Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (11)‏

حياة مالك بن نبي (11)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

دخل مالك بن نبي في فترة فراغ بعد وفاة أمِّه، وساءت أحواله المادّيّة، وتتابعت خيباته السياسية. وصار ‏يعيش في هدوء الريف الذي كان يناسبه ويحلو له، وانقطع عن الذهاب إلى المدرسة مُفضِّلاً الدراسة في ‏بيته. وكان يذهب إلى باريس في نهاية كل أسبوع.‏

وفي إحدى المُحاضرات التي ألقاها ماسينيون في مقرّ “الاتحاد المسيحي”، كان بن نبي حاضراً رفقة ‏الأخوين بن ساعي وابن خاله علي بن أحمد. وفي نهاية المحاضرة تناول هذا الأخير الكلمة ونَعتَ ‏ماسينيون بأنه كذّاب. فكانت الهرج والمرج في القاعة. ‏

تدخّل بن نبي لتهدئة الأوضاع مُغتنماً ذلك الظرف ليُعلّق بعبارات لطيفة على بعض الأحكام التي ‏أصدرها ماسينيون في حق الحركة الوهابية، وقال: “سيدي الأستاذ، أعتقد أنه يجب اعتبار الوهابية في ‏الإسلام مثل البروتستانتية في المسيحية، فهي إصلاح”. وختم تدخُّله بإعلان انتمائه هو شخصياًّ إلى ‏الوهابية. وصفق له كلّ مَن في القاعة لكن وجه ماسينيون أصبح مُصفراًّ، وتلقّى حُجج بن نبي ببرودة ‏أشدّ من البرودة التي تلقّى بها شتائم علي بن أحمد‎ (1) ‎‏.‏

وصلتْ السنة الدراسية إلى نهايتها دون أن ينوي بن نبي السفر إلى تبسة مُفضِّلاً قضاء عطلته في ‏نورمانديا كمُراقب في مركز من مراكز الاصطياف. وهو في تلك البلدة المُسماة لوا ـ كليري ‏Luat-‎Clairet‏ (2)، وفي وسط الطبيعة الخلاّبة التي تمتاز بها نورمانديا، قرر بن نبي أن يتخلّى عن كلّ ‏شيء وأن ينتقل إلى المشرق العربي، وبدأ بطلب رخصة الدخول إلى مصر مِن سفارتها.‏

كلّ شيء كان جاهزا: جوازات السفر، والأمتعة، والمبلغ المالي المخصص للتذاكر، والمشاريع، وكل ‏الأحلام. لكن طلب الرخصة لم يحْظَ بالقبول. فلقد حُكِمَ عليه بأنه “شخص غير مرغوب فيه في مصر ‏بسبب المصالح الفرنسية”. خرج من السفارة خائباً، ولم يجد لهذا الرفض الذي أفسد عليه مشاريعه، أيّ ‏تأويل غير كونه خيانة عربية بتحريض من الإدارة الفرنسية. و لم يكن بيده خيار آخر غير الرضوخ ‏والقبول بالبقاء في فرنسا، لكنه قرر أن يرفع التحدّي بالعودة إلى دراسته. عاد إلى باريس واكترى غرفة ‏قريبة جداًّ من المدرسة وقد اشترط عليه صاحبُها أن يدفع ثمن الكراء لسنتين مُسبقاً. ‏

عاد إلى الحيّ اللاّتيني حيث التقى مُجدّدا بحمودة بن ساعي الذي أصبح عاملاً يدوياًّ في مصنع ‏hispano-suiza ‎‏ الذي يقع في بوا ـ كولومب ‏Bois-Colombes‏ (3). في تلك الأثناء ندّدَ هيتلر ‏بمعاهدة فيرساي. أمّا في الجزائر فكان اسم الدكتور بن جلول في قمة الشهرة، وكذلك مصالي الحاج في ‏أوساط الجزائريين بفرنسا، من زاوية النظر “البوليتيكية” طبعاً. و كان بن نبي يرى في سِرِّهِ أن “تكوين ‏رجلٍ واحدٍ أصعب بكثيرٍ مِنْ سلب عقول آلاف المستمعين بخُطبٍ وطنية”. وكان صديقه صالح بن ‏ساعي في ذات الفترة قد أنهى دراسته بنجاح باهر في اختصاص العلوم الفلاحية وتمّ قبوله كإطار في ‏إحدى الهيئات التي أرسلتْهُ إلى غويانا‎ Guyane‏.‏

