بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
كان ابن باديس هو صاحب فكرة جمع القوى المُشكِّلة للحركة الوطنية في مؤتمر، وقد دعا إلى ذلك بتاريخ 03 جانفي 1936 في مقال نُشِر في جريدة « La Défense ». وكان يتصور أنه مِن الأحرى اغتنام فرصة تصاعد قوى اليسار في فرنسا، والمُتجمِّعة في الجبهة الشعبية (Front populaire) ، بإعداد قانون أكثر مناسبة للجزائريين. وقد تبلورت الفكرة في 16 ماي 1936 عندما نشرت ” فيدرالية المنتخبين” و”جمعية العلماء” “نداءً إلى المسلمين الجزائريين” لعقد مؤتمر.
وينصّ “الميثاق” الذي تمخض عنه اجتماع المؤتمر على طلب إلغاء كل القوانين الاستثنائية، وإلغاء الحكومة العامة Gouvernement général، والبلديات المختلطة و المندوبيات المالية، وطلب إلحاق المقاطعات الجزائرية بفرنسا، والإبقاء على قانون الأحوال الشخصية الخاص بالمسلمين، وحرية تعليم اللغة العربية، والتعليم الإجباري للأطفال من كلا الجنسين، والمساواة في الحقوق والواجبات مع الفرنسيين، وتوحيد الناخبين في فئة واحدة أثناء الاقتراع العام، والحق في التمثيل البرلماني، وإيفاد وفدٍ من المؤتمر إلى باريس لتبليغ محتوى الميثاق الذي تمخضت عنه أشغال المؤتمر لـ ليون بلوم(Léon Blum) رئيس مجلس الوزراء.
عقد “المؤتمر” اجتماعه الثاني فور عودة الوفد من باريس، وذلك بتاريخ 02 أوت 1936 في الجزائر العاصمة بغية الاستماع إلى التقرير الخاص بالمحادثات التي جرت في باريس. وقد حضر هذا التجمع في ملعب سانت أوجين (بولوغين) عشرة آلاف مشارك. وكان ذلك الظرف هو الذي اغتنمه مصالي الحاج، إذ دخل إلى الملعب دخولاً احتفالياًّ وطلب أن يأخذ الكلمة. وقد عبّر في خطابه عن مساندته للمطالب المُقدّمة، وأضاف قائلاً: إنّه يُطالب بالاستقلال التام والفوريّ للجزائر!
ولقد أخذت حكومة “الجبهة الشعبية” (Front populaire) بعين الاعتبار “ميثاق” المؤتمر الإسلامي الجزائري وشرعت في إعداد مشروع قانون على أساسه، وهو القانون الذي سيبقى في التاريخ تحت اسم (مشروع بلوم – فيولات). لكن المشروع لن يُناقَشَ في البرلمان بسبب المعارضة الشديدة مِنْ قِبَل المُعمِّرين في الجزائر (1).
وفي تلك الأثناء علِمَ بن نبي باعتقال الشيخ الطيب العقبي عقِب اغتيال مفتي الجزائر الشيخ محمد بن دالي كحّول الذي كان مُعارِضاً للعلماء، فأرسل إليه برسالة مساندة (2). أمّا رئيس “فيدرالية المنتخبين” فقد أعلن عن تبرّئه من الطيب العقبي وصرّح بأنّ منظمته لم تبق لها أية علاقة بـ” جمعية العلماء” التي ”تلطّخت أيديها بالدماء”.
ويبدو جلِياًّ أنّ الأمر يتعلّق بمؤامرة حيكتْ بهدف كسر “المؤتمر الإسلاميّ الجزائريّ” باعتباره أول محاولة لجمع القوى السياسية الجزائرية لمواجهة الاستعمار. وبن جلول نفسه هو الذي صرّح لجريدة فرنسية: “لولا فرنسا لكنتُ “شماسا” (بطّالاً).
