Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (13)‏

حياة مالك بن نبي (13)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

وصل بن نبي إلى مرحلة النضج التي جعلت منه رجلاً مُقاوِماً ومُسلّحا بشعور حادّ بالعزّة والأنفة. ‏ويتلخص ملمحُه النفسي في كونه إنساناً مُعتزاًّ بنفسه، حريصاً على أنْ يُعترَفَ بثقافته وعلمه في الوسط ‏الذي يعيش فيه. ‏

كان ذات يومٍ في بيت صديقه اليهوديّ، وحكى له حُلماً رآه البارحة، فلمّا سمعتْهُ أختُ اليهوديّ قالت له: ‏‏”ستكون رجلاً مشهوراً”. ولمّا سألتْهُ امرأة أرادت إحراجه: “ماذا يعني الله ؟” أجابها بعد لحظات من ‏التأمل حرص فيها على إعطاء المسألة قدرها، لأنه كان بحضور أشخاصٍ مُهمّين عنده، فقال: “إنه سبب ‏كل القضايا مع أنه بغير مُسبِّب” (‏Il est la cause sans cause de toutes les causes‏).‏

كان كل شيء في حياته اليومية يتّخذ وجهاً شعائرياًّ وطقوسياًّ. لم يكُن ناسكاً مُتعبِّداً، لكنه كان مؤمناً ‏مُكتحِلَ العين بإثمِدِ العقلانية والمنهجية. كان يشعر بأن أمره سيكون عظيماً، لكنه وجد نفسه مُحاصراً ‏بالفقر. وكلّ سعادته كانت بين صفحات الكتب أو بمشاهدة كلّ ما يستحضر في ذهنه فكرة النهضة أو ‏الحِراك الجماعيّ أو المبادرة الجمعية. وأكثَرُ ما تَجيشُ عواطفه عندما يكون بإزاء مشاهد يظهر فيها ‏معنى الأخلاق، أو مشاهد تُمثِّلُ الظُّلم والجور. ولا يثور غضبه إلاّ إذا تعلّق الأمر بمساس خطير بدينه. ‏وقد يحدث له أن ينهار كُلِّيةً. لكنه في الوقت الراهن حبيس وضعية شائكة. فهو يرى أنّ هناك إرادة مُبيّتة ‏لتدميره من الدّاخل، وأنّ هناك مَن يُريدُ أن يقول له إنك لا تُساوي شيئا ولا تقوى على فعل أيِّ شيء. ‏

إنّ ذلك “الأنديجان” الذي تميّز بنظرته المُغايرة لنظرة الأنديجان، وبنجاحه في دراساته، وبتمرّده على ‏من يُريدُ تدجينه، وبتأثيره على الأوساط المسيحيّة التي يحظى فيها باحترامٍ كبير حتّى أنّ بعض ‏المسيحيين بادروا بالدخول إلى الإسلام، قد تمّ حَبْسُهُ بين فكَّيْ كمَّاشة. وزوجته التي كانت مثالاً في ‏الصبر والتروّي، وفي الثقة والإيثار، كانت تُساندُهُ بكل ما أُوتيَتْ مِنْ قوة وتَفَانٍ. وكان بن نبي منطوياًّ ‏في تلك البوتقة الضيّقة التي يحيا فيها كَسَجِين. لكن إيمانه وشجاعته وقوة عقله، وصفاء سريرته، كلّ ‏ذلك ممّا أبْعدهُ عن الوقوع في هوّة الجنون. وممّا جاء في مذكراته حول تلك الحالة: “لقد أعانني الله على ‏تجديد جلدي كُلّما أُصِبْتُ بجُرح”.‏

وهذه قصيدة كتبها حمودة بن ساعي تحت عنوان يأس (‏‎ Désespérance‏ ) بتاريخ 10 مارس 1936، ‏وهي صورة صادقة للحالة المعنوية المتردّية التي كان يمرّ بها الشاعر، والراجح أن بن نبي لم يكن ‏أحسن منه حالاً (1): ‏

يا إلهي ‏‎!‎‏ إني أشعر بالوحدة وليلي عميق
وسُكونُ الموت يخنق أنفاسي من كل جانب
ولا أعرف لِمن أشكو همي
في الظلمة الدمساء التي أنا فيها غائص‎.‎

