Home حياة مالك بن نبي‏ حياة مالك بن نبي (7)

‏ حياة مالك بن نبي (7)

by admin

بقلم نورالدين بوكروح

ترجمة عبد الحميد بن حسان

استطاع بن نبي منذ حلوله بفرنسا، وبالتحديد منذ بدأ يتردد على “الاتحاد المسيحي للشبيبة” في شارع ‏تريفيز ‏Trévise، أن يتبيّن الشرخ الواسع بين “أصالة القِيَم” و”فاعلية الأعمال”، والذي يُميّز الوسط ‏الإسلاميّ. وأُتيح له بالمقابل أنْ يرى الانسجام في السلوك اليهودي مِنْ خلال أحد زملائه اليهود، واسمه ‏كارليك ‏‎(Karlik)‎، وهو يهودي من أصل روماني، إذ كان كثيراً ما يدعوه إلى بيته حيث كان يحظى ‏باستقبال جيد. كان بن نبي في تلك الأثناء يُفكر ويُقارن ويحكم.‏

لم يكن كباقي الشبان المسلمين الذين يُشاهدون نفس الظواهر في احتكاكهم بالحضارة الغربية دون أن ‏يستنتجوا شيئا. كان كثيرا ما يعود إلى نفسه ذهنياًّ ويتساءل عن الدلالة الحقيقية للنزعة الإصلاحية ‏التي كانت مُسيطرة على عقله إلى حدّ تلك المرحلة. وهو يوجه أصبع الاتهام قائلاً: “كُنتُ أوُدُّ تمديد ‏وقتي وذهني كي أستوعب كلّ علوم الغرب، وكُنتُ أوُدُّ تمديد نفسي كي أستوعب وأفهم الحياة الروحية ‏المسيحية وأوصِلها إلى إخوتي في الدين”.‏

كان بن نبي “إسلامياًّ” وَحْدَوِياًّ إلى حدٍّ ما عندما حلّ في باريس، إذ كان مُتعلّقاً بكل ما يجري على صعيد ‏الحركة الإسلامية على مستوى الفكر. وهذا ما جعله يُتابع ملحمة عبد العزيز بن سعود (1880-‏‏1953) في الصحافة الفرنسية. ولقد صارت الوهابية (وهي مذهب مُتشدِّدٌ مُتحكم في زمام الأمور في ‏السعودية) منذ 1912 هي إيديولوجية الدولة. وكان بن نبي يرى فيها تباشير النهضة الإسلامية.‏

وبمجيء عبد المجيد خالدي إلى باريس، وكان مِن معارف بن نبي في تبسة، فُسِحَ له المجال للتعرف على ‏الوسط الطلابي المغاربي الذي كانت له فيه صداقة مع بعض الوجوه التي ستنال الشهرة فيما بعد، ‏مثل حبيب ثامر، وصالح بن يوسف، وهادي نويرة، وهُمْ تونسيون، وأحمد بلفرج، ومحمد الفاسي، ‏وهُما مغربيان…‏

إنّ الإدارة الفرنسية التي كانت شديدة الانتباه إلى الحِراك الذي يُميّز المغاربة المُقيمين في فرنسا، لمْ ‏تكُنْ لتُغمِض عينها عن تلك المحاولات الأولى لتنظيم الصفوف عند نخب الشمال الإفريقي. و لذلك ‏فهي كانت تسعى إلى تأجيج نار الخلاف بين “الوحدويين” التونسيين والمغربيين، وبين “الانفصاليين” ‏الجزائريين. وكان لبن نبي موقف مُعارض للانفصاليين رفقة صديقه بن عبد الله، وهو طالب في ‏الحقوق.‏

