بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
وصل بن نبي إلى مرحلة النضج التي جعلت منه رجلاً مُقاوِماً ومُسلّحا بشعور حادّ بالعزّة والأنفة. ويتلخص ملمحُه النفسي في كونه إنساناً مُعتزاًّ بنفسه، حريصاً على أنْ يُعترَفَ بثقافته وعلمه في الوسط الذي يعيش فيه.
كان ذات يومٍ في بيت صديقه اليهوديّ، وحكى له حُلماً رآه البارحة، فلمّا سمعتْهُ أختُ اليهوديّ قالت له: ”ستكون رجلاً مشهوراً”. ولمّا سألتْهُ امرأة أرادت إحراجه: “ماذا يعني الله ؟” أجابها بعد لحظات من التأمل حرص فيها على إعطاء المسألة قدرها، لأنه كان بحضور أشخاصٍ مُهمّين عنده، فقال: “إنه سبب كل القضايا مع أنه بغير مُسبِّب” (Il est la cause sans cause de toutes les causes).
كان كل شيء في حياته اليومية يتّخذ وجهاً شعائرياًّ وطقوسياًّ. لم يكُن ناسكاً مُتعبِّداً، لكنه كان مؤمناً مُكتحِلَ العين بإثمِدِ العقلانية والمنهجية. كان يشعر بأن أمره سيكون عظيماً، لكنه وجد نفسه مُحاصراً بالفقر. وكلّ سعادته كانت بين صفحات الكتب أو بمشاهدة كلّ ما يستحضر في ذهنه فكرة النهضة أو الحِراك الجماعيّ أو المبادرة الجمعية. وأكثَرُ ما تَجيشُ عواطفه عندما يكون بإزاء مشاهد يظهر فيها معنى الأخلاق، أو مشاهد تُمثِّلُ الظُّلم والجور. ولا يثور غضبه إلاّ إذا تعلّق الأمر بمساس خطير بدينه. وقد يحدث له أن ينهار كُلِّيةً. لكنه في الوقت الراهن حبيس وضعية شائكة. فهو يرى أنّ هناك إرادة مُبيّتة لتدميره من الدّاخل، وأنّ هناك مَن يُريدُ أن يقول له إنك لا تُساوي شيئا ولا تقوى على فعل أيِّ شيء.
إنّ ذلك “الأنديجان” الذي تميّز بنظرته المُغايرة لنظرة الأنديجان، وبنجاحه في دراساته، وبتمرّده على من يُريدُ تدجينه، وبتأثيره على الأوساط المسيحيّة التي يحظى فيها باحترامٍ كبير حتّى أنّ بعض المسيحيين بادروا بالدخول إلى الإسلام، قد تمّ حَبْسُهُ بين فكَّيْ كمَّاشة. وزوجته التي كانت مثالاً في الصبر والتروّي، وفي الثقة والإيثار، كانت تُساندُهُ بكل ما أُوتيَتْ مِنْ قوة وتَفَانٍ. وكان بن نبي منطوياًّ في تلك البوتقة الضيّقة التي يحيا فيها كَسَجِين. لكن إيمانه وشجاعته وقوة عقله، وصفاء سريرته، كلّ ذلك ممّا أبْعدهُ عن الوقوع في هوّة الجنون. وممّا جاء في مذكراته حول تلك الحالة: “لقد أعانني الله على تجديد جلدي كُلّما أُصِبْتُ بجُرح”.
وهذه قصيدة كتبها حمودة بن ساعي تحت عنوان يأس ( Désespérance ) بتاريخ 10 مارس 1936، وهي صورة صادقة للحالة المعنوية المتردّية التي كان يمرّ بها الشاعر، والراجح أن بن نبي لم يكن أحسن منه حالاً (1):
يا إلهي ! إني أشعر بالوحدة وليلي عميق
وسُكونُ الموت يخنق أنفاسي من كل جانب
ولا أعرف لِمن أشكو همي
في الظلمة الدمساء التي أنا فيها غائص.