وبعد تلك القضية بِوَقْتٍ وجيز انفصل الطيب العقبي عن أقرانه في جمعية العلماء الجزائريين وراح يتخذ مواقف مُوالية للإدارة. كان انفصاله عن الجمعية سنة 1938. وعندما توفي بن باديس حاولت الحكومة العامة أن تفرض العقبي كرئيس جديد للجمعية لكنها لم تُفلح في ذلك. فلقد عادت الرئاسة للبشير الإبراهيمي الذي انتُخِبَ وهو تحت الإقامة الجبرية في أفلو.
في آخر السنة الدراسية زار بن نبي مدير المدرسة التي تابع فيها دراسته ESME، واطّلع عنده على المفاجأة المُريعة: إنه لم يستجب لكل الشروط التي تسمح له بالحصول على شهادته، مع أنه كان من بين أحسن طلبة دفعته. وقد تفاجأ زملاؤه، وكاد يفقد توازنه لأنه أصيب إصابة قاتلة أو لأن الأقدار ما تزال متحرِّشة به.
وقبل ذلك ببضعة أيام كان في حالة نفسية ممتازة، إذ كان واثقا من نفسه لدرجة أنه يرى الحياة تفتح له ذراعيها وتفتح له آفاقا واسعة. صحيح أنه لاقى من تلك الحياة اللّئيمة كثيراً من المتاعب، وهزمته مراراً مع أنه لم يعش إلاّ حياة متواضعة في مآوي فقيرة كان يتخذها كمساكن له، لكنه كان على الدوام في ثقة تامة بالله، وكان يثق في قدراته الشخصية، وفي المستقبل أيضاً.
وهذه مُكاشفة أخرى جاءت في مذكراته غير المنشورة: ” كان وعيي بنفسي يزداد يوماً بعد يوم. كُنتُ في ذلك المنعرج الذي سأبدأ فيه بخوض غمار الحياة بفضل شهادة المهندس التي بحوزتي وبفضل مواهبي الأدبية التي اكتشفت قيمتها. انتابني شعور بأني سأسير في طريق الملوك، بل إني رأيتُ فيما يرى النائم أمامي طريقا واسعة تحفّها الأزهار والانتصارات والبطولات! فهناك شيء في أعماق نفسي قد أخذ بالصعود إلى السطح. لم أتمكن من إدراك ذلك الشعور بوضوح لأول وهلة. وفجأة ضاقت أنفاسي بنوبة من البكاء وأنا أقول بصوت متقطع: “يا إلهي، يا إلهي، إني لا أريد أن أنال جزائي في هذه الحياة الدنيا…”. وكانت خديجة تتنفس في هدوء تام بجانبي. إن هذا المشهد صار الآن خلْفي. ومنذ ذلك الصباح، وأنا في باريس، لم أسلك طريق الملوك، بل طريقاً محفوفة بالجذوع. هذا ما تراءى لي وأنا أنظر إلى ثلاثين سنة مضت من عمري منذ ذلك الوقت”.
كانت سنة 1936 أسوأ سنة في حياة بن نبي باعتراف منه. وكان يعرف أنّ ذلك لا يعود إلى سوء الحظ أو شراسة الأقدار، وأنّ مشكلته ليست مع سوء الطّالِع، بل مع خصومةٍ مُنظّمةٍ ومُخطّطةٍ، وهو يُصارع الظلم والجور وغياب العدالة. وكل ذلك له مصدر واحد هو الاستعمار و(“الصراع الفكري”). فهو يرى شبح ماسينيون(Massignon) وراء شبكة خيوط العنكبوت التي تخنقه.
وقد خامرتْهُ فكرة السفر إلى إيطاليا لِما يعرفه من تناحر بينها وبين فرنسا في مجال السياسة، فبادر بكتابة رسالة وتسليمها لزوجته كي تودِعَها في سفارة إيطاليا. وكانت الإجابة سلبية. بعدها فكّر في أفغانستان، بلد جمال الدين الأفغاني الذي انطلقت منه حركة النهضة خلال القرن الماضي. استُقبِلَ في السفارة الأفغانية، لكن طلبه لم يحظَ بالقبول كذلك. توجّه بعدها إلى سفارة ألبانيا حيث استقبله السفير شخصياًّ واهتمّ بالمشاريع التي عرضها عليه، ثُمّ منحه رخصة الدخول إلى ألبانيا.