وكانت الأوضاع في الجزائر مما زاد من خيبة آمال بن نبي: فالإدارة الاستعمارية عازمة على إبقاء ‏البلاد في الجهل والفقر مِن جهة، ومن جهة أخرى تلك الأحزاب السياسية التي لا تُريد الإقلاع عن ‏السفسطة الفارغة ونزعة المُطالبة بالحقوق. وممّا كان يقُضّ مضجعه أكثر مشكلة الأمّية لأنها كانت في ‏نظره بمثابة مفتاح الحلّ لمسألة النهضة.‏

وفي هذا المجال أعدّ بن نبي مقالاً يعرض فيه إمكانية حلّ تلك المشكلة بإمكانات المجتمع الجزائري ‏وحدها، وذلك بتوزيع مجموع الأمّيين على المتعلّمين الموجودين. قدّمَ مقاله إلى جريدة “‏La ‎Défense‏”‏‎ ‎‏ التي كان يشرف عليها العمودي، ولجريدة “‏Entente franco-algérienne‏”‏‎ ‎‏ التي كان ‏يشرف عليها الدكتور بن جلول. لكن الجريدتين رفضتا نشره لكونه مقالاً “عنيفاً”. وبعد ذلك بفترة ‏وجيزة حرّر مقالاً آخر تحت إمضاء “رفقاء الإسلام” ‏Les compagnons de l’islam)‎‏ وأرسل به ‏إلى جريدة‎ ‎‏”‏L’Entente‏”‏‎ ‎، ولم تنشرهُ كذلك.‏

في ساحة الأحداث بالجزائر برزتْ قضية لفتت انتباه وسائل الإعلام، وتتمثل في الإضراب الذي قرر ‏السّكان شنّه على شراء أحد أنواع السجائر، وتسمّى جوب ‏JOB، وهي معروفة بولائها للصهيونية. ‏وتعاظمتْ حركة الإضراب حتى اتّخذت بُعْد قضية دولة، ذلك أنّ الإدارة الاستعمارية ترتاع لكلّ عمل ‏يتسم بالاتحاد وروح الجماعة، وهي تصير عندئذ مستعدة لارتكاب كل الحماقات. وكان بن نبي يعرف ‏ذلك ويعرف أن الاستعمار يعرف. و يبقى الغائب الأكبر هو تلك الحركة الوطنية التي لا تفهم ذلك أو ‏تتظاهر بذلك.‏

ولمّا حلّ فصل الصيف عاد فيلسوفنا إلى تبسة، واقترحت عليه أسرتُهُ أن يتزوج ثانية بجزائرية من أجل ‏الإنجاب. وكان العربي التبسي في ذلك الوقت قد عاد من مدينة السيقSig ‎‏ وصار مُشرفاً على حركة ‏الإصلاح في المدينة التي صارت مقاهيها لا تبثّ إلاّ الأغاني المصرية التي غيَّبَتْ أغاني عيسى ‏الجرموني (1886-1946) من الساحة. أمّا أبوه فقد استقال من الدنيا استقالة تامة.‏

أتيح لبن نبي أنْ يتعرف يوما، في مقهى الهقار، بفرنسي اسمه ‏Anacléto Cyril ‎‏ رفقة زوجته، وقد ‏أسْلَما إسلاماً اندفاعياًّ حتى أنّهما ظنّا أنّهما مُلزمان باتباع المسلمين في كل مظاهر حياتهم، حتى الشكليّ ‏منها. فراحا يبيعان أثاثهما العصري ويقتنِيان مكانه الحصائر و الطنافس، ويستبدلان ثيابهما الغربية ‏بالشاشية والسروال للرجل، وبخمار شمال إفريقيا للمرأة.‏

