بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
صار بن نبي يعي منذ مدة طويلة أن في عقله ازدواجية فكريةً قوامُها توجّهان منسجمان في ذاته تمام الانسجام، لكنه يحس بالمُعاناة عندما يرى ذلك التنافر الثقافي بين المسلمين والأوروبيين. فهو مُعجب بالحضارة الغربية ومنسجم معها، لكنه مصدوم مِن تحَوُّلِها إلى استعمار.
فالحضارة الغربية في علاقاتها مع العالم الإسلامي لم تَعُد هي نفسها لأنها ظهرتْ عنصرية مُحتقرة وحقودة. وبن نبي يريد أن يفهم أسباب ذلك. وهو يعرف أنّ الوقوف على تلك الأسباب يتطلّب العودة إلى الجذور التاريخية والثقافية التي جاءت منها الحضارة الغربية. وهكذا بدأتْ الإجابات تتبلور عنده شيئا فشيئاً. لكنه بحاجة إلى الوقت كي يتمكن مِن صياغتها بشكلٍ نهائيٍّ.
بدأ فكر بن نبي كالجنين في بطن أمه عندما راح يستجمع المواد الضرورية للبناء الفكري، ويُعِدّ الأعمدة التي يُقيم عليها صرحه الفكري، ويصقُلُ المفاهيم… لكن، هل كان فيلسوفنا يعرف كلّ ذلك؟ ولا يعود الفضلُ في اكتمال بناء ذلك الصرح إلى الكتب، بل إلى التجربة الميدانية والعِبَر التي استفادها مِن تغلغله في الحياة الأوروبية، ومن صحبة زوجته، ومن تعاطيه مع “الاتحاد المسيحيّ للشبيبة الباريسية”.
وهو يبوح لنا في مذكراته غير المنشورة بما يأتي: “إنني مَدينٌ على الخصوص للاجتماعات التي شاركتُ فيها وللعلاقات التي ربطتُها بأعضاء الاتحاد المسيحي، في فهمي لبعض القيم الأساسية في الحياة الأوروبية. وأنا أعي أنّ ذلك الفهم لم يكُنْ ليتحقق بقراءة الكتب ولا بمشاهدة المسرح. ولذلك فأنا أجد أنّ أكثر المسلمين علماً بالأشياء في أوروبا هُمْ قليلو العلم بحضارتها”.
ويقوم بن نبي بعملية إسقاط لما يعرفه عن الحضارة العربية الإسلامية ثُمّ ينبري لصياغة مشاهد روائية ميتافيزيقية، فهو يتساءل: ماذا لو تمكنت الثقافتان من التواصل بينهما؟ وماذا لو اعترفت كلّ واحدة منهما بالأخرى؟ وماذا لو ساد التعاون بينهما؟
كانت تلك هي أمنياته في أعماق نفسه، لكن دون أن يتغافل عن الشرخ الواسع بين الشرق الإسلاميّ والغرب المسيحيّ من الناحية المادية والاجتماعية والسياسية. إنه يعي أنّ بينهما سوء تفاهم منذ أزْيد من عشرة قرون، وبينهما عداء شديد أتيح له أن يتجسد في الزمن الحاضر في صورة علاقة بين مُستعمِرٍ ومُستعمَر.
وسيُعبِّرُ عن تلك التجارب بعد ذلك بخمس عشرة سنة، إذ يقول: “لقد أخذ الفكر الغربي ـ في صورته الاستشراقية ـ مِن المجال الثقافي الإسلاميّ عدة عناصر مُكوّنه لثقافته، وذلك منذ زمنٍ طويل. فلقد أتيح منذ زمن طويل ملاحظة ما بين المعرّي (العربي) ودانتي (الإيطالي) من قواسم مشتركة، وملاحظة أنّ الحضارة الأوروبية الريفية ذات جذور أندلسية، وأنّ بعض الأفكار المسيحية شديدة الشبه بأفكار الغزالي المتصوِّف، وأنّ بين ديكارت والغزالي العقلاني بعض نقاط التماس… إنّ الأشكال التي اتّخذتها كلتا الثقافتين، وبعض النقاط الجوهرية في الجانب الأخلاقي وفي الفكر والفن، كلّ ذلك يشهد بأنه لا يوجد تنافر جذريّ بين الشرق والغرب، كما لا توجد خلافات جذرية بينهما… ويبقى مفهوم الإنسان هو الرباط الأسمى الذي يُفترض أن تجتمع فيه النزعتان الشرقية والغربية على نزعة إنسانية حقيقية، وهو الرباط الذي بفضله يسود التفاهم القلبي بينهما” (1).
