Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (9)‏

حياة مالك بن نبي (9)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

صار بن نبي يعي منذ مدة طويلة أن في عقله ازدواجية فكريةً قوامُها توجّهان منسجمان في ذاته تمام ‏الانسجام، لكنه يحس بالمُعاناة عندما يرى ذلك التنافر الثقافي بين المسلمين والأوروبيين. فهو مُعجب ‏بالحضارة الغربية ومنسجم معها، لكنه مصدوم مِن تحَوُّلِها إلى استعمار.‏

فالحضارة الغربية في علاقاتها مع العالم الإسلامي لم تَعُد هي نفسها لأنها ظهرتْ عنصرية مُحتقرة وحقودة. ‏وبن نبي يريد أن يفهم أسباب ذلك. وهو يعرف أنّ الوقوف على تلك الأسباب يتطلّب العودة إلى الجذور ‏التاريخية والثقافية التي جاءت منها الحضارة الغربية. وهكذا بدأتْ الإجابات تتبلور عنده شيئا فشيئاً. لكنه ‏بحاجة إلى الوقت كي يتمكن مِن صياغتها بشكلٍ نهائيٍّ.‏

بدأ فكر بن نبي كالجنين في بطن أمه عندما راح يستجمع المواد الضرورية للبناء الفكري، ويُعِدّ الأعمدة ‏التي يُقيم عليها صرحه الفكري، ويصقُلُ المفاهيم… لكن، هل كان فيلسوفنا يعرف كلّ ذلك؟ ولا يعود الفضلُ ‏في اكتمال بناء ذلك الصرح إلى الكتب، بل إلى التجربة الميدانية والعِبَر التي استفادها مِن تغلغله في الحياة ‏الأوروبية، ومن صحبة زوجته، ومن تعاطيه مع “الاتحاد المسيحيّ للشبيبة الباريسية”.‏

وهو يبوح لنا في مذكراته غير المنشورة بما يأتي: “إنني مَدينٌ على الخصوص للاجتماعات التي شاركتُ ‏فيها وللعلاقات التي ربطتُها بأعضاء الاتحاد المسيحي، في فهمي لبعض القيم الأساسية في الحياة الأوروبية. ‏وأنا أعي أنّ ذلك الفهم لم يكُنْ ليتحقق بقراءة الكتب ولا بمشاهدة المسرح. ولذلك فأنا أجد أنّ أكثر المسلمين ‏علماً بالأشياء في أوروبا هُمْ قليلو العلم بحضارتها”.‏

ويقوم بن نبي بعملية إسقاط لما يعرفه عن الحضارة العربية الإسلامية ثُمّ ينبري لصياغة مشاهد روائية ‏ميتافيزيقية، فهو يتساءل: ماذا لو تمكنت الثقافتان من التواصل بينهما؟ وماذا لو اعترفت كلّ واحدة منهما ‏بالأخرى؟ وماذا لو ساد التعاون بينهما؟

كانت تلك هي أمنياته في أعماق نفسه، لكن دون أن يتغافل عن الشرخ الواسع بين الشرق الإسلاميّ والغرب ‏المسيحيّ من الناحية المادية والاجتماعية والسياسية. إنه يعي أنّ بينهما سوء تفاهم منذ أزْيد من عشرة ‏قرون، وبينهما عداء شديد أتيح له أن يتجسد في الزمن الحاضر في صورة علاقة بين مُستعمِرٍ ومُستعمَر.‏

وسيُعبِّرُ عن تلك التجارب بعد ذلك بخمس عشرة سنة، إذ يقول: “لقد أخذ الفكر الغربي ـ في صورته ‏الاستشراقية ـ مِن المجال الثقافي الإسلاميّ عدة عناصر مُكوّنه لثقافته، وذلك منذ زمنٍ طويل. فلقد أتيح منذ ‏زمن طويل ملاحظة ما بين المعرّي (العربي) ودانتي (الإيطالي) من قواسم مشتركة، وملاحظة أنّ الحضارة ‏الأوروبية الريفية ذات جذور أندلسية، وأنّ بعض الأفكار المسيحية شديدة الشبه بأفكار الغزالي المتصوِّف، ‏وأنّ بين ديكارت والغزالي العقلاني بعض نقاط التماس… إنّ الأشكال التي اتّخذتها كلتا الثقافتين، وبعض ‏النقاط الجوهرية في الجانب الأخلاقي وفي الفكر والفن، كلّ ذلك يشهد بأنه لا يوجد تنافر جذريّ بين الشرق ‏والغرب، كما لا توجد خلافات جذرية بينهما… ويبقى مفهوم الإنسان هو الرباط الأسمى الذي يُفترض أن ‏تجتمع فيه النزعتان الشرقية والغربية على نزعة إنسانية حقيقية، وهو الرباط الذي بفضله يسود التفاهم ‏القلبي بينهما” (1). ‏