يا إلهي ! إني أفنى في حبك، وقلبي لا يريد إلاّ الخير للناس
لكن الناس في كفرهم، ولِعِلْمِهِمْ بقلة حيلتي
يُطاردونني بدناءة… آه . يا لجُبْننا !
العادل يُعذّبنا…
يا إلهي ! إنّ ألمي شديد وعبْئي ثقيل
فأنا مِن جنسٍ منبوذ، وإخواني يذرفون الدموع
ولا أدري كيف أخاطب هذا العالم الأصم
الذي نرزح تحت رحمة سلاحه.
يا إلهي ! لقد خارتْ قواي لأنّ دربي شائك
فلا طيبَ معاش ولا حُسن مركب !
أنا هائم في صحراء… فهل إلى نصرٍ مِن سبيل
بمحْضِ حصافتي واستقامتي؟
يا إلهي ! إلى أين أنا ذاهب بلا سلاح ولا درع؟
أنفاسي تختنق في هذا الجو القاتل
ليس الألم هو ما يٌلقني، فأنا له مُعتاد
لكن الزور يُزلزلُني… فتفهّمُوا طبيعتي.
يا إلهي ! كُن في عوننا، وزوِّدنا بالقوة
والشجاعة الراسخة والعلم المُستنير
فنحن نريد الاستحقاق، فأحِطْنا بالثبات
ورباطة الجأش.
يا إلهي ! إليك أوجّه صلواتي دون سِوَاك
فهل مِن أمل في سماعك صرختي الطويلة ؟
لكن هيهات !… فلا تباشيرَ أملٍ في الأفق
ولا أرى غير نيراني المألوفة.
يا إلهي ! ألا تُجيب عن استغاثة قلبي؟
أيُعقَلُ أن يكون اسمُكَ تغريراً؟ وعَوْنُك أُكْذُوبَة؟
أَو َيُعقلُ أن يكون إيماني مُجرّد حُلم
في هذا العالم الفاسق، ونحن تحت نير المُنتصر؟
انتقل بن نبي رفقة زوجته إلى تبسة في شهر جويلية 1937. وما أشدّ دهشتهما أمام مرأى نسخة من الأناجيل الجديدة موضوعة في أمتعتهما عند النزول من السفينة. عاد إلى مدينته التي لم يجد فيها أي شيء يوحي بوجود حركة الإصلاح، إذ كان الناس غارقين في عقلية المطالبة المستمرة بالحقوق السياسية واللّهث وراء الاستحقاقات الانتخابية. شعر بخيبة الأمل وسجّل ذلك في مذكراته قائلاً:
” لم أجد أثراً للجزائر التي كانت منذ سنة 1925 تسير على درب الحضارة تحت راية الإصلاح. ولم أجد تلك الأجواء الحميمية التي ينضج فيها العقل الحيّ بمعالجة مشاكل ملموسة مثل: القضاء على الخرافة، أو بناء مدارسَ للقضاء على الأمّية، أو تشييد مساجدَ للرقي بالنفوس إلى مستوى أعلى من مرحلة ما بعد الموحّدين، أي أعلى من مستوى القابلية للاستعمار التي هي القاعدة النفسية للاستعمار. لم يعُد الناس يتكلمون عن كل ذلك، ولا عن الله… بل صاروا يتكلمون عن بلوم… وحتى والدي الذي كان أشرفَ إنسانٍ عرفتُه في حياتي صارتْ بطاقة المناضل الاشتراكي في جيبه… إنه الانهيار الكُلِّي: فلقد اختفت النزعة الإصلاحية واختفت معها كل براعم المستقبل التي كانت فيه… بل إنّ العلماء أنفسهم كانوا يعطون المثال والقدوة في كل ذلك، حتى صرنا نرى بيرنار لوكاشBernard Lecache (2) والعربي التبسي يتعانقان في شوارع تبسة كأنهما أَخَوَان…”
كان النّاس كلّهم يحتفلون بعبادة “الرّجل الفذّ”، بن جلول. وكان بن نبي متذمِّراً من ذلك حتى أنه تشاكس مراراً مع العربي التبسي حول الموضوع. ودُعِيَ بن نبي يوماً لإلقاء محاضرة في قاعة الحفلات بالمدينة، فاختار موضوع “زحف الرمال” الذي أصبح يُقلقه كما يَقْلَقُ لخطر يُهدد حياته الشخصية. وكان الحاضِرُ الوحيدُ الذي طرح عليه بعض الأسئلة هو… محافظ الشرطة بالمدينة.
