Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (12)‏

حياة مالك بن نبي (12)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

كان ابن باديس هو صاحب فكرة جمع القوى المُشكِّلة للحركة الوطنية في مؤتمر، وقد دعا إلى ذلك ‏بتاريخ 03 جانفي 1936 في مقال نُشِر في جريدة ‏‎« La Défense »‎‏. وكان يتصور أنه مِن الأحرى ‏اغتنام فرصة تصاعد قوى اليسار في فرنسا، والمُتجمِّعة في الجبهة الشعبية‎ (Front populaire) ‎، ‏بإعداد قانون أكثر مناسبة للجزائريين. وقد تبلورت الفكرة في 16 ماي 1936 عندما نشرت ” فيدرالية ‏المنتخبين” و”جمعية العلماء” “نداءً إلى المسلمين الجزائريين” لعقد مؤتمر.‏

وينصّ “الميثاق” الذي تمخض عنه اجتماع المؤتمر على طلب إلغاء كل القوانين الاستثنائية، وإلغاء ‏الحكومة العامة ‏Gouvernement général، والبلديات المختلطة و المندوبيات المالية، وطلب إلحاق ‏المقاطعات الجزائرية بفرنسا، والإبقاء على قانون الأحوال الشخصية الخاص بالمسلمين، وحرية تعليم ‏اللغة العربية، والتعليم الإجباري للأطفال من كلا الجنسين، والمساواة في الحقوق والواجبات مع ‏الفرنسيين، وتوحيد الناخبين في فئة واحدة أثناء الاقتراع العام، والحق في التمثيل البرلماني، وإيفاد وفدٍ ‏من المؤتمر إلى باريس لتبليغ محتوى الميثاق الذي تمخضت عنه أشغال المؤتمر لـ ليون بلوم‎(Léon ‎Blum)‎‏ رئيس مجلس‎ ‎‏ الوزراء.‏

عقد “المؤتمر” اجتماعه الثاني فور عودة الوفد من باريس، وذلك بتاريخ 02 أوت 1936 في الجزائر ‏العاصمة بغية الاستماع إلى التقرير الخاص بالمحادثات التي جرت في باريس. وقد حضر هذا التجمع ‏في ملعب سانت أوجين (بولوغين) عشرة آلاف مشارك. وكان ذلك الظرف هو الذي اغتنمه مصالي ‏الحاج، إذ دخل إلى الملعب دخولاً احتفالياًّ وطلب أن يأخذ الكلمة. وقد عبّر في خطابه عن مساندته ‏للمطالب المُقدّمة، وأضاف قائلاً: إنّه يُطالب بالاستقلال التام والفوريّ للجزائر!‏

ولقد أخذت حكومة “الجبهة الشعبية” (‏Front populaire‏) بعين الاعتبار “ميثاق” المؤتمر الإسلامي ‏الجزائري وشرعت في إعداد مشروع قانون على أساسه، وهو القانون الذي سيبقى في التاريخ تحت اسم ‏‏(مشروع بلوم – فيولات). لكن المشروع لن يُناقَشَ في البرلمان بسبب المعارضة الشديدة مِنْ قِبَل ‏المُعمِّرين في الجزائر (1).‏

وفي تلك الأثناء علِمَ بن نبي باعتقال الشيخ الطيب العقبي عقِب اغتيال مفتي الجزائر الشيخ محمد بن ‏دالي كحّول الذي كان مُعارِضاً للعلماء، فأرسل إليه برسالة مساندة (2). أمّا رئيس “فيدرالية المنتخبين” ‏فقد أعلن عن تبرّئه من الطيب العقبي وصرّح بأنّ منظمته لم تبق لها أية علاقة بـ” جمعية العلماء” التي ‏‏”تلطّخت أيديها بالدماء”.‏

ويبدو جلِياًّ أنّ الأمر يتعلّق بمؤامرة حيكتْ بهدف كسر “المؤتمر الإسلاميّ الجزائريّ” باعتباره أول ‏محاولة لجمع القوى السياسية الجزائرية لمواجهة الاستعمار. وبن جلول نفسه هو الذي صرّح لجريدة ‏فرنسية: “لولا فرنسا لكنتُ “شماسا” (بطّالاً).‏‎ ‎

