بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
صار مصالي الحاج يختال ويتبجّح في الحي اللاتيني الذي كَثُرَ فيه الجزائريون بمرور الأيام. فلقد كان العمال يأتون لينْتَشُوا بِخُطبِهِ التي يجدون فيها انتقاماً ممّن يقفون وراء إذلالهم في حياتهم اليومية. أمّا بن نبي فكان يعي تماماً أنّ كلّ ذلك لم يكن إلاّ مِن رقصات”البوليتيك”. إنّ هذه الكلمة تستحق منّا بعض الشرح لأن بن نبي أعطاهاً شعبيةً واسعة بكثرة ترديدها في كتبه. إنها ليست مِن ابتكاره.
فالراجح أنها ظهرتْ في بداية القرن العشرين، أي حوالى سنة 1912 التي شهدت ميلاد حركة تحت اسم ”شباب جزائريون” « Jeunes Algériens »، وهي تضمّ بعض المثقفين الأنديجان. وبهدف ” استحقاق الحصول على حقوق سياسية” ارتأوا أن يُحاولوا إقناع الشعب الجزائري بقبول الخدمة العسكرية التي قررتها الإدارة الاستعمارية. وكانت النخب المُعرّبة بالمرصاد، إذ أطلقت اسم “أصحاب البوليتيك” على أتباع هذه الحركة لجعلها موضع سخرية في الأوساط الشعبية (1). لكن هذه الحركة ستجد لنفسها مجالاً آخر للتعبير من خلال “فيدرالية المُنتَخَبين” (Fédération des élus ).
وتحوّلت هذه الكلمة في سياقات آثار بن نبي إلى مفهوم يُندّدُ فيه بالإغراق في المُطالبة بالحقوق مع إهمال الواجبات وإبعاد النُّخبِ وكلّ مَن يتبعها مِن النقد الذاتي ومِن الاعتراف بالخطإ، ومِن كل مسؤولية على إصلاح الذهنيات وإصلاح الواقع الاجتماعي.
استعمل بن نبي هذه الكلمة لأول مرة في كتاب “شروط النهضة” (1949)، ثُمّ ترددت بعد ذلك في كلّ كتبه تقريباً. وسيُخصص لها مقالةً تحت عنوان ” السياسة و البوليتيك”(Politique et Boulitique ) في وقت لاحق، يقول فيها: “إنّ هذه الكلمة ضربة سَوْط موجهة لكل أشكال النفاق، وهي ضربة مكنسة شعبية في كلّ مكانٍ تتجمع فيه الأوساخ وبقايا المَعَارِضِ البوليتيكية… لقد تفطن الشعب منذ زمن بعيد للتزوير الحاصل في حياتنا السياسية على يد المُشعوذين الذين، في الوقت الذي شرعت البلاد في التخلص من الخرافات التي روّجت لها الطرقية والاستعمار، استطاعوا أن يُغرِّروا بالشعب مُلوِّحين له بورقة الانتخاب كبديل عن التميمة، وبالزعيم ـ مُلتحياً كان أو أمْرد ـ كبديل عن المرابط… جاءت هذه الكلمة مُنتقمة لكل أولئك الذين حافظوا على مبدئهم رغم الخيانات، ولكل الذين بقوا واثقين في مستقبل البلاد، والذين دعوا إلى وجهة الواجب مع وجهة الحق في آنٍ واحد رغم أنف أولئك الذين أبوا إلاّ المطالبة بالحقوق، وكأن الأشياء تؤخذ مجانا سواء أكان على المستوى الفردي أو الوطني. فهذه أول نقطة اختلاف بين السياسة والبوليتيك.
إنّنا نُمارس البوليتيك عندما نصيح بأعلى صوتنا في المعرض، ونستعمل حركة اليديْن، ولا نُحدِّثُ الشعبَ إلاّ عن حقوقه دون أن نذكر واجباته، وندعو إلى الطرق السهلة. فالصراع بين السياسة والبوليتيك صراع قديم إذاً. ومِن وجهة النظر النفسية نجد أن الأولى هي عملية إسقاط داخلي والثانية هي عملية إسقاط خارجيّ. الأولى هي تفكير في كيفية خدمة الشعب والثانية هي مجموعة من الصراخات والتعابير الجسدية الهادفة إلى استغلال الشعب عن طريق التغرير به. أمّا من وجهة النظر التقنية فإن البوليتيك لا تُعرَّف. ولو أنّ الشعب الجزائريّ لم يصطنع هذه الكلمة للتعبير عنها فستبقى بدون اسمٍ. فملفُّها ليس من اختصاص العلم بل من اختصاص الأخلاق والعدالة، مثلها في ذلك مثل الخديعة… فالبوليتيك إذاً غير قابلة للتعريف، لكنها في بلادنا ذات تاريخ قديم…” (2).