حاول بن نبي أن يكسب تأييد بعض أغنياء تبسة ليجمعهم حول بعض المشاريع الصناعية مثل: محطة لتوليد الكهرباء، أو مصنع لورق نبتة الحلفاء، أو مصنع للإسمنت، أو معمل لدباغة الجلود، أو تربية النحل… لكن مجهوده ذهب سُدى. يقول في مذكراته غير المنشورة: “كان العلم والصناعة هما الموضوعان الوحيدان اللذان أطرحهما أينما جمعَنا لقاء مع الشباب أو الشيوخ على السواء، وخاصة في النادي الذي أنْشىء حديثا في تبسة. وكُنتُ في ذلك أقدّمُ دروساً حقيقية، لكن بدون صياغات علمية، حول صناعة الزجاج، وصناعة المُكدِّس، والورق، والجير المائي، والصابون، إلخ”. وقد زاره ذلك المحافظ يوماً وطرح عليه بعض الأسئلة حول نواياه.
كان بن نبي هو الذي ينوب عن الشيخ العربي التبسي في الدروس التي كان يُلقيها في النادي الثقافي بالمدينة. ولم يكن منسجماً معه بسبب مواقفه المؤيدة لـ “مُنحرِفي الفكر” في “فيدرالية المنتخَبين”. فهُمْ، فيما يرى، يهدمون المكاسب التي تحققت على يد حركة الإصلاح خلال العشرين سنة الماضية.
إنّ ما كان يعتبره العلماء عملاً سياسيا راقيا يضطلع به جزائريون “راقون”، سواء أكان ذلك بعقدة نقص، أو بدافع المصلحة، لم يكن عند بن نبي إلاّ ضرباً من “البوليتيك” المُسِفّة التي تُكرِّسُ وضع الأنديجانا والشعوذة. كان يعاتب مَنْ يُسَمُّون أنفسَهم بـ “قادة النهضة الجزائرية” على أنهم لا يُجسّدون إرادةً للتوجه نحو الحضارة، ويكتفون برفع المطالب. وهو يسجل ذلك في مذكراته قائلاً: “إنّ ما كان يصدمني على الدوام هو “البوليتيك”، أو ذلك الشيء الذي يُقال ويتكرر، لكنه لا يتحقق أبداً لسبب بسيط وهو خلوّه من الخلفية النظرية، وعدم التفكير في وسائل التحقيق… لم أكن أرى في أي مكان، سواء عند العلماء أو عند مصالي أو عند بن جلول، أي شيء من السياسة لأنّ السياسة ليست ما يُقال، بل هي ما يُنجز”. كان بن نبي ممتعضاً إلى درجة أنه تمنّى مغادرة المدينة على الفور.
ألقي القبض على مصالي الحاج رفقة مفدي زكرياء وحسين لحول ومحمد خيدر بتاريخ 27 أوت 1937 بتهمة “التحريض على أعمال مُخِلّة بالنظام ضدّ سيادة الدولة”، وحُكِمَ عليهم بعامين سجناً. ونُظمت الانتخابات المحلّيّة في شهر أكتوبر بمشاركة “حزب الشعب” (PPA) وباقي التشكيلات السياسية الجزائرية. وازدادت حدّة الخلاف بين مختلف التيارات المُشكِّلة للحركة الوطنية، لكن القاسم المشترك بينها هو المُطالبة بالحقوق واللهث وراء الانتخابات وتوجيه الانتقادات للمُنافسين.