كان رئيس بلدية باريس، السيد كولان ‏M. Collin‏ (1) يُتابع الحركة الإيديولوجية التي تؤجج ذلك ‏الوسط الطلابي المغاربي. لكن لويس ماسنيون ‏Louis Massignon، ذلك المستشرق المُعرّب ‏والأستاذ في الكوليج دوفرانس، و(مستشار الحكومة لشؤون الشمال الإفريقي) كان أكثر منه تتبُّعاً. ‏والتيار الواقعي (أي الانفصالي) الذي يقوده عمار نارون (1906-1988) (2) هو الذي كان يحظى ‏بدعم هذين الرجلين، على عكس التيار “الوحدوي”.‏

إنّ ما كان يُلاحظه في شباب الاتحاد المسيحي لم يكن يجده عند بني وطنه، فيتأسف لذلك بقوة، ‏ويقول: “شعرتُ بأني مختلف عن إخوتي في الدين منذ وجودي في باريس، ويشمل هذا الاختلاف حتى ‏الجانب الديني، إذ لم يكن إيماني تأمُّلياًّ، بل عملياًّ. صرتُ أمثِّلُ العقل البراغماتي العلمي الذي يُفاجىء ‏بواقعيته ودقته تلك العقول المتعودة على التقريب و غير الواقعية”. ‏

ومع أنّ طلبة الاتحاد المسيحي وطلبة “جمعية الطلبة المسلمين الشمال إفريقيين” (3) كانوا في ‏مستوى دراسيّ واحد فإنهم يختلفون في نمط الحياة النفسية وفي درجة النجاعة. يقول بن نبي في ‏ذلك: “الفئة الأولى طَلَبَتُها هم نتاج حضارةٍ وعِلْمٍ، أمّا الفئة الثانية فطلبتُها يتمتعون بنفس الرصيد ‏المعرفيّ، لكنهم نتاج الانحطاط. إنّ العلم هو كمٌّ من المعارف التي تقبل النقل إلى أيٍّ كان، أمّا السلوك ‏الحضاريّ فلا يقبل النقل بالمُحاكاة لأنه مطبوع في الذهن الباطن. فالتعليم الذي يُعطى في المدارس ‏والمؤسسات التعليمية العليا تسبقه تربية في الوسط العائلي ثُمّ يتمّ تعزيزه في الوسط الاجتماعيّ. ‏والحال أنّنا إذا كُنّا نعيش في مجتمع منحطّ لا نجد إلاّ معرفةً غير مؤكدة وغير مُعزّزة في الوسط ‏الاجتماعي الذي يُسيطر فيه الجهل والأفكار الميتة المتوارثة بالتقليد، مما يؤدي إلى إبطال مفعول ‏تلك المعرفة وتعقيمها”(م.ش.ق).‏
‏ ‏
وعملاً بنصيحة أحد أساتذته سجّل بن نبي نفسه في المدرسة المتخصصة في الميكانيك والكهرباء التي ‏كان يُديرها عالم اسمه سودريا ‏M. Sudria‏. وتلك هي الفترة التي وصل فيها حمودة بن ساعي إلى ‏باريس لمتابعة دراساته الفلسفية في السوربون. ‏

وسُرعان ما راح الصديقان يتبادلان الرأي حول تطور الأفكار في العالم الإسلاميّ. كانا مُتفقين في ‏الأساسيات، أي في ضرورة نهضة الإسلام ويقظة العالم الإسلاميّ. لكنهما لم يتفقا حول التيارات ‏السياسية التي ظهرت في شمال إفريقيا عموما وفي الجزائر خصوصا.‏
‏ ‏
كان بن نبي يناصر التيار الإصلاحي الذي يرى فيه إمكانية القيام بإصلاح نفسي واجتماعي قادر على ‏إيجاد نهضة حقيقية، ثُمّ صار وهابياًّ لمّا راح يُتابع حركة ابن سعود عن بُعد. أمّا حمودة بن ساعي فكان ‏في درجة عالية من التحفظ تُجاه هذا المذهب.‏