لم يفهم بن نبي سبب ذلك الاندفاع لكنه صار صديقاً لـ ‏Anacléto‏ الذي سيقول عنه في مذكراته غير ‏المنشورة :”أنا مَدين له بالكثير. فهو لم يكتفِ بمساعدتي على اكتشاف بعض المشاكل، بل شارك غالباً ‏في إيجاد حلولٍ لها في عقلي بفضل علمه الواسع الذي لا يُستهانُ به، وكذلك بفضل مكتبته التي تضمّ ‏كتباً مُهمّةً”.‏
وتلك هي الفترة التي زار فيها أوجين يونغ ‏Eugène Jung‏ الذي سيصفه بكونه “الشيخ المُسِنّ، ‏والمُصارع الشجاع الذي ربّى جيلي، والذي آلَ أمرُهُ إلى الضعف والهوان حتى انطفأت شمعته بهدوء ‏مثل القنديل الذي كان يُضيء آخر لحظاته في تلك البلدة الصغيرة التي تفتقر حتى إلى ضوء ‏الكهرباء”(م.ش.ق).‏

كان بن نبي جالساً في سطح أحد المقاهي الباريسية ذات يوم من أواخر فيفري سنة 1936، وكانت بيده ‏جريدة ،L’Entente ‎‏ ، فإذا به يقع على مقال لفرحات عباس عنوانه (“فرنسا هي أنا””‏La France ‎c’est moi ! ‎‏”). قرأه وأنفاسه تكاد تنقطع. وعلِمَ في الأيام اللاّحقة أنّ ذلك المقال الذي كان إجابة عن ‏مقال نُشِر في صحيفة “‏Le Temps‏”‏‎ ‎‏ الباريسية، قد سبّب للجزائريين صدمة عنيفة.‏

يقول فرحات عباس في ذلك المقال الناريّ الذي خلّده التاريخ: ” إنّ ما جاء في جريدة ‏Le Temps ‎‏ فيه ‏استخفاف كبير وجهل واضح بالحقائق، ولا شك أّنّ ذلك كان بوحيٍ مِن دوائر القوة المالية الاستعمارية، ‏أو من جنون بعض الساسة. فلقد عادت هذه الجريدة إلى تهجّمها على الجزائر المسلمة راميةً إياها بكلّ ‏التهم القديمة التي استعملتها الترسانة الاستعمارية بشكلٍ دوريٍّ منذ خمسين سنة، وهي: النزعة الوطنية، ‏والتعصب الدينيّ، والنزعة الوهابية… والمسألة التي تُهمّني هنا هي مسألة تعليم اللغة العربية، والتي ‏طرحتها جريدة ‏Le Temps ‎‏. إنّ مكانة هذه اللغة في الدين الإسلامي كمكانة الكنيسة في الديانة ‏المسيحية. فهي لا يمكن أن تعيش بدونها… أمّا الوهابية والوحدة العربية فهما ستاران ضعيفان تستتر ‏وراءهما الأهداف الحقيقية التي يسعى إليها مُربُّونا الاستعماريون. فالجماهير التي حُرِمتْ مِن المدرسة ‏الفرنسية يجب أن تُحرَمَ من تعليم العربية كذلك. فلا ثقافة فرنسية ولا ثقافة عربية… وإذا كان العلماء ‏‏”عنصريين” و”إسلاميين وحدويين”، فنحن، الأصدقاء السياسيين للدكتور بن جلول، وطنيون. والتهمة ‏ليست جديدة…‏

إنّ رأيي معروف. فالروح الوطنية هي ذلك الشعور الذي يدفع بشعب إلى العيش داخل حدود إقليمية، ‏وهو الشعور الذي أوجد الأوطان التي نراها. ولو أنني اكتشفْتُ “الوطن الجزائريّ” لكنتُ وطنياًّ ولما ‏استحْييْتُ من ذلك كما أستحي من ارتكاب جريمة. فالرجال الذين ماتوا في سبيل القضية الوطنية يحظون ‏بالتكريم والاحترام يومياًّ. وحياتي ليست أغلى من حياتهم. ومع ذلك فإني لن أُضحي بهذه الطريقة.‏