ويضيف قائلاً في نفس المقال مستلهماً بعض ذكرياته في نورمانديNormandie: “إنّ أعمق معنى للحضارة لا يتمثل في علاماتها المُجرّدة أو المرئية الحالية، مثل الطائرة أو البنك أو التربية ـ بل في قيمها الدائمة التي يمكن لنا اكتشافها بسهولة في زاوية من زوايا حقل، أو على صفحات وجه فلاح بسيط، أكثر مما نكتشفها في مقاعد الجامعة أو في أجنحة مكتبة”.
ويظهر لنا بن نبي هنا بصورته التي كان بها في أفلو، إذ كان يجد في الحياة الرعوية “متحفاً للفضائل”. إنه الرسّام الهاوي للطبيعة والمهتمّ بتنوّع المشاهد وتعابير الوجوه، وهو ابن المدينة الذي يعرف فضل الريف عليه، كما يعرف فضل الحياة الفلاحية على الحضارة. وهذه مقارنة جميلة جداًّ نجدها في كتابه “وجهة العالم الإسلامي” الصادر سنة 1954، أي عشرين سنة بعد الفترة التي نؤرخ لها هنا:
”كان الإنسان الأوروبيّ يأخذ غذاءه من الأرض منذ العصر الذي كان فيه الإنسان يعيش على ضفاف البحيرات. وهذه الحاجة الحيوية هي التي أوْجدت العوامل البدئية لنشوء حضارة زراعية ـ أو كما يقول أحد علماء الاجتماع الفرنسيين: حضارة المراعي. وقد بدأتْ تلك الحضارة منذ وقت مُبكّر بإحداث وحدة عضوية بين الإنسان والأرض. وبعد ذلك اتُّخِذت المساكن لتكون سبباً في ظهور الانضباط الذي تُمليه علاقات الجوار، وهذه العلاقات أدّت إلى إيجاد مفهوم الملكية ووضع حدود دقيقة لها باعتبارها مجالاً قاراًّ لحياة إنسان، أو حياة منزلية، أو حياة عائلة. إنّ هذا المجال الحيويّ تُحركه من الداخل أنشطة فصلية منتظمة. وهذه الأنشطة لا تُولِّدُ عند الفرد مفهوماً غامضاً للجهد من أجل كسب لقمة العيش ـ فذلك شأنُ الحياة البدوية ـ بل تُولّدُ عنده مفهوماً دقيقاً، وهو: العمل اليوميّ. أمّا المفهوم الاجتماعي للزمن فيندرج ضمن التركيبة البدئية. فالطقس هو الذي يدفع بالإنسان إلى اتّخاذ النار كعنصر أساسيّ في حياته، وأنْ يُؤثث بيته بحسب عمله اليوميّ وبحسب الطقس والنار: وهكذا فإن الطاولة والكراسي تصير شروطاً لا غنى عنها في الحياة العائلية الحميمية التي يجتمع فيها الأفراد في ساعات مُحددة لتناول الوجبات معاً.
أمّا من الخارج فإنّ هذا المجال العائليّ مرتبط مفصلياًّ بالمجالات المُجاورة التي تتحرك من الداخل بنفس الأسلوب. إنّ العصبية المحلية تولد مِن تلك التجمعات السكانية المحلية التي تؤدي بالتدريج إلى ظهور الحياة الجماعية. وهكذا يجري إدماج الأفراد ضمن نظام يستجيب لشروط وتطلعات حياة قارّة. وذلك هو المخطط الأصلي للحياة الأوروبية بكل ما فيها من عناصر جوهرية لم تتمكن من تعديلها الأمبريالية الرومانية ولا البداوة الجرمانية. وباستطاعتنا أن نرى حتى في أيامنا امرأة تنحني في الحقل لتجمع ما تُغذّي به أرانبها، في حين يتلهى الطفل بألعاب بسيطة: وتلك كلّها مِن مظاهر حياة مجتمع مولع بما هو مُفيد ولوعاً كبيراً.
