بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
صارت الحرب الآن في فرنسا أمراً لا مفرّ منه. فلقد نُظِّمتْ تظاهرة ضخمة في مرسيليا شهر سبتمبر 1938 للتنديد بتصاعد الفاشية واضطهاد اليهود من طرف النازية. وكان بن نبي مَدْعُواًّ إلى تلك التظاهرة التي التقى خلالها بـ بيرنار لوكاش Bernard Lecache ، رئيس الرابطة الدولية ضد مُعاداة اليهود LICA، والذي كان قائداً تروتسكياًّ.
وعلى هامش ذلك نُظّمَ تجمّع بصفة ارتجالية في قاعة مُمتلئة اختلط فيها الفرنسيون باليهود الجزائريين. فاقترح بن نبي أنْ تُدرج في اللائحة الختامية إشارة إلى وضعية الجزائريين الذين يعيشون تحت الاضطهاد الاستعماريّ. ولمّا قُرِئتِ اللاّئحة لم تَرِدْ فيها أية إشارة إلى الجزائريين، فصعِدَ فيلسوفنا عُنْوةً إلى المنصّة وألقى خطاباً حماسياًّ حظِيَ بتصفيقات حارة من الجمهور الحاضر. وقد طالب في خطابه بأن تعترف فرنسا بحقوق شعوب شمال إفريقيا كي تقف بجانبها، لا أنْ تُعامَلَ كمرتزقة وككباش التضحية مثلما جرى خلال الحرب العالمية الأولى. وغداة ذلك نظّمَ تجمّعاً آخر في مقرّ نادي شارع لي شابوليي، وحضر مئات من الجزائريين الذين أتوا للاستماع إليه. وممّا قاله لهم استعداداً لاندلاع الحرب العالمية الثانية: “سيطلبون منكم التضحية بدمائكم، فطالبوهم بحقوقكم السياسية قبل ذلك”.
استُدْعِيَ بضعةَ أيام بعد ذلك إلى مقرّ أكاديمية ليبوش دي رون Bouches-du-Rhône حيثُ أشْعَرَهُ المُفتِّش بغلق المركز. ولمّا سأله بن نبي عن الأسباب أضاف قائلاً: “يا سيدي، منذ أن بدأت شعوب إفريقيا تتعلّم، ومنذ ظهور تلك المسائل المتعلقة بفلسطين، لم تَعُدْ هناك أية إمكانية للتحكم فيها وتسييرها. يجب أن تفهموا أنّ القرار لم يصدُر من عندنا، بل من الأعلى” (1). أدْرك بن نبي أنّ “العنكبوت” قد لاحقته بخيوطها. وكان يرى أنّ الحرب التي ستندلع عن قريب ستُغيِّر التوازنات الجيوسياسية العالمية، وسيؤدِّي ذلك إلى تحرير الجزائر. وكانت تلك السنة هي التي توفي فيها محمد إقبال وأتاتورك، أمّا مورينو Morinaud، نائب قسنطينة ورئيس بلديتها، فقد انهزم في الانتخابات المحلّية بعد تربُّعه على عرش المدينة منذ ثلاثين سنة.
كان شباب مدينة تبسة يلتقون كل مساء في “مقهى باقي” لمتابعة حصة إذاعية من إذاعة برلين يُنشِّطُها مُذيع جزائري اسمه يونس بحري، الذي كان يدعو الشعوب الإسلامية إلى التجنُّدِ ضد الأمبراطوريتين الاستعماريتين الفرنسية والبريطانية. فكانت المدينة تعيش حالة غليان. أمّا بن نبي فكان كثيراً ما يُلقي مُحاضرات في النادي الثقافي، ويعطي دروساً بصفة مُتقطِّعة في المدرسة التي كان يُديرها الشيخ العربي التبسي. وكانت زوجته تُقدم دروسا مجانية في الفنون المنزلية لبنات المدينة التي صارت ملتقى لعدة خطابات: الإصلاح، والمنتخبين، وحزب الشعب، وصوت برلين.
