Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (8)‏

حياة مالك بن نبي (8)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

عندما عاد مالك بن نبي إلى الجزائر طلب من الشيخ الطيب العقبي أن يُعبّر له عن انطباعاته حول ‏المحاضرة التي ألقاها حمودة بن ساعي. لم يكن الشيخ راضيا عنها، ولقد تعجب بن نبي من ذلك ‏خاصة وأنه يعرف مرتبة صديقه الفكرية وثقافته، إذ استطاع أن “يحقق إنجازاً كبيرا باستنتاج مبادىء ‏سياسة الفاعلية التي لم يأْلَفْها العلماء الجزائريون الخاملون”.‏

وكانت تلك هي الحادثة التي بدأ فيها الشيخ العقبي يفقد مكانته عند بن نبي. وهو يذكر ذلك في ‏مذكراته غير المنشورة قائلاً: “كنتُ أثق في صديقي ثقة تامة، حتى أني كُنتُ أظن نفسي كفيلاً بأن أكون ‏سنداً له أو مستشاراً لِما وجدْتُ فيه مِن براءة وطيبة وصدق وثقافة، في حين كُنتُ أنا أمتاز بالشدة ‏والحصافة العملية. وكُنتُ أجد في هذا الكُلّ المتكامل ما مِن شأنه أن يُحدِث ثورة روحية، فكرية ‏وسياسية في الجزائر”.‏

عاد بن نبي رفقة زوجته إلى باريس. كان يُحبّ فصل الخريف، ولذلك كان مشهد تساقط أوراق الأشجار ‏يُثير وجدانه. قضيا بضعة أيامٍ في مدينة درو ‏Dreux‏ في بيت أم زوجته السيدة مورناس ‏Mme ‎Mornas‏ حيثُ استُقبِلا استقبالاً ممتازاً. كان بن نبي منسجماً تماماً مع حماته التي كان يناديها “ماما”. ‏وفي هذا مشهد آخر لفرنسا أتيح له أن ينظر فيه، إنها فرنسا الريفية، والحضارة التي تستمد جذورها ‏من الريف ومن العبقرية العملية.‏

ومما قاله في ذلك لاحقاً: “ذلك الريف هو الوجه الحقيقيّ لفرنسا. إنها المرة الأولى التي بدأتُ أعرف ‏فيها تلك الأسباب التي ألهمتْ لـ سولي (‏Sully‏) شعاره الشهير: “الحرث والمرعى هما ضرْعا فرنسا”. ‏فالحضارة الفرنسية هي أولاً نتاج ذلك الرضاع. وأنا أعرف اليوم، وقد مرّتْ ثلاثون سنة على زواجي ‏بخديجة، أني أتحْتُ لها الاحتكاك بالإسلام في حين أتاحت لي هي الاحتكاك بأكثر مظاهر حضارة بلادها ‏أصالةً” (م.ش.ق).‏

كان يرى حماته وهي تعمل من الصباح إلى المساء لخدمة مزرعتها، وتُرتّب بيتها أحسن ترتيب. وفي كل ‏ذلك كان يلاحظ ما في هذه الأسرة المتواضعة من ولع بالتنظيم وحبّ لكل ما هو جميل. وهذا ما ‏ساعده على معرفة المصدر الذي أخذتْ منه زوجته ميلها إلى الدقة وهيامها بالنظافة، وتفنّنها في ‏تنظيم كل شيء حتى ولو كان المكان ضيقاً.‏

وإذا كان بن نبي قد قرأ بالزاكBalzac ‎‏ في الماضي، فإنه الآن يرى بين عينيه شخصيات روايته. وكان ‏لذلك بالغ الأثر في نفسه لأن الشعور بالتمزق الذي أحدثه تأثره بالثقافتين (الشرقية والغربية) لمْ يزدَدْ ‏إلاّ حدّةً وضراوةً في مثل تلك اللحظات.‏