وبعد تلك القضية بِوَقْتٍ وجيز انفصل الطيب العقبي عن أقرانه في جمعية العلماء الجزائريين وراح ‏يتخذ مواقف مُوالية للإدارة. كان انفصاله عن الجمعية سنة 1938. وعندما توفي بن باديس حاولت ‏الحكومة العامة أن تفرض العقبي كرئيس جديد للجمعية لكنها لم تُفلح في ذلك. فلقد عادت الرئاسة للبشير ‏الإبراهيمي الذي انتُخِبَ وهو تحت الإقامة الجبرية في أفلو.‏

في آخر السنة الدراسية زار بن نبي مدير المدرسة التي تابع فيها دراسته ‏ESME، واطّلع عنده على ‏المفاجأة المُريعة: إنه لم يستجب لكل الشروط التي تسمح له بالحصول على شهادته، مع أنه كان من بين ‏أحسن طلبة دفعته. وقد تفاجأ زملاؤه، وكاد يفقد توازنه لأنه أصيب إصابة قاتلة أو لأن الأقدار ما تزال ‏متحرِّشة به.‏

وقبل ذلك ببضعة أيام كان في حالة نفسية ممتازة، إذ كان واثقا من نفسه لدرجة أنه يرى الحياة تفتح له ‏ذراعيها وتفتح له آفاقا واسعة. صحيح أنه لاقى من تلك الحياة اللّئيمة كثيراً من المتاعب، وهزمته مراراً ‏مع أنه لم يعش إلاّ حياة متواضعة في مآوي فقيرة كان يتخذها كمساكن له، لكنه كان على الدوام في ثقة ‏تامة بالله، وكان يثق في قدراته الشخصية، وفي المستقبل أيضاً.‏

وهذه مُكاشفة أخرى جاءت في مذكراته غير المنشورة: ” كان وعيي بنفسي يزداد يوماً بعد يوم. كُنتُ في ‏ذلك المنعرج الذي سأبدأ فيه بخوض غمار الحياة بفضل شهادة المهندس التي بحوزتي وبفضل مواهبي ‏الأدبية التي اكتشفت قيمتها. انتابني شعور بأني سأسير في طريق الملوك، بل إني رأيتُ فيما يرى النائم ‏أمامي طريقا واسعة تحفّها الأزهار والانتصارات والبطولات! فهناك شيء في أعماق نفسي قد أخذ ‏بالصعود إلى السطح. لم أتمكن من إدراك ذلك الشعور بوضوح لأول وهلة. وفجأة ضاقت أنفاسي بنوبة ‏من البكاء وأنا أقول بصوت متقطع: “يا إلهي، يا إلهي، إني لا أريد أن أنال جزائي في هذه الحياة ‏الدنيا…”. وكانت خديجة تتنفس في هدوء تام بجانبي. إن هذا المشهد صار الآن خلْفي. ومنذ ذلك ‏الصباح، وأنا في باريس، لم أسلك طريق الملوك، بل طريقاً محفوفة بالجذوع. هذا ما تراءى لي وأنا ‏أنظر إلى ثلاثين سنة مضت من عمري منذ ذلك الوقت”.‏

كانت سنة 1936 أسوأ سنة في حياة بن نبي باعتراف منه. وكان يعرف أنّ ذلك لا يعود إلى سوء الحظ ‏أو شراسة الأقدار، وأنّ مشكلته ليست مع سوء الطّالِع، بل مع خصومةٍ مُنظّمةٍ ومُخطّطةٍ، وهو يُصارع ‏الظلم والجور وغياب العدالة. وكل ذلك له مصدر واحد هو الاستعمار و(“الصراع الفكري”). فهو يرى ‏شبح ماسينيون‎(Massignon)‎‏ وراء شبكة خيوط العنكبوت التي تخنقه.‏

وقد خامرتْهُ فكرة السفر إلى إيطاليا لِما يعرفه من تناحر بينها وبين فرنسا في مجال السياسة، فبادر بكتابة ‏رسالة وتسليمها لزوجته كي تودِعَها في سفارة إيطاليا. وكانت الإجابة سلبية. بعدها فكّر في أفغانستان، ‏بلد جمال الدين الأفغاني الذي انطلقت منه حركة النهضة خلال القرن الماضي. استُقبِلَ في السفارة ‏الأفغانية، لكن طلبه لم يحظَ بالقبول كذلك. توجّه بعدها إلى سفارة ألبانيا حيث استقبله السفير شخصياًّ ‏واهتمّ بالمشاريع التي عرضها عليه، ثُمّ منحه رخصة الدخول إلى ألبانيا.‏