لكن صديقه، وباعتراف بن نبي نفسه، كان أعمق منه اطّلاعاً على تاريخ الإسلام وثقافته. فهو الذي ‏لَفَتَ انتباهه إلى بعض المظاهر التي ستُمثِّلُ أهمّ المواضيع التي عالجها في كتبِه، وذلك بما كان يُسْديهِ ‏له مِن شروحٍ ومُقاربات فيها كثير من التجديد.‏

يقول بن نبي ممْتناّ بتواضع: “كانت الروح الوهابية، في السنوات الأولى لانتشارها في مكة والمدينة، ‏تبدو لي كعجلة نجاة وإنقاذ للعالم الإسلاميّ. أمّا صديقي فلم يكن يُريد أن يُقاسمني هذا الإعجاب… ‏وستُثبِتُ لي الأيام، وبعد أن غرقت عجلة النجاة في البترول، أنه كان على حقّ. فلا بُدّ لي أن أعترف بأن ‏ذلك الرجل الحالِمَ كان أكثر مني حصافة في رأيه” (4).‏

وحدَثَ أنْ نُظِّمَ معرض استعماري سنة 1931 في فانسان ‏Vincennes‏ بمبادرة من الماريشال ليوتاي ‏Lyautey‏. وكان الزوار يأتون للإعجاب بـ “رسالة الاستعمار التمدينية”. وخلال زيارته للمعرض، مرّ بن ‏نبي على جناح يُشرف عليه الآباء البيض وهُمْ يُوزّعون كتابا تحت عنوان “رسائل جزائرية” ‏Lettres ‎algériennes ‎‏ بالمجان. كان ذلك الكتاب من تأليف مُحامٍ جزائريّ اسمه حسين لحمق، وكانت فيه ـ ‏حسب رأي بن نبي ـ “مُرافعة ضدّ الإسلام”. تذمّر بن نبي لذلك وبدأ في شنّ هجومٍ قويٍّ على ذلك ‏الكتاب في الحيّ اللاّتينيّ.‏

تزوّج بن نبي بتاريخ 5 سبتمبر سنة 1931 من فرنسية كانت قد أسلمت واختارت لنفسها اسم أولى ‏زوجات الرسول (ص)، خديجة. وقد تعرّف عليها في مكتبة سانت جونيفياف ‏Sainte-Geneviève‏ ‏التي لم تكن بعيدة عن الفندق الذي يقيم فيه. ويقول في ذلك: “وستكون هي زوجتي وصاحبتي، وإلى ‏حدٍّ ما مُعوِّضة أمّي بعد وفاتها”. وتمّ الزواج في حفلٍ دينيٍّ بحضور محمد الفاسي وحبيب ثامر، وفيه ‏أعلن بن نبي لصديقيه، وبنبرة كلّها جِدٌّ، أنّه أعطى زوجته صداقاً برُبع دينارٍ، وهو ما يُعادل أربعة ‏فرنكات في تلك السنة: “وكُنتُ بالفعل قد سلّمْتُ هذا المبلغ لزوجتي التي احتفظت بالقطع النقدية ‏الأربعة إلى يومنا”(1951).‏
‏ ‏
وشهِدَ مقرُّ “جمعية طلبة شمال إفريقيا” حضور وجوهٍ جديدة، ومن بينها وجوه جزائرية مثل ساحلي ‏‏(1906-1989)، وبومنجل (1906-1984) وكسوس (1903-1965). وقد ألقى هذا الأخيرا محاضرة ‏في يوم من الأيام، ودافع فيها عن أطروحات الواقعيين (أي الانفصاليين). فبادر بن نبي بترشيح نفسه ‏لإلقاء المحاضرة التي تليها. وكانت بتاريخ 20 ديسمبر 1931، وتحت عنوان: “لماذا نحن مسلمون ‏‏”‏‎ ‎‏(‏‎ Pourquoi nous sommes musulmans ‎‏.)‏