يا إلهي ‏‎!‎‏ إني أفنى في حبك، وقلبي لا يريد إلاّ الخير للناس
لكن الناس في كفرهم، ولِعِلْمِهِمْ بقلة حيلتي
يُطاردونني بدناءة… آه‎ ‎‏. يا لجُبْننا ‏‎!‎
العادل يُعذّبنا…‏

يا إلهي ‏‎!‎‏ إنّ ألمي شديد وعبْئي ثقيل
فأنا مِن جنسٍ منبوذ، وإخواني يذرفون الدموع
ولا أدري كيف أخاطب هذا العالم الأصم
الذي نرزح تحت رحمة سلاحه‎.‎

يا إلهي ‏‎!‎‏ لقد خارتْ قواي لأنّ دربي شائك ‏
فلا طيبَ معاش ولا حُسن مركب ‏‎!‎
أنا هائم في صحراء… فهل إلى نصرٍ مِن سبيل
بمحْضِ حصافتي واستقامتي؟

يا إلهي ‏‎!‎‏ إلى أين أنا ذاهب بلا سلاح ولا درع؟
أنفاسي تختنق في هذا الجو القاتل
ليس الألم هو ما يٌلقني، فأنا له مُعتاد
لكن الزور يُزلزلُني… فتفهّمُوا طبيعتي‎.‎

يا إلهي ‏‎!‎‏ كُن في عوننا، وزوِّدنا بالقوة
والشجاعة الراسخة والعلم المُستنير
فنحن نريد الاستحقاق، فأحِطْنا بالثبات
ورباطة الجأش.‏

يا إلهي ‏‎!‎‏ إليك أوجّه صلواتي دون سِوَاك
فهل مِن أمل في سماعك صرختي الطويلة ؟
لكن هيهات ‏‎!‎‏… فلا تباشيرَ أملٍ في الأفق
ولا أرى غير نيراني المألوفة.‏

يا إلهي ‏‎!‎‏ ألا تُجيب عن استغاثة قلبي؟
أيُعقَلُ أن يكون اسمُكَ تغريراً؟ وعَوْنُك أُكْذُوبَة؟
أَو َيُعقلُ أن يكون إيماني مُجرّد حُلم
في هذا العالم الفاسق، ونحن تحت نير المُنتصر؟ ‏

انتقل بن نبي رفقة زوجته إلى تبسة في شهر جويلية 1937. وما أشدّ دهشتهما أمام مرأى نسخة من ‏الأناجيل الجديدة موضوعة في أمتعتهما عند النزول من السفينة. عاد إلى مدينته التي لم يجد فيها أي ‏شيء يوحي بوجود حركة الإصلاح، إذ كان الناس غارقين في عقلية المطالبة المستمرة بالحقوق ‏السياسية واللّهث وراء الاستحقاقات الانتخابية. شعر بخيبة الأمل وسجّل ذلك في مذكراته قائلاً: ‏

‏” لم أجد أثراً للجزائر التي كانت منذ سنة 1925 تسير على درب الحضارة تحت راية الإصلاح. ولم ‏أجد تلك الأجواء الحميمية التي ينضج فيها العقل الحيّ بمعالجة مشاكل ملموسة مثل: القضاء على ‏الخرافة، أو بناء مدارسَ للقضاء على الأمّية، أو تشييد مساجدَ للرقي بالنفوس إلى مستوى أعلى من ‏مرحلة ما بعد الموحّدين، أي أعلى من مستوى القابلية للاستعمار التي هي القاعدة النفسية للاستعمار. لم ‏يعُد الناس يتكلمون عن كل ذلك، ولا عن الله… بل صاروا يتكلمون عن بلوم… وحتى والدي الذي كان ‏أشرفَ إنسانٍ عرفتُه في حياتي صارتْ بطاقة المناضل الاشتراكي في جيبه… إنه الانهيار الكُلِّي: فلقد ‏اختفت النزعة الإصلاحية واختفت معها كل براعم المستقبل التي كانت فيه… بل إنّ العلماء أنفسهم كانوا ‏يعطون المثال والقدوة في كل ذلك، حتى صرنا نرى بيرنار لوكاشBernard Lecache‏ (2) والعربي ‏التبسي يتعانقان في شوارع تبسة كأنهما أَخَوَان…”‏