ركب بن نبي القطار كي ينتقل إلى إيطاليا مِن حيث سيسافر إلى تيرانا ‏‎(Tirana)‎على ظهر سفينة. ‏وكانت معه حقيبتان مليئتان بالكتب، فذلك هو رأسماله العلمي. وفي اليوم الموعود كان في سطح أحد ‏المقاهي يتناول قهوته الصباحية، فإذا بسيدة تقترب منه وتسأله إن كان يتكلم الفرنسية. ولمّا أجابها ‏بالإيجاب راحت تروي قصة عودتها من تيرانا، وقدّمت له صورة قاتمة عن تلك المدينة التي كانت ‏ترزح تحت وطأة البطالة والمجاعة. تعجّب بن نبي من ذلك، لكنه صدّق ما قالته السيدة. ولمّا تغلغلت ‏الشكوك في نفسه توجّه إلى القنصلية الفرنسية ليسأل عن الأوضاع، فنصحوه بعدم السفر إلى ألبانيا. ‏وهكذا عاد أدراجه إلى فرنسا.‏

وكأنّ الأقدار لم تكن تريد له أن يُغادر فرنسا ومستعمرتها الجزائر، مع أنه كان متأكداً من قدرته على ‏إنجاز أشياء عظيمة في مجال الأعمال. لكن، ماذا سيكون مصيره لو نجح في مشروع هجرته؟ أسيكون ‏تاجراً كبيراً، أو مستثمراً صناعياًّ كبيراً كما كان الشأن مع صديقه صالح بن ساعي، أو إطارا ساميا في ‏إحدى المؤسسات؟ لطالما حَلَمَ تارة بتامبوكتو، وتارة بالريف المغربي، وأخرى بالسودان أو السعودية أو ‏مصر أو أفغانستان أو ألبانيا، لكنه سيقضي أغلب أيام حياته بين الجزائر وفرنسا إذا استثنينا سنوات ‏الثورة التي قضاها في مصر.‏

وأمام تلك الخيبات المتتالية والكثيرة، خامرتْ ذهنه فكرة رهيبة لأول مرة، وهي الانتحار، فسجل ذلك ‏في مذكراته غير المنشورة قائلاً: ” كُنتُ مثل الحيوان الضاري الذي شعر بأنه في قفص فراح ينهال ‏على القضبان الحديدية برأسه”. ومع ذلك فإنه لم يفقد الأمل كُلِّيةً، واتجه إلى سفارة السعودية كي يطلب ‏رخصة الدخول شارحاً لهم أنه ينوي تأسيس مدرسة تقنية تحضيرية. وقد رُفِضَ طلبه مُجدّداً.‏

راح بن نبي، في تلك الأيام القاتمة التي لم تنفتح له خلالها أية نافذة على المستقبل، يقضي أوقاته بين بلدة ‏لوات كليري ‏Luat-Clairet)‎‏) والحيّ اللاتيني‎ (Quartier latin)‎‏. وكان صالح بن ساعي قد انضمّ ‏إلى صفوف البطّالين بعد عودته من غويانا‎ (Guyane) ‎، أمّا حمودة فكان على حافة الانهيار. وخلال ‏ذلك قرأ بن نبي كتاب “الكوميديا الإلهية”‏‎ ‎‏(‏La comédie humaine ‎‏). أمّا فضيل الورثيلاني (3) فقد ‏عُيِّن مُمثلاً لجمعية العلماء بباريس، وهذا ما أزعج فيلسوفنا لأنه كان يرى أنه أجدر بذلك المنصب. ‏

حلّ بباريس فوج من علماء الأزهر لإكمال دراستهم في السوربون‎ (Sorbonne)‎، وأتيح لبن نبي ‏وحمودة بن ساعي أن يتعرّفا عليهم، ونشأتْ بينهما وبين الشيخ دراز على الخصوص علاقة وطيدة، ‏وهذا الشيخ هو الذي سيكتب مقدمة أول كتاب سينشره مالك بن نبي عشر سنوات بعد ذلك (سنة ‏‏1947). ثُمّ تولّى بن نبي إعطاء دروسٍ في اللغة الفرنسية لأولئك الأصدقاء الجدد وهو يُعوِّلُ على ‏مساعدتهم للحصول على رخص الدخول التي طال انتظاره لها.‏

