسة الدينية والتّفاني الصوفي اللّذين سيبقيان ‏مُلازميْنِ لي طيلة أيام حياتي”. ‏

فالراجح أنّ بن نبي أتيحَ له مِن القراءة والمُطالعة في مكتبة سانت جونفييف، وقبل ذلك في مكتبة “اتحاد ‏الشبيبة الكاثوليكية”، ما يمكن اعتباره أساساً لتكوينه الفكريّ.‏

‏(يتبع)‏

المراجع:‏

‏1)‏ ظهرتْ أول ترجمة للقرآن إلى اللغة اليابانية سنة 1920. ( ارجع الى بسام تايار:”اليابان و العرب”، منشورات ‏مديان، باريس 2004)‏
‏2)‏ عنوان هذه الرواية هو “كاجين نو كيجو ‏Kajin no kigû ‎‏” التي تعني: “لقاء مع الحسناوات”. و “شيباشيرو” هو ‏مؤلف كتاب آخر عنوانه “تاريخ مصر الحديث” ‏Histoire moderne de l’Egypte)‎‏)، ويبيّن فيه أنّ فشل ‏مُحاولة التحديث هي التي أدّت بمصر إلى الوقوع في قبضة الأنجليز.‏
‏3)‏ ارجع الى بسام تايار ، المرجع المذكور سابقا
‏4)‏ المراجع:‏
أ‌-‏ ‏”مُسلِم ذو نزعة إنسانية من القرن 20، مالك بن نبي” فيThe Maghreb Review‏”‏‎ ‎، 1992، مُترجم ‏من الأنجليزية إلى الفرنسية بقلم نورة بوزيدة.‏
ب – “مالك بن نبي والحدود الثقافية في عصر الشمولية” “الملتقى الدولي حول فكر مالك بن نبي، الجزائر، أكتوبر 2003).‏
ج – “مالك بن نبي ونظرتان عالميتان أنجليزيتان سنة 1954: نموذج أرنولد توينبي و ويندل ويلكي”، سبتمبر 2005.‏

‏5)‏ ‏”حول الديمقراطية في أمريكا” و “حول المُعمّرة في الجزائر”.‏

You may also like

Leave a Comment