إنّ الجزائر بوصفها وطناً عبارة عن خرافة. فأنا لم أكتشفها. لقد ساءلْتُ التاريخ، وساءلْتُ الأموات ‏والأحياء… وزُرْتُ المقابر، فلمْ يُكلِّمْني عنه أحد. صحيح أنني وجدْتُ “الأمبراطورية العربية”، ‏و”الأمبراطورية الإسلامية” اللتيْن تُشرِّفان الإسلام وتُشرِّفان جنسنا، لكن هاتين الأمبراطوريتين قد ‏انطفأتا. كانتا بمكانة الأمبراطورية اللاتينية والأمبراطورية المُقدّسة الرومانية الجرمانية خلال القرون ‏الوسطى. وُلِدتْ هاتان الأمبراطوريتان لتعيشا زمناً مُحدّداً لفائدة الإنسانية في طور مُعيّن، ونحن لسنا ‏بذلك الزمان، ولسنا بتلك الإنسانية في ذلك الطور. إنّ ما يُرادُ مُحاربتُه بهذه الكلمة هو انبعاثُنا الاقتصاديّ ‏والسياسيّ. ونحن نريد هذا الانبعاث المزدوج بكل ما أوتينا مِن إرادة وما لدينا مِن مُثُلٍ اجتماعية عُلْيا.‏

إنّ هناك ستة ملايين من المسلمين يعيشون على هذه الأرض منذ مائة سنة من التواجد الفرنسي، يسكنون ‏أكواخاً، ويمشون حفاة الأقدام، عُراة الأجسام، وجياع البطون. ونحن نريد أن نصنع من هذه الجمهرة ‏الجائعة مجتمعاً حديثا بفضل المدرسة، وبرعاية الحياة الفلاحية، وبالإعانة الاجتماعية… ولن تقوم ‏للجزائر الفرنسية قائمة ما لم نُفكر في انبعاث “الأنديجان”. ففرنسا هي أنا لأنني أُمثِّلُ العدد، وأمثل ‏الجنديّ والعامل والحِرفيّ، وأنا المُستهلِك. وإبعادي عن دائرة التعاون، وحرماني من الحياة الكريمة هو ‏ضرب من الجنون التافه. إنّ مصالح فرنسا هي مصالحنا عندما تصير مصالحنا هي مصالح فرنسا…” ‏‏(4) .‏

وبعد مُداولةٍ مع أصدقائه قرّر بن نبي أن يرُدّ على التنكّر للأمة الجزائرية. وشرع في العمل فور عودته ‏إلى منزله. وكان العنوان الذي اختاره لمقاله “مُثقفون أمْ منحرفون فكرياًّ؟”‏Intellectuels ou ‎intellectomanes‏ ) مُتضمِّنا لأول المصطلحات الجديدة التي صاغها بن نبي. ولمّا قدّم المقال ‏لأصدقائه قام حمودة بن ساعي بنقله كي يقرأه في أي مكان، أمّا النسخة الأصلية فأُرسِلتْ إلى الأمين ‏العمودي من أجل نشرها في جريدة ‏‎ ‎‏”‏La Défense‏”‏‎ ‎‏ . لكن هذا الأخير رفض نشره (5).‏

وعند قراءة ذلك المقال نكتشف أنّ بن نبي كان يهتمّ بالمسائل الإيديولوجية أكثر من اهتمامه بالمسائل ‏السياسية، حيث يبدو أنه أجاب عن الجزء الأول من افتتاحية فرحات عباس، مُبيِّناً عُمق تأثُّره نظراً إلى ‏قناعاته “السّلفية”.ومِن هُنا نجد أنه في مذكراته غير المنشورة ينقل لنا الأحاسيس التي انتابته لمّا همّ ‏بكتابة أول عمل فكريّ، وهو آنذاك كاتب ناشئ فيقول: “كانت تلك أول مرّة في حياتي أحاول أن أُنتِج ‏عملاً فكرياًّ. وكلّ مشكلة عملية أو نظرية تتطلب ذلك. أمّا أنْ أكتب مقالة، فذلك كان أمراً جديداً عليّ. ‏اخترتُ هذا العنوان لمقالي: “مُثقفون أم مُنحرِفون فكرياًّ؟” وقد خطر ببالي هذا المصطلح الجديد (6) ‏كلسان أفعى أغرسه بفراسةٍ في عنجهية أولئك “الزعماء” الجدد… وعندما قرأتُ المقال غداة ذلك على ‏زوجتي ونحن على مائدة الغداء، قالت لي: “إنّ هذا الكلام ليس منك، إنه إلْهام”. وبالفعل، فقد كان ذلك ‏المقال من النثر الراقي”.‏