وفي المناقشة التي تلت تلك المحاضرة عاتبه كلٌّ مِن عمار نارون وأحمد كسوس وأحمد بومنجل بأنه ‏‏”يحِنّ إلى الماضي‎ ‎‏” (5). أمّا صالح بن يوسف الذي سيصير رجل دولة في تونس، فقد قام من مكانه ‏واحتضن مالك بن نبي ليُعبّر عن رضاه. ولم يُستَثْنَ محمد الفاسي، الذي سيصير وزيراً في المغرب، من ‏هذه الردود، فقد اشتاط غيظاً وأعلن أنّ بن نبي يأتي “على رأس مذهب وحدة شمال إفريقيا”. ‏

كان بن نبي على طاولة الغدَاء في مطعم “الاتحاد المسيحي” عندما جاءه مفتش الشرطة المختصة بـ ‏‏”القضايا المغاربية”، وبعد تقديم وثائقه طرح عليه مجموعة من الأسئلة التي مِن بينها: “ممَّ ‏تعيش؟”. أجاب بن نبي بقوله “أبي”.‏

وبعد ذلك ببضعة أيامٍ أخبره حمودة بن ساعي بأنه استلم من بومنجل رسالة مفادها أنّ ماسنيون ‏يرغب في لقائه. لمْ تُعجبْه الدعوة بهذه الطريقة، ورأى أنّ فيها كثيراً من الغطرسة، فرفض الاستجابة ‏لها. لقد كان في أعلى درجات النشوة بعد نجاح محاضرته التي ألقاها منذ أسبوع، خاصة وأن الزملاء ‏بدؤوا يقترحون عليه تولي منصب نائب رئيس”جمعية طلبة شمال إفريقيا”، لكنه تنازل عن ذلك ‏لصالح صديقه حمودة بن ساعي.‏

وبعد ذلك بأيامٍ تلقّى رسالة من أبيه يطلب منه فيها أنْ يتوسط له عند شخصية مرموقة في باريس ‏قصد إعفائه مِن النقل إلى بلدية من البلديات المختلطة (6) في الأوراس. كان اسم تلك الشخصية، ‏حسب ما استفاده أبوه من السيد باتيستيني ‏Batistini، وهو موظف فرنسي في تبسة (7)، هو ‏نفسُه… لويس ماسينيون. ذلك أنّ باتستيني كان طالباً عند ماسينيون قبل ذلك بعامين أو ثلاثة. وهو ‏الذي قال يوما للعربي التبسي: “نحن نريد أن ندفن القرآن وأنتم، هل تريدون أنْ تُحْيُوه؟”.‏

فَهِمَ بن نبي الرسالة، ورغبة منه في الحفاظ على منصب أبيه كـ “خوجة” في تبسة منذ عشرين سنة ‏اضطُرّ للاتصال هاتفياًّ لأخذ موعدٍ مع هذه الشخصية الشهيرة، وهو “المختص الحكوميّ في الشؤون ‏الإسلامية”. حظي بن نبي بالاستقبال في مقر إقامة ماسنيون في شارع مسيو ‏Monsieur‏. وبمجرد أن ‏جلس في مكانه طلب منه ماسنيون ما إذا كان بالإمكان أن يحضر معهما حسين لحمق. عند سماع هذا ‏الاسم شعر بن نبي بامتعاض شديد وعبّر عن رفضه لرؤية هذا الوجه، وأنه لا يجد لذلك أيّ مبرر.‏

وسيعترف مالك بن نبي في وقت لاحقٍ بهذا “الخطإ السياسي” وبعدم احترامه لآداب اللياقة: ” كُنتُ ‏نموذجاً مُعقّداً للتواضع الصادق والأنَفَةِ البريئة”. ولم يبدُ على ماسنيون أيُّ اضطراب، بل راح يستمع ‏إلى زائره وهو يعرض عليه سبب زيارته دون أن يقول شيئا، ثُمّ رافقه إلى عتبة الباب عند نهاية الزيارة ‏‏(8). وحصيلة كلّ هذا أن والده بقي بطّالاً إلى يوم وفاته. و أدرك صاحبُنا على الفور أنّ كلّ الأبواب ‏ستُوصدُ في وجهه بلا شفقة إنْ في فرنسا أو في الجزائر على السواء.‏