انفجرتْ في أحداث الساعة الفرنسية قضية ستافيسكيStavisky في فيفري 1934. وهي قصة يهودي أوكراني دخل إلى فرنسا منذ ست سنوات وهو فارغ اليدين والجيوب، ثُمّ سرعان ما صار على رأس أمبراطورية مالية بفضل علاقات مشبوهة مع بعض الأطراف في النظام القائم. ونتيجة لذلك انتحر نائب مقاطعة بايون، وهي مدينة أفلس فيها أحد أكبر البنوك. وبعد ذلك بثلاثة أيامٍ عُثِرَ على جثة ستافيسكي في شامونيكس، ثُمّ جثة القاضي الوكيل المُكلّف بالقضية على طريق السكة الحديدية. قام الطلبة بمظاهرات، ونشبت صدامات دامية، حتى هدّد الكولونيل دولاروك بتنظيم مسيرة إلى المجلس الوطني. وتبعاً لذلك سقطت حكومة شوتون التي أودت بها أمواج تلك الفضيحة…
وكانت باريس تنتظر مجيء غاندي لإلقاء محاضرة. وقد ساهمت جمعية “الطلبة المسلمين الشمال إفريقيين” في تنظيمها. وكان بن نبي مُبتهجاً لذلك الحدث لأنه كان، ومنذ زمن بعيد نسبياًّ، يحبّ ذلك الرجل القصير الذي أعاد بعث فكر الفيدا l’esprit des Védas في جنوب إفريقيا التي خاض فيها أولى معاركه من أجل تحرير الجالية الهندوسية من الأفريكانرس.
وسيقول عنه بن نبي أنه ليس “برجل السياسة الذي ينحني لمقتضيات الحرَكة بدون شروط، بل هو قسّ يُخْضِعُ الحرَكة لمُتطلبات المُقدَّس” (3). وهذا موقف كان يُعجبه كثيراً. وكان حُبّهُ لطاغور Tagoreلنفس الأسباب. وهكذا صار كلٌّ مِن غاندي وفيفكنَنْدا Vivekananda وراماكريشنا Ramakrishna ، وبعدهم نهروNehru، يعملون على تحويل فكر ديني آفِلٍ إلى فكرٍ سياسيٍّ مُستقبليّ سيُحرِّرُ الهند، لِيصير بعد ذلك كحجر أساسٍ لعدم الانحياز. يقول بن نبي: “إنّ الأشياء لا تموت في بلاد تؤمن بعودة الأرواح بعد موت الإنسان، بل تتحوّل”.
وهو يتمنى رؤية مثل هذا التحوّل يحدث في العالم الإسلاميّ، ورؤية العلماء مُنكبّين على تحقيق هذه المهمة. وسيُغتال غاندي في جانفي 1948 على يد هندي في مقبرة إسلامية عندما كان غاندي زائراً للترحّم على روح قطب الدين بختيار (المتوفى سنة 1235) الذي تمّ انتهاك قبره على أيدي متطرفين هندوس.
التحق صالح بن ساعي (1907-1990)، وهو أخ حمودة، بباريس لمتابعة دراسات ما بعد التدرج في العلوم الفلاحية. أمّا حمودة فكان طالبا في معهد الدراسات الإسلامية بجامعة السوربون، وهو منكبّ على إعداد دراسة حول الغزالي. وكان الثلاثة يلتقون كلّ جمعة في منزل بن نبي، فيتناولون العَشاء معاً وهُم يُناقشون قضايا الإسلام والجزائر والعالم الإسلامي وكذا “الصراع الفكري”.