كان مِن المُنتَظَر أن يزور بن جلول مدينة تبسة، وتلك فرصة أراد بن نبي أن يغتنمها كي يُحْرِجَ تلك الأيقونة المعبودة بالإعلان عن مسؤوليته على فشل “المؤتمر الإسلاميّ الجزائري”. وكان الأمر يتعلق تلك المرة بالمؤتمر الثاني الذي عُقِدَ في جويلية 1937 في مقر “جمعية العلماء” بالجزائر العاصمة من أجل التنديد بتجميد مشروع بلوم فيولات على أيدي رؤساء البلديات الأوروبيين الثلاثمائة الموجودين في الجزائر. ولم يُشارك بن جلول في ذلك المؤتمر الذي قرر الدعوة إلى استقالة جماعية ثانية لكامل المُنتخبين الجزائريين في أوت 1937. وتلك هي الفترة التي انفصل فيها فرحات عباس عن بن جلول وتخلّى عن فكرة الإدماج. وإتماماً لإجراءات الانفصال قام باسترجاع جريدة “L’Entente “، ونقَلَها إلى سطيف، ثُمّ أسس حزباً سياسياًّ جديداً أسْماه: “الاتحاد الشعبي الجزائري”UPA) -Union populaire algérienne ) الذي سيدعو إلى مشروع فيدرالية بين الجزائر وفرنسا. أمّا الحركة الوطنية فكانت منقسمة انقساماً عميقاً، كما اختفى “المؤتمر”، وأصبحت الخصومات الشخصية أوْلى من مصالح القضية الوطنية. و بمرور الأشهر والسنوات بدأت تتضح علامات شبح الحرب.
في أحد الأيام أهداه الشيخ العربي التبسي كتاباً بالعربية عنوانه: “الصِّراع” مِن تأليف كاتب سعودي، وهو يعالج دور اليهود في قيادة العالم، واقترح عليه أن يُترجم بعض فصوله وأن يستكملها بتعليقاته ليتمّ نشره باسميْهما معاً. وقد أنجز بن نبي ذلك العمل في بضعة أيام وسلّمهُ للشيخ. و لمّا قرأه هذا الأخير تراجع وأقْلَعَ عن فكرة نشره. وسيتّخذ ذلك الكُتيّب عنوان “الحزب الجزائري غير السياسي الاجتماعي” (Le PAS algérien). (2) وأمام تراجع الشيخ العقبي اقترح بن نبي الكُتيّب باسمه وحده على اللجنة المُسيِّرة لجريدة ”حزب الشعب” التي صارت تُسمّى “البرلمان” كخلف لجريدة “الأُمّة”. لكن المُديرية رفضت نشره. وبعد ذلك ببضعة أيامٍ حرّر مقالاً تحت عنوان “لا مع الفاشية ولا مع الشيطانية” (3) (Ni pour le fascisme, ni pour le satanisme ) واقترحه على نفس الجريدة. ثُمّ ترجمه إلى اللغة العربية وأرسله إلى جريدة تونسية. لكنه لم يحْظَ بالقبول في الجريدتين. فَاشْتَاطَ غضباً على الزعماء وأشباههم ، (les zaïmillons) وعلى العلماء وأشباههم (alimillons) وعلى الخونة وأشباههم (traitrillons).
وكانت القوى الاستعمارية قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية تخشى تمرّد الرأي العام العربي والإسلامي عليها، وتخشى أن تكون نتيجة ذلك تأييد ذلك الرأي العام للسياسة الألمانية، ممّا سيُضعفها. و صحيح أنّ العرب والمسلمين، وبالنظر إلى الظروف التي يعيشونها تحت الاستعمار، وبالنظر لما يحدث في فلسطين، مُحِقّون في تمرّدهم على المصالح الفرنسية والبريطانية. ولقد وجدت النُّخب والتشكيلات السياسية في تلك البلدان نفسها أمام وضعية شائكة حتى أنّ بعض الوجوه المعروفة حاولت أنْ تميل إلى كفّة ألمانيا.