قام بن نبي بزيارة لمعرض حول الابتكارات الجديدة وهو يفكر في إنجاز ابتكاره المتمثل في تعويض ‏شموع المحرك التي لا تدوم إلاَّ بضعة أشهر بشموع تبقى مشتغلة طيلة مدة صلاحية المُحرِّك، لكنه لم ‏يجد مَنْ يتبنّى فكرته.‏

استغلّت الصحافة العالمية قصة أمير بلاد الغال‎(Prince de Galles)‎، وهو وريث التاج البريطاني، ‏عندما عبّر عن رغبته في الزواج من امرأةٍ مُطلَّقة، وهي الآنسة سيمبسون ‏Miss Simpson‏ . اهتزّت ‏بريطانيا لهذا الخبر حتى أنّ‎ ‎المطران (الأرشفيك) دو كانتربوري‎ ‎‏(‏Canterburry‏) عبّر عن استيائه ‏وإدانته للأمير الذي كان عليه أن يختار أحد أمْريْن: فإمّا أن يُقلِع عن فكرة الزواج تلك، وإمّا أن يتنازل ‏عن حقه في وراثة العرش. ولقد فضَّلَ الأمير تلك المرأة على التاج. وهو بذلك يصبح مُهاجراً بمعنىً ما.‏

أمّا بن نبي فكان يُرهِق نفسه بحثاً عن عملٍ بدون نتيجة. كتب لكل الجهات، وطلب الحصول على أبسط ‏الوظائف وأدناها في السُّلّم الاجتماعي: كعامل مهنيّ، أو كعامل يدويّ، أو كحارس ليلي، لكن بدون أية ‏نتيجة. كلّ طلباته ووجِهتْ بالرفض. وقد حدث مرّةً أن أشرف على الخلاص من المأزق عندما اقترح ‏عليه زميل فرنسيٌّ أصبح مديراً، منصبَ رئيس مصلحة في المصنعٍ الذي كان يُديره. وفي اليوم الذي ‏أقبل بن نبي إلى المصنع لاستلام مهامه وجد أن المنصب لمْ يَعُدْ شاغراً. ‏

تذكّر بن نبي كاهنا ‏‎ (Chanoine)‎من كهنة الكنيسة كان معروفاً في تبسة، ففاتَحَهُ حول الصعوبات التي ‏يواجهها في إيجاد عمل. وقد تعاطف معه ووعده بأنه سيُراسل في الحين أحد الرجال البارزين في ‏باريس، والمؤكد أنه سيجد له عملاً يناسبه. وبالفعل فقد تلقّى بن نبي رسالة بعد بضعة أيام، وكانت من ‏لويس ماسينيون الذي طلب منه أن يزوره. ولمّا كان اللقاء لم يتطرق ماسينيون لمسألة العمل، بل راح ‏يستفسره عن الظروف التي تعرّف فيها على ذلك الخادم الكنسي.‏

خرج من عند ماسينيون وهو متأكِّدٌ بصفة نهائية أنّ مصيره مسدود. وفي مذكراته غير‎ ‎المنشورة هذه ‏الأسطر المُرعبة حقاًّ: “لقد خرجت من تلك التجربة متيقّناً من أمْريْن: أولهما أنني سأجد ماسينيون في ‏طريقي على الدوام، وثانيهما أن الضمير المسيحي ليس حُراًّ في قراراته، إذ أن ذلك الخادم الكنَسي لم ‏يكن بوسعه أن يتصرف بالطريقة التي تروق له ـ مع أنه كان يتمنى ذلك بكل تأكيد ـ دون أن يمرّ على ‏‏”النظام المركزي للشؤون الإسلامية”. والواضح أنّ ماسينيون كان في أهمّ منصب في ذلك النظام. ‏وسأعرف لاحقاً، عن طريق التجارب الكثيرة، أن ماسينيون كان على الدوام في اتصال مستمر مع ‏المكتب الثاني والمنظمة الكَنَسية في آنٍ واحد” (4).‏

وقد سلّم لي الوزير اللبناني الأسبق كمال مسقاوي، وهو تلميذ بن نبي، في جويلية 2003 مجموعة من ‏الوثائق ذات العلاقة بهذه الحلقة، وهي:‏