لقد علّموه في صباه أنه ينتمي إلى “خير أمة أُخْرِجَتْ للناس”(آل عمران الآية 110)، لكن ما عاشه منذ ‏مولده كان بعيداً جداًّ عن تلك الصورة. فلماذا كانت معظم البلدان الإسلامية تحت نير الاستعمار؟ وما ‏سبب تأخرها التقني والعلمي والاقتصادي؟ لماذا كانت مواقف المسلمين و سلوكاتهم وأفكارهم ‏مختلفة عما يراه هنا؟ وما هي الحضارة؟ وما السبيل إلى الخروج من الانحطاط؟

وبالإضافة إلى دراسته في مدرسة الميكانيك والكهرباء كان بن نبي يُتابع ضروباً أخرى من التكوين ‏‏(الكيمياء الصناعية، وكيمياء الألوان، والحياكة والنسيج…). وكان يسكن مع زوجته في غرفة صغيرة ‏تقع في ممرّ من ممرّات الدائرة “15” بباريس، ناحية باب فرساي‏‎ Porte de Versailles‏. كان يعمل ‏بجدٍّ كلَّ أيامِ الأسبوع، ويسهر الليالي، ولم يكن يخرج إلاّ يوم السبت إلى “الهقار”، وهو مقهى في الحي ‏اللاتيني، وصاحبه جزائريّ، أو إلى “اتحاد الطلبة المسلمين الشمال إفريقيين”. ومورده المالي الوحيد ‏هو المبلغ الزهيد الذي كان يُرسله له أبوه مِن منحته المتواضعة. ‏

نحن في مطلع سنة 1933، ولم تكن الأخبار الآتية من الجزائر سارّةً. فلقد أصدر والي الجزائر العاصمة ‏منشوراً وزاريا يتمّ بموجبه تكليف “مجلس استشاري” تحت رئاسة فرنسيّ غير مسلمٍ بإدارة شؤون ‏الديانة الإسلامية، ومنع العلماء من الدخول إلى المساجد. وكان مصالي الحاج يتحدث عن حق ‏الجزائريين في “الدفاع عن مساجدهم والأسلحة في أيديهم”. أمّا فرحات عباس فقد نشر مقالاً بنبرة ‏حادة (1). الشيخ الطيب العقبي من جهته يُحرر لائحة في ألف نسخة ويُرسلها بالكامل إلى بن نبي. ‏وعلى الفور قام بن نبي بتجميع الطلبة، ثُمّ حرّر بدوره رسالة مفتوحة وقّعها باسمهم وأرسل بها إلى ‏السلطات في فرنسا، وإلى المُنتخَبين، والمثقفين، وإلى كل مَن كان يُمثل جهةً نافذة في فرنسا.. ‏

إن هذه الرسالة التي يمكن اعتبارها أول نص كتبه بن نبي ووجهه إلى الجمهور منشورة في جريدة ‏‏”العلماء المسلمين الجزائريين” الناطقة بالفرنسية، المُسماة ” ‏La Défense‏”‏‎ ‎‏ التي كان يُديرها الأمين ‏العمودي (1891-1957)، وهو الأمين العام للجمعية، كما أنها منشورة باللغة العربية في جريدة لا ‏يتذكر بن نبي إلاّ اسم صاحبها، وهو عبابسة (1892-1953) (2). لكنه يتذكر أن بومنجل طلب منه ‏أن يلين من حدّة لهجة الرسالة. ولقد وُزِّع نص الشيخ الطيب العقبي في صناديق البريد، لكن بن نبي ‏أرسل إليه رسالة يطلب فيها من العلماء ألاّ يكتفوا بهذه الخطوة كردّ فعلٍ (3).‏

كان اسمُ أحمد مصالي الحاج يشقُّ طريقه نحو الشهرة في الأوساط العربية بباريس آنذاك. كان يرغب ‏في إعادة بعث “نجم شمال إفريقيا”، ولذلك عمل على الاتصال ب”اتحاد الطلبة المسلمين الشمال ‏إفريقيين”. وهكذا عُقِدَ لقاء في فندق “الهقار” بين مصالي ورجاف (1909-1989) وسي جيلاني ‏‏(1886-1956) وعمار عيماش (1895-1960) مِن جهة، ومالك بن نبي وبن سليمان وبن ميلاد من ‏جهة أخرى.‏