ويضيف قائلاً في نفس المقال مستلهماً بعض ذكرياته في نورمانديNormandie‏: “إنّ أعمق معنى ‏للحضارة لا يتمثل في علاماتها المُجرّدة أو المرئية الحالية، مثل الطائرة أو البنك أو التربية ـ بل في قيمها ‏الدائمة التي يمكن لنا اكتشافها بسهولة في زاوية من زوايا حقل، أو على صفحات وجه فلاح بسيط، أكثر مما ‏نكتشفها في مقاعد الجامعة أو في أجنحة مكتبة”.‏

ويظهر لنا بن نبي هنا بصورته التي كان بها في أفلو، إذ كان يجد في الحياة الرعوية “متحفاً للفضائل”. إنه ‏الرسّام الهاوي للطبيعة والمهتمّ بتنوّع المشاهد وتعابير الوجوه، وهو ابن المدينة الذي يعرف فضل الريف ‏عليه، كما يعرف فضل الحياة الفلاحية على الحضارة. وهذه مقارنة جميلة جداًّ نجدها في كتابه “وجهة العالم ‏الإسلامي” الصادر سنة 1954، أي عشرين سنة بعد الفترة التي نؤرخ لها هنا: ‏

‏”كان الإنسان الأوروبيّ يأخذ غذاءه من الأرض منذ العصر الذي كان فيه الإنسان يعيش على ضفاف ‏البحيرات. وهذه الحاجة الحيوية هي التي أوْجدت العوامل البدئية لنشوء حضارة زراعية ـ أو كما يقول أحد ‏علماء الاجتماع الفرنسيين: حضارة المراعي. وقد بدأتْ تلك الحضارة منذ وقت مُبكّر بإحداث وحدة عضوية ‏بين الإنسان والأرض. وبعد ذلك اتُّخِذت المساكن لتكون سبباً في ظهور الانضباط الذي تُمليه علاقات ‏الجوار، وهذه العلاقات أدّت إلى إيجاد مفهوم الملكية ووضع حدود دقيقة لها باعتبارها مجالاً قاراًّ لحياة ‏إنسان، أو حياة منزلية، أو حياة عائلة. إنّ هذا المجال الحيويّ تُحركه من الداخل أنشطة فصلية منتظمة. ‏وهذه الأنشطة لا تُولِّدُ عند الفرد مفهوماً غامضاً للجهد من أجل كسب لقمة العيش ـ فذلك شأنُ الحياة البدوية ـ ‏بل تُولّدُ عنده مفهوماً دقيقاً، وهو: العمل اليوميّ. أمّا المفهوم الاجتماعي للزمن فيندرج ضمن التركيبة البدئية. ‏فالطقس هو الذي يدفع بالإنسان إلى اتّخاذ النار كعنصر أساسيّ في حياته، وأنْ يُؤثث بيته بحسب عمله ‏اليوميّ وبحسب الطقس والنار: وهكذا فإن الطاولة والكراسي تصير شروطاً لا غنى عنها في الحياة العائلية ‏الحميمية التي يجتمع فيها الأفراد في ساعات مُحددة لتناول الوجبات معاً.‏

أمّا من الخارج فإنّ هذا المجال العائليّ مرتبط مفصلياًّ بالمجالات المُجاورة التي تتحرك من الداخل بنفس ‏الأسلوب. إنّ العصبية المحلية تولد مِن تلك التجمعات السكانية المحلية التي تؤدي بالتدريج إلى ظهور الحياة ‏الجماعية. وهكذا يجري إدماج الأفراد ضمن نظام يستجيب لشروط وتطلعات حياة قارّة. وذلك هو المخطط ‏الأصلي للحياة الأوروبية بكل ما فيها من عناصر جوهرية لم تتمكن من تعديلها الأمبريالية الرومانية ولا ‏البداوة الجرمانية. وباستطاعتنا أن نرى حتى في أيامنا امرأة تنحني في الحقل لتجمع ما تُغذّي به أرانبها، في ‏حين يتلهى الطفل بألعاب بسيطة: وتلك كلّها مِن مظاهر حياة مجتمع مولع بما هو مُفيد ولوعاً كبيراً.‏