وهذا هو النّصّ الكامل لمقال بن نبي: “هل الجزائر على أهبة تنظيم مراسيم جنازة؟ فبعد معجزة الشعوذة ‏الكاذبة، هل على الوهم الفكريّ أن يتبدّد هو بدوره؟ فنخبتُنا تحتضر ‏‎!‎‏… ونُخبتنا باعت ضميرها. إنه في ‏الأصل موضوع حريٌّ بأن يفكر فيه غوته. لكنه، وبكلّ أسفٍ، تحوّل عندنا إلى مهزلة مُسِفّة. فلقد ظننّا ‏إلى حدّ هذه الساعة، أن “المنحرفين فكرياًّ” عندنا سيكتفون باستثمار مواهبهم الفكاهية بالحصول على ‏بعض المكاسب المادية في معرض السياسة. غير أنّهم لم يعودوا يكتفون بلعب مهازلهم.. فلقد تحوّلت ‏المهزلة إلى دراما موسيقية وراح السّفهاء يحملون أنفسهم محمل الجدّ. ففرحات عباس هو الذي تحوّل ‏إلى عالم آثار ينبش في المقابر. كُنتُ أعرفه كرجل هزل منذ صدور “الشاب الجزائري” (‏Le jeune ‎Algérien‏) . ألمْ يُقدّمْ لنا في كتابه وصفة ذرف الدموع كعلاج لآلامنا؟ فهو صاحب هذه العبارة: “البكاء ‏مثل ابنة هاميلكار (‏Pleurer comme la fille d’Hamilcar‏) .‏

فبعد العديد من السقطات، ها هي الجزائر على موعد مع مُصيبة جديدة، وهي “الانحراف ‏الفكريّ”‏‎ intellectomanie ‎‏. ففي الماضي كانت الكوارث تأتينا من كثرة الزوايا مع توفّر المطبعات، ‏واليوم ظهرتْ آفَتَانِ من نوع آخر: الشعب يسبح في الجهل و”المُنحرفون فكرياًّ” مُتعلِّمون. وهاتان هما ‏المُصيبتان. بالأمس كانت التميمة واليوم ظهر الكتاب. فأيّ الأمرين أدهى وأمرُّ يا عباس؟ وما الفرق بين ‏هذا وذاك؟ إنّ الصحافة المرْشية بالعِجْل الذهبي تُتْقِنُ صناعة الخرافات المُرعبة. وليس من الصدفة أو ‏العبث أنْ تُلصق بالإسلام تهمة الإرهاب والتخويف وتُزرَع تلك التهمة في عقول أبطالنا مِن “المُنحرفين ‏فكرياًّ” ‏‎!‎‏ لكن، ماذا عنك أنت يا عباس؟ هل أخْطأْتَ أم أنك تُحاول تضليلنا؟ فالأمس ليس بماضينا ‏‎!‎‏ إنّ ‏ماضينا يقع قبل ظهور النرجيلة والحريم، وقبل مُملّقي البلاط وذوي الحظوة، وقبل المُشعوذين ‏و”المُنحرفين فكرياًّ”. إنّ ماضينا هي ذاتُنا المسقية بدماء شهداء معركة صفين. وهو أيضاً مُستقبلُنا” ‏‏(7).‏