وتأتي الحروب الصليبية والفلسفة الديكارتية كعنصر مُكمّل لهذه البنية: فالأولى جاءت مُحمّلة بالتوجّه العالميّ الذي تندرج ضمنه الدينامية التي كانت غائبة من طبيعتها الكمونية. أمّا الثانية فجاءت لتُضيف النزعة التايلورية إلى أنشطتها الأساسية كي تُدخلها بشكلٍ فعال في الدفع الصناعي الذي سيظهر في تطورها. وبجانب ذلك فإن المسيحية أضافت لذلك المجتمع ذي الفضائل المركزية بذرة الروح التوسّعية الأخلاقية التي ستكون بمثابة ذريعة للحروب الصليبية وللأعمال التوسعية الاستعمارية.
وكانت الحروب الصليبية مناسَبة مكّنتْ الحضارة الأوروبية من الالتفات إلى الخارج ومِن جَنْيِ ثمارٍ كثيرة على حساب الحضارة الإسلامية. وكان سعيها إلى اكتشاف القارة الأمريكية بنفس الدوافع… وهذا هو المجتمع الأوروبي المتشبع بعبقرية الأرض، والذي طُمِسَتْ فيه كلّ إمكانية لوجود روابط بين بني البشر حتى اكتشف العالم الإسلامي أواخر القرن 18.
في العالم الإسلامي لم يكن الفرد في البدء مضطراًّ لطلب غذائه من الأرض ـ وهي العاجزة عن توفيره له ـ بل من الحيوان. فهو الراعي البدوي المتنقل أو المُحارب. مجال حياته ومجاله الحيوي غير محدودين مثلهما مثل أقرب مكان من مسكنه حيث سقطت آخر الأمطار. ومسكنه متنقل بالضرورة، والأثاث فيه ليس ضرورياًّ. ولِمَ الاستقرار في أرْضٍ لا تُوفِّرُ لك الغذاء؟
إنّ الإنسان الذي يتنقل بهذا الشكل لا يمارس أنشطة منتظمة. ومع أنه يبذل جهداً مُضنياً في مهنة الرعي أو في القتال، فهو لا يعرف شيئا عن العمل اليوميّ المُنظّم، وعن العمل الفلاحي الذي يتطلب منه التعلّم والدوام. وهو يكتفي بالحرارة التي توفرها له الشمس، ولا يتّخذ النار إلاّ كوسيلة إضافية في حياته. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ حياة التنقل لا تفرض عليه علاقات جوار تُعدّل سلوكه لأن الفرد لا يتمتع بأية ملكية عقارية. وبما أنّ غذاءه ليس مرتبطاً بتلك العلاقات، فإنّ الغريزة الاجتماعية تبقى ضعيفة عنده، وهو لا يسعى إلى الاندماج في نظام اجتماعي. فالقبيلة التي ينتمي إليها لا تُمثِّلُ نِظاماً تُحدّدُهُ دواعي اجتماعية، بل تُحدده أسباب بيولوجية.
أمّا علاقات الفرد خارج القبيلة، أو بعبارة أخرى علاقاته الاجتماعية البحتة، فهي منعدمة. إنه عالم مُشتت إلى أبعد حدّ، ومُفتت إلى أفراد، عالم ذو فضائل مركزية، وهو لا يعرف شيئاً عن التعاون ـ كما لا يعرف فعالية المادة ـ لكنه يُمارس الكرم، ويستجيب لِداعي الجود، ويحبّ الغرور والشِّعر والخيل. وإنّ التوسع الإسلامي الذي تمّ بسرعة، والذي حاول المؤرخون أن يجدوا له تفسيراً في الأسباب الخارجية إنّما سببُه عائد إلى الديناميكية التي يمتاز بها عالم البداوة.