اندلعت الحرب في الفاتح من سبتمبر سنة 1939. وكان “حزب الشعب” والحزب الشيوعي في الجزائر ممنوعَيْن، ومصالي الحاج في السجن مُجدّداً، وابن باديس في الإقامة الجبرية، أمّا ابن جلول وفرحات عباس فقد تمّ تجنيدهما في الجيش الفرنسي. أثناء ذلك تلقّى والد بن نبي برقية تُغريه بالعودة إلى منصبه، أمّا هو فلقد تلقّى قُصاصة أُرسلتْ له عن طريق البريد، وهي تتضمن خطابا مُعادياً للنازية : “فهمْتُ الصفقة الضِّمنية المُقترحة عليّ فهماً جيّداً. لكنني لم أشعر بوجوب الاقتداء بفرحات عباس وابن جلول، أما والدي فلن يعود إلى عمله بالفعل”.
أبحر بن نبي رفقة زوجته في عنابة يوم 22 سبتمبر، أما خالدي فسافر إلى مرسيليا. وفي اللحظة التي غادرتْ فيها السفينة الميناء وراحت المدينة تتباعد عن ناظره، خطرتْ بباله هذه الكلمات: “يا أيتها الأرض التي تُطعِمُ الأجنبيّ وتترك أبناءها جياعاً، لن أراك ثانيةً إلاّ بعد تحرُّرِك”. والواقع أنّ بُعده عن الجزائر لم يدُمْ هذه المرّة إلاّ سبع سنوات. لكنه في تلك اللحظة كان في أعلى درجات الغيظ على بلاده: “وأنا أُغادر الأرض الجزائرية، كُنتُ مُحمّلاً بأكبر شحنةٍ امتعاضٍ يَقْوَى على حملها قلبُ بشر”ٍ.
لا بُدّ مِن الإشارة إلى أنَّ بن نبي لمْ يُبْدِ، إلى حدّ الفترة التي نحن بصددها، أية نية في الكتابة، ولم يُشِرْ إلى أيّ مشروع كتاب ينوي تأليفه، باستثناء ذلك النص المُعنْوَن “الحزب الحزائري غير السياسي الاجتماعي” (Le PAS algérien). ذلك أنه كان يتخبط في الظروف الصعبة المُسلّطة على كلّ “أنديجان”، وخصوصاً على العقل النيّر الذي يجتهد ويكدّ، رغم إمكاناته الضعيفة، في سبيل إعانة شعبه على رؤية طريق الواجب والنهضة. لكنّ ما لا شكّ فيه أنّ أفكاره أصبحت الآن واضحة. فهي مُنتَظمة في أعماقه بشكلٍ يجعلُها جاهزة للانفتاح. كانت نزعتهُ العقلانية وإيمانه تُعِدّان له الطريق لطرح “نظرية حول القرآن”، أمّا حماسُه الدينيّ فسيظهر في رواية “لبّيك” (Lebbeik) (4).
لقد أتيح له أن يكتشف “الهومو ناتورا” في أفلو. أمّا في الحي اللاّتيني، حيث احتكّ ب”منحرِفي الفكر”، فقد أتيح له أن يكتشف “المينوس هابنس” ويمْقُتَهُ. وكلّ الصّور الرائعة التي أعطاها عن ذلك لم تكن وليدة تخمين، بل وليدة تجربة واقعية. كان يستعدّ لمُصارعة غير متكافئة العتاد والعُدّة ضدّ الاستعمار والقابلية للاستعمار، وضدّ “البوليتيك” والنزعة الشعبوية (populisme). ورغم عدم تكافؤ القوة، ورغم الدسائس فإنّه لن يستسلم أبداً. لقد خاض المعركة وهو يكاد يكون وحيداً. وسينقل لنا في وقت لاحق فكرة من أفكار الكاتب جورج دوهاميل Georges Duhamel والتي كان يرى أنها تُناسب حاله: “إنّ على الكاتب أن يبقى وحيداً وحُراًّ كي يتمكن من أداء مهمته”. وفي حديثه عن نفسه يقول: “إنّ الأنسب للمثقف، كي يكون فعّالاً، أن يُعايش مجتمع بلاده. فذلك أفضل له من الانتماء إلى إطار مُحدّد يفرض عليه أن يلتزم بطريق التحزّب partisme ، إذا صحّ لي استعمال هذه الكلمة” (5)