كان الشرخ الأخلاقي، الذهني والفكري الذي يلاحظه بين الشبان المسيحيين والطلبة المسلمين هو ‏الهاجس الذي يهيمن على تأملاته الداخلية. فلقد أتيح له أن يكتشف العِلْمَ الغربيّ في الحيّ اللاتيني، كما ‏أتيح له أن يكتشف الذات المسيحية في “الاتحاد المسيحيّ”، ويقول في ذلك: “وكُنتُ مُضطراًّ ‏للاعتراف بتأخر المجتمع الإسلاميّ في كِلاَ الجانبيْن”.‏

أسس بن نبي رفقة أحد أصدقائه الفرنسيين هيئة تحت اسم “الودادية الفرنسية الشمال إفريقية ‏‏”‏Amicale franco-nord-africaine ‎، وكان هو رئيسها. أما الهدف منها فهو التقريب بين الشبيبة ‏والثقافة في كلا الطرفين. وممّا جاء في مذكراته غير المنشورة: “لقد انفتح وعيي على عيوب العالم ‏الإسلامي بعد الموحّدين لأنني كُنتُ أحسّ بأني أؤدي دور المبعوث الوسيط بين جنسين بشريين، وبين ‏ذهنيتين، وبين شبيبتين مختلفتين”. وكُتِبَ لتلك الودادية أن تقوم ببعض الأنشطة ذات الطابع ‏المُعادي للاستعمار، ثُمّ سرعان ما تلاشت.‏

كان يُنْظَرُ إلى بن نبي في “الاتحاد المسيحيّ” بوصفه “مبعوثاً مُسلِماً”، وفي الحيّ اللاّتيني كان يُنظَرُ إليه ‏بوصفه “مناضلاً إسلامياًّ وحدوياًّ”. لكن الأقدار شاءت أن يلتقي بأحد طلبة الدكتوراه السوريين، وهو ‏مِن أقارب عَلَمٍ كبير من أعلام الوحدة الإسلامية هو شكيب أرسلان (1869-1946). كان ذلك الطالب ‏يُسمى فريد زين الدين، وهو من مؤسسي “جمعية الوحدة العربية” (9) رفقة مصريّ من الأقباط. ‏انضم بن نبي إلى هذه الجمعية التي ستنهار بعد ذهاب زين الدين. وبديهيّ أن الشرطة في شارع لوكونت ‏‏(‏rue Lecomte‏) لم تكن غافلة عمّا يقوم به من أنشطة.‏

وبحلول العطلة الصيفية عاد رفقة زوجته على متن سفينة إلى الجزائر العاصمة التي يراها لثاني مرة: ‏‏”لقد سُررتُ بمجيئي رفقة زوجتي في تلك المرة”. ولم يكن والداه على علمٍ بأنه قد تزوّج، ولذلك اضطُرّ ‏أن يطلب من الطيب العقبي أن يجد له عائلة في الجزائر العاصمة ليترك فيها زوجته بينما سيُواصل ‏الطريق هو إلى تبسة. ‏

كان والداه قد غيّرا مكان إقامتهما في تبسة إلى هذا العنوان: 18، شارع النبي ‏‎(18, rue du ‎Prophète )‎‏ في أحد أحياء المدينة. لم يتغيّر في ديكور المدينة شيء يُذكر، لكنه شعر أنها صارت أكثر ‏حيوية وأكثر جمالاً ونشاطاً. وواضح من ذلك أنها سارت وراء حركة الإصلاح. ‏