وتأتي الحروب الصليبية والفلسفة الديكارتية كعنصر مُكمّل لهذه البنية: فالأولى جاءت مُحمّلة بالتوجّه ‏العالميّ الذي تندرج ضمنه الدينامية التي كانت غائبة من طبيعتها الكمونية. أمّا الثانية فجاءت لتُضيف ‏النزعة التايلورية إلى أنشطتها الأساسية كي تُدخلها بشكلٍ فعال في الدفع الصناعي الذي سيظهر في ‏تطورها. وبجانب ذلك فإن المسيحية أضافت لذلك المجتمع ذي الفضائل المركزية بذرة الروح التوسّعية ‏الأخلاقية التي ستكون بمثابة ذريعة للحروب الصليبية وللأعمال التوسعية الاستعمارية.‏

وكانت الحروب الصليبية مناسَبة مكّنتْ الحضارة الأوروبية من الالتفات إلى الخارج ومِن جَنْيِ ثمارٍ كثيرة ‏على حساب الحضارة الإسلامية. وكان سعيها إلى اكتشاف القارة الأمريكية بنفس الدوافع… وهذا هو ‏المجتمع الأوروبي المتشبع بعبقرية الأرض، والذي طُمِسَتْ فيه كلّ إمكانية لوجود روابط بين بني البشر ‏حتى اكتشف العالم الإسلامي أواخر القرن 18.‏

في العالم الإسلامي لم يكن الفرد في البدء مضطراًّ لطلب غذائه من الأرض ـ وهي العاجزة عن توفيره له ـ ‏بل من الحيوان. فهو الراعي البدوي المتنقل أو المُحارب. مجال حياته ومجاله الحيوي غير محدودين مثلهما ‏مثل أقرب مكان من مسكنه حيث سقطت آخر الأمطار. ومسكنه متنقل بالضرورة، والأثاث فيه ليس ‏ضرورياًّ. ولِمَ الاستقرار في أرْضٍ لا تُوفِّرُ لك الغذاء؟ ‏

إنّ الإنسان الذي يتنقل بهذا الشكل لا يمارس أنشطة منتظمة. ومع أنه يبذل جهداً مُضنياً في مهنة الرعي أو ‏في القتال، فهو لا يعرف شيئا عن العمل اليوميّ المُنظّم، وعن العمل الفلاحي الذي يتطلب منه التعلّم والدوام. ‏وهو يكتفي بالحرارة التي توفرها له الشمس، ولا يتّخذ النار إلاّ كوسيلة إضافية في حياته. وبالإضافة إلى ‏ذلك فإنّ حياة التنقل لا تفرض عليه علاقات جوار تُعدّل سلوكه لأن الفرد لا يتمتع بأية ملكية عقارية. وبما ‏أنّ غذاءه ليس مرتبطاً بتلك العلاقات، فإنّ الغريزة الاجتماعية تبقى ضعيفة عنده، وهو لا يسعى إلى ‏الاندماج في نظام اجتماعي. فالقبيلة التي ينتمي إليها لا تُمثِّلُ نِظاماً تُحدّدُهُ دواعي اجتماعية، بل تُحدده أسباب ‏بيولوجية.‏

أمّا علاقات الفرد خارج القبيلة، أو بعبارة أخرى علاقاته الاجتماعية البحتة، فهي منعدمة. إنه عالم مُشتت ‏إلى أبعد حدّ، ومُفتت إلى أفراد، عالم ذو فضائل مركزية، وهو لا يعرف شيئاً عن التعاون ـ كما لا يعرف ‏فعالية المادة ـ لكنه يُمارس الكرم، ويستجيب لِداعي الجود، ويحبّ الغرور والشِّعر والخيل. وإنّ التوسع ‏الإسلامي الذي تمّ بسرعة، والذي حاول المؤرخون أن يجدوا له تفسيراً في الأسباب الخارجية إنّما سببُه عائد ‏إلى الديناميكية التي يمتاز بها عالم البداوة.‏