في شهر ماي من سنة 1934 جرتْ أحداث خطيرة في شبه الجزيرة العربية، حيث كان الإمام يحي في اليمن يُعِدّ العدّة لمهاجمة مدينة جدّة بحراً. وكان بن نبي يُقْبِلُ على الصحف يومياًّ بِنَهَمٍ شديدٍ ليُتابع تطورات تلك الأزمة التي قطعتْ أنفاسه. كان على يقين مِن أنّ الأمر لا يعدو أن يكون مؤامرة نَسَجَتْ خيوطَها كلّ من فرنسا وإيطاليا وأنجلتيرا ضد الدولة الناشئة في الأراضي المقدّسة. كانت تلك الأزمة مأساة شخصية عند بن نبي، فلقد كان ينوي أن يعيش في جزيرة العرب بعد أن يُنهي دراسته. وكثيرا ما كان يذرف دموع الأسى وهو في بيته ويتضرّع إلى الله أنْ يحفظ تلك المملكة الفتية.
لكنه لم يكن يكتفي بالصلاة والدّعاء. ففي أمسية يوم من الأيام أخذ قلمه ووضع مجموعة من الأوراق بين يديه وبدأ بتحرير رسالة موجهة إلى أمبراطور اليابان ليطلب منه مدّ يد العون لابن سعود. وعندما أنهى كتابتها أيقظ زوجته وقرأها عليها، فقالت له: “يا عزيزي. إنها رسالة مؤثرة !”. وغداة ذلك أودعت الزوجة الرسالة في سفارة اليابان بباريس. وفي هذا الصدد يقول بن نبي في مذكراته غير المنشورة: ”نعم، أدركتُ الآن أنّ الرسالة كانت مؤثرة فعلاً. لكنْ، يا للسذاجة ! إنه أمرٌ كفيل بإبكاءِ أكثر الأوغاد سذاجةً ! فالحكومة اليابانية، بطبيعة الحال، لم تُرسل أسطول ميكادو للدفاع عن جدّة وعن الوهابية، لأنها كانت منشغلة بمحاصرة الموانىء الصينية”.
ولحسن الحظ أنّ المؤامرة لم تنجح، وانهال الملِك البدويّ على القوات اليمنية ودمّرها. وكان ذلك ممّا أثلج صدر بن نبي. لكن الذي لم يُعجبْه هو ما قرأه بن باديس في هذا الموضوع في جريدة الشهاب، إذ بدلاً مِن التعبير عن موقفه من تلك المسألة في أعماقها، اكتفى الشيخ الإمام بالتأسف على سفك دماء إخوة في الدين، ” وكأنّ الشيخ الجليل لم يُدرك خطورة الصراع بين المجهود الروحي والمادي للنهضة الإسلامية مُمَثّلاً في الفكر الوهابي، وقوى الانحطاط التي يُمثلها الإمام يحي الذي استفاد بضربة حظ مِن دعم القوى الاستعمارية” (4).
فبن نبي كان يرى أنّ ردّ فعل ابن باديس، عندما وجّه عتابه لكلا الطرفين على السواء، موقف عاطفي في وقتٍ كان عليه أن يفهم المَخاطر السياسية وأن يتخذ موقفه. والواقع أن بن نبي لم يكن يقصد ابن باديس على وجه الخصوص، بل كان يريد أن يندد بتلك النزعة السائدة في العالم الإسلامي، والمتمثلة في تحكيم العاطفة بدلاً من التحليل الموضوعيّ.
وتعليقاً على بعض الأحداث المشابهة التي جرت سنة 1949،يقول بن نبي في كتاب “وجهة العالم الإسلامي” (1954): “تبعاً للانقلابات الثلاثة التي وقعت في سوريا في الآونة الأخيرة راحت الصحافة العربية تتأسف على انعدام الاستقرار في جمهورية سوريا الفتيّة (تلك الانقلابات هي: انقلاب الزعيم، وانقلاب حناوي، وانقلاب شيشكلي سنة 1949). ولم يُحاول أيّ مُراسل صحفيّ أن يتعمّق في فهم هذه الأحداث. وكان بالإمكان الانتباه إلى أنّ وزارة الخارجية الأمريكية لمْ تَعُدْ تُسيّر الأحداث في العالم العربي كما تُريد. فالعقيد الزعيم تربع على السلطة دون علم أمريكا التي لم يتمكن عميلُها العقيد الحناوي من تفادي السقوط. أمّا انقلاب العقيد شيشكلي فقد جاء ليُثْبِتَ أنّ العالم العربي صار قادراً على إدارة العمل السياسي تقنياًّ، وأن يُفسِد مؤامرات ذلك الجهاز المنظم تنظيماً مُحكماً، وهو المخابرات الأمريكية: هذا هو جوهر القضية، وليس عدم الاستقرار في دولة حديثة النشأة”.