كان النّاس كلّهم يحتفلون بعبادة “الرّجل الفذّ”، بن جلول. وكان بن نبي متذمِّراً من ذلك حتى أنه تشاكس ‏مراراً مع العربي التبسي حول الموضوع. ودُعِيَ بن نبي يوماً لإلقاء محاضرة في قاعة الحفلات ‏بالمدينة، فاختار موضوع “زحف الرمال” الذي أصبح يُقلقه كما يَقْلَقُ لخطر يُهدد حياته الشخصية. وكان ‏الحاضِرُ الوحيدُ الذي طرح عليه بعض الأسئلة هو… محافظ الشرطة بالمدينة.‏

حاول بن نبي أن يكسب تأييد بعض أغنياء تبسة ليجمعهم حول بعض المشاريع الصناعية مثل: محطة ‏لتوليد الكهرباء، أو مصنع لورق نبتة الحلفاء، أو مصنع للإسمنت، أو معمل لدباغة الجلود، أو تربية ‏النحل… لكن مجهوده ذهب سُدى. يقول في مذكراته غير المنشورة: “كان العلم والصناعة هما ‏الموضوعان الوحيدان اللذان أطرحهما أينما جمعَنا لقاء مع الشباب أو الشيوخ على السواء، وخاصة في ‏النادي الذي أنْشىء حديثا في تبسة. وكُنتُ في ذلك أقدّمُ دروساً حقيقية، لكن بدون صياغات علمية، حول ‏صناعة الزجاج، وصناعة المُكدِّس، والورق، والجير المائي، والصابون، إلخ”. وقد زاره ذلك المحافظ ‏يوماً وطرح عليه بعض الأسئلة حول نواياه.‏

كان بن نبي هو الذي ينوب عن الشيخ العربي التبسي في الدروس التي كان يُلقيها في النادي الثقافي ‏بالمدينة. ولم يكن منسجماً معه بسبب مواقفه المؤيدة لـ “مُنحرِفي الفكر” في “فيدرالية المنتخَبين”. فهُمْ، ‏فيما يرى، يهدمون المكاسب التي تحققت على يد حركة الإصلاح خلال العشرين سنة الماضية.‏

إنّ ما كان يعتبره العلماء عملاً سياسيا راقيا يضطلع به جزائريون “راقون”، سواء أكان ذلك بعقدة ‏نقص، أو بدافع المصلحة، لم يكن عند بن نبي إلاّ ضرباً من “البوليتيك” المُسِفّة التي تُكرِّسُ وضع ‏الأنديجانا والشعوذة. كان يعاتب مَنْ يُسَمُّون أنفسَهم بـ “قادة النهضة الجزائرية” على أنهم لا يُجسّدون ‏إرادةً للتوجه نحو الحضارة، ويكتفون برفع المطالب. وهو يسجل ذلك في مذكراته قائلاً: “إنّ ما كان ‏يصدمني على الدوام هو “البوليتيك”، أو ذلك الشيء الذي يُقال ويتكرر، لكنه لا يتحقق أبداً لسبب بسيط ‏وهو خلوّه من الخلفية النظرية، وعدم التفكير في وسائل التحقيق… لم أكن أرى في أي مكان، سواء عند ‏العلماء أو عند مصالي أو عند بن جلول، أي شيء من السياسة لأنّ السياسة ليست ما يُقال، بل هي ما ‏يُنجز”. كان بن نبي ممتعضاً إلى درجة أنه تمنّى مغادرة المدينة على الفور.‏

ألقي القبض على مصالي الحاج رفقة مفدي زكرياء وحسين لحول ومحمد خيدر بتاريخ 27 أوت 1937 ‏بتهمة “التحريض على أعمال مُخِلّة بالنظام ضدّ سيادة الدولة”، وحُكِمَ عليهم بعامين سجناً. ونُظمت ‏الانتخابات المحلّيّة في شهر أكتوبر بمشاركة “حزب الشعب” ‏‎(PPA)‎‏ وباقي التشكيلات السياسية ‏الجزائرية. وازدادت حدّة الخلاف بين مختلف التيارات المُشكِّلة للحركة الوطنية، لكن القاسم المشترك ‏بينها هو المُطالبة بالحقوق واللهث وراء الانتخابات وتوجيه الانتقادات للمُنافسين.‏