إنّ هذه الكلمة التي شاعت بفضل ديغولDe Gaulle ليست إلاّ مُصطلحاً من المُصطلحات الجديدة التي وضعها بن نبي. وهو يتحدث في مذكراته غير المنشورة عن الانقسامات التي مزقت الحركة الوطنية بعد الحرب العالمية الثانية، فيقول: “كانت الساحة الجزائرية تُسيطر عليها النزعة المُوالية لأمريكا التي يرعاها ”حزب الشعب”. أمّا “اتحاد البيان” L’UDMA فلا يزال مُسانداً لصيغة الاتحاد مع فرنسا. غير أنني كُنتُ أعي أنّ الجميع لم يكن يعمل للمصلحة العليا، بل لحسابات تتعلق بالتربع على عرش السلطة. فلا شكّ أن أتباع “حزب الشعب” لا يتمنون أن يروا الحرية تتحقق على أيدي أتباع “اتحاد البيان”. ولستُ أدري إنْ كان الأمرُ كذلك في الاتجاه المعكوس. بدأتُ أرى الحقائق بوضوح فيما يخص الحالة العقلية التي تُميّز كل الحركات في الشمال الإفريقي… لكنني لن أجد لهذه “الروح الوطنية” اسماً مُناسباً إلاّ بعد مرور وقت طويل نسبياًّ، ذلك الاسم هو “التحزّب” le partisme. (هذه الأسطر كتبها بن نبي سنة 1952).
وهو يستعمل هذا المُصطلح دون وضعه بين قوسين في مقالٍ له تحت عنوان “وجهٌ آخر للأزمة المصرية” (6). وفي كتاب “وجهة العالم الإسلامي” الذي سيظهر سنة 1954 نجد أن هذا المصطلح يحمل معنى جديداً، وهو الروح الوطنية. ففي حديثه عن “الأخوّة الإسلامية كقاعدة ضرورية لأية سياسة في البلدان الإسلامية” يُعبّر بن نبي عن أسفه على أنّ هذا المبدأ “يتعرّض باستمرار لحربٍ مِن مختلف تيارات الروح الوطنية التي هي في حقيقتها مُجرّد تحزُّبات”.
مُلاحظة هامّة: سنعتمد ابتداءً من الآن، وحصرياًّ، على الجزء غير المنشور من السيرة الذاتية لبن نبي، وهو تحت عنوان العفن (Pourritures )، وهو العنوان الذي أشرنا إليه طيلة عملنا هذا بعبارة: مذكرات غير منشورة.
وجاءت أوراق هذه الوثيقة غير المنشورة مؤرّخة و مكتوبة بخط اليد على الوجهين، وتتخللها تشطيبات كثيرة. كُتبتْ كُلُّها في الفترة الممتدّة بين 01 مارس 1951 و 20 جوان 1954، ونستثني منها انقطاعاً لفترتين امتدت كلّ واحدة منها سنةً واحدة. و قد نجد صعوبة في قراءة بعض الصفحات المملوءة بالتشطيبات، وفيها بعض الأخطاء، ممّا يدُلّ على أنّ كاتبها لم يَعُدْ إليها منذ أن كتبها. ومع ذلك فإننا نجد بعض الملاحظات على الهوامش، ومِن الواضح أنّها أُضيفتْ بعد استقلال الجزائر.
ويتضمن هذا المخطوط 373 صفحة، ويتكوّن من جزءٍ معروف عنوانه (الطالب)، وهو مُطابق للنسخة المنشورة بالعربية إلى حدٍّ ما، إضافة إلى ثلاثة أجزاء أخرى غير منشورة. ومحتويات هذه الوثيقة تتلخص في: مقدمة، وجزء أول (الطالب l’Etudiant)، وجزء ثانٍ ( المنبوذ le Paria )، وجزء ثالث (الكاتب l’Ecrivain)، وجزء رابع (المهاجر). وهذا يدلّ أنّ بن نبي أعطى لهذه المذكرات شكلاً مناسباً للنشر.