عَرض مصالي مشروعه على الطلبة، ثُمّ تمّ الاتفاق على تنظيم لقاء ثانٍ من أجل تسطير التدابير ‏الخاصة بانشاء ـ أو بالأحرى بعث ـ أول حزب سياسي وطني جزائريّ. وجرى اللقاء في حجرة يُقيم فيها ‏أحد العمال في شارع سان جاك (4)، وتقرر تنظيم تجمّعٍ وأمسية مسرحية – موسيقية كعلامة مُخلِّدة ‏لأول ظهور ب”نجم شمال إفريقيا” في ثوبها الجديد. ‏
كُلِّفَ بن نبي بكتابة نص المسرحية، على أن يقوم هو نفسه بتمثيلها رفقة بن ميلاد وأفراد آخرين. وقد ‏وقع اختياره على موضوع “الظّلم الاستعماري”. نُظِّمت الأمسية في قاعة كادي ‏Cadet‏ التابعة لمقر ‏الإقامة الماسونية ‏Le Grand Orient‏ (5). كانت القاعة تعُجّ بالجمهور الحاضر أثناء عرض ‏المسرحية، وممّن ظهر في الصفوف الأولى إمام مسجد باريس، وكانت زوجة بن نبي جالسة بجوار ‏زوجة مصالي الحاج التي كانت تبدو على ملامحها علامات الشرف والطيبة مع سحابة خفيفة من ‏الحزن. وكان كلّ ذلك مثار إعجاب بن نبي.‏

جرتْ أحداث المسرحية في مشهدٍ واحدٍ، وقُدِّمتْ كما كان اتُّفِقَ عليه، ثُمّ حان وقتُ الخطاب السياسي ‏الذي تداول عليه كلّ من سي جيلاني وعيماش ومصالي، حيث تمّ الإعلان عن ميلاد تلك التشكيلة ‏السياسية. وكانت تلك الليلة هي التي قال فيها مصالي مقولته الشهيرة: “ليس هناك شعوب متفوقة، ‏بل هناك رجال متفوقون” (6). واخْتُتِم اللقاء ببعض الأنشطة الترفيهية.‏

عندما بدأت الموسيقى والرقص انسحب بن نبي رفقة زوجته. وسُرعان ما بدأ يكره بعض الجوانب من ‏شخصية مصالي، ومن بينها ولاؤه للماسونيين والتروتسكيين، وحبّه لحياة البذخ. وبقدر ما كان ‏يستحسن خطابه التحرري المُضاد للاستعمار، كان يكره نزعته الشعبوية. ومع ذلك فقد أبقى على ‏علاقته بهذا الرجل، لكن في حدود ضيّقة. كان مِن أهداف هذا التشكيل السياسي الناشىء: استقلال ‏الجزائر التام، وانسحاب قوات الاحتلال بشكلٍ كُلّيّ، إنشاء جيش وطنيّ، تشكيل حكومة وطنية ثوريّة، ‏ومجلس تأسيسيّ عن طريق الاقتراع العام.‏

ألقي القبض على كلّ من مصالي الحاج وعمار عيماش وبلقاسم رجاف في شهر نوفمبر 1934، وحُكِمَ ‏عيهم بستة أشهر سجناً بتهمة “إعادة تأسيس رابطة منحلّة”. وسيقترح عليه بن نبي والإخوة بن ساعي ‏لاحقاً أن يفتح قاعة دروس مسائية لتمكينهم من إعطاء دروس في محو الأمية لفائدة العمال ‏الجزائريين على غرار ما هو معمول به في الجامعة الشعبية التي افتتحها الحزب الشيوعيّ الفرنسي ‏لفائدة البروليتاريين.‏