تلك هي الخطوط العريضة التي أرسى عليها الإسلام قواعد حضارته الرائعة، وذلك بإدخال الانسجام والروح الجماعية في عالمٍ كانت تُسيطر عليه الروح الفردية، وهذا ما أعطاه وجهة تاريخية محددة. لقد جعل القرآنُ من البدوي إنسانا مُستقراًّ ترك شهادات حيّة على إتقانه لفنون الفلاحة في إسبانيا وفي وسط فرنسا. وسرعان ما أعطى تحويلُ البدويّ إلى إنسان مستقرّ ومرتبط بالأرض نتائجه، إذ ظهرت العلوم والفنون وتطورت في مجتمع مُنضبط لمْ يَعُد الفرد فيه ينصاع لهواه، بل يرضخ لنظام ولقوانين. وبحلول القرن 18 كان هذا العالم الإسلامي قد استكمل دورة حضارته، إذ عاد الفرد إلى حياة يطبعُها التشتت، وإلى ممارسة الأنشطة التي تمّ إلغاؤها سابقا. ولم تسلمْ من هذا التردّي إلاّ بعض المراكز الحضرية مثل مدينة فاس والقيروان ودمشق التي هي بقايا حضارة عظيمة صمدتْ لتبقى شاهدة على الماضي التليد، إذ تخلى المسلمون في عصر ما بعد الموحدين عن حياة الحضر وعادوا إلى حياة البداوة الموروثة عن أجدادهم.
ولو أنّ الإنسان الأوروبي اليوم، مُهندساً كان أم فنّاناً، أُتيح له أنْ يشهدَ وصولَ حضارتِه إلى نهاية دورتها، فإنه سيعود حتماً إلى حياة المُزارِع. فعندما حقق الغرب اكتشافه مذ أكثر من قرنٍ، كان العالم الإسلامي يعيش في فضاءٍ اجتماعي قبَليّ وبدويّ” (2).
لكن هناك مشكلة كانت تشغل بال بن نبي في دراسة جذور المسيحية: لماذا ارتبط الفكر المسيحي في النهاية بالفكر البوليني؟ “مَنْ يكون هذا الرّسول، بولس، والذي حرّك الفلسفة المسيحية كلّها وألهمَها؟ لقد تبيّنتْ لي حقيقة تاريخية، وهي: إنّ بولس هو الذي اضطهد تلامذة المسيح الأوائل في القُدس، حيث كان يدرس التلمود. إنّها حقيقة يشهد عليها النداء الذي ينسبه نص “كتابات القديس بولس “ les Actes إلى المسيح عندما ظهر للقديس بولس على طريق دمشق، إذ قال له: “يا شاول ! لماذا تضطهدني؟”. وبقية القصة معروفة، إذ تحوّل بولس بمعجزة إلى رسولٍ للدين الجديد، ومؤسس للفلسفة الناشئة، مُتّخذاً (اختيار إسرائيل) قاعدة أساسية لها. وكانت هنالك أسئلة أخرى تخطر ببالي، مثل: لماذا كان بولس، في النص المذكور آنفاً، يُبْعِدُ رفيقه تيموثي عن بلدان المشرق على الدوام، وكأنه يريد أنْ يخُصّ أوروبا بالديانة المسيحية؟ والحالُ أنني كُنتُ أرى في قصة إسرائيل ظاهرة غريبة: في ظروف القهر والاضطهاد التي مرّ بها اليهود في فلسطين فضّلوا الهجرة إلى أوروبا التي كانت متوحشة وفقيرة على الهجرة إلى بلدان آسيا بحضارتها وتجارتها الرائجة. لم يطرح أيّ مؤرخ هذا التساؤل. أمّا أنا فيبدو لي في منتهى البداهة.