تلك هي الخطوط العريضة التي أرسى عليها الإسلام قواعد حضارته الرائعة، وذلك بإدخال الانسجام ‏والروح الجماعية في عالمٍ كانت تُسيطر عليه الروح الفردية، وهذا ما أعطاه وجهة تاريخية محددة. لقد جعل ‏القرآنُ من البدوي إنسانا مُستقراًّ ترك شهادات حيّة على إتقانه لفنون الفلاحة في إسبانيا وفي وسط فرنسا. ‏وسرعان ما أعطى تحويلُ البدويّ إلى إنسان مستقرّ ومرتبط بالأرض نتائجه، إذ ظهرت العلوم والفنون ‏وتطورت في مجتمع مُنضبط لمْ يَعُد الفرد فيه ينصاع لهواه، بل يرضخ لنظام ولقوانين. وبحلول القرن 18 ‏كان هذا العالم الإسلامي قد استكمل دورة حضارته، إذ عاد الفرد إلى حياة يطبعُها التشتت، وإلى ممارسة ‏الأنشطة التي تمّ إلغاؤها سابقا. ولم تسلمْ من هذا التردّي إلاّ بعض المراكز الحضرية مثل مدينة فاس ‏والقيروان ودمشق التي هي بقايا حضارة عظيمة صمدتْ لتبقى شاهدة على الماضي التليد، إذ تخلى ‏المسلمون في عصر ما بعد الموحدين عن حياة الحضر وعادوا إلى حياة البداوة الموروثة عن أجدادهم. ‏

ولو أنّ الإنسان الأوروبي اليوم، مُهندساً كان أم فنّاناً، أُتيح له أنْ يشهدَ وصولَ حضارتِه إلى نهاية دورتها، ‏فإنه سيعود حتماً إلى حياة المُزارِع. فعندما حقق الغرب اكتشافه مذ أكثر من قرنٍ، كان العالم الإسلامي يعيش ‏في فضاءٍ اجتماعي قبَليّ وبدويّ” (2).‏

لكن هناك مشكلة كانت تشغل بال بن نبي في دراسة جذور المسيحية: لماذا ارتبط الفكر المسيحي في النهاية ‏بالفكر البوليني؟ “مَنْ يكون هذا الرّسول، بولس، والذي حرّك الفلسفة المسيحية كلّها وألهمَها؟ لقد تبيّنتْ لي ‏حقيقة تاريخية، وهي: إنّ بولس هو الذي اضطهد تلامذة المسيح الأوائل في القُدس، حيث كان يدرس ‏التلمود. إنّها حقيقة يشهد عليها النداء الذي ينسبه نص “كتابات القديس بولس “‏‎ les Actes‏ إلى المسيح ‏عندما ظهر للقديس بولس على طريق دمشق، إذ قال له: “يا شاول ‏‎!‎‏ لماذا تضطهدني؟”. وبقية القصة ‏معروفة، إذ تحوّل بولس بمعجزة إلى رسولٍ للدين الجديد، ومؤسس للفلسفة الناشئة، مُتّخذاً (اختيار إسرائيل) ‏قاعدة أساسية لها. وكانت هنالك أسئلة أخرى تخطر ببالي، مثل: لماذا كان بولس، في النص المذكور آنفاً، ‏يُبْعِدُ رفيقه تيموثي عن بلدان المشرق على الدوام، وكأنه يريد أنْ يخُصّ أوروبا بالديانة المسيحية؟ والحالُ ‏أنني كُنتُ أرى في قصة إسرائيل ظاهرة غريبة: في ظروف القهر والاضطهاد التي مرّ بها اليهود في ‏فلسطين فضّلوا الهجرة إلى أوروبا التي كانت متوحشة وفقيرة على الهجرة إلى بلدان آسيا بحضارتها ‏وتجارتها الرائجة. لم يطرح أيّ مؤرخ هذا التساؤل. أمّا أنا فيبدو لي في منتهى البداهة.‏