و يبدو أنه كان ينوي أن ينشرها كما هي بدليل ما قاله في المقدمة: “إنّ كتابي هذا عبارة عن شهادة أريد أن أتركها للأجيال الصاعدة. لكنني كتبته بطريقة تسمح لجيلي بالتعرف عليه ومناقشته ونقده لأنّ الشهادة لا تكون مقبولة إلاّ إذا خضعتْ لمراقبة مُعاصريها. وإلاّ فإنها قد تُصبِحُ كذبة مما بعد الموت كتبها مجنون يحبّ التعذيب والمُطاردة أو طامح في التتويج بتاج العظمة بعد موته”. والحال أنّ بن نبي لمْ يُقدم كتابه هذا للنشر وهو على قيد الحياة، إذ لمْ يُنشر منه إلاّ الجزآن الأول والثاني (الطفل والطالب). لكن، هل كان بإمكانه ذلك على الأقل؟
وأول ما جاء في المقدمة: ”أنا أنتمي إلى الجيل الذي جاء ليختتم مسار التعفّن في جسد الحضارة الإسلامية القديمة، ويفتتح مرحلة جديدة اختلطت فيه “قذارتان”، أي: القابلية للاستعمار والاستعمار، لكنها كذلك مرحلة تظهر فيها هنا وهناك إرهاصات وضْعٍ جديد يستحيل تحديده”.
أصبحتْ نبرة الكاتب حادّة ومأساوية لأنه يمرّ بأصعب فترة في حياته، حتى أنه صار على حافّة الانهيار العصبيّ: “لماذا وُلِدْتُ في الجزائر كي أكون علامة مِن العلامات التي تحمل إرهاصات الوضع الجديد لأجِد نفسي بذلك في مواجهة هذين الوحشين: الاستعمار والقابلية للاستعمار؟ لا أملك لذلك جواباً، غير أنَّ عندي مِن الإيمان ما يكفي لمساعدتي على قبول ما قدّره الله لي. وما أعرفه هو أنّ مَن عاش سابقاً لعصره أو مُتأخّراً عنه لا يجد في طريقه غير الأشواك. فأناَ إذاً لا أسرد إلاّ ما أعرف ممّا عشتُهُ أو سمعتُهُ أوْ فكّرْتُ فيه”.
بدأ بن نبي في المقدمة بشرح العنوان المُختار لكتابه وإيراد مُبرِّراته، إذ جاء في الأسطر الأولى قوله: ”رأيْتُ ما يزيد عن اللّزوم منذ عشرين سنة، وتشبّعْتُ فيها تشبُّعَ النحلة بعسلها إذا طال قطفُها للرحيق. لكن ”العسل” الذي أنوي وضعه في هذه الصفحات ليس مِن كوثر الأزهار بكل أسف، بل هو شحنةُ نفسٍ أُريدَ تدميرُها بالقهر الجسدي والسُّمّ المعنوي. فموضوع هذا الكتاب هو قصة تلك النفس وتجاربها منذ عشرين سنة. وهو، في كلمة واحدة، “اعتراف” أو “مُذكرات”. هل تعلمون ماذا تعني، عند ذي الإحساس المرهِف، نظرةُ براءةٍ مِنْ طفلٍ في الخامسة لمْ يعرف للخبز طعماً كي يستطيع النوم ؟ إنّ نظرة الطفل عبد الحميد، وهو ابن أختي، هي أقسى صورة لمعاناتي مع عائلتي منذ عشرين سنة… فلقدْ حُرِمَ أبي من أيّ مصدر للرزق، وفُصِلَ زوج أختي من عمله منذ عشر سنوات… وأنا أجد نفسي مسؤولاً عن كل هذه المآسي… وزوجتي تُعاني من المرض دون أن تحظى بالرعاية الطبية والعلاج، بالإضافة إلى الشعور بالإهانة عند الاضطرار للعمل لسدّ رمق العائلة التي كنتُ أنا نفسي عاجزاً تمام العجز عن إعالتها لأنّ الاستعمار يسدّ كلّ أبواب العمل في وجهي، ولو كان ذلك عملاً بسيطاً”.
ولهذا فهو يتكلم عن ماسينيون، باعتباره سبب كلّ مآسيه، بعبارات فيها كثير من الحقد. فهو، أي ماسينيون، ” الشرطي الذي يتظاهر بأنه عالم، بل بأنّه قدِّيس”.