ويذكر بن نبي ذلك في مذكراته غير المنشورة قائلاً: “لكن واقع الحال أن الشيوعية مذهب يريد أن ‏يستغلّ الإنسان، فيُكوّنه ويزيد من حسن أدائه حتى يصير فعالاً. أمّا “الوطنية” التي شرعنا في تأسيسها ‏فهي مجرد تجربة شعورية لا توظف إلاّ الكلمة. وبما أننا لسنا بحاجة إلى الكلام جميعاً، فإننا نكتفي ‏بالاستماع والتصفيق لكبير الوطنيين الذي لا يُريد، على أية حال، أن يتقاسم امتيازه مع ثرثارين ‏آخرين” (7).‏

وفي تلك الأثناء دعا الماريشال هندنبرغ هتلر إلى الاستشارية الألمانية. و أنشتاين اختار الانتقال إلى ‏سويسرا. وفي الجزائر ظهر الدكتور بن جلول (1896-1986) وفرحات عباس والدكتور بومالي ‏والدكتور سعدان على رأس “فيدرالية المُنتخَبين بقسنطينة”. وبجانب النزعة الإصلاحية الهادئة، و ‏شعبوية مصالي الحاج، ظهرتْ طائفة من المثقفين أطلق عليهم بن نبي اسم المنحرفين فكرياًّ ‏‏(‏intellectomanes ‎‏). وبذلك تكتمل التشكيلة القيادية لما يُسميه البوليتيك (‏boulitique‏ ) في ‏الجزائر. ‏
كان بن نبي شديد الانتقاد تُجاه هذه الطائفة المنتمية إلى الحركة الوطنية التي يُمثلها جناح العمال من ‏جهة وجناح البورجوازيين من جهة ثانية، وبينهما جناح الإصلاح الذي يسعى إلى إيجاد توازن بين ‏الجناحين السابقين لِيميل في النهاية إلى طائفة “المُنتَخبين” حتى سنة 1939 على الأقل.‏

ومما كتبه بن نبي في مذكراته غير المنشورة: “وهكذا تبلورت الصورة التاريخية للحركة الوطنية ‏الجزائرية بجناح عُمّاليّ على استعداد للتحول إلى البورجوازية وللتقارب مع جزء من اليسار الفرنسي، ‏وجناح بورجوازيّ مستعدّ للإسفاف بالتعامل مع الاستعمار. أمّا حركة “الإصلاح” فكانت تُحاول أن ‏تشقّ طريقها بين هذين الجناحيْن، دون أن تشكّ في أنها ستُضطرّ يوماً إلى التبرّؤ الأخلاقيّ من الجناح ‏البورجوازي، وأنّها ستذهب هباءً منثوراً أمام الجناح العمالي”. ‏
‏ ‏
ويُضيف في فقرة لاحقة قائلاً: “لم أكن أجد عند المثقفين الجزائريين الضمانات اللازمة للدخول في ‏معترك السياسة ـ دون الإضرار بالخط الإصلاحي ـ ولا أستثني من ذلك إلاّ حمودة بن ساعي وأنا معه. ‏ذلك أني كُنتُ أعتقد أنه من الواجب تفادي إحداث أي اضطراب في حركة الإصلاح مهما كان الثمن… ‏ذلك أني كُنتُ دوماً مُقتنعاً باستحالة تأسيس نسقٍ سياسي دون تأسيس نسق أخلاقي قبل ذلك”. ‏

في الوقت الذي كان فيه حمودة بن ساعي مُبتعداً عن كلّ تلك الحركات لأنه يعتبرها أدوات تُحرّكها ‏الإدارة الاستعمارية، كان بن نبي مُرتبطاً بجمعية العلماء التي لا ينتمي إليها رسمياًّ، لكنه كان يدعم ‏أطروحتها بقوة، وهي تتمثل في: تجديد الإنسان، والتربية، وإصلاح أخلاق المجتمع…‏