وبعد ذلك باثنتي عشرة سنة يُقدّم بن نبي لوحة قاتمة عن المجتمع الجزائريّ كما كان يتراءى له آنذاك، ‏وذلك في كتاب “شروط النهضة‎ ‎‏”، (1949) إذ يقول: “في بلد مُستعمَرٍ مثل الجزائر لا توجد طبقات ‏اجتماعية، بل هناك فئتان من الناس. الأولى، وهي تقطن في المناطق العمرانية، تتكون من الإنسان ‏البطّال الذي لا يجد ما يعمل، ومن صاحب الدكان الصغير الذي يبيع بعض التوابل والسلع الرخيصة، ‏ومن الشاوش في الإدارة الاستعمارية، ومن بعض المُحامين والقُضاة والصيادلة. والثانية، وهي التي ‏تُعمِّر أريافنا، تتكون من الإنسان البدوي الرّحّال، ومن الفلاح الذي لا يملك محراثاً ولا قطعة أرض.‏‎ ‎الأول هو المينوس هابنس (‏minus habens ‎‏ )، الصغير من كل الأوجه. والثاني هو الهومو ناتورا ‏‏(‏l’homo natura ‎‏)، البدائي من جميع النواحي.‏

لكن غالباً ما تكون البداوة أزكى وأشرف من الصِّغر. فساكن المدينة قد قبِل بحياة المينوس هابنس، وهو ‏بذلك يُدمِجُ كلّ عوامل الانحطاط مع طبيعته، تلك العوامل التي تسببت في انهيار حضارات تعاقبت على ‏أرض بلاده منذ العهد القرطاجي. لقد عاش على الدوام في كنف انحطاطٍ حضاريّ، وعلى الدوام في ‏منتصف الطريق المؤدية لكل شيء، والمؤدية لمرحلةٍ ما، في منتصف الطريق المؤدية إلى فكرة وإلى ‏التطوّر. إنه ذلك الإنسان الذي لن يبلغ هدفه لأنه ليس بنقطة الانطلاق في التاريخ مثل الهومو ناتورا، ‏ولا بنقطة الوصول مثل إنسان الحضارة. إنه نقطة مُعلّقة في طريق التطوّر، في التاريخ وفي الحضارة. ‏فهو المينوس هابنس من جميع النواحي، أو هو إنسان أنصاف الأشياء الذي تسلل إلى فكرة الإصلاح ‏وجعل منها نصف فكرة أطلق عليها اسم “السياسة” لأن قصارى ما يقوى على بذله هو نصف مجهود، ‏أو نصف تفكير، أو نصف مرحلة. وهو اليوم يتطاول على المشكلة الجزائرية بوضعها على طريق ‏أنصاف الحلول أمام نصف المجلس الجزائريّ الذي نصفه الآخر أوروبيّ مُستعمِر، والذي جعل منه ‏الاستعمار سياجاً للاستحقاقات الانتخابية التي يشارك فيها “أنصاف المثقفين”.‏

وفي أفريل سنة 1938 قامت مجموعة من المناضلين الجزائريين في مرسيليا بتأسيس “نادي المؤتمر ‏الإسلاميّ الجزائريّ” واقترحت على بن نبي تقديم دروس للعمال المغتربين في إطار نشاطاتها. ونظراً ‏لاهتمامه الشديد بمسألة محو الأمية فقد قبل بالاقتراح بدون تردد. ‏

وجد نفسه في ذلك النادي بمعية أشخاص بسطاء، طبيعيين، وهو الصنف الذي يحبّه لِمَا فيه من فطرة ‏غير مُشوّهة، ومن عزّة رغم الفقر، ومن استقامة. وكان المكان الذي اختير للنادي عبارة عن ورشة ‏حدادة في السابق، ويقع في 6، شارع ليشابوليي ‏‎6, rue des Chapeliers‎، وقد اكتراه هؤلاء العُمال ‏من أجل إعطاء صدى للأفكار السياسية والثقافية المنتشرة في الجزائر. أقام بن نبي في ذلك المكان على ‏أنّ الاتفاق الذي أبرمه مع مُضيّفيه يقضي بأنْ يكون عملُه تطوّعياًّ. وقد قبِلَ بن نبي بهذا الشرط وتفانى ‏في خدمته تفاني المُتعبّد طيلة الأشهر الإحدى عشر التي استغرقتها تلك المغامرة.‏