وبعد ذلك باثنتي عشرة سنة يُقدّم بن نبي لوحة قاتمة عن المجتمع الجزائريّ كما كان يتراءى له آنذاك، وذلك في كتاب “شروط النهضة ”، (1949) إذ يقول: “في بلد مُستعمَرٍ مثل الجزائر لا توجد طبقات اجتماعية، بل هناك فئتان من الناس. الأولى، وهي تقطن في المناطق العمرانية، تتكون من الإنسان البطّال الذي لا يجد ما يعمل، ومن صاحب الدكان الصغير الذي يبيع بعض التوابل والسلع الرخيصة، ومن الشاوش في الإدارة الاستعمارية، ومن بعض المُحامين والقُضاة والصيادلة. والثانية، وهي التي تُعمِّر أريافنا، تتكون من الإنسان البدوي الرّحّال، ومن الفلاح الذي لا يملك محراثاً ولا قطعة أرض. الأول هو المينوس هابنس (minus habens )، الصغير من كل الأوجه. والثاني هو الهومو ناتورا (l’homo natura )، البدائي من جميع النواحي.
لكن غالباً ما تكون البداوة أزكى وأشرف من الصِّغر. فساكن المدينة قد قبِل بحياة المينوس هابنس، وهو بذلك يُدمِجُ كلّ عوامل الانحطاط مع طبيعته، تلك العوامل التي تسببت في انهيار حضارات تعاقبت على أرض بلاده منذ العهد القرطاجي. لقد عاش على الدوام في كنف انحطاطٍ حضاريّ، وعلى الدوام في منتصف الطريق المؤدية لكل شيء، والمؤدية لمرحلةٍ ما، في منتصف الطريق المؤدية إلى فكرة وإلى التطوّر. إنه ذلك الإنسان الذي لن يبلغ هدفه لأنه ليس بنقطة الانطلاق في التاريخ مثل الهومو ناتورا، ولا بنقطة الوصول مثل إنسان الحضارة. إنه نقطة مُعلّقة في طريق التطوّر، في التاريخ وفي الحضارة. فهو المينوس هابنس من جميع النواحي، أو هو إنسان أنصاف الأشياء الذي تسلل إلى فكرة الإصلاح وجعل منها نصف فكرة أطلق عليها اسم “السياسة” لأن قصارى ما يقوى على بذله هو نصف مجهود، أو نصف تفكير، أو نصف مرحلة. وهو اليوم يتطاول على المشكلة الجزائرية بوضعها على طريق أنصاف الحلول أمام نصف المجلس الجزائريّ الذي نصفه الآخر أوروبيّ مُستعمِر، والذي جعل منه الاستعمار سياجاً للاستحقاقات الانتخابية التي يشارك فيها “أنصاف المثقفين”.
وفي أفريل سنة 1938 قامت مجموعة من المناضلين الجزائريين في مرسيليا بتأسيس “نادي المؤتمر الإسلاميّ الجزائريّ” واقترحت على بن نبي تقديم دروس للعمال المغتربين في إطار نشاطاتها. ونظراً لاهتمامه الشديد بمسألة محو الأمية فقد قبل بالاقتراح بدون تردد.
وجد نفسه في ذلك النادي بمعية أشخاص بسطاء، طبيعيين، وهو الصنف الذي يحبّه لِمَا فيه من فطرة غير مُشوّهة، ومن عزّة رغم الفقر، ومن استقامة. وكان المكان الذي اختير للنادي عبارة عن ورشة حدادة في السابق، ويقع في 6، شارع ليشابوليي 6, rue des Chapeliers، وقد اكتراه هؤلاء العُمال من أجل إعطاء صدى للأفكار السياسية والثقافية المنتشرة في الجزائر. أقام بن نبي في ذلك المكان على أنّ الاتفاق الذي أبرمه مع مُضيّفيه يقضي بأنْ يكون عملُه تطوّعياًّ. وقد قبِلَ بن نبي بهذا الشرط وتفانى في خدمته تفاني المُتعبّد طيلة الأشهر الإحدى عشر التي استغرقتها تلك المغامرة.