ولمّا أعلن وفْدٌ برلماني متكون من جزائريين تحت قيادة الدكتور بن جلول السفر إلى فرنسا مِن أجل تقديم “مطالب الشعب الجزائري” أعلنت الحكومة الفرنسية أنها لن تستقبله. وكردّ فعل عن ذلك أعلن كلّ المُنتخبين الجزائريين استقالتهم.
كانت تلك الاستقالة ـ وهي عمل جماعي بامتياز ـ ثورة حقيقية. وكان بن نبي يرى في ذلك منعرجاً حاسماً. لكن الحركة فشلت لأنّ “فيدرالية المنتخبين” في قسنطينة تراجعت عن الاستقالة، بل وأعلنت الحرب على الرافضين لقرارها الذي جاء بعد التهديدات التي أعلن عنها حاكِم قسنطينة. وكان هذا التراجع صدمة كبيرة على بن نبي.
عاد فيلسوفنا إلى حنقه على “المُنحرِفين فكرياًّ “ intellectomanes ، وكان عنفه بقدر خيبته لأنّ تلك الاستقالة الجماعية كانت في نظره “أول عمل سياسي في درجة كبيرة من العظمة في الجزائر. لكن هل كان القادة رجالاً قادرين على الاستفادة مِن تلك الظروف غير المتوقعة التي جاءت لِتُبيِّن أن الشعب الجزائريّ يستجيب لنداء الواجب إذا تعلّق الأمر بمسائل الشرف؟” . ذلك هو المنعرج الذي بدأ فيه خلافه مع العربي التبسي الذي وقف بجانب “المُنتخَبين”، ومنذ ذلك الوقت صارت علاقته بجمعية العلماء يسودها الاضطراب.
كان بن نبي يتفق مع العلماء في نقطة واحدة، وهي كون الإسلام عنصراً أساسياًّ في نفسية الجزائريين. ولهذا فهو لا يرى في “الإصلاح” كلاماً أو خطباً تحثُّ على مزيد من العبادة، بل هو تدابير عملية تهدف إلى إخراج الجزائريين من العقلية القدرية، وتلقينهم معنى العمل الجماعي الكفيل بجعلهم عناصر واعية وفعالة تحمل النهضة الحضارية على عاتقها.
لقد اندهش بن نبي من قلة اهتمام بن باديس بالمسائل التي طرحها عليه في أول لقاء جمعه به سنة 1928، حيث حدّثه عن مشكلة الأراضي التي لم تمتدّ إليها أيدي المستعمرين في أفلو، معبّراً له عن مخاوفه على مستقبلها. فابن باديس لم يكن يرى أية علاقة بين تلك المشكلة ومسألة الإصلاح. خرج فيلسوفنا من ذلك اللقاء متذمِّراً لأنه كان يرى أن هناك علاقة بين المسألتين، فالإصلاح يُفترض ألاّ يستهدف إلاّ العمل على ما هو ملموس، وأن ينشغل بالمشاكل العملية المطروحة في الحياة اليومية، كمشكلة الوضعية القانونية للأراضي، والمحافظة على أراضي “العرش”، ومحاربة زحف الرمال.