كان ينام في ذات المكان ويكتفي بالخبز والجُبن في وجباته. وما فتئتْ زوجته أن التحقتْ به وشمّرت ‏على سواعدها الفنّية التي تُحسن خلق الأشياء من العدم. وراح بن نبي الذي أُطلِق عليه آنذاك اسم ‏‏”الشيخ بدون شاش” يتفنن في تنظيم الأمور واستطاع أنْ يحقق عدة طفرات. ذلك أنه كان مُتفانيا في ‏عمله الذي كان يعتبره مهمّةً كبيرة. وأصبح سعيداً حتى أنه تغيّر تغيّراً جذرياًّ من الناحية النفسية، لأنه ‏كان يحس أنه عائد إلى الحياة بعد الموت. وهو يذكر تلك التجربة في مذكراته غير المنشورة كأنها ‏انتصار على الاستعمار وعلى قابليته، فيقول: “وجدْتُ نفسي مُركّزا على الهدف الذي سطّرتُهُ لنفسي، ‏وهو التربية. وأنا بذلك أكون قد وضعتُ يدي على ضرورة الضرورات. فلقد كان المسلمون في مرسيليا ‏يعيشون أو يحيون في غياب كُلّيّ للشعور بأنفسهم وبما يحيط بهم. وهُمْ بهذا يُقدّمون لعيْنيَّ الشَّغوفتيْن ‏بالعلامات الدالة مشهداً مؤسفاً لقطيع بشري حَرِيّ بالرأفة. كُنتُ أرى مِن السُّود مَنْ يعجبك ملبسه وأدبُه، ‏وكنتُ ألاحظ نوعاً من الاعتزاز بالنفس في الشوارع التي يتواجدون بها. أمّا المسلمون فهُم، أوّلاً وقبل ‏كلّ شيء، يتكدّسون في شارع واحد، وهو شارع ليشابوليي، ذي السمعة السيئة، حيث يُعيدون خلق ‏أجواء الحياة الجزائرية بأبسط تفاصيلها وبأبشع صورها، وأفظع هزليتها. كان السّود يتخلّصون من حياة ‏الغاب عندما يحُلّون في مرسيليا. أما المسلمون فهُم يُعيدون نسخ كل صور “الأصالة الأنديجانية”. ‏

كانت في شارع لي شابوليي مقاهي عربية بما يُلازمها من مُقابلات في لعبة الدومينو، والأوجاك ‏‎« oudjak » ‎‏ الذي تتثاوب فيه قِدْرَةٌ يَصْدُرُ منها دخان. وفي عتبة موالية تجد مطعماً شعبياًّ عُلِّقت في بابه ‏عنزة مسلوخة والذباب لا يكاد يفارقها. أمّا الطريق فهي سوق، وهي مكان تجد فيه كل أنواع الخردة، ‏وكل ما هو مشكوك فيه، وكلّ شيء مُتّسخ وممزّق، والباعة يصيحون بأعلى أصواتهم. لكن هذا المشهد ‏الذي كان كابوسا مُرعباً، كان كذلك بالنسبة لي حقلاً للعمل لأنني كنتُ أعرف ما تهدف إليه الإدارة، ‏بسكوتها المُريب عن ذلك. كان إلغاء تلك المظاهر، أو محاولة إلغائها، من بين أولوياتي. وكان برنامج ‏التربية الذي سطرته مبنياًّ على هذا الاعتبار”.‏

إنّ بن نبي الذي يبدو لنا في هذا المقطع رجلاً في أعلى درجات الصرامة، كان في أعماقه عاطفياّ إلى ‏أبعد حدّ، وذا وجدان مُرهف. وهو الذي وصف نفسه بذلك. فهو يحب الكلام العاطفيّ، وتعابير النفس ‏الجياشة، ومناقشات الضمير. إنه رومانسي، لكن رومانسيته كانت روحية. وهو مثاليّ يؤمن بالأفضل ‏وبالإتقان وبقوة الأفكار. وعادة ما تكون عيناه هما ترجمان أحواله الداخلية وهما مُغْرَوْرَقَتَان بالدموع. ‏وهو يجد راحةً في الجلوس مع إخوانه البطّالين، أو مع العمال، وحتى مع المُهمَلِين. وكان في مهمته تلك ‏يقدم دروساً أيام السبت ومحاضرات أيام الأحد.‏