ولقد عنّتْ لي الإجابة الحتمية عن ذلك، وهي أنّ: اليهود كانوا يُحسون بالفطرة أنّ أمبراطوريتهم توجد في أوروبا، أي في البلدان التي بإمكانهم أنْ يسيطروا فيها على الأفكار وعلى الناس. وتبيّن لي أثر العضّة اليهودية في النفس المسيحية دامياً مِن خلال تلك الصيحة التي أطلقها ذلك المفكر الكاثوليكي وهو يجيب عن شاب مُصاب بالروح العدائية لليهود، إذ يقول عن المسيح: “إنني أقضي نصف حياتي عند قدميْ يهودي دامي القلب !”. وهكذا انتظمت كل العناصر في عقلي مثلما تنتظم فصول النظرية التي تذهب إلى أنّ اليهودي هو المُنشّط الخفيّ للحروب الصليبية، وللاستعمار بعد ذلك، مروراً بمحاكم التفتيش التي ليست من تدبير إنياس دو لويولا Ignace de Loyola وحده، كما أنّ الحرب الصليبية الأولى لا يمكن أن تكون مِن تدبير جاهلٍ متوحش مثل بيار ليرميت Pierre l’Ermite. كُنتُ أرى فكري يتغلغل بالتدريج في الزوايا المُظلمة التي لم أكن أرى فيها إلاّ فاعلاً واحداً، وهو اليهوديّ، أمّا المسيحيّ فلم يكن يبدو لي إلاّ كوسيلة قليلة الوعي: إنه ذلك الرجل الذي يذهب كلّ صباح إلى مكتبه ومحفظته في يده، وهو ذلك العامل الذاهب إلى المصنع وحقيبته على كتفه، وكلاهما يعمل على تحقيق مخططات إسرائيل في هذا العالم. والواقع أنني بقدر ما كُنتُ واعيا بدرجة خطورة أفكاري، كُنتُ بِقدرٍ كافٍ من التهوّر لأصدح بها على سقوف البيوت” (3).
ويأتي روجي جارودي Roger Garaudy بعد نصف قرنٍ مِن ذلك ليؤكد ما ذهب إليه حدس بن نبي نقطةً بنقطة: “إنّ مسيح سان بولس ليس هو عيسى بن مريم… فـ بولس بتهويده للمسيحية يُعتبر هو الجدّ الأول لكل تيولوجيات السيطرة: بدءاً بتيولوجيا النزعة القسطنطينية التي ربطت بين الكنيسة والسلطة منذ ق 4، ومروراً بتيولوجيا الحروب الصليبية، ووصولاً إلى محاكم التفتيش ثُمّ الاستعمار… فعيسى هو أولاً خروج من الذات، ثُمّ هو خروج من انتماءاتنا الجزئية، إنه القطيعة القصوى أولاً مع العهد القديم الذي خُرِقَ قانونه كُلّيةً في الصورة التي تمثّلتْ لنا منذ أن تخلى سان بولس عن أقوال المسيح وأفعاله ولم يشرع في الاهتمام به إلاّ بدءاً من موته… فسان بولس سيجعل من المسيحية يهودية مُعدّلة ، ومِن عيسى تنفيذاً للوعد الممنوح ”لشعب الله المختار”. وبهذا الشكل تمّ محو الوجه الجديد لرسالة عيسى…” (4).