وكان هذا الاختلاف في كيفية معالجة إشكالية النهضة هو سبب عدم تفاهمه مع جميع العاملين في مجال الحركة الوطنية (العلماء، وفيدرالية المُنتخَبين، ونجم شمال إفريقيا، والشيوعيين): “كُنتُ أنظر إلى المشاكل من زاوية النظر الحضارية، وهم ينظرون إليها من زاوية النظر السياسية”. وسيزيد من حدّة خطابه مع خصومه عندما يقول إنّ ما يعتبرونه (سياسةً) لا يعدو أن يكون (بوليتيك)، أو ضرباً من الديماغوجيا الخاوية ونزعة مُطالبة عقيمة، ودفع بالمواطنين إلى التخريف…
سيكون بن نبي في أقصى درجات القساوة في كلامه عن زعماء مختلف تيارات الحركة الوطنية، بما فيهم العلماء، مع أنّه يعتبر نفسه قريبا منهم. غير أنّ ذلك القرب منحصر في الجانب الأخلاقي، لأنه من الناحية الفكرية أحسّ بأنّ الشرخ يزداد اتّساعاً بينه وبينهم: ” كانوا يريدون أن يُصلحوا اعتماداً على وسائل الفصاحة العربية، وأن يقودوا الإصلاح بطريقة النحويين… أمّا لُبّ المأساة الإسلامية القديمة فقد غاب عن إدراكهم غياباً كُلِّياًّ” (5). لكنه مِن جهة أخرى قد وجد صعوبة كبيرة في تجاوز المخاوف التي جاءته مِن “الحداثيين” و”المتحضّرين” و “مرضى الفكر”. وسينتقمون منه جميعاً في الوقت المناسب.
كان بن نبي يُتابع المحاضرات التي كان يُلقيها ماسنيون من حين لآخر في اتحاد الطلبة المسلمين أو في الودادية. وهو يقول عن هذا المستشرق في مذكراته غير المنشورة: “كان يرى أني أمثّل أخطر عقل أنديجانيّ خرج من شمال إفريقيا لأنّ أحكامي لا تنصبّ على أشكال الأشياء بل على جواهرها”.
وكانت الأحداث على الساحة الدولية من دواعي اطمئنانه، ممّا جعله يعود إلى صياغة المُعادلات والبيانات. وقد كتبتْ إليه أمه في تلك الحقبة طالبةً منه أن يرسل بزوجته إليها في تبسة، فلبّى لها طلبها. ثُمّ حاول أن يلتحق بهما في آخر السنة الجامعية، لكنه وبمجرّد نزوله من القطار علِمَ بوفاة أمّه. اسودّت صفحة السماء في عينيه، وانتابه اضطراب شديد لأنه كان متعلّقاً بها أشدّ التعلّق. أمّا والده فلمْ يبقَ منه إلاّ أثرٌ ضئيل ممّا كان عليه في سالف عهده، خاصة بعد وفاة زوجته والفراغ القاتل الذي سلّطتْهُ عليه الإدارة الاستعمارية. وهكذا كانت تلك العطلة ألماً في كل أوجُهها على بن نبي.
وازداد سوء الطّالع ضراوةً عندما نشبتْ مواجهات بين اليهود والجزائريين في قسنطينة بتاريخ 05 أوت 1934 بعد أنْ تطاول يهوديّ على حرمة أحد المساجد بالتبوّل على جداره. وامتدّت المواجهات إلى مدينة تبسة حيث توسّط بن نبي بين المتصادمين، ولم يكتفِ بذلك، بل بادر رفقة بعض أصدقائه بوضع حزام أمنيّ حول مساكن اليهود حمايةً لهم من الغضب الشعبيّ: “وقفْفنا مُعارضين لكل مساس بسلامة الأقلية اليهودية في تبسة. وبلغ بنا الأمر إلى وضع حراسةٍ تحت شرفة يهوديّ اسمه مورالي لأننا قدّرنا أنه الأكثر تعرّضاً لخطر الانتقام. وكان إمام المدينة رائعاً عندما أمّنَ أحد اليهود بإيصاله إلى بيته في الوقت الذي كان تحت تهديد أحد الصّعاليك. كما كانت مواقف الشيخ بن باديس خلال تلك الأحداث في أعلى درجات الشجاعة والشرف والأنفة”.
ولمْ تتفق المصادر، حتى اليهودية منها، على حصيلة تلك الأحداث. فـ بنيامين ستورا Benjamin Stora (6) يقول إن عدد الضحايا كان 22 قتيلاً من جهة اليهود، و21 في الطرف الجزائريّ. أمّا ر.عيون و ب. كوهن (7) R. Ayoun و B. Cohen فيُصرِّحان بأن 25 من اليهود قُتِلوا، بينما لم يتجاوز عدد الضحايا المسلمين 3 قتلى. وأمّا أحمد مهساس فيقول أن هناك 23 قتيلاً من جانب اليهود و 4 قتلى من جانب المسلمين (8).