فبن نبي كان يرى أنّ الجانب الحضاري ينبغي أن يسبق الجانب السياسي، وهذا ما لم يفهمه رجال ‏السياسة في الحركة الوطنية. ولم يكن يُساوم أحداً من الجانبين، لكن ذلك لم يمنعه من المشاركة في ‏كل المبادرات التي تنحو إلى معاداة الاستعمار في تلك الفترة. فالأمر يتعلق بسوء تفاهم بين ‏‏”الفيلسوف” و”السياسي” أكثر مما يتعلق بخصومة بين رجلٍ وتيارات سياسية مُحيطة به.‏

كان بن نبي في تلك السنة شديد الاهتمام بالفيلسوفين نيتشه ‏Nietzsche‏ وسبينوزا ‏Spinoza، إذ كان ‏مدار مناقشاته المُطوّلة مع حمودة بن ساعي حولهما. كان يقرأ كثيرا كعادته على الدوام، لكن تأثره بهما ‏كان أكبر من تأثره بغيرهما. وهو يُسجّل ذلك قائلاً: “كُنتُ شديد الاهتمام في تلك الفترة بأفكار نيتشه ‏ببروقها ورعودها، وبأفكار سبينوزا الصعبة والموحية”. وليس غريباً أن نجد عند بن نبي ذلك الاندفاع ‏النيتشي وتلك الدقة الفكرية السبينوزية في بعض أطروحاته.‏

وبطريقة اعتباطية راح بن نبي يذكر بعض الكتاب الذين قرأ لهم في تلك الفترة، وهم: داروين، أندري ‏جيد، طه حسين، جاك ماريتان، هنري ماسيس، وسيرة الملك ابن سعود (8)، وكذا بعض الكتاب في ‏الاختصاصات العلمية مثل (جورج كلود ودو بروقلي…). كان اهتمامه بالعربية السعودية يزداد باستمرار ‏لأنه كان يرى أن هناك “دورة حضارة” في طور الإعداد بهذا البلد.‏

قام رفقة زوجته بجمع كلّ ما يُكتب حول ذلك الملك وبلاده الحجاز التي بدأ ينجذب إليها كما انجذب ‏إلى تومبوكتو والريف المغربي والسودان وأستراليا أيام شبابه. كانت أذنه تُنصِتُ على الدوام لصوتٍ آتٍ ‏من بعيد لأنه كان يأمل أن يعيش بعد دراساته في بلد إسلاميّ. فوجوده في فرنسا لم يكن إلاّ من أجل ‏الدراسة، ولأن الجزائر ليس فيها مؤسسة تعليمية تُعادل ما هو موجود في فرنسا.‏

لكن، ماذا عساه يكون لولا هذه الغطسة في الحضارة الغربية التي تُعدّ فرنسا أحد ممثليها البارزين، ‏ليس بسياستها الاستعمارية، لكن بموروثها الروحي والتقني؟ كان شغفه بالعلوم والتقنيات يتزايد حتى ‏صار ضرْباً مِن النّهم. أحبّ علم الديناميكا الحرارية. أمضى عطلة عيد الفصح في مدينة درو حيث ‏أعجبته الوحدة والبساطة في نمط العيش الريفي. ‏

وما إنْ حلّ الصيف حتّى عاد إلى الجزائر متلهِّفا لرؤية والديْه اللّذيْن أدّيا فريضة الحج. نزل من الباخرة ‏في ميناء عنابة، وكان عليه أن يجد وسيلة نقل لمواصلة الطريق إلى تبسة. وقد لاحظ طيلة الرحلة بين ‏عنابة وتبسة أنّ حضور الاستعمار كان محصورا في المزارع الكبيرة التي تمتدّ من سهل عنابة إلى ‏بوشقوف. ثُمّ تبدأ ملكيات الجزائريين الأصليين بصخورها الصغيرة وأكواخها بسقوف القش، ‏وقطعانها الهزيلة المتكونة من الخِراف والماعز، وطرقها الوعرة. كانت الطريق تعجّ بشاحنات صغيرة ‏من طراز سيتروين في طرقٍ تمّ توسيعُها على حساب الحقول الزراعية‎. ‎وكان كعادته ينظر إلى الأشياء ‏من زاوية النظر السوسيولوجية، لكنه كان يُتْقِنُ التعبير عنها في عبارات جميلة. ‏