لم يكن يريد مُجرّد تعليمهم الأبجدية والأرقام، والكتابة والحساب، لكنه كان يهدف إلى انفتاح عقولهم على ‏مفاهيم في علم الفلك والجغرافيا والتاريخ اعتماداً على طريقة مناسبة لسنّهم وقدرات فهمهم. كان يُعلّمهم ‏فن الحياة الراقية وجماليات الأشياء والأفعال، والسلوك الواجب الالتزام به خارج المنزل، أو حتى ‏طريقة الجلوس في سطح مقهى. كان يريد إحداث تغيير جذريّ فيهم، وتعليمهم فلسفة الواجب، والاتكال ‏على النفس، والعمل الجماعي، ويريد أن يُوقظ فيهم الحياة الفكرية. وفي كلمة واحدة، كان يُريد أن يُعلّمهم ‏‏”الحضارة”.‏

وممّا قاله هذا المُعلِّمُ العجيب عن نفسه، وبطريقة طبيعية: “قررتُ أوّلاً أن أُدخِلَ مُستمِعِيّ في الحضارة، ‏وأن أجتثّهم من تأثيرات شارع لي شابوليي. فكانت دروسي تعليمية وأخلاقية و جمالية في آنٍ واحد… ‏كانت تهدف أولاً أن تُحدث هزّة في نفوس تلاميذي ببثّ التقزز من المواقف والسلوكات والأفكار ‏الأنديجانية… وكُنتُ أحاول أنْ أُعلِّمهم جميعاً روح النقد وحب التجديد”.‏

كان دوماً على يقين من أنه رغم الوجود الاستعماري يمكن القيام بمهام جماعية بسيطة مثل تنقية مقبرة ‏أو تقديم دروسٍ مسائية أو تأسيس جمعية خيرية أو استقبال الأيتام، وكان يعطي المثال بنفسه. وسيُتاح له ‏في وقت لاحقٍ، أثناء تحرير مُذكراته، أن يقف عند أبسط الأمثلة لأنه يتذكر كل شيء: أسماء الأشخاص، ‏ووجوههم، والحوارات التي أجراها معهم… (3). ‏

وكانت تلك التجربة التي أتيح له فيها أن يضع أفكاره على محكّ الحياة مصدراً نتجتْ منه بعض فقرات ‏كتاب “شروط النهضة”، الذي، وبعد أن أكّد أنّ محو الأمّية والتعليم لن يكون لهما أي وقع على الحضارة ‏إذا لم يكونا هادفيْن، يقول:”وفي غياب هذا الإجراء الأساسي لا يمكن للتعليم أو يُنْتِجَ إلاّ وحوشاً مُتعلِّمين ‏مُنتشرين في جمهرة الأميين من الشعب. وتلك هي الثغرة التي أبْقتْنا في “المينوس هابنس” التي طمستْ ‏فكرة النهضة ولم يَرَ في المشكلة الجزائرية غير احتياجاته وطموحاته، دون أن يرى المُعطى الجوهري ‏المتمثل في العادات. وانطلاقا من ذلك لم يَرَ في الثقافة إلاّ مظهرها التافه، أي: طريقة لاحتلال مكان في ‏المجتمع، وفي أحسن الأحوال: عِلْمٌ لكسب لقمة العيش. ونتيجة هذا التزوير ماثلة أمامنا: إنه “منحرف ‏الفكر”. فمنذ ثلاثين سنة كُنّا نُعاني من مرضٍ سهل العلاج، وهو الجهل والأمّية. أمّا اليوم فنحن نُعاني ‏مرضاً علاجه أصعب، وهو انحراف الفكر أو الألْفا ـ بيتيزم ‏l’alpha-bêtisme‏ (استحمار) . برزَ منذ ‏قرنٍ في المجتمع الجزائري كائنان اثنان: لابِسُ الأسمال البالية، وحامل القُصاصات العلمية. وإذا كُنّا ‏على دراية بمشكلة الأول فإننا لا نعلم عن مشكلة الثاني شيئا. هذا مع أنه كان مطروحاً منذ “الزردة” ‏التي كان فيها كلُّ منحرفي الفكر مِن “فيدرالية المُنتَخَبين” يحملون المبخرة التي أحرقتْ فيها الجزائر ما ‏بقي لها مِن جاوي. ‏