وراح بن نبي يُسجِّلُ كلّ التطورات التي حدثت في مظاهر التضامن بالمعنى الجماعي، وفي القيم ‏الأخلاقية، وفي كلّ ما يبدو له مِن عناصر التحضّر. كانت نظرته متفائلة رغم انشغاله بمستقبل عائلته ‏لكون أبيه بطالاً. قضى لحظات ينشرح لها الصدر مع أمه المُعوّقة، لينطلقا إلى تونس حيث قضيا ستة ‏أسابيع في عطلة استحمام بالمياه المعدنية الساخنة. ‏

أمّا حمودة بن ساعي فكان في الجزائر العاصمة آنذاك حيث ألقى محاضرة في نادي الترقي حول ‏‏”السياسة والقرآن” (10). (يتبع)‏

المراجع:‏
‏1)‏ يتعلق الأمر بـ بيار جودان ‏Pierre Godin، وهو رئيس مجلس باريس التي لم تكُن بلديةً آنذاك.‏

‏2)‏ وسيَتَنَصّر بعد وقتٍ وجيز. وهذا ما لمْ يُشِرْ إليه بن نبي.‏

‏3)‏ أُسّستْ في باريس سنة 1927، وكانت امتداداً لتلك التي أُنشِئَتْ في الجزائر العاصمة سنة 1919، والتي ترأسها ‏فرحات عباس (1899-1985) مِن 1927 إلى 1931. وحسب ما يُستفادُ من س.ر. آجرون ‏C.R.Ageron‏ ‏فإنّ جمعية الطلبة الشمال إفريقيين ‏AEMNA‏ قد أُنشِئت باقتراح من نجم شمال إفريقيا على يد “الشيوعي ‏التونسي بن ميلاد سنة 1927 ‏‎(cf. « Actes du Colloque », op. cité‎‏” فعاليات الملتقى”المذكور انفا ‏‎)‎‏ . ‏أمّا جي برفيي ‏Guy Pervillé‏ فيذكر من جهته أنه في حدود سنة 1930 كان يوجد حوالى مائة (100) طالب ‏مسلم في الجزائر، وثلاثين (30) في باريس: “راحوا يُنظمون أنفسهم في جمعيات طُلابية للمسلمين الشمال ‏إفريقيين اقتداءً بزملائهم الفرنسيين. كان ذلك في الجزائر سنة 1919 ثُمّ في باريس سنة 1927… وكانت تلك ‏الجمعيات تسعى إلى توسيع حقل نشاطها ليشمل المجال السياسي… ثارت شكوك السلطات الفرنسية حول ‏اتحاد الطلبة الشمال إفريقيين الذي اعتبرته كفرع لنجم شمال إفريقيا وللحزب الشيوعي “الذي يُفترض أنّ ‏كاتبين عامين من الاتحاد كانا ينتميان إليه، وهما التونسي أحمد بن ميلاد والجزائري أحمد كسوس”. في فيفري ‏‏1930 صوّتت الجمعية العامة التي ترأسها المغربي أحمد بلفرج على لائحة إقصاء الطلبة الذين تجنسوا ‏بالجنسية الفرنسية، وذلك بناء على تعاليم الإسلام. وبعد ذلك بقليل، أي في ماي 1930 شارك الاتحاد في ‏الاحتجاجات ضد “مؤتمر قرطاج المسيحي ‏Congrès eucharistique de Carthage ‎‏”، ثُمّ ضدّ الظهير ‏البربري، مُعلناً بوضوح عن التزامه الوطني والديني على السواء”(ارجع الى : ” حركة الطلبة الجزائريين في ‏الجزائر العاصمة و باريس من 1919 الى 1939″ في ” فعاليات الملتقى”)‏‎.‎