ركب بن نبي القطار كي ينتقل إلى إيطاليا مِن حيث سيسافر إلى تيرانا (Tirana)على ظهر سفينة. وكانت معه حقيبتان مليئتان بالكتب، فذلك هو رأسماله العلمي. وفي اليوم الموعود كان في سطح أحد المقاهي يتناول قهوته الصباحية، فإذا بسيدة تقترب منه وتسأله إن كان يتكلم الفرنسية. ولمّا أجابها بالإيجاب راحت تروي قصة عودتها من تيرانا، وقدّمت له صورة قاتمة عن تلك المدينة التي كانت ترزح تحت وطأة البطالة والمجاعة. تعجّب بن نبي من ذلك، لكنه صدّق ما قالته السيدة. ولمّا تغلغلت الشكوك في نفسه توجّه إلى القنصلية الفرنسية ليسأل عن الأوضاع، فنصحوه بعدم السفر إلى ألبانيا. وهكذا عاد أدراجه إلى فرنسا.
وكأنّ الأقدار لم تكن تريد له أن يُغادر فرنسا ومستعمرتها الجزائر، مع أنه كان متأكداً من قدرته على إنجاز أشياء عظيمة في مجال الأعمال. لكن، ماذا سيكون مصيره لو نجح في مشروع هجرته؟ أسيكون تاجراً كبيراً، أو مستثمراً صناعياًّ كبيراً كما كان الشأن مع صديقه صالح بن ساعي، أو إطارا ساميا في إحدى المؤسسات؟ لطالما حَلَمَ تارة بتامبوكتو، وتارة بالريف المغربي، وأخرى بالسودان أو السعودية أو مصر أو أفغانستان أو ألبانيا، لكنه سيقضي أغلب أيام حياته بين الجزائر وفرنسا إذا استثنينا سنوات الثورة التي قضاها في مصر.
وأمام تلك الخيبات المتتالية والكثيرة، خامرتْ ذهنه فكرة رهيبة لأول مرة، وهي الانتحار، فسجل ذلك في مذكراته غير المنشورة قائلاً: ” كُنتُ مثل الحيوان الضاري الذي شعر بأنه في قفص فراح ينهال على القضبان الحديدية برأسه”. ومع ذلك فإنه لم يفقد الأمل كُلِّيةً، واتجه إلى سفارة السعودية كي يطلب رخصة الدخول شارحاً لهم أنه ينوي تأسيس مدرسة تقنية تحضيرية. وقد رُفِضَ طلبه مُجدّداً.
راح بن نبي، في تلك الأيام القاتمة التي لم تنفتح له خلالها أية نافذة على المستقبل، يقضي أوقاته بين بلدة لوات كليري Luat-Clairet)) والحيّ اللاتيني (Quartier latin). وكان صالح بن ساعي قد انضمّ إلى صفوف البطّالين بعد عودته من غويانا (Guyane) ، أمّا حمودة فكان على حافة الانهيار. وخلال ذلك قرأ بن نبي كتاب “الكوميديا الإلهية” (La comédie humaine ). أمّا فضيل الورثيلاني (3) فقد عُيِّن مُمثلاً لجمعية العلماء بباريس، وهذا ما أزعج فيلسوفنا لأنه كان يرى أنه أجدر بذلك المنصب.
حلّ بباريس فوج من علماء الأزهر لإكمال دراستهم في السوربون (Sorbonne)، وأتيح لبن نبي وحمودة بن ساعي أن يتعرّفا عليهم، ونشأتْ بينهما وبين الشيخ دراز على الخصوص علاقة وطيدة، وهذا الشيخ هو الذي سيكتب مقدمة أول كتاب سينشره مالك بن نبي عشر سنوات بعد ذلك (سنة 1947). ثُمّ تولّى بن نبي إعطاء دروسٍ في اللغة الفرنسية لأولئك الأصدقاء الجدد وهو يُعوِّلُ على مساعدتهم للحصول على رخص الدخول التي طال انتظاره لها.