فقد وقع بصرُهُ على طبيعة متنوعة حسب المناطق وقال: “اختفى الغطاء النباتي بالتدريج. فبعد ‏السهول الخضراء بدأت الغابة بأشجار الزان والفلين التي تمتد إلى ما بعد سوق اهراس. وهي تنتهي ‏بشُجيرات سنوبر مُنكمشة ومتناثرة، لِتصير متفرّقة أشدّ التفرّق على مشارف سهل تبسة الموحِش. ‏وبداية من كليرفونتين يتغير المشهد كُلّيةً. فالخيمة بدأت تُزاحم الكوخ ثُمّ تأخذ مكانه، والبداوة ‏الموروثة بدأت تزحف على حساب مظاهر الحياة الفلاحية القاسية”. ‏

لكنّ بن نبي، كما نعرف، تهفو نفسه لرؤية الطبيعة العذراء: “لقد حافظتِ البداوة على شرف مقامها ‏رغم أنّ الوجود الاستعماريّ بأدرانه قد قلّص من مجالها شمالاً، وأنّ التصحّر بما يجره من أضرار ‏يُضايقها جنوباً. فالجمل لا يزال يسير الهوينى بجلال، مثله مثل البدوي نفسه، وهو بذلك يعطينا ‏انطباعاً بأنّ الحياة هنا حِكْرٌ للأشياء التي لا تُقيّمُ حسب حركة عقارب الساعة. فالناس في السهول ‏يجمعون محاصيلهم الضئيلة كأنهم يجتثونها اجتثاثاً مِن أرْضٍ جدباء. وهُمْ يعودون بعد ذلك إلى ‏معسكراتهم عند الغروب لتبدأ حكاياتهم التي لا تُنسى حول قبيلة أولاد سيدي يحي أو مُغامرات سيدي ‏علي بن الحفصي… كُنتُ دوما أشعرُ بفيضٍ شعريٍّ لطيف عندما أرى سهل تبسة بعد غياب طويل ‏كغيابي هذه المرة الأخيرة، خاصة في هذا الفصل بالذات. إنني أتفهّمُ ذلك السحر الذي كان يُصيبُ ‏إيزابيل إيبرهارت عندما تمُرّ على خيام البدو في الهضاب العليا المتناثرة بين شُجيرات الزعتر والحلفاء”.‏

عند وصوله إلى تبسة استُقبِل استقبالاً حاراًّ. ولم يكن يخرج من البيت، كعادته، إلاّ مساءً لِلِقاء ‏أصدقائه. كانت أياماً كُلُّها سعادة. راح يُقيِّمُ التطورات التي تحققت خلال سنة واحدة: فلقد شيّد أهل ‏تبسة مدارس أخرى ومساجد جديدة… وهو يرى في تلك المبادرات وفي ذلك الاتكال على النفس ما ‏يدلّ على أن المجتمع بدأ يتحرّك.‏

بلغتْ إلى مسامعه قصة ذلك الرجل المسمى “مختار”، وهو سكّير مُدمن على القمار ولعبة “راي- ‏راي”(‏‎ ray-ray، من العاب الحظ) على الخصوص، كما أنه لصّ مشهور. قيل أنه جاء في صباح يوم ‏من الأيام يُريد مقابلة المسؤولين عن بناء مدرسة ليتبرّع بمبلغ قدره 10.000 فرنك، وهو مبلغ يمثل ‏ثروة طائلة في ذلك الوقت. والمهمّ في قصته أنه منذ هذا التحوّل المفاجىء لم يعُد يشرب الخمر ولا ‏يلعب القمار، بل إنه صار مناضلاً نشطاً في حركة الإصلاح.‏