ولقد عنّتْ لي الإجابة الحتمية عن ذلك، وهي أنّ: اليهود كانوا يُحسون بالفطرة أنّ أمبراطوريتهم توجد في ‏أوروبا، أي في البلدان التي بإمكانهم أنْ يسيطروا فيها على الأفكار وعلى الناس. وتبيّن لي أثر العضّة ‏اليهودية في النفس المسيحية دامياً مِن خلال تلك الصيحة التي أطلقها ذلك المفكر الكاثوليكي وهو يجيب عن ‏شاب مُصاب بالروح العدائية لليهود، إذ يقول عن المسيح: “إنني أقضي نصف حياتي عند قدميْ يهودي ‏دامي القلب ‏‎!‎‏”. وهكذا انتظمت كل العناصر في عقلي مثلما تنتظم فصول النظرية التي تذهب إلى أنّ ‏اليهودي هو المُنشّط الخفيّ للحروب الصليبية، وللاستعمار بعد ذلك، مروراً بمحاكم التفتيش التي ليست من ‏تدبير إنياس دو لويولا ‏Ignace de Loyola ‎‏ وحده، كما أنّ الحرب الصليبية الأولى لا يمكن أن تكون مِن ‏تدبير جاهلٍ متوحش مثل بيار ليرميت ‏‎ Pierre l’Ermite‏. كُنتُ أرى فكري يتغلغل بالتدريج في الزوايا ‏المُظلمة التي لم أكن أرى فيها إلاّ فاعلاً واحداً، وهو اليهوديّ، أمّا المسيحيّ فلم يكن يبدو لي إلاّ كوسيلة قليلة ‏الوعي: إنه ذلك الرجل الذي يذهب كلّ صباح إلى مكتبه ومحفظته في يده، وهو ذلك العامل الذاهب إلى ‏المصنع وحقيبته على كتفه، وكلاهما يعمل على تحقيق مخططات إسرائيل في هذا العالم. والواقع أنني بقدر ‏ما كُنتُ واعيا بدرجة خطورة أفكاري، كُنتُ بِقدرٍ كافٍ من التهوّر لأصدح بها على سقوف البيوت” (3). ‏

ويأتي روجي جارودي‎ ‎‏ ‏Roger Garaudy‏ بعد نصف قرنٍ مِن ذلك ليؤكد ما ذهب إليه حدس بن نبي نقطةً ‏بنقطة: “إنّ مسيح سان بولس ليس هو عيسى بن مريم… فـ بولس بتهويده للمسيحية يُعتبر هو الجدّ الأول ‏لكل تيولوجيات السيطرة: بدءاً بتيولوجيا النزعة القسطنطينية التي ربطت بين الكنيسة والسلطة منذ ق 4، ‏ومروراً بتيولوجيا الحروب الصليبية، ووصولاً إلى محاكم التفتيش ثُمّ الاستعمار… فعيسى هو أولاً خروج ‏من الذات، ثُمّ هو خروج من انتماءاتنا الجزئية، إنه القطيعة القصوى أولاً مع العهد القديم الذي خُرِقَ قانونه ‏كُلّيةً في الصورة التي تمثّلتْ لنا منذ أن تخلى سان بولس عن أقوال المسيح وأفعاله ولم يشرع في الاهتمام به ‏إلاّ بدءاً من موته… فسان بولس سيجعل من المسيحية يهودية مُعدّلة ، ومِن عيسى تنفيذاً للوعد الممنوح ‏‏”لشعب الله المختار”. وبهذا الشكل تمّ محو الوجه الجديد لرسالة عيسى…” (4). ‏