‏1) رسالة غير موقعة وموجهة إلى ماسينيون مؤرخة في 07 أكتوبر 1936 ومكتوبة على ورقة خاصة ‏بجمعية “العمل الاجتماعي سان إي واز” ‏L’Action sociale de Seine-Et-Oise ‎‏ ، ومما جاء ‏فيها:”سيدي الأستاذ، لقد تفضّلتُمْ بالإجابة عن رسالتي لصالح شاب إسلاميّ، وطلبتُمْ منّي تزويدكم ‏بشروح إضافية. ولي الشرف أن أرسل إليكم اليوم المعلومات التي أرسلها لي المعني بالأمر نفسه. وما ‏ينقص هذه المعلومات هو ماضي هذا الفتى وقيمته. ولا بدّ لي أن أقول لكم إني لا أعرفه شخصياًّ، بل ‏أوصاني عليه الخادم الكنَسيّ برونتون وهو أستاذ الفلسفة في المعبد…”.‏

‏2) رسالة بخط اليد موقعة من طرف برينتو (‏C. Bruneteau ‎‏ ) موجهة إلى ماسينيون، ومما جاء ‏فيها: ” بإمكاني أن أطمْئنكم على نزاهته وعلى روحه الدينية الصادقة. وإذا تعذّر الحصول على العمل ‏المشار إليه في الورقة المُلحقة، فسيقنع بعملٍ غير مختص في بنك أو محل تجاري أو دار للنشر. لقد ‏حظيتُ حظوة كبيرة يا سيدي بالاستماع إليكم خلال الأسبوع الاجتماعي في فرساي. وأنا أتذكر تكرّمكم ‏بالدفاع عن قضية إخواننا المسلمين. وأعوِّل على كرمكم لافتكاك السيد بن نبي من متاعبه، وهذا عنوانه: ‏‏36 شارع الرائد بوروبير، درو، أور إي لوار (‏‎36 rue du Cdt Beaurepaire, Dreux, Eure-‎Et-Loire‏)‏‎. ‎‏ ‏

‏3) ورقة من الحجم الكبير سجل فيها بن نبي بخط يده معلومات طُلِبَتْ منه، ومما جاء فيها: “اللقب: بن ‏نبي، الاسم: مالك، السن: 31 سنة (مولود بقسنطينة في 01 جانفي 1905). المكان الأصلي: أسرتي ‏مُقيمة في تبسة بعمالة قسنطينة. الدراسات: شهادة التعليم الابتدائي، الأهلية في اللغة العربية، شهادة ‏المدارس، تلميذ في المدرسة الخاصة بالميكانيك والكهرباء سابقاً، (عادل) في أفلو، ‏Ch. du ‎Rhumel(1927-28)‎‏ . الوظائف: مُسير آلات في مخبر للقياسات الكهربائية أو اختبار المواد، تقني ‏مساعد في قاعدة تجارب للآلات الكهربائية، أو أية وظيفة في الصناعة الإلكترونية مثل صناعة ‏المُكدِّسات، أو المصابيح.‏

‏4) رسالة من بن نبي مؤرخة في 13 أكتوبر 1936 موجهة إلى “السيد الأستاذ ماسينيون، باريس”، ‏ومما جاء فيها:”تلقيتُ اليوم رسالة من سيدي الخادم الكنسي أ. برونوتو الذي تشرّفتُ بمعرفته في ‏الجزائر، ويخبرني فيها بأنه لفت انتباهكم إلى حالتي. وبما أنني حظيتُ بلقائكم في باريس عدة مرات، ‏فأنا آمُلُ، يا سيدي الأستاذ، في أن تتفضلوا بإيلاء حالتي أقصى حدّ من العناية. وكما سبق لي أن ‏أوضحت لسيدي الخادم الكنَسي، فأنا أرغب في الاستقرار نهائياًّ في فرنسا حيثُ، وبالإضافة للظروف ‏المعنوية المناسبة المحيطة بي والضرورية لحياتي، صرتُ أتمتع بروابط عائلية جيدة عن طريق ‏زواجي بفرنسية… وحالما تجدون مِن غير الضروري الاحتفاظ بشهادة نهاية الدراسة، أرجوكم مُمتناًّ أن ‏تُعيدوا إرسالها لي كي أتمكن من تجريب حظي في مواقع أخرى، والله المستعان”.‏