أمّا الجزء الثالث (الكاتب) فهو يبدأ بهذه العبارات: “أُواصِلُ، بعد انقطاع لمدة عام، سردَ قصة حياتي التي أنْهيتُ كتابة جزئيها الأولين (الطالب والمنبوذ) في العام الماضي. ومخطوطة هذين الجزئين توجد عند الشيخ شيبان والشيخ إبراهيم مزهودي اللّذيْنِ ألَحّا على الإبقاء عليها بعد أن كُنتُ أنوي إحراقها لأني كنتُ في أحلك أزمة مرّت عليّ طيلة حياتي، عندما كانت الشرطة الاستعمارية، ومعها قساوسة كاثوليكيون، يُريدون دفعي إلى الانتحار الذي به يتوقف عملي هذا، أو إلى سلوك عنيف يكون ذريعة لقتلي بلا إشعار”.
كان بن نبي في تلك المرحلة على يقين مِن أنّ حياته هي التي صارت في خطر، وهو يُصرِّح بذلك بوضوح: “الآن، وأنا مُتيقِّن مِن قُربِ نهايتي بطريقة أو بأخرى، لا يُعَدّ التعبير عمّا أُفكّر فيه عنجهيّة: فأنا لا أظُنُّ أنّ ملفي الحقيقي موجود في مقرّ الحكومة العامة أو في وزارة الداخليّة، بل هو موجود في الفاتيكان وفي مجلس الكونسيستوار”( Consistoire). ومن الأمثلة التي كان يُفكّرُ فيها أحياناً ذلك “الأب” المغربي الذي اسمه عبد الجليل، والذي أرغمه ماسينيون على اعتناق المسيحية على المذهب الكاثوليكي (7).
عاد بن نبي إلى مساره السرديّ إذاً سنة 1939، وكان آنذاك رفقة زوجته وحماته في بلدة لوات كليري (Luat-Clairet). حاول مرّة أخرى أنْ يحصل على أيّ عمل لكنه لم يُفْلِحْ. ولذلك فقد ساءتْ أحوال الأسرة إلى أبعدِ حدّ إلى درجة العجز عن شراء الخبز، ولا حتى الورق الذي كان يُخربش فيه مذكراته وهو مهتاج. تلك الحالة المُزرية مُضافةً إلى حنقه على الاستعمار هي التي جعلتْهُ يأْمُلُ أن تُحْدِثَ الحرب العالمية ما قد يكون في صالحه، إذ يقول: “كُنتُ في انتظار الحرب، تلك الحرب التي ستُغيِّرُ كلّ شيء لتستقيم أقداري التعيسة، تلك الحربُ المُحرِّرة التي ستُحِلُّني المكان الذي أستحقُّهُ في بلدي بعد تحرُّرِهِ”.
وقد أخطأ في ذلك كما أخطأت عشرات الآلاف من الجزائريين الذين سيخرجون مُتظاهرين بتاريخ 8 ماي 1945 في الشمال القسنطينيّ رغبة منهم في المشاركة في احتفال الحلفاء والمطالبة بحقوقهم الوطنية، ليجدوا أنفسهم أهدافاً سهلةً للرشاشات والقصف الجويّ. وسيكون عدد الضحايا 45000 قتيلاً جزائرياًّ في ذلك اليوم وفي الأيام التي تلتْه، مُقابل 103 قتلى أوروبيين. وسيقضي بن نبي سنوات الحرب العالمية الثانية بين فرنسا وألمانيا.
(يتبع)
المراجع:
1) بالإضافة إلى وروده في المذكرات غير المنشورة، فهذا الحدث وارد في مقال لبن نبي عنوانه “تُجار الحضارة” ( Marchands de civilisation) نُشِر في صحيفة ( Le Jeune Musulman ) بتاريخ 16 أفريل 1954، وفيه يقول: “بين 1938 و1939 كُنتُ أقدِّمُ دروسا للكبار لمُساعدةً المغاربة على التعلّم، فاستُدْعيتُ إلى مفتشية التعليم وأخبروني بمنع تلك الدروس”.