أمّا في البيت فكان يُضايق أمه ويطاردها على الدوام كي تحكي له قصة حجّها بكل التفاصيل، وتصف له ‏البقاع المقدّسة والمشاعر التي يجدها الحاجّ عندما يكون في ذلك المكان القريب من قبر الرسول ‏‏(ص). وعادة ما كانت الأم تحكي له في المساء حيث لا يبقى من الإنارة إلاّ ضوء باهت. كان يُنْصِتُ ‏بخشوعٍ تامّ وعيناه تسُحّانِ الدموع سحاًّ. كانت لحظات ساحرة تنفصل فيها روحه عن جسده وتذهب ‏بعيداً لتُحلّق في سماءِ مكّة والمدينة. كانت لحظات تتواصل فيها روح الأم والابن في عالم القداسة ‏والصفاء والعاطفة الدينية الفياضة. وعندما قدّمتْ له الهدايا التذكارية التي أتت بها له ولزوجته راح ‏يتساءل كيف عرفتْ أنه قد تزوّج ‏‎!‎‏ وهكذا قضى بن نبي ثلاثة أشهر متتابعة في تبسة في تلك الأجواء ‏البهيجة. ‏

لمّا ودّع أمّه عائداً إلى فرنسا لم يكن يعرف أنه لن يراها بعد تلك المرة. وقبل سفره تعرّف على الشيخ ‏البشير الإبراهيمي الذي كان ينوي إلقاء درس في المسجد. ولقد بدا له أن هذا الشيخ هو” أقلّ ‏‏”العلماء” تقليداً. لقد سحرني بفصاحته. و الأهم من هذا أني لاحظتُ طرافة تفكيره عندما يُعالج ‏مشكلة اجتماعية بطريقة لم أكن أعرف أن “عالِماً” يستطيع فعل ذلك… والحقّ أنّ كلامه هو الذي ‏عمّق جذور السلفية في كياني”. (يتبع)‏
المراجع:‏

‏1)‏ وممّا جاء في ذلك: “إنّ المساجد لله ويجب أن تبقى مفتوحة لكل واحدٍ مِنّا. والإسلام للمسلمين. وعلى أية حال، فهو ‏الشيء الوحيد الذي بقي لهم في الجزائر. وما دامت الولاية ‏La préfecture‏ لا تتدخل في شؤون الكنيسة ومعابد اليهود، ‏فلماذا تتدخل في شؤون المساجد؟ وما دُمنا قد مُنِعْنا مِن اختيار أئمتنا، فلم يبق لنا إلاّ أنْ نُغلق المساجد…”‏‎.‎‏ (“صوت ‏الأهالي” عدد 23 مارس 1933)‏

‏2)‏ الأرجح انّ الأمر يتعلّق بـ “المرصاد”، وهي أسبوعية تأسست سنة 1931 على يد بيار جوقلاري ‏Pierre ‎Juglaret‏ وأُسْنِدتْ إدارتُها لمحمد عبابسة. وسيتمّ غلق هذه الجريدة سنة 1934 بسبب عدائها للاستعمار. ‏ويقول حمودة بن ساعي في هذا الشأن: ” بيارمحمد الشريف جوقلاري (باريسيّ دخل إلى الإسلام ومتزوج ‏بجزائرية) ‏
عاش فقيراً في الجزائر العاصمة واشتغل ككاتب عموميّ، كان هو المُسيِّر المسؤول عن جريدة الدفاع (‏La Défense ‎‏) ‏التي كانت سببا في متابعته قضائياّ مثلما حدث للأمين العمودي. وقبل ذلك كان هو المسيّر المسؤول عن جريدة صوت ‏الشعب (‏La voix du peuple ‎‏)التي نُشِرتْ بين 1933 و1935، وفي أجواء بطولية، بفضل شاب ينبض حيوية، وذي ‏تكوين مزدوج اللغة، ، إنه صديقي المرحوم علي بن أحمد، وهو أحد أقارب مالك بن نبي. في فيفري 1933، وتبعاً لمنع ‏الشيخ الطيب العقبي من إلقاء درس في المسجد الكبير بالجزائر العاصمة، أقْدَمَ بشجاعة تامة، وبإيمان مَن كان حديث ‏العهد بالتديّن، على توزيع منشور شديد اللهجة ضد هذا المساس بحرية المسلم في دينه. ألْقي عليه القبض ثُمّ اختفى ‏نهائياً، مثلما جرى للأمين العمودي وكثيرين مثله. ذلك أن الاستعمار في روحه الانتقامية العمياء وحقده لم يتسامح ‏معه في أفكاره ولا في عقيدته، ولا في اختياره الزواج من (مسلمة تعيسة)، واختياره أن يُقاسم الأنديجان الأشقياء ‏حياتهم، وهو الفرنسي الذي يتمتع بكامل الحقوق (ارجع الى حمودة بن ساعي ” من أجل عقيدتي”، دار البعث، ‏قسنطينة 1984)‏
ويضيف حمودة بن ساعي قائلاً:” تعرّفتُ على جوقلاري لمدة قصيرة في قسنطينة أيام شبابي. كُنتُ أسعدُ بالاستماع إليه ‏‎! ‎‏ بل إني ‏تبادلتُ معه بعض المراسلات ‏‎!‎‏”‏