كان ينام في ذات المكان ويكتفي بالخبز والجُبن في وجباته. وما فتئتْ زوجته أن التحقتْ به وشمّرت على سواعدها الفنّية التي تُحسن خلق الأشياء من العدم. وراح بن نبي الذي أُطلِق عليه آنذاك اسم ”الشيخ بدون شاش” يتفنن في تنظيم الأمور واستطاع أنْ يحقق عدة طفرات. ذلك أنه كان مُتفانيا في عمله الذي كان يعتبره مهمّةً كبيرة. وأصبح سعيداً حتى أنه تغيّر تغيّراً جذرياًّ من الناحية النفسية، لأنه كان يحس أنه عائد إلى الحياة بعد الموت. وهو يذكر تلك التجربة في مذكراته غير المنشورة كأنها انتصار على الاستعمار وعلى قابليته، فيقول: “وجدْتُ نفسي مُركّزا على الهدف الذي سطّرتُهُ لنفسي، وهو التربية. وأنا بذلك أكون قد وضعتُ يدي على ضرورة الضرورات. فلقد كان المسلمون في مرسيليا يعيشون أو يحيون في غياب كُلّيّ للشعور بأنفسهم وبما يحيط بهم. وهُمْ بهذا يُقدّمون لعيْنيَّ الشَّغوفتيْن بالعلامات الدالة مشهداً مؤسفاً لقطيع بشري حَرِيّ بالرأفة. كُنتُ أرى مِن السُّود مَنْ يعجبك ملبسه وأدبُه، وكنتُ ألاحظ نوعاً من الاعتزاز بالنفس في الشوارع التي يتواجدون بها. أمّا المسلمون فهُم، أوّلاً وقبل كلّ شيء، يتكدّسون في شارع واحد، وهو شارع ليشابوليي، ذي السمعة السيئة، حيث يُعيدون خلق أجواء الحياة الجزائرية بأبسط تفاصيلها وبأبشع صورها، وأفظع هزليتها. كان السّود يتخلّصون من حياة الغاب عندما يحُلّون في مرسيليا. أما المسلمون فهُم يُعيدون نسخ كل صور “الأصالة الأنديجانية”.
كانت في شارع لي شابوليي مقاهي عربية بما يُلازمها من مُقابلات في لعبة الدومينو، والأوجاك « oudjak » الذي تتثاوب فيه قِدْرَةٌ يَصْدُرُ منها دخان. وفي عتبة موالية تجد مطعماً شعبياًّ عُلِّقت في بابه عنزة مسلوخة والذباب لا يكاد يفارقها. أمّا الطريق فهي سوق، وهي مكان تجد فيه كل أنواع الخردة، وكل ما هو مشكوك فيه، وكلّ شيء مُتّسخ وممزّق، والباعة يصيحون بأعلى أصواتهم. لكن هذا المشهد الذي كان كابوسا مُرعباً، كان كذلك بالنسبة لي حقلاً للعمل لأنني كنتُ أعرف ما تهدف إليه الإدارة، بسكوتها المُريب عن ذلك. كان إلغاء تلك المظاهر، أو محاولة إلغائها، من بين أولوياتي. وكان برنامج التربية الذي سطرته مبنياًّ على هذا الاعتبار”.
إنّ بن نبي الذي يبدو لنا في هذا المقطع رجلاً في أعلى درجات الصرامة، كان في أعماقه عاطفياّ إلى أبعد حدّ، وذا وجدان مُرهف. وهو الذي وصف نفسه بذلك. فهو يحب الكلام العاطفيّ، وتعابير النفس الجياشة، ومناقشات الضمير. إنه رومانسي، لكن رومانسيته كانت روحية. وهو مثاليّ يؤمن بالأفضل وبالإتقان وبقوة الأفكار. وعادة ما تكون عيناه هما ترجمان أحواله الداخلية وهما مُغْرَوْرَقَتَان بالدموع. وهو يجد راحةً في الجلوس مع إخوانه البطّالين، أو مع العمال، وحتى مع المُهمَلِين. وكان في مهمته تلك يقدم دروساً أيام السبت ومحاضرات أيام الأحد.