2) (PAS ): هي الأحرف الأولى في ( “الحزب غير السياسي الاجتماعي” Parti Apolitique et Social ). ففي نسخة مِن مذكراته غير المنشورة يؤكّد بن نبي أنه أرسل بهذا النص إلى القنصل العام الإيطالي في قسنطينة، وقد أخبره الوسيط الذي سلم له النص أنّ القنصل أبدى رأيه قائلاً: “هذا النص يجب نشره”.
3) في نسخة أخرى من مذكرات بن نبي غير المنشورة، أطلق هذا العنوان ” لا للديكتاتورية و لا للقرصنة الشيطانية”
4) منشورات النهضة، الجزائر العاصمة 1948
5) ”النقد…لكن البناء”، ” الجمهورية الجزائرية عدد 22 جانفي 1954
6) ”مجلة الشاب المسلم ” عدد 12 مارس 1954
7) جان – محمد عبد الجليل (1904-1979) شابّ مغربيّ تابعَ دراسته الابتدائية في مدرسة شارل دو فوكو التي يُسيّرُها فرنسيون في الرباط، وأُرْسِلَ سنة 1925 من طرف الماريشال ليوتاي لمتابعة دراساته في السوربون. تحوّل إلى الكاثوليكية ستتنة 1928. وسيقول في وقت لاحق: “في الوقت الذي لم أكن مستعداًّ لأصير مسيحياًّ جعلني الله في خدمته على يدِ رجلٍ عظيم جداًّ يكفيني أن أذكر لكم اسمه: الماريشال ليوتاي. كُنتُ أعرفه معرفة جيّدة جداًّ. وبالفعل فقد تعوّد على زيارة كل أقسام الثانويات في المغرب كل سنة… وكان في الغالب يدعوني لتناول العشاء في بيته…” (ارجع الى بيار اسولين، ” معتنقو الاسلام الجدد”، منشورات ا.ميشال، باريس 1982)
ومِن جهة أخرى يمكن أن نقرأ في كتاب تكريمي خُصِّصَ له، وهو ج.م. عبد الجليل، “شاهد القرآن و الانجيل” منشورات سارف، باريس 2004
ما يأتي: “تعرّف على ماسينيون الذي كان أستاذاً في الكوليج دو فرانس آنذاك، والذي كان له بالغ الأثر فيه. فماسينيون هو أبوه الروحي. وكان دخوله إلى المسيحية حدثاً مُفاجئاً”.
وكتب عبد الجليل مقالاً في سيرته الذاتية عنوانه “شاهد على قادِمٍ مُتأخر إلى الكنيسة Témoin d’un tard venu à l’Eglise ) ونُشِر سنة 1967 في “دفاتر في حياة فرنسيسكانية Cahiers de vie franciscaine، وهو التنظيم الذي كان ينتمي إليه منذ دخوله المسيحية إلى موته. ومما جاء في ذلك المقال: “إنّ أهمّ ما حظِيتُ به في حياتي يبقى هو لقائي بشخصيات فذّة والاستماع إليها ومُساءلتها ومُخالطتها وحبّها. واثنان من تلك الشخصيات على الأقلّ كانا عبقرييْن، وهما: لويس ماسينيون وبيار تايلار دو شاردان. واعتبرَني أحدثُ أكبرِ رجالاتِ فرنسا في القرن 20، وهو الماريشال ليوتاي، صديقاً حقيقيًّا وعاملني على ذلك الأساس، رغم فارق السن بيننا، وهذا مِن دون أيّ لُبْسٍ، وبعيداً عمّا يقوله البعض حول علاقاته مع الشُّبّان الإيفيبيين” (éphèbes). وكان يقول عن ماسينيون “أحسن أبٍ روحيٍّ لي”.
كتب له البابا بول 6 رسالة سنة 1938 ليؤكِّد له أنه مُهتمّ بكل ما يفعله. وفي سنة 1966 حظِيَ باستقبال خاص من طرف البابا. وقضى عبد الجليل الخمس عشرة سنة الأخيرة من حياته في معاناة فظيعة سببُها سرطان في اللسان ألزمه السكوت التام.