وخلال تلك العطلة تعرّف بن نبي على شاب جزائريّ أنهى دراسته الثانوية، وهو يُعِدّ العُدّة للسفر إلى مدينة تولوز الفرنسية لمتابعة دراساته العليا في الطب، ولم يكن ذلك الصديق الجديد غير عبد العزيز خالدي (1917-1972)، وهو الذي سيبقى وفياًّ لصداقته حتى يوم وفاته.
وكان عبد العزيز خالدي آنذاك متأثراً باليسار الاشتراكي الذي كان ينتمي إليه أحد أساتذته. وبُغية إخراجه من تلك النزوة دعاه بن نبي إلى قراءة كتاب أهداه له، وعنوانه:”هكذا كان يتكلّمُ زرادشت” Ainsi parlait Zarathoustra للفيلسوف الألماني نيتشه. وعند تذكّره لذلك الظرف أنشأ بن نبي قائلاً بمسحة من الظرْف: “إنّ ما يميّز تلك الفترة هو روح المسؤولية الجماعية تُجاه كلِّ مواطن… وفي كلمة واحدة، كانت في تبسة نعجة ضالّة، وهو الدكتور خالدي لمّا كان طالباً. ونيتشه هو الذي تولّى إعادتها إلى القطيع الذي كان الشيخ العربي التبسي يرعاه أحسن رعاية”.
كان الصيف في أواخر أيامه لمّا بدأ فيلسوفنا يستعد رفقة زوجته للعودة إلى فرنسا على ظهر السفينة، انطلاقاً من ميناء سكيكدة. لكنه قرر قبل السفر أن يتوقف في قسنطينة لرؤية الدكتور بن جلول وفرحات عباس. ولم تكن نتيجة اللقاء إيجابية، وواصل بن نبي طريقه إلى سكيكدة وهو يجترّ أفكاراً سوداء حول أنصار الإدماج. أمّا الرحلة البحرية فلم تكن سهلة، إذ تعرّضت السفينة لعاصفة هوجاء كادت أن تُغرِقها. أمّا بن نبي فقد تأسف على أنه لم يمُتْ غريقاً في البحر.
قرر بن نبي عند بداية السنة الدراسية أن يُسجل نفسه لمتابعة دراسة بالمراسلة حول الأشغال العمومية. كان ذلك يندرج ضمن مشروعه المتمثل في الانتقال إلى الحجاز، فهو يأمل أن يشارك في تهيئة شبكة الطرق في تلك الدولة الناشئة. وكانت بداية السنة صعبة عليه لأنه كان في أسفل درجات الانهيار. ذلك هو الظرف الذي جعله يغادر باريس ويُقيم في مدينة دروDreux رفقة زوجته.
قام المستشرق ماسينيون بنشر كتاب ” شغف الحلاج” la Passion d’al-Hallaj ، وهو في الأصل أطروحة دكتوراه ناقشها سنة 1922 وأهداها لشارل دوفوكو Charles de Foucauld ، المُبشِّر الفرنسي الذي أقام في تامنراست من أجل تنصير التوارق. ومِن أحداث تلك الساعة كذلك اندلاع الحرب الأهلية بإسبانيا، وغزو موسوليني لإثيوبيا. أمّا حمودة بن ساعي فكان منهمكا بإعداد أطروحته تحت إشراف ماسنيون. وفي ” جمعية الطلبة المسلمين الشمال إفريقيين”، كان الطلبة التونسيون والمغاربة يستعدون للعودة إلى الوطن بعد نيل شهاداتهم. (يتبع)
المراجع:
1) ارجع الى :”السياسات الاستعمارية في المغرب” منشورات PUF، باريس 1972
2) ”الثورة الافريقية” عدد 25 سبتمبر 1965
3) ” عالمية اللاعنف”، ” الجمهورية الجزائرية” عدد 18 ديسمبر 1953
4) ارجع الى ” وجهة العالم الاسلامي”