قام بن نبي بزيارة لمعرض حول الابتكارات الجديدة وهو يفكر في إنجاز ابتكاره المتمثل في تعويض شموع المحرك التي لا تدوم إلاَّ بضعة أشهر بشموع تبقى مشتغلة طيلة مدة صلاحية المُحرِّك، لكنه لم يجد مَنْ يتبنّى فكرته.
استغلّت الصحافة العالمية قصة أمير بلاد الغال(Prince de Galles)، وهو وريث التاج البريطاني، عندما عبّر عن رغبته في الزواج من امرأةٍ مُطلَّقة، وهي الآنسة سيمبسون Miss Simpson . اهتزّت بريطانيا لهذا الخبر حتى أنّ المطران (الأرشفيك) دو كانتربوري (Canterburry) عبّر عن استيائه وإدانته للأمير الذي كان عليه أن يختار أحد أمْريْن: فإمّا أن يُقلِع عن فكرة الزواج تلك، وإمّا أن يتنازل عن حقه في وراثة العرش. ولقد فضَّلَ الأمير تلك المرأة على التاج. وهو بذلك يصبح مُهاجراً بمعنىً ما.
أمّا بن نبي فكان يُرهِق نفسه بحثاً عن عملٍ بدون نتيجة. كتب لكل الجهات، وطلب الحصول على أبسط الوظائف وأدناها في السُّلّم الاجتماعي: كعامل مهنيّ، أو كعامل يدويّ، أو كحارس ليلي، لكن بدون أية نتيجة. كلّ طلباته ووجِهتْ بالرفض. وقد حدث مرّةً أن أشرف على الخلاص من المأزق عندما اقترح عليه زميل فرنسيٌّ أصبح مديراً، منصبَ رئيس مصلحة في المصنعٍ الذي كان يُديره. وفي اليوم الذي أقبل بن نبي إلى المصنع لاستلام مهامه وجد أن المنصب لمْ يَعُدْ شاغراً.
تذكّر بن نبي كاهنا (Chanoine)من كهنة الكنيسة كان معروفاً في تبسة، ففاتَحَهُ حول الصعوبات التي يواجهها في إيجاد عمل. وقد تعاطف معه ووعده بأنه سيُراسل في الحين أحد الرجال البارزين في باريس، والمؤكد أنه سيجد له عملاً يناسبه. وبالفعل فقد تلقّى بن نبي رسالة بعد بضعة أيام، وكانت من لويس ماسينيون الذي طلب منه أن يزوره. ولمّا كان اللقاء لم يتطرق ماسينيون لمسألة العمل، بل راح يستفسره عن الظروف التي تعرّف فيها على ذلك الخادم الكنسي.
خرج من عند ماسينيون وهو متأكِّدٌ بصفة نهائية أنّ مصيره مسدود. وفي مذكراته غير المنشورة هذه الأسطر المُرعبة حقاًّ: “لقد خرجت من تلك التجربة متيقّناً من أمْريْن: أولهما أنني سأجد ماسينيون في طريقي على الدوام، وثانيهما أن الضمير المسيحي ليس حُراًّ في قراراته، إذ أن ذلك الخادم الكنَسي لم يكن بوسعه أن يتصرف بالطريقة التي تروق له ـ مع أنه كان يتمنى ذلك بكل تأكيد ـ دون أن يمرّ على ”النظام المركزي للشؤون الإسلامية”. والواضح أنّ ماسينيون كان في أهمّ منصب في ذلك النظام. وسأعرف لاحقاً، عن طريق التجارب الكثيرة، أن ماسينيون كان على الدوام في اتصال مستمر مع المكتب الثاني والمنظمة الكَنَسية في آنٍ واحد” (4).