‏5) رسالة من بن نبي إلى”السيد الأستاذ ماسينيون، باريس” مؤرخة في 18 أكتوبر 1936، يقول ‏فيها:”سأكون في باريس خلال الأسبوع القادم، وسأغتنم الفرصة لعقد اللقاء الذي تفضلتم بقبوله. وإذا لم ‏يكن في الأمر أي إحراج لكم، فليكن اللقاء يوم الأربعاء. في هذه الحالة، من البديهي أنني سأُعلمُكم مُسبقاً ‏عن طريق الهاتف”.‏

عاد بن نبي إلى البحث عن العمل، لكن بدون نتيجة. وتوجّه إلى مدرسة ‏ESME‏ لكي يسحب شهادة ‏نهاية الدراسة، ولمّا رآه المدير دعاه إليه واقترح عليه أن يشارك في مسابقة من تنظيم الفصيلة التقنية ‏للمدفعية. وبعد إتمام التسجيل اجتاز المسابقة ونجح نجاحا باهراً إذ نال المرتبة الأولى في الامتحان ‏الكتابي. واجتاز الامتحان الشفهي في نفس الأمسية. وبعد أسبوعين تلقى رسالة تُشعِرُه بأنه لم ينجحْ.‏

وهو يُسجل انطباعاته حول تلك الخيبة في مذكراته غير المنشورة قائلاً: ” لم أكن ممّن لا يستنتج نتيجة ‏عملية من تجاربه. كُنتُ دوماً ملتزماً بالنظام. والنتيجة التي فرضت نفسها على عقلي، بما وراءها من ‏تجارب متعددة، هي أنّ التنظيم الفرنسي لا يتقبل فكرة أن “الأنديجان” يتمتع بتكوين تقنيّ. ولو حدث أنّ ‏افتك أحدهم تكويناً تقنيا بفضل ثباته ووعيه، فإنهم يعملون على تضييعه له بكل الوسائل. هذا ما كنتُ ‏أستنتجه ببراءة وأنا عاقد عزمي على التنازل عن مساري المهني كمهندس. لكنني سأكتشف بسرعة أن ‏الهدف الذي كان يسعى إليه ماسينيون كان أوسع وأعمق مما كنتُ أتصوّر… فهو لم يكن يريد أن يمنعني ‏من المحافظة على تكويني كمهندس، بل كان يريد أن يمنعني من العيش بكل بساطة”. ‏

أرسل بن نبي إلى محكمة الجزائر طلب الحصول على منصب (وكيل) في سيدي بلعباس بعد أن علم ‏بوجود الحاجة إلى مَن يتولى ذلك المنصب. وجاءه الرّدّ في فيفري 1937 بيد رجل شرطة يحمل ملفاًّ ‏كبيراً تحت إبطه. وبعد التأكد من هويته، قدم له الشرطي نتائج التحقيق الإداري الذي فُتِح بشأنه استناداً ‏إلى تقرير قاضي سيدي بلعباس، والذي جاء فيه: “المُسمّى بن نبي معروف في سيدي بلعباس بكونه ‏مستشاراً تقنياًّ وعضواً بارزاً في “نجم شمال إفريقيا”، وبناءً على ذلك فوجوده في هذه المدينة غير ‏مرغوب فيه”. والحال أنّ بن نبي لم تطأ قدمُه تلك المدينة الواقعة في الغرب الجزائري. ‏

ثُمّ قام بمسعى لدى شيخ بلدية درو الذي كان هو موريس فيولات نفسه، الحاكم العام في الجزائر ووزير ‏الدولة الأسبق في حكومة “الجبهة الشعبية”. طلب منه أن يساعده على إيجاد منصب في مؤسسة لأشغال ‏الطُّرُق كانت قد أعلنتْ في الصحافة عن حاجتها إلى مترشحين للعمل في تونس. ورغم أن فيولات أبدى ‏دعمه لطلبه إلاّ أنه لم يحصل على أي شيء. كما اتّصل بن نبي بنائب كاتب الدولة للتعليم التقني بغية ‏الحصول على ترخيص بفتح مدرسة للتعليم التقني التحضيري في قسنطينة، لكنه لم يتلقّ أيّ جواب. ‏

وهكذا ساءت أحواله حتى لم تَعُد عائلته تقتات إلاّ بالخبز وحده. وكانت زوجته هي التي تتولى صنع ‏ملابس له لأنه لم يعُدْ يملك أي لباس لائق. أمّا هو فكان يعي ما يحدث له، ويعرف مصدر كلّ همومه: ‏إنها خيوط العنكبوت، أي ماسينيون، وجهاز المخابرات، والإدارة الاستعمارية، والصراع الفكري، ‏مُجتمعين أو فُرادي، فهُمْ لا يُشكلون في النهاية إلاّ شيئا واحداً.‏
(يتبع)‏