5) كانت علاقة حمودة بن ساعي بالعلماء حميمية جداًّ، وخاصة مع الشيخ ابن باديس الذي قال عنه في ” من أجل عقيدتي” Au service de ma foi أنه كان شغوفاً بمتابعة دروسه في المسجد وقراءة صحفه وزيارته في مكتبه الموجود في شارع آليكسي لامبير في قسنطينة، من أجل طرح بعض الأسئلة عليه. وهو يقول في ذلك: “في يوم من الأيام، وبمناسبة ردّي على مقال نشره محمد زرقين، وهو طبيب أسنان جرّاح، ومستشار محلّي بقسنطينة، عبّرتُ عن انتقادي الشديد لسياسة الإدماج. ولمّا وضعت الرد بين يدي الشيخ قرأه بعناية وقال لكاتبه وهو يمتدحني: «لم أكن أظنّ أنّ بين شبابنا عناصر تتمتع بالقدرة على التفكير الجيّد مثل هذا الشاب”.لو أن بن نبي كان في موقف ابن ساعي لكان خطابُهُ أكثر حدّةً، أمّا هذا الأخير فقد اكتفى بقوله: “لقد قدّر الشيخ، وهو المعروف بعدم تسرعه وبحصافة رأيه، أن الظرف لم يكن مناسباً لنشر مثل تلك الدراسة. ولقد تأثرت كثيرا لثنائه عليّ لأنها كانت أول دراسة أكتبها بالعربية… وفي مناسبة أخرى، في شهر أفريل سنة 1929، إذ كُنتُ مُكلفاً بمهمة التحرير والترجمة في جريدة ”النجاح”، أعددْتُ تقريراً مُطوّلاً حول ندوة أقامها الكاتب بيار باراف Pierre Paraf حول “اليهودية في الأدب الفرنسي”… كان ذلك العمل مفاجأة في الصحافة الإخبارية باللغة العربية، إذ أبْديْتُ عدّة ملاحظات تشهد بسعة الاطّلاع وبالاقتدار الأدبي… طلب الشيخ لقائي شخصياًّ وهنّأني تهنئة حارة. كان يُحبّ الثقافة. وبعد ذلك بوقتٍ وجيز حررتُ مقالاً طويلاً تحت عنوان: “وهمُ السياسة ودعوة إلى حُسن تدبُّرِ القرآن Mirage de la politique et appel à la bonne direction du Coran ” ، حيثُ ندّدْتُ بالسياسة الانتخابية التي عمادُها الكذب والتي تشبه المتاجرة بالخيول، فجاءني ابن باديس مُجدّداً، وكان وجهه مُشِعاًّ. لقد تمكّنتُ مِنْ ترجمة أفكاره الكامنة ترجمة رائعة… وحدّثْتُهُ يوماً خلال إحدى زياراتي ـ فقد كُنتُ أزوره في مكتبه عادةً ـ عن بيتهوفن، فقال لي إنه يعرفه. ولمّا كلّمتُهُ عن سقراط قال لي: “إنه سيدُ الحُكماء !”.. فمع أنّ مظهرهُ كان يوحي بأنه شيخ مُنطوي في الدراسات الدينية، فهو في الحقيقة كان يتمتع بنظرة واسعة. وهو يستحق أن يكون في مراتب كبار الإنسانيين الغربيين…”.
6) ارجع الى :” تاريخ الجزائر المستعمرة” منشورات الرحمة، الجزائر العاصمة 1996 .
في كتاب تحت عنوان “فرحات عباس. جزائر أخرى Ferhat Abbas” من تأليف بن يامين ستورة و ز. داود ، نجد حصيلة قريبة من الحصيلة السابقة: 23 قتيلاً يهودياًّ، و3 قتلى مسلمين، و 81 جريحاً”. ويعود بن يامين ستورة بعد ذلك بـ 8 سنوات إلى تلك الحصيلة في مقال له حول الجزائر، إذ يقول: “في ذلك اليوم نزلت على قسنطينة وضواحيها مذبحة دون أنْ تُحرِّك الشرطة ولا الجيش ساكناً. فكان عدد الضحايا 27 قتيلاً، 25 من بينهم يهود، 5 منهم أطفال، و6 نساء، و14 رجلاً”. (Cf. « Le Monde » du 07 juillet 2004). (جريدة لوموند 7 جويلية 2004)
7) ر.عيون و ب. كوهن:” يهود الجزائر:2000 سنة من التاريخ”منشورات القصبة الجزائر العاصمة 1994
8) ارجع الى أحمد محصاص:”الحركة الثورية في الجزائر” منشورات بركات، الجزائر العاصمة 1990