وقد سلّم لي الوزير اللبناني الأسبق كمال مسقاوي، وهو تلميذ بن نبي، في جويلية 2003 مجموعة من الوثائق ذات العلاقة بهذه الحلقة، وهي:
1) رسالة غير موقعة وموجهة إلى ماسينيون مؤرخة في 07 أكتوبر 1936 ومكتوبة على ورقة خاصة بجمعية “العمل الاجتماعي سان إي واز” L’Action sociale de Seine-Et-Oise ، ومما جاء فيها:”سيدي الأستاذ، لقد تفضّلتُمْ بالإجابة عن رسالتي لصالح شاب إسلاميّ، وطلبتُمْ منّي تزويدكم بشروح إضافية. ولي الشرف أن أرسل إليكم اليوم المعلومات التي أرسلها لي المعني بالأمر نفسه. وما ينقص هذه المعلومات هو ماضي هذا الفتى وقيمته. ولا بدّ لي أن أقول لكم إني لا أعرفه شخصياًّ، بل أوصاني عليه الخادم الكنَسيّ برونتون وهو أستاذ الفلسفة في المعبد…”.
2) رسالة بخط اليد موقعة من طرف برينتو (C. Bruneteau ) موجهة إلى ماسينيون، ومما جاء فيها: ” بإمكاني أن أطمْئنكم على نزاهته وعلى روحه الدينية الصادقة. وإذا تعذّر الحصول على العمل المشار إليه في الورقة المُلحقة، فسيقنع بعملٍ غير مختص في بنك أو محل تجاري أو دار للنشر. لقد حظيتُ حظوة كبيرة يا سيدي بالاستماع إليكم خلال الأسبوع الاجتماعي في فرساي. وأنا أتذكر تكرّمكم بالدفاع عن قضية إخواننا المسلمين. وأعوِّل على كرمكم لافتكاك السيد بن نبي من متاعبه، وهذا عنوانه: 36 شارع الرائد بوروبير، درو، أور إي لوار (36 rue du Cdt Beaurepaire, Dreux, Eure-Et-Loire).
3) ورقة من الحجم الكبير سجل فيها بن نبي بخط يده معلومات طُلِبَتْ منه، ومما جاء فيها: “اللقب: بن نبي، الاسم: مالك، السن: 31 سنة (مولود بقسنطينة في 01 جانفي 1905). المكان الأصلي: أسرتي مُقيمة في تبسة بعمالة قسنطينة. الدراسات: شهادة التعليم الابتدائي، الأهلية في اللغة العربية، شهادة المدارس، تلميذ في المدرسة الخاصة بالميكانيك والكهرباء سابقاً، (عادل) في أفلو، Ch. du Rhumel(1927-28) . الوظائف: مُسير آلات في مخبر للقياسات الكهربائية أو اختبار المواد، تقني مساعد في قاعدة تجارب للآلات الكهربائية، أو أية وظيفة في الصناعة الإلكترونية مثل صناعة المُكدِّسات، أو المصابيح.
4) رسالة من بن نبي مؤرخة في 13 أكتوبر 1936 موجهة إلى “السيد الأستاذ ماسينيون، باريس”، ومما جاء فيها:”تلقيتُ اليوم رسالة من سيدي الخادم الكنسي أ. برونوتو الذي تشرّفتُ بمعرفته في الجزائر، ويخبرني فيها بأنه لفت انتباهكم إلى حالتي. وبما أنني حظيتُ بلقائكم في باريس عدة مرات، فأنا آمُلُ، يا سيدي الأستاذ، في أن تتفضلوا بإيلاء حالتي أقصى حدّ من العناية. وكما سبق لي أن أوضحت لسيدي الخادم الكنَسي، فأنا أرغب في الاستقرار نهائياًّ في فرنسا حيثُ، وبالإضافة للظروف المعنوية المناسبة المحيطة بي والضرورية لحياتي، صرتُ أتمتع بروابط عائلية جيدة عن طريق زواجي بفرنسية… وحالما تجدون مِن غير الضروري الاحتفاظ بشهادة نهاية الدراسة، أرجوكم مُمتناًّ أن تُعيدوا إرسالها لي كي أتمكن من تجريب حظي في مواقع أخرى، والله المستعان”.