هل تُريدون مِعياراً آخر للحكم على مرضنا الجديد؟ ها هو ذا متعلّم آخر من طراز ألفا ـ بيت ‏aplha-‎bête‏ (مستحمر)، وهو دكتور يحمل بنفسه طفلاً عمره ثماني سنوات ويتوجه به إلى قُبّة مُشعوذ حيث ‏يحُكّ الطفل وجه بوعي تام إلى الزركشات التي تملأ جدران المعبد. لماذا تصرَّفَ طبيبُنا على هذا النّحو؟ ‏لأنّ عقل “المنحرف فكرياًّ” لا يقطف العلم لإيقاظ وعيه وضميره، بل لكسب لقمة عيشه، أو لاستعماله ‏كَلَوْحَةِ قفزٍ في الانتخابات، أو كانحطاط، أو كعملة فكرية مُزوّرة. إنّ جهله أصعب من الجهل العادي لأنه ‏اكتسب صلابة بالحروف الأبجدية. فباستطاعته أن يقول في أي ظرفٍ (نعم) كما باستطاعته أن يقول ‏‏(لا) على حد سواء، لأنّ الكلمات عنده لا تعدو أنْ تكون كلمات، والكلمات عنده مترادفة إذا كان عدد ‏أحرفها متساوياً. إنّ مرضه الفكري ليس صبيانياًّ لمُجرّدِ أنه يُشكّلُ التأتأة الفكرية عند المتعلم.‏

إنّ “منحرِفَ الفكر” ليس مُتعلِّماً مثلنا جميعاً في هذا المكان، وليس عالماً مثلما يمكن أن نكون عندما يكفّ ‏الإنسان عن التأتأة. أما مريض الفكر فسيُتأتىء على الدوام: إنه مُعوّق، أو صغير على الدوام. ويجب أن ‏يختفي كي يترك المكان للمتعلِّم الجادّ، وللمثقف الذي يعرف الأمور. إذاً، فمشكلة الثقافة مطروحة بالفعل ‏من أسفل إلى أعلى السُّلّم الاجتماعي الجزائريّ، هذا إذا سلّمنا بوجود (أعلى) في بلدٍ لم نعرف فيه معنى ‏العلوّ بعدُ، وحيث هذا المعنى نفسه في وضعية أفقية، معنى زاحف، ومعنى مُتمدّد”.‏

ومِن خلال هذه المُقتطفات يمكن لنا أن نتصور كيف تلقت “النخبة” المثقفة والسياسية هذا الكتاب عندما ‏صدر سنة 1949. كانت الردود كلّها تعبيراً عن التذمّر، وشتماً، وإدانةً.‏
‏(يتبع)‏

المراجع:‏
‏1)‏ سُلِّمتْ لي هذه الوثيقة في مارس 2005 من طرف المرحوم عبد الوهاب حمودة.‏

‏2)‏ هو مؤسس “الرابطة الدولية ضد مُعاداة اليهود” (‏Ligue internationale contre l’antisémitisme ‎‏) التي ‏صارت تُسمّى “الرابطة الدولية ضد العنصرية ومُعاداة اليهود” (‏Ligue internationale contre le racisme ‎et l’antisémitisme‏) ‏‎(LICRA)‎
‏3)‏ قد يكون التفكير في تلك التجربة هو الذي دفعه لاحقاً إلى الكتابة عن “رجُلِ العامّة” (‏‎ homme du peuple‏ )‏‎ ‎الذي ‏يُحبّه كثيراً، إذ يقول: “إنّه يتميّز بميزة رائعة ومجهولة في الغالب، وهي القدرة على الفهم وقوة الحدس… على أية ‏حال، ومِن جهتي، إذا كان مديناً لي ببعض الدروس فأنا مَدين له بالكثير حول مواضيع متنوعة جداًّ”، مِن مقال تحت ‏عنوان: “الكتابة بوعي تام” ‏Ecrire en toute conscience ‎‏ الصادر في (‏La République Algérienne ‎‏ ) ‏بتاريخ 04 جوان 1954.‏

You may also like

Leave a Comment