أمّا ردّ ابن باديس عن مقال فرحات عباس فقد ظهر في شهر أفريل على صفحات جريدة جمعية العلماء ‏‏”الشهاب”، ومما جاء فيه: ‏
‏”إنكم لا تُمثِّلوننا. ولا تتكلمون باسمنا، ولا تُترجمون شعورنا ولا فكرنا. أمّا نحن، فقد نظرنا في صفحات ‏التاريخ والوضع الحاضر فوجدنا الوطن الجزائريّ والإسلامي متشكّلاً وموجوداً كما تشكلت ووُجِدَتْ كُلُّ ‏أوطان العالم. وإنّ لهذا المعشر تاريخه الحافل بالبطولات. وله وحدته الدينية واللغوية. وله ثقافته ‏الخاصة وعاداته وتقاليده، حسنةً كانت أمْ سيّئة، ككل وطن في هذه الدنيا. وإضافةً إلى ذلك فإنّ هذا ‏الوطن الجزائري ليس هو فرنسا، ولا يمكن له أن يكون فرنسا، ولا يُريدُ أنْ يكون فرنسا، ولن يستطيع ‏أن يصير فرنسا ولو أراد. إنه وطن تُميّزه عن فرنسا لغته وتقاليده وجنسه. وهو لا يريد أن يندمج فيها. ‏وإنّ له أمّةً مُحدّدة هي الجزائر بحدودها المُعترف بها حاليا والتي أوكلت إدارتها للسيد الحاكم العام الذي ‏عيّنته الدولة الفرنسية. وإضافة إلى ذلك فإنّ هذه الأمة الجزائرية المسلمة هي صديقة وفية لفرنسا. ‏ووفاؤها هو وفاء القلب وليس وفاء مظاهر. إنها تمنحها صدق الصديق مع صديقه، لا صدق الخادم مع ‏سيده. وهي في حال السلم والأمن تطلب من فرنسا احترام لغتها ودينها، وأنّ تُهيِّء لها سبيل الرقيّ في ‏إطار دينها ولغتها وأخلاقها الخاصة بها. إنها تطلب منها أنّ تُتحفها بالحرّيّة والعدالة والمساواة كي تصير ‏نموذجاً للرقيّ والمساواة والعيش الكريم للإدارة الفرنسية وللتعاون بين فرنسا والأنديجان…‏

أمّا في حال الأزمة العالمية، عندما تسوء الأوضاع، وتسود لغة البارود، ويظهر تهديد السيف، فإنّ المسلم ‏الجزائريّ يستيقظ كالليث في عرينه ويهبّ لحماية التراب الفرنسيّ كما يُدافع عن أرضه الجزائرية وعن ‏زوجته وأولاده. لذلك فنحن الجزائريين الذين نعيش في وطننا الجزائر تحت ظل الراية الفرنسية المثلثة ‏الألوان، وفي وحدة متينة مع الفرنسيين، وحدة لا تتأثر بالأحداث الصغرى ولا بالأزمات السطحية، ‏نعيش مع الفرنسيين كأصدقاء أوفياء. نحترم حكومتهم وقوانينهم، ونأتمر بأوامرهم وننتهي عن نواهيهم. ‏ونُريدُ نحن أن يحترموا ديننا ولغتنا، ويحموا كرامتنا ويقودونا في طريق النهضة السياسية والاجتماعية ‏والاقتصادية. وهكذا فنحن نعيش معاً كأصدقاء أوفياء، وإذا دقّتْ ساعة التضحية من أجل الوطن الفرنسي ‏أو الجزائريّ فستجِدنا في الصف الأول، على استعداد للموت جنباً إلى جنبٍ كأصدقاء أوفياء” (8).‏

في سنة 1936 شكّل ليون بلوم ‏Léon Blumحكومة الجبهة الشعبية. أمّا الجزائر فكانت تُعِدّ العُدّة ‏لِحَدَثٍ كبير سُرَّ له بن نبي كثيراً، وهو أنّ العلماء والمُنتخَبين والشيوعيين قد قرروا أن ينضموا جميعاً ‏إلى “المؤتمر الإسلاميّ الجزائريّ”. فكان ذلك عنده علامة على النضج وإرهاصاً لعملٍ سياسيّ مصيريّ ‏لمستقبل الجزائر. ولم ينشق عن هذا الصف إلاّ “نجم شمال إفريقيا” وعلى رأسه مصالي الحاج، إذ ‏رفض المشاركة في الاجتماع الذي عُقِدَ بتاريخ 07 جوان 1936 في قاعة كبرى للسينما بباب الواد في ‏الجزائر. وقد بلغ عدد المشاركين 4000 مشارك. وتمخضت أشغال المؤتمر عن “ميثاق لمطالب الشعب ‏الجزائري المسلم”، وفيه مُطالبة بإلغاء “قانون الأنديجانا” ‏Code de l’indigénat، وإلحاق الجزائر ‏بفرنسا، واستقلال الدين عن الدولة، وترسيم اللغة العربية.‏