5) رسالة من بن نبي إلى”السيد الأستاذ ماسينيون، باريس” مؤرخة في 18 أكتوبر 1936، يقول فيها:”سأكون في باريس خلال الأسبوع القادم، وسأغتنم الفرصة لعقد اللقاء الذي تفضلتم بقبوله. وإذا لم يكن في الأمر أي إحراج لكم، فليكن اللقاء يوم الأربعاء. في هذه الحالة، من البديهي أنني سأُعلمُكم مُسبقاً عن طريق الهاتف”.
عاد بن نبي إلى البحث عن العمل، لكن بدون نتيجة. وتوجّه إلى مدرسة ESME لكي يسحب شهادة نهاية الدراسة، ولمّا رآه المدير دعاه إليه واقترح عليه أن يشارك في مسابقة من تنظيم الفصيلة التقنية للمدفعية. وبعد إتمام التسجيل اجتاز المسابقة ونجح نجاحا باهراً إذ نال المرتبة الأولى في الامتحان الكتابي. واجتاز الامتحان الشفهي في نفس الأمسية. وبعد أسبوعين تلقى رسالة تُشعِرُه بأنه لم ينجحْ.
وهو يُسجل انطباعاته حول تلك الخيبة في مذكراته غير المنشورة قائلاً: ” لم أكن ممّن لا يستنتج نتيجة عملية من تجاربه. كُنتُ دوماً ملتزماً بالنظام. والنتيجة التي فرضت نفسها على عقلي، بما وراءها من تجارب متعددة، هي أنّ التنظيم الفرنسي لا يتقبل فكرة أن “الأنديجان” يتمتع بتكوين تقنيّ. ولو حدث أنّ افتك أحدهم تكويناً تقنيا بفضل ثباته ووعيه، فإنهم يعملون على تضييعه له بكل الوسائل. هذا ما كنتُ أستنتجه ببراءة وأنا عاقد عزمي على التنازل عن مساري المهني كمهندس. لكنني سأكتشف بسرعة أن الهدف الذي كان يسعى إليه ماسينيون كان أوسع وأعمق مما كنتُ أتصوّر… فهو لم يكن يريد أن يمنعني من المحافظة على تكويني كمهندس، بل كان يريد أن يمنعني من العيش بكل بساطة”.
أرسل بن نبي إلى محكمة الجزائر طلب الحصول على منصب (وكيل) في سيدي بلعباس بعد أن علم بوجود الحاجة إلى مَن يتولى ذلك المنصب. وجاءه الرّدّ في فيفري 1937 بيد رجل شرطة يحمل ملفاًّ كبيراً تحت إبطه. وبعد التأكد من هويته، قدم له الشرطي نتائج التحقيق الإداري الذي فُتِح بشأنه استناداً إلى تقرير قاضي سيدي بلعباس، والذي جاء فيه: “المُسمّى بن نبي معروف في سيدي بلعباس بكونه مستشاراً تقنياًّ وعضواً بارزاً في “نجم شمال إفريقيا”، وبناءً على ذلك فوجوده في هذه المدينة غير مرغوب فيه”. والحال أنّ بن نبي لم تطأ قدمُه تلك المدينة الواقعة في الغرب الجزائري.
ثُمّ قام بمسعى لدى شيخ بلدية درو الذي كان هو موريس فيولات نفسه، الحاكم العام في الجزائر ووزير الدولة الأسبق في حكومة “الجبهة الشعبية”. طلب منه أن يساعده على إيجاد منصب في مؤسسة لأشغال الطُّرُق كانت قد أعلنتْ في الصحافة عن حاجتها إلى مترشحين للعمل في تونس. ورغم أن فيولات أبدى دعمه لطلبه إلاّ أنه لم يحصل على أي شيء. كما اتّصل بن نبي بنائب كاتب الدولة للتعليم التقني بغية الحصول على ترخيص بفتح مدرسة للتعليم التقني التحضيري في قسنطينة، لكنه لم يتلقّ أيّ جواب.
وهكذا ساءت أحواله حتى لم تَعُد عائلته تقتات إلاّ بالخبز وحده. وكانت زوجته هي التي تتولى صنع ملابس له لأنه لم يعُدْ يملك أي لباس لائق. أمّا هو فكان يعي ما يحدث له، ويعرف مصدر كلّ همومه: إنها خيوط العنكبوت، أي ماسينيون، وجهاز المخابرات، والإدارة الاستعمارية، والصراع الفكري، مُجتمعين أو فُرادي، فهُمْ لا يُشكلون في النهاية إلاّ شيئا واحداً.