إنّ سان بولس لم يعرف عيسى على الإطلاق لأنه عاش بعده بعدة عشريات من الزمن. كان مُعارضاً ‏لبطرس الوريث الروحي لعيسى.ولقد اهتم شبنجلرSpengler‏ (1880-1936) في كتاب “أفول الغرب” ‏Le déclin de l’Occident ‎‏” بهذا الموضوع، إذ انشأ يقول: “هل كان على مذهب عيسى أن يتجه غرباً ‏أمْ شرقا؟ وهل بقي بصورته التعبدية التي مارسها عيسى، أمْ اتخذ صورة نظامٍ للخلاص؟ هل كان في ‏اتصال مباشر مع الكنيسة الفارسية أم مع الكنيسة التوافقية (التي تبحث على الاجماع)‏l’Eglise syncrétiste‏ ‏اللتين كانتا معاً في طور النشأة؟ ولقد عالج سان بولس هذه المسألة. فبوصفه شاباًّ راهباً من الغرب، راح ‏يطارد المسيحيين باعتبارهم طريقة داخلية من الطرق اليهودية. غير أن سان بول كان عنده تصوّرٌ واضح ‏للوطن الحقيقي الذي يجب أن تحلّ فيه أفكاره. فلقد وجّهَ بعثاته نحو الغرب ولم يولِ الشرق أي اهتمام على ‏العموم… وفي حوالى سنة 100 كانت هناك بقية من المسيحيين في المناطق الممتدة بعد ضفاف دجلة ‏الشرقية، لكن وجودهم وكلّ قناعاتهم بقيت وكأنها غير موجودة بالنسبة لمسيرة المسيحية في المستقبل… إنّ ‏التصوّر البوليني لا يستند إلى أقوال عيسى، بل إلى مذهب سان بولس حول عيسى… وإضافة إلى ذلك فإن ‏سان بولس قد اتخذ قراراً آخر لا يُستهان بخطورته. فإنّ اتخاذه اللغة اليونانية كلغة للمسيحية وكتبها المقدسة ‏كان من نتائج رسالته. فكنيسة عيسى قد تمّ فصلها بطريقة اصطناعية عن أصلها الذهني، وتمّ ربطُها بأصلٍ ‏خارجيّ… واختفى منها الرابط الذي كان يربطها بالذهنية القبَليّة في حضن الأمومة الآرامية” (5). ‏

وقد وقف روني جينون ‏René Guénon‏(عبد الواحد يحي) على نفس النتيجة التي وصل إليها بن نبي في ‏قوله: “إنّنا نفهم أنّ اليهودية في الغرب لم تُمارس تأثيرها إلاّ من هذه الناحية…” (6). ثُمّ يُعمِّق هذا الحُكم في ‏كتاب “أزمة العالم الحديث” ‏La crise du monde moderne )‎‏) (7) ، ثُمّ في “سيطرة الكمّ ومؤشرات ‏الزمن”(‏Le règne de la quantité et les signes des temps ‎‏ ) (8).‏

واستكمالاً لهذه الملاحظات يمكن لنا أن نضيف أنّ مارتن لوثرMartin Luther‏ الذي لم يكن في المنطلق ‏يُريدُ أنْ يُصلح الكنيسة إلاّ من الداخل ـ على عكس جون كالفان الذي سيُعطي للإصلاح إطاره المؤسساتي ـ ‏قد قام بإعادة تقديم سان بولس متأثراً ـ على ما يبدو ـ بأحد رفقائه المقربين، وهو يهودي اسمه (فيليب ‏شوارزر المعروف باسم ميلانشتون( ‏PhilippSchwarzer, dit Melanchthon‏ ). ‏

أما لويس ماسنيون، فيقول في نص كتبه سنة 1929: “لا بُد من الإشارة إلى أن الأقلية اليهودية التي هي ‏عنصر مُحرّك في العلاقة الفكرية والمالية، قد تخلّت عن الإسلام منذ الحروب الصليبية مع أنه هو الذي ‏سمح لها بأن تتكوّن منذ القرن 10 كقوة بنكية دولية، واختارت المسيحية رغم عداوتها لليهودية” (9).‏