لم يكن يريد مُجرّد تعليمهم الأبجدية والأرقام، والكتابة والحساب، لكنه كان يهدف إلى انفتاح عقولهم على مفاهيم في علم الفلك والجغرافيا والتاريخ اعتماداً على طريقة مناسبة لسنّهم وقدرات فهمهم. كان يُعلّمهم فن الحياة الراقية وجماليات الأشياء والأفعال، والسلوك الواجب الالتزام به خارج المنزل، أو حتى طريقة الجلوس في سطح مقهى. كان يريد إحداث تغيير جذريّ فيهم، وتعليمهم فلسفة الواجب، والاتكال على النفس، والعمل الجماعي، ويريد أن يُوقظ فيهم الحياة الفكرية. وفي كلمة واحدة، كان يُريد أن يُعلّمهم ”الحضارة”.
وممّا قاله هذا المُعلِّمُ العجيب عن نفسه، وبطريقة طبيعية: “قررتُ أوّلاً أن أُدخِلَ مُستمِعِيّ في الحضارة، وأن أجتثّهم من تأثيرات شارع لي شابوليي. فكانت دروسي تعليمية وأخلاقية و جمالية في آنٍ واحد… كانت تهدف أولاً أن تُحدث هزّة في نفوس تلاميذي ببثّ التقزز من المواقف والسلوكات والأفكار الأنديجانية… وكُنتُ أحاول أنْ أُعلِّمهم جميعاً روح النقد وحب التجديد”.
كان دوماً على يقين من أنه رغم الوجود الاستعماري يمكن القيام بمهام جماعية بسيطة مثل تنقية مقبرة أو تقديم دروسٍ مسائية أو تأسيس جمعية خيرية أو استقبال الأيتام، وكان يعطي المثال بنفسه. وسيُتاح له في وقت لاحقٍ، أثناء تحرير مُذكراته، أن يقف عند أبسط الأمثلة لأنه يتذكر كل شيء: أسماء الأشخاص، ووجوههم، والحوارات التي أجراها معهم… (3).
وكانت تلك التجربة التي أتيح له فيها أن يضع أفكاره على محكّ الحياة مصدراً نتجتْ منه بعض فقرات كتاب “شروط النهضة”، الذي، وبعد أن أكّد أنّ محو الأمّية والتعليم لن يكون لهما أي وقع على الحضارة إذا لم يكونا هادفيْن، يقول:”وفي غياب هذا الإجراء الأساسي لا يمكن للتعليم أو يُنْتِجَ إلاّ وحوشاً مُتعلِّمين مُنتشرين في جمهرة الأميين من الشعب. وتلك هي الثغرة التي أبْقتْنا في “المينوس هابنس” التي طمستْ فكرة النهضة ولم يَرَ في المشكلة الجزائرية غير احتياجاته وطموحاته، دون أن يرى المُعطى الجوهري المتمثل في العادات. وانطلاقا من ذلك لم يَرَ في الثقافة إلاّ مظهرها التافه، أي: طريقة لاحتلال مكان في المجتمع، وفي أحسن الأحوال: عِلْمٌ لكسب لقمة العيش. ونتيجة هذا التزوير ماثلة أمامنا: إنه “منحرف الفكر”. فمنذ ثلاثين سنة كُنّا نُعاني من مرضٍ سهل العلاج، وهو الجهل والأمّية. أمّا اليوم فنحن نُعاني مرضاً علاجه أصعب، وهو انحراف الفكر أو الألْفا ـ بيتيزم l’alpha-bêtisme (استحمار) . برزَ منذ قرنٍ في المجتمع الجزائري كائنان اثنان: لابِسُ الأسمال البالية، وحامل القُصاصات العلمية. وإذا كُنّا على دراية بمشكلة الأول فإننا لا نعلم عن مشكلة الثاني شيئا. هذا مع أنه كان مطروحاً منذ “الزردة” التي كان فيها كلُّ منحرفي الفكر مِن “فيدرالية المُنتَخَبين” يحملون المبخرة التي أحرقتْ فيها الجزائر ما بقي لها مِن جاوي.