إنّ سان بولس لم يعرف عيسى على الإطلاق لأنه عاش بعده بعدة عشريات من الزمن. كان مُعارضاً لبطرس الوريث الروحي لعيسى.ولقد اهتم شبنجلرSpengler (1880-1936) في كتاب “أفول الغرب” Le déclin de l’Occident ” بهذا الموضوع، إذ انشأ يقول: “هل كان على مذهب عيسى أن يتجه غرباً أمْ شرقا؟ وهل بقي بصورته التعبدية التي مارسها عيسى، أمْ اتخذ صورة نظامٍ للخلاص؟ هل كان في اتصال مباشر مع الكنيسة الفارسية أم مع الكنيسة التوافقية (التي تبحث على الاجماع)l’Eglise syncrétiste اللتين كانتا معاً في طور النشأة؟ ولقد عالج سان بولس هذه المسألة. فبوصفه شاباًّ راهباً من الغرب، راح يطارد المسيحيين باعتبارهم طريقة داخلية من الطرق اليهودية. غير أن سان بول كان عنده تصوّرٌ واضح للوطن الحقيقي الذي يجب أن تحلّ فيه أفكاره. فلقد وجّهَ بعثاته نحو الغرب ولم يولِ الشرق أي اهتمام على العموم… وفي حوالى سنة 100 كانت هناك بقية من المسيحيين في المناطق الممتدة بعد ضفاف دجلة الشرقية، لكن وجودهم وكلّ قناعاتهم بقيت وكأنها غير موجودة بالنسبة لمسيرة المسيحية في المستقبل… إنّ التصوّر البوليني لا يستند إلى أقوال عيسى، بل إلى مذهب سان بولس حول عيسى… وإضافة إلى ذلك فإن سان بولس قد اتخذ قراراً آخر لا يُستهان بخطورته. فإنّ اتخاذه اللغة اليونانية كلغة للمسيحية وكتبها المقدسة كان من نتائج رسالته. فكنيسة عيسى قد تمّ فصلها بطريقة اصطناعية عن أصلها الذهني، وتمّ ربطُها بأصلٍ خارجيّ… واختفى منها الرابط الذي كان يربطها بالذهنية القبَليّة في حضن الأمومة الآرامية” (5).
وقد وقف روني جينون René Guénon(عبد الواحد يحي) على نفس النتيجة التي وصل إليها بن نبي في قوله: “إنّنا نفهم أنّ اليهودية في الغرب لم تُمارس تأثيرها إلاّ من هذه الناحية…” (6). ثُمّ يُعمِّق هذا الحُكم في كتاب “أزمة العالم الحديث” La crise du monde moderne )) (7) ، ثُمّ في “سيطرة الكمّ ومؤشرات الزمن”(Le règne de la quantité et les signes des temps ) (8).
واستكمالاً لهذه الملاحظات يمكن لنا أن نضيف أنّ مارتن لوثرMartin Luther الذي لم يكن في المنطلق يُريدُ أنْ يُصلح الكنيسة إلاّ من الداخل ـ على عكس جون كالفان الذي سيُعطي للإصلاح إطاره المؤسساتي ـ قد قام بإعادة تقديم سان بولس متأثراً ـ على ما يبدو ـ بأحد رفقائه المقربين، وهو يهودي اسمه (فيليب شوارزر المعروف باسم ميلانشتون( PhilippSchwarzer, dit Melanchthon ).
أما لويس ماسنيون، فيقول في نص كتبه سنة 1929: “لا بُد من الإشارة إلى أن الأقلية اليهودية التي هي عنصر مُحرّك في العلاقة الفكرية والمالية، قد تخلّت عن الإسلام منذ الحروب الصليبية مع أنه هو الذي سمح لها بأن تتكوّن منذ القرن 10 كقوة بنكية دولية، واختارت المسيحية رغم عداوتها لليهودية” (9).