وقبل تاريخ إجراء الامتحان النهائي الذي سيسمح له بالحصول على شهادته، علِمَ بن نبي بمجيء وفدٍ ‏عن “المؤتمر” إلى باريس بقيادة الدكتور بن جلول، إذ تمّ استقباله من طرف رئيس الحكومة الفرنسية ‏ليون بلوم في 23 جويلية ومِن طرف النائب موريس فيوليت ‏Maurice Violette‏.ولقد ندهش ابن ‏نبي وأصدقاؤه من تلك المبادرة، وقرروا أن يذهبوا للقاء الوفد المُقيم في فندق كبير بباريس حيثُ ظهرت ‏لهم عبايات الشيوخ في نشاز تام مع ذلك المكان المزدحم بالنجوم وبالخادمات الباريسيات. وهناك أتيح ‏لهم أن يلتقوا بابن باديس والبشير الإبراهيمي والطيب العقبي وفرحات عباس والأمين العمودي ‏والدكتور بن جلول.‏

بادر بن نبي أعضاء الوفد بالتعبير عن غضب جماعته التي وجدت صعوبة في فهم كيف أنّ هذا التجمع ‏الذي كان مناط آمال الجزائريين قد وقع في سياسة المطالب والترجّي. ” ماذا تفعلون هنا؟ إنّ الحلّ ‏موجودٌ في الجزائر! وهو بين أيديكم وليس في أيدي الحكومة الفرنسية”، ثُمّ انبرى إلى العمودي وطلب ‏منه سبب رفضه نشر إجابته عن فرحات عباس. فأجابه قائلاً: “رجال السياسة عندنا قليلون، فالأحسن ‏أن نتفادى تدميرهم”.‏

تلك هي الأسباب التي فقَدَ بها بن نبي كلّ ثقة في “الإصلاح”، وما أكثر تلك الأسباب! وتلك هي ‏المناسبات التي أصدر في حق العلماء أحكاماً قاسية. ويكشف لنا عن أحد أسراره في مذكراته: ” تعتبر ‏تلك السنة (1936) عندي هي تاريخ موت العلماء الذين صرتُ أرى أنهم بقدر عجزهم عن فهم فكرة أو ‏إبداعها، فهم عاجزون عن تطبيقها كذلك”. انصرف بن نبي وصديقاه من الفندق متألمين، ولم يجدوا ‏عزاءهم إلاّ في حديث شريف جاء بمعنى: “وُلِد الإسلامُ غريباً ويعود غريباً. فطوبى للغرباء” (9).‏

ثُمّ يُضيف حمودة بن ساعي قائلاً: “عاد الوفد الجزائري إلى الجزائر دون أن يحقق أي هدف. وكان ابن ‏باديس تحت أثر تلك الصدمة التي أتاحتْ له الوقوف على أنّ اشتراكية الجبهة الشعبية لم تكن إلاّ وهماً ‏مُضلِّلاً، وأنّ الاستعمار أصبح أصعب من أي وقتٍ مضى، وهو لا يسمع صوت الإنسانية ولا العقل، ‏فكتب مقالاً رائعاً تحت هذا العنوان المؤثِّر: “لنوكِّلْ أمْرَنا لله، ولنتّكِلْ على أنفسنا”. ولم يُتَحْ لي أن أراه ‏ثانية وهو على قيد الحياة”.‏

‏(يتبع)‏

المراجع:‏
‏1)‏ مات هذا الأخير في ظروف غامضة سنة 1943. ويقول عنه بن نبي في مذكراته غير المنشورة: “إنّ علي بن أحمد ‏يجب أن يبقى في تاريخ الجزائر كرائد للتعبير الثوري في جريدته (صوت الشعب ‏La voix du peuple ‎‏ ). إنه ‏أول مَن سمّى اللِّصَّ لِصاًّ حتى عندما تعلّق الأمر بأمثال ميرانت أو ماسينيون نفسه”. وهو، أي بن نبي، يرى جهاز ‏المخابرات ‏psychological service ‎‏ هي التي تقف وراء قتله بالتسميم. والسيد ميرانت كان هو مدير شؤون ‏الأنديجان في مقر الحاكم العام.‏
‏2)‏ بلدة صغيرة قريبة من مدينة درو، في مقاطعة أور إي لواe ‎رEure-et-Loir، وهي تُسمى اليوم لوراي ‏Luray‏.‏