‏3)‏ اندلعت مُظاهرات احتجاجية وإضرابات في مختلف أرجاء الجزائر. وفي قسنطينة طلب كلّ من ابن باديس والدكتور بن ‏جلول إلغاء ذلك الإجراء خلال تجمّعٍ شارك فيه 10.000 شخص.‏

‏4)‏ لقد سجّل التاريخ أنّ إعادة تأسيس نجم شمال إفريقيا جرى في الجمعية التأسيسية التي عُقِدتْ في باريس بتاريخ 28 ‏ماي 1933 في هذا العنوان: 49، شارع بروتاني ‏‎49, rue de Bretagne‎‏ في باريس، والتي عُيِّن فيها مصالي رئيساً لها ‏ومديراً لجريدتها (الأمّة).‏

‏5)‏ يؤكد جي برفيي ‏Guy Pervillé‏ أنّ هذا اللقاء قد تمّ بالفعل، إذ يقول: ” في سنة 1933 تمكّن مصالي من الاتصال ‏بجمعية الطلبة المسلمين الشمال إفريقيين التي يرأسها محمد الفاسي. واحتفل يوم 4 جوان 1933 بميلاد (اتّحاد ‏المثقفين والعمال ) تلبية لدعوة الجمعية إلى مأدبة”.‏

‏6)‏ استعار مصالي هنا عبارة لجورج كليمانصو الذي كان يُعارض امتلاك المُستعمَرات، قالها أمام البرلمان الفرنسي: “الأمم ‏التي تُوصف بأنها كبيرة لا حقّ لها على الأمم التي تُوصف بأنها صغيرة. فلْنُقْلِعْ عن تمويه العنف تحت ستار اسم الحضارة ‏نفاقاً”.‏

‏7)‏ ويؤكد صالح بن ساعي في “ملاحظة عن حياة مالك بن نبي” هذه الحقيقة: “إن ظهور الجبهة الشعبية عام ‏‏1936 واستيلاء ليون بلومLéon Blum‏ والعنصر اليهودي والماسوني على السلطة تمنحنا جميعها مواضيع ‏للتفكير و التأمل. قررنا مع بن نبي وبعض الأصدقاء الوطنيين، الاعتناء بإخواننا العمال من خلال تنظيم ‏دروس مسائية ونوع من الجامعات الشعبية. مشروعنا الذي قدمناه لقادة “نجم شمال أفريقيا ‘المجيدة’ ” ، ‏و التي لها اتصال بالطبقة العاملة و يتوفر على المحلات، نسفه مصالي الحاج واتباعه الذين تصب اعمالهم ‏في خدمة المستعمر”‏

‏8)‏ على الارجح يتعلق الامر بكتاب ه.ك. ارمسترونغ ” سلطان الجزيرة العربية: ابن سعود”، باريس 1935‏

You may also like

Leave a Comment