وممّا جاء في كتاب “عيسى ابن الإنسان” (Jésus, fils de l’homme ) لجبران خليل جبران، على لسان سابا دانتيوش بخصوص بول دوتارس: ” سمعتُ اليوم شاول دوتارس يدعو يهود هذه المدينة إلى المسيح. وهو الآن يُسمى بولس، رسول الطيّبين. لقد عرفته في شبابي، وكان آنذاك يضطهد أصدقاء النزاري. وأنا أتذكر جيّداً رضاه عندما رَجَمَ رفقاؤه ذلك الرجل الشاب الحيوي المسمى إيتيان. فبولس رجل غريب الأطوار بالفعل. وروحه ليست بروح الإنسان الحر. أحياناً يشبه الحيوان في الغابة عندما يكون مُطارداً ومجروحا وهو يبحث عن مغارة يُخفي فيها ألمَه عن أعين الناس. وهو لا يتكلم عن عيسى ولا يذكر أقواله. إنه يدعو إلى المسيح الذي بشر به الأنبياء السابقون. ومع أنه هو نفسه يهودي مُثقف، فهو يتحدث مع رفقائه اليهود باليونانية، وبما أنه لم يكن يُتقن هذه اللغة، فهو يُسيء اختيار كلماته. لكنه رجل يمتلك قدرات خفية وحضوره يؤكده كلّ مَنْ يجمعهم حوله. وكثيراً ما يُقنِعُهم بما لا يقتنع به هو نفسه. أمّا نحن، الذين عرفنا عيسى وسمعنا خُطبه، فإننا نقول إنه يُعلِّمُ الإنسان كيف يكسر قيود عبوديته كي يتمكن من التحرر من ماضيه. لكن بولس آخِذٌ في صنع قيودٍ للإنسان في المستقبل. إنه كالحداد الذي يضرب على سندانه بمطرقته، وباسم مَنْ لا يعرفه. كان النزاري يرجو أن نعيش الحاضر في كنف العاطفة الجياشة. أما بول دوتارس فهو يريد أن نهتمّ بالقوانين التي وضعتْها الكتابات القديمة. كان عيسى يُعيد الروح لِمَنْ لَفَظ أنفاسه الأخيرة. وفي الليالي التي أكون فيها وحيداً كان إيماني يزداد، ففهِمت. كان عيسى إذا جلس إلى الطاولة راحت كلماته تملأ قلوب رفاقه سعادةً، وكان بمُجرّد انشراحه يزيد الخبز والخمر لذةً. لكن بولس يريد أن يُخضِع خبزنا وكؤوسنا للقوانين التي يفرضها. تألموا الآن فإني مُعْرِضٌ عنكم” (10).
المراجع:
1) ” الاستشراق و الاستغراب”، ” الجمهورية الجزائرية” عدد 20 أوت 1948
2) يقول صالح بن ساعي عن بن نبي: “إنّ التناقض الصارخ بين سلوك الفلاح النورمانديّ، أو الـ l’homo faber ، والذي يُشكّلُ ويصقل الفضاء الذي يعيش فيه بخدمته وترتيبه بعناية وحُبّ، وبين الفلاح الجزائري الذي لا يُكلّفُ نفسه عناءَ تنقية حقله من الحجارة والحشائش الضارة التي تغزوه لكنه يهدر أوقاتاً ثمينة في المقهى بلا طائل، هذا التناقض هو الذي ساعد بن نبي على فهم الشروط الضرورية لوجود حضارة. قال لي أنه فهِم من اشتغاله بخدمة حديقته في Luat-Clairet أنّ كلّ حضارة هي نتاج تركيبة متكونة من ثلاثة عوامل أساسية هي: الإنسان والأرض والوقت. كان بن نبي دقيق الملاحظة دائم اليقظة، فهو يُسجّل كلّ الوقائع التي يلاحظها ويجتهد في فهمها بتحليلها وتأويلها بحسب الوضعيات. إنّ توجهه كمفكر وعالم اجتماع وكاتب بدأ يتّضح بمرور السنوات وبتراكم تجاربه في الحياة، كما أن عقيدته الإسلامية كانت تتعزز وتتقوّى بفضل المِحن والامتحانات التي مرّ بها”.
3) سيُعالج بن نبي هذه الأفكار في كتابه غير المنشور (“وجهة العالم الإسلامي”، الجزء الثاني)، وجاء في آثاره تحت عنوان: “المسألة اليهودية”، 1952.
4) روجي غارودي:” الفوضى العالمية الجديدة: كيف نحضر للقرن الواحد و العشرين” منشورات الفهرست، بيروت 1998
5) ”أفول الغرب: لوحة من تشكل التاريخ العالمي”، المجلد 2، منشورات غليمارد، باريس 1948
6) روني جينون ” الشرق و الغرب” منشورات فيغا، باريس 1924
7) منشورات غليمارد، باريس 1946
8) المرجع السابق
9) ”الوضع الحالي للإسلام”، “اوبيرا مينورا”، المجلد 1
10) خليل جبران:” النبي”: نصوص ممنوعة” منشورات البراق بيروت 1999