(يتبع)
المراجع:
1) يتعلق الأمر بنص قانون في ستة مواد أُريدَ به في الأساس منح الجنسية الفرنسية للنخبة لجزائرية، أي لبضعة آلاف من الأشخاص.
2) وكتب حمودة بن ساعي من جهته قائلاً: “في أوت 1936، بعد مقتل مفتي الجزائر العاصمة واعتقال الشيخ الطيب العقبي، قام خطيب نادي الترقي الشهير، الأمين العمودي، برفقتي، بشن معركة من أجل التنديد بالمؤامرة التي حيكت ضدّ جمعية العلماء. وقد استمع إلينا الصحفيون الباريسيون (كان هو في محاورة مع مُحرر من جريدة Paris-soir ،وكُنتُ أنا مع مُراسل لجريدة L’œuvre اللّتين كُنّا نُساعدهما سِراًّ بمقالاتنا) وبذلوا ما بوسعهم لتنوير الرأي العام الفرنسي. أمّا بالنسبة إلينا نحن الذين لا نملك مِن سندٍ غير إيماننا، فقد كان ذلك اللقاء الصحفيّ انتصاراً معنوياًّ. وكان لتلك المقالات أثر مؤكّد في الرأي العام. كما أنها أنارت الطريق أمام قاضي التحقيق Vaillant الذي كان مسيحياًّ نزيهاً، والذي كُلِّف بالتحقيق في القضية. وقد استفاد الشيخ الطيب العقبي من الحرية المؤقتة. أمّا قاضي التحقيق فقد ترقى إلى منصب رئيس محكمة سطيف، حيث حظيَ بحبّ السكان المسلمين، ثُمّ كُتِب له أن يموت مقتولاً في شارع من شوارع المدينة أثناء أحداث 8 ماي 1945”. وبخصوص الأمين العمودي يقول حمودة بن ساعي: ”عاش الأمين العمودي حياة كلّها خيبات وفشل وفقر، حياة عندما أتذكرها تخطر ببالي ذكرى البطل صادق دندان الأليمة، والذي كان مديرا لجريدة “الإقدام”، ومات العمودي مقتولاً أثناء حرب التحرير، إذْ عُثِرَ على جثته بجانب طريق السكة الحديدية بين مدينة البويرة وبلدة العجييبة بتاريخ 10 أكتوبر 1957. لقد مات شهيداً مثل الشيخ العربي التبسي…”
تجدر الإشارة إلى أنّ ابن أخ الأمين العمودي، وهو رياضي شاب من بسكرة، قد حُبِسَ في بداية الثورة التحريرية في ملعب المدينة وأُطلِقتْ عليه كلاب الجيش الفرنسي التي مزقت جسده تمزيقاً.
3) كانت حياة الشيخ الفضيل الورثلاني (1900-1965) حياة عجيبة إلى حدّ بعيد. فقد غادر الجزائر سنة 1934 ليتولى المهامّ التي أشار إليها بن نبي. وبعد ذلك بعامين هاجر إلى مصر وصار عضواً في تنظيم الإخوان المسلمين. وفي سنة 1947 كان في اليمن حيثُ يُرجّحُ أن يكون له دورٌ في الانقلاب الذي أطاح بالإمام يحي سنة 1948. وبعد نجاح ثورة جويلية 1952 بمصر اختار الإقامة بها. ثُمّ غادر مصر بعد خلافه مع ممثلي جبهة التحرير في الخارج، وهاجر إلى تركيا التي توفي فيها.
4) يتحدث ماسينيون في كتاب “الإسلام ومستقبل احتكاك ثقافي، ( 1957 L’islam et l’avenir d’un contact culturel) عن وجود “رجال مخابرات كنَسيين” و “لائكيين” انظر “اوبيرا مينورا” المجلد الاول (Cf. « Opera Minora », T.1) .