‏3)‏ أنشأ حمودة بن ساعي قائلاً في “من أجل عقيدتي” ‏Au service de ma foi ‎‏ وهو يتذكر مُعاناته في تلك الفترة: ‏‏”عندما سمع ابن باديس بذلك اغرورقت عيناه بالدموع. وقد قال للرفيق الذي كلّمه عني: لماذا لم يكتبْ إلينا؟ فعندنا ‏صندوق خاص بإعانة الطلبة الفقراء”.‏
‏4)‏ يُقال أنه ” بإمكانك الحط من قيمة أيٍّ كان عن طريق الاقتباس المُغْرِض ‏On peut pendre n’importe qui ‎avec des extraits ‎‏. وفرحات عباس ممن ينطبق عليه ذلك في هذا المقال الذي اقتُبِستْ منه فقرات لاستعمالها ‏ضده طيلة حياته وحتى بعد موته على أيدي جزائريين، وعلى أيدي فرنسيين بعد سنة 1942 عندما تحوّل إلى ‏المُطالبة بوطنٍ جزائريّ وبدولة مستقلّة. وسيقول عنه أحد المناضلين الكبار في حزب الشعب والمُعارضين لأفكاره، ‏وهو أحمد محصاص: ” إنّ بعض أولئك المُنتخَبين كانت مواقفهم وطنية بغير شعور منهم، ومنهم فرحات عباس ‏رغم بعض تصريحاته”.‏

‏5)‏ نُشِر مقال فرحات عباس في جريدة “الوفاق”‏L’Entente‏ التابعة لـ “فيدرالية المُنتخبين”، ثُمّ نُشِرَ غداة ذلك في ‏جريدة “الدفاع”‏La Défense ‎‏ التابعة لجمعية العلماء والصادرة بالفرنسية. أمّا مقال بن نبي فإنه لن يُنشر باللغة ‏العربية إلاّ سنة 1991 في مجلة تصدر في مدينة باتنة، وهي “الرواسي” التي مِن الراجح أنها تحصلتْ عليه من ‏حمودة بن ساعي الذي كان مقيماً في باتنة.‏
‏6)‏ استعمل بن نبي هذا المصطلح لأول مرة في “الظاهرة القرآنية”‏Le phénomène coranique‏”‏‎ ‎‏” سنة 1947.‏
‏7)‏ وسيُصِرّبن نبي على توجيه هذا العتاب لفرحات عباس لفترة طويلة، إذ نجده مُندداً به سنة 1970 على ذلك (التنكّر ‏الذي نشر الرعب).(ارجع الى ” تخليدا لذكرى ابن باديس” المرجع المذكور آنفا)‏
‏8)‏ صحيفة “الشهاب”، أفريل 1936.‏
‏9)‏ أَوْرَدَ حمودة بن ساعي في شهادته سنة 1984 رواية أخرى لكل ذلك بنبرة أخرى، إذ يقول: “في سنة 1936 جاء ‏إلى باريس وفد عن المُنتخبين صُحبة العلماء. كان ذلك الوفد مُمثِّلاً للمؤتمر الإسلامي الجزائري الذي حظي بقبول ‏معظم الجزائريين، وقد قدّم لائحة مطالب تستحق أن تُؤخذ بعين الاعتبار. التقيتُ بالشيخ ابن باديس في الفندق الكبير ‏قرب ساحة الأوبيرا، ومعه الشيخ العقبي والشيخ الإبراهيمي. والتقيتُ به ثانية في مقهى “الهقار” حيثُ قدّمتُ له ‏بعض الرفقاء المصريين الذين كانوا بصدد إعداد أطروحات الدكتوراه في الحقوق. وقد سعِدَ الشيخ برؤية أولئك ‏الشبان المثقفين العرب حتى أنه متّعَنا بِحُسن حديثه قرابة ساعة من الوقت”. ‏

You may also like

Leave a Comment