المراجع:‏

‏1)‏ يتعلق الأمر بنص قانون في ستة مواد أُريدَ به في الأساس منح الجنسية الفرنسية للنخبة لجزائرية، أي لبضعة آلاف ‏من الأشخاص.‏
‏2)‏ وكتب حمودة بن ساعي من جهته قائلاً: “في أوت 1936، بعد مقتل مفتي الجزائر العاصمة واعتقال الشيخ الطيب ‏العقبي، قام خطيب نادي الترقي الشهير، الأمين العمودي، برفقتي، بشن معركة من أجل التنديد بالمؤامرة التي حيكت ‏ضدّ جمعية العلماء. وقد استمع إلينا الصحفيون الباريسيون (كان هو في محاورة مع مُحرر من جريدة ‏Paris-‎soir ‎،وكُنتُ أنا مع مُراسل لجريدة ‏L’œuvre ‎‏ اللّتين كُنّا نُساعدهما سِراًّ بمقالاتنا) وبذلوا ما بوسعهم لتنوير الرأي ‏العام الفرنسي. أمّا بالنسبة إلينا نحن الذين لا نملك مِن سندٍ غير إيماننا، فقد كان ذلك اللقاء الصحفيّ انتصاراً معنوياًّ. ‏وكان لتلك المقالات أثر مؤكّد في الرأي العام. كما أنها أنارت الطريق أمام قاضي التحقيق ‏Vaillant‏ الذي كان ‏مسيحياًّ نزيهاً، والذي كُلِّف بالتحقيق في القضية. وقد استفاد الشيخ الطيب العقبي من الحرية المؤقتة. أمّا قاضي ‏التحقيق فقد ترقى إلى منصب رئيس محكمة سطيف، حيث حظيَ بحبّ السكان المسلمين، ثُمّ كُتِب له أن يموت مقتولاً ‏في شارع من شوارع المدينة أثناء أحداث 8 ماي 1945”. وبخصوص الأمين العمودي يقول حمودة بن ساعي: ‏‏”عاش الأمين العمودي حياة كلّها خيبات وفشل وفقر، حياة عندما أتذكرها تخطر ببالي ذكرى البطل صادق دندان ‏الأليمة، والذي كان مديرا لجريدة “الإقدام”، ومات العمودي مقتولاً أثناء حرب التحرير، إذْ عُثِرَ على جثته بجانب ‏طريق السكة الحديدية بين مدينة البويرة وبلدة العجييبة بتاريخ 10 أكتوبر 1957. لقد مات شهيداً مثل الشيخ العربي ‏التبسي…”‏
تجدر الإشارة إلى أنّ ابن أخ الأمين العمودي، وهو رياضي شاب من بسكرة، قد حُبِسَ في بداية الثورة التحريرية في ملعب ‏المدينة وأُطلِقتْ عليه كلاب الجيش الفرنسي التي مزقت جسده تمزيقاً.‏

‏3)‏ كانت حياة الشيخ الفضيل الورثلاني (1900-1965) حياة عجيبة إلى حدّ بعيد. فقد غادر الجزائر سنة 1934 ليتولى ‏المهامّ التي أشار إليها بن نبي. وبعد ذلك بعامين هاجر إلى مصر وصار عضواً في تنظيم الإخوان المسلمين. وفي ‏سنة 1947 كان في اليمن حيثُ يُرجّحُ أن يكون له دورٌ في الانقلاب الذي أطاح بالإمام يحي سنة 1948. وبعد نجاح ‏ثورة جويلية 1952 بمصر اختار الإقامة بها. ثُمّ غادر مصر بعد خلافه مع ممثلي جبهة التحرير في الخارج، ‏وهاجر إلى تركيا التي توفي فيها.‏
‏4)‏ يتحدث ماسينيون في كتاب “الإسلام ومستقبل احتكاك ثقافي، (‏‎ ‎‏1957 ‏L’islam et l’avenir d’un contact ‎culturel‏) عن وجود “رجال مخابرات كنَسيين” و “لائكيين” انظر “اوبيرا مينورا” المجلد الاول ‏‏(‏Cf. « Opera Minora », T.1‎‏) ‏‎.‎

You may also like

Leave a Comment