وممّا جاء في كتاب “عيسى ابن الإنسان” (‏Jésus, fils de l’homme ‎‏) لجبران خليل جبران، على لسان ‏سابا دانتيوش بخصوص بول دوتارس: ” سمعتُ اليوم شاول دوتارس يدعو يهود هذه المدينة إلى المسيح. ‏وهو الآن يُسمى بولس، رسول الطيّبين. لقد عرفته في شبابي، وكان آنذاك يضطهد أصدقاء النزاري. وأنا ‏أتذكر جيّداً رضاه عندما رَجَمَ رفقاؤه ذلك الرجل الشاب الحيوي المسمى إيتيان. فبولس رجل غريب الأطوار ‏بالفعل. وروحه ليست بروح الإنسان الحر. أحياناً يشبه الحيوان في الغابة عندما يكون مُطارداً ومجروحا ‏وهو يبحث عن مغارة يُخفي فيها ألمَه عن أعين الناس. وهو لا يتكلم عن عيسى ولا يذكر أقواله. إنه يدعو ‏إلى المسيح الذي بشر به الأنبياء السابقون. ومع أنه هو نفسه يهودي مُثقف، فهو يتحدث مع رفقائه اليهود ‏باليونانية، وبما أنه لم يكن يُتقن هذه اللغة، فهو يُسيء اختيار كلماته. لكنه رجل يمتلك قدرات خفية وحضوره ‏يؤكده كلّ مَنْ يجمعهم حوله. وكثيراً ما يُقنِعُهم بما لا يقتنع به هو نفسه. أمّا نحن، الذين عرفنا عيسى وسمعنا ‏خُطبه، فإننا نقول إنه يُعلِّمُ الإنسان كيف يكسر قيود عبوديته كي يتمكن من التحرر من ماضيه. لكن بولس ‏آخِذٌ في صنع قيودٍ للإنسان في المستقبل. إنه كالحداد الذي يضرب على سندانه بمطرقته، وباسم مَنْ لا ‏يعرفه. كان النزاري يرجو أن نعيش الحاضر في كنف العاطفة الجياشة. أما بول دوتارس فهو يريد أن نهتمّ ‏بالقوانين التي وضعتْها الكتابات القديمة. كان عيسى يُعيد الروح لِمَنْ لَفَظ أنفاسه الأخيرة. وفي الليالي التي ‏أكون فيها وحيداً كان إيماني يزداد، ففهِمت. كان عيسى إذا جلس إلى الطاولة راحت كلماته تملأ قلوب رفاقه ‏سعادةً، وكان بمُجرّد انشراحه يزيد الخبز والخمر لذةً. لكن بولس يريد أن يُخضِع خبزنا وكؤوسنا للقوانين ‏التي يفرضها. تألموا الآن فإني مُعْرِضٌ عنكم” (10).‏

المراجع:‏
‏1)‏ ‏” الاستشراق و الاستغراب”، ” الجمهورية الجزائرية” عدد 20 أوت 1948‏
‏2)‏ يقول صالح بن ساعي عن بن نبي: “إنّ التناقض الصارخ بين سلوك الفلاح النورمانديّ، أو الـ ‏l’homo faber ‎‏ ، ‏والذي يُشكّلُ ويصقل الفضاء الذي يعيش فيه بخدمته وترتيبه بعناية وحُبّ، وبين الفلاح الجزائري الذي لا يُكلّفُ نفسه ‏عناءَ تنقية حقله من الحجارة والحشائش الضارة التي تغزوه لكنه يهدر أوقاتاً ثمينة في المقهى بلا طائل، هذا التناقض ‏هو الذي ساعد بن نبي على فهم الشروط الضرورية لوجود حضارة. قال لي أنه فهِم من اشتغاله بخدمة حديقته في ‏Luat-‎Clairet‏ أنّ كلّ حضارة هي نتاج تركيبة متكونة من ثلاثة عوامل أساسية هي: الإنسان والأرض والوقت. كان بن نبي ‏دقيق الملاحظة دائم اليقظة، فهو يُسجّل كلّ الوقائع التي يلاحظها ويجتهد في فهمها بتحليلها وتأويلها بحسب الوضعيات. ‏إنّ توجهه كمفكر وعالم اجتماع وكاتب بدأ يتّضح بمرور السنوات وبتراكم تجاربه في الحياة، كما أن عقيدته الإسلامية ‏كانت تتعزز وتتقوّى بفضل المِحن والامتحانات التي مرّ بها”.‏
‏3)‏ سيُعالج بن نبي هذه الأفكار في كتابه غير المنشور (“وجهة العالم الإسلامي”، الجزء الثاني)، وجاء في آثاره تحت ‏عنوان: “المسألة اليهودية”، 1952.‏
‏4)‏ روجي غارودي:” الفوضى العالمية الجديدة: كيف نحضر للقرن الواحد و العشرين” منشورات الفهرست، بيروت ‏‏1998‏
‏5)‏ ‏”أفول الغرب: لوحة من تشكل التاريخ العالمي”، المجلد 2، منشورات غليمارد، باريس 1948‏
‏6)‏ روني جينون ” الشرق و الغرب” منشورات فيغا، باريس 1924‏
‏7)‏ منشورات غليمارد، باريس 1946‏
‏8)‏ المرجع السابق
‏9)‏ ‏”الوضع الحالي للإسلام”، “اوبيرا مينورا”، المجلد 1‏
‏10)‏ خليل جبران:” النبي”: نصوص ممنوعة” منشورات البراق بيروت 1999‏

You may also like

Leave a Comment