هل تُريدون مِعياراً آخر للحكم على مرضنا الجديد؟ ها هو ذا متعلّم آخر من طراز ألفا ـ بيت aplha-bête (مستحمر)، وهو دكتور يحمل بنفسه طفلاً عمره ثماني سنوات ويتوجه به إلى قُبّة مُشعوذ حيث يحُكّ الطفل وجه بوعي تام إلى الزركشات التي تملأ جدران المعبد. لماذا تصرَّفَ طبيبُنا على هذا النّحو؟ لأنّ عقل “المنحرف فكرياًّ” لا يقطف العلم لإيقاظ وعيه وضميره، بل لكسب لقمة عيشه، أو لاستعماله كَلَوْحَةِ قفزٍ في الانتخابات، أو كانحطاط، أو كعملة فكرية مُزوّرة. إنّ جهله أصعب من الجهل العادي لأنه اكتسب صلابة بالحروف الأبجدية. فباستطاعته أن يقول في أي ظرفٍ (نعم) كما باستطاعته أن يقول (لا) على حد سواء، لأنّ الكلمات عنده لا تعدو أنْ تكون كلمات، والكلمات عنده مترادفة إذا كان عدد أحرفها متساوياً. إنّ مرضه الفكري ليس صبيانياًّ لمُجرّدِ أنه يُشكّلُ التأتأة الفكرية عند المتعلم.
إنّ “منحرِفَ الفكر” ليس مُتعلِّماً مثلنا جميعاً في هذا المكان، وليس عالماً مثلما يمكن أن نكون عندما يكفّ الإنسان عن التأتأة. أما مريض الفكر فسيُتأتىء على الدوام: إنه مُعوّق، أو صغير على الدوام. ويجب أن يختفي كي يترك المكان للمتعلِّم الجادّ، وللمثقف الذي يعرف الأمور. إذاً، فمشكلة الثقافة مطروحة بالفعل من أسفل إلى أعلى السُّلّم الاجتماعي الجزائريّ، هذا إذا سلّمنا بوجود (أعلى) في بلدٍ لم نعرف فيه معنى العلوّ بعدُ، وحيث هذا المعنى نفسه في وضعية أفقية، معنى زاحف، ومعنى مُتمدّد”.
ومِن خلال هذه المُقتطفات يمكن لنا أن نتصور كيف تلقت “النخبة” المثقفة والسياسية هذا الكتاب عندما صدر سنة 1949. كانت الردود كلّها تعبيراً عن التذمّر، وشتماً، وإدانةً.
(يتبع)
المراجع:
1) سُلِّمتْ لي هذه الوثيقة في مارس 2005 من طرف المرحوم عبد الوهاب حمودة.
2) هو مؤسس “الرابطة الدولية ضد مُعاداة اليهود” (Ligue internationale contre l’antisémitisme ) التي صارت تُسمّى “الرابطة الدولية ضد العنصرية ومُعاداة اليهود” (Ligue internationale contre le racisme et l’antisémitisme) (LICRA)
3) قد يكون التفكير في تلك التجربة هو الذي دفعه لاحقاً إلى الكتابة عن “رجُلِ العامّة” ( homme du peuple ) الذي يُحبّه كثيراً، إذ يقول: “إنّه يتميّز بميزة رائعة ومجهولة في الغالب، وهي القدرة على الفهم وقوة الحدس… على أية حال، ومِن جهتي، إذا كان مديناً لي ببعض الدروس فأنا مَدين له بالكثير حول مواضيع متنوعة جداًّ”، مِن مقال تحت عنوان: “الكتابة بوعي تام” Ecrire en toute conscience الصادر في (La République Algérienne ) بتاريخ 04 جوان 1954.