‏4)‏ يُضيف بن نبي في مذكراته غير المنشورة بهذا الشأن : “وعلى كل حالٍ فقد كان في أعلى درجات الاستقامة ‏والتورّع، وهو أستاذي في فلسفة الإسلام… وفعلاً فقد عرّفني بروح القرآن أحسن مما يمكن أن يفعله أستاذ ‏أزهريّ. كان نزوعه إلى القيمة الأخلاقية بمثابة مصباح أنار لي الطريق أكثر من مرة. وأنا الآن أجد أنّ الأفكار ‏التي لم يتسنّ لها أنْ تنضج وأن تُقطَف عنده قد انتقلتْ إليّ لِيتمّ لها ذلك. كان هو الذي يأتي بالأفكار في ‏الغالب عندما نُناقش بعض المشاكل، وكُنتُ أنا أقوم بتنظيمها وإعطائها معنى مذهبياًّ… إنه صديقي الذي ‏مكّنني مِن اكتشاف معركة صِفّين التي سأعْطيها لاحقاً ذلك المعنى الشامل في سياق الحضارة الإسلامية”.‏

‏5)‏ إنّ برفيي ‏Pervillé‏ يؤكّد على أنّ هناك صراعاً إيديولوجياًّ جاريا في تلك الجمعية التي أنجبت عدة زعماء ‏مغاربة، وذلك في قوله: ” إنّ معظم الطلبة الجزائريين (باستثناء ثمانية منهم، على ما يبدو) قاموا بحركة ‏انفصالية من أجل تأسيس جمعية الطلبة المسلمين الجزائريين في فرنسا وفتح أبوابها لكل الطلبة الآتين من ‏أصول الأنديجان. وظهرت هذه الجمعية في بداياتها بنزعة إدماجية بحتة، إذ كان رئيسها الأول هو الحاكم العام ‏الأسبق موريس فيولات ‏Maurice Viollette‏ … وهكذا فإنّ الطلبة الجزائريين المتواجدين في باريس في ‏حدود سنة 1930 كان يبدو عليهم أنهم بعيدون عن النزعة الوطنية المغاربية التي ينتمي إليها اتحاد الطلبة ‏الشمال إفريقيين… والحقيقة أنّ الانفصال الذي حدث سنة 1930 لم يكن كاملاً. فقد شارك عدة طلبة ‏جزائريين كأعضاء في مكاتب الاتحاد الشمال إفريقي كلّها مِن سنة 1930 إلى سنة 1936″. ويؤكد هذا المؤرخ ‏الفرنسي كل النقاط التي ذكرها بن نبي في مذكراته وفي بعض كتاباته الأخرى مثل المقال الذي يُذكِّرُ فيه ‏بالصراعات التي دارت بين الجزائريين داخل الاتحاد الشمال إفريقيّ، والذي يقول فيه: «كُنتُ في باريس أُمثِّل ‏ذلك الفرد المعزول الذي لا يزال يرفع راية الإصلاح التي كانت تبدو غريبة آنذاك، مُتحدّياً كل الصِّعاب. وبلغ ‏الأمر ذروته عندما أثرتُ ضجة كبرى سنة 1932 لأنني اقترحْتُ اسم الشيخ الجليل ابن باديس ليكون رئيساً ‏شرفياًّ لتلك الجمعية”. وكان فيولات هو الذي فاز بالرئاسة. ويضيف بن نبي قائلاً: «كان الطلبة هم أول مَن ‏عارض اقتراحي بشدة. ومِن بينهم مَنْ يوجد اليوم على رأس الحركة الوطنية لأنها صارت نشاطاً مُرْبِحاً، بينما ‏كانت نشاطاً خطيرا منذ ربع قرن”. (ارجع الى:”ميلاد المؤتمر الجزائري للعمل” الجمهورية الجزائرية عدد 15 ‏جانفي 1954)‏

‏6)‏ كان في الجزائر أيام الاستعمار نوعان من البلديات: البلديات ذات المهام الكاملة، أغلب سكانها فرنسيون من ‏الدرجة الأولى، وهي تشتغل بنفس المنوال الذي تشتغل به البلديات في فرنسا، والبلديات المختلطة، ‏وسكانها مزيج من الأوروبيين والجزائريين، وهي تُسيّرُ على أيدي مُتصرفين إداريين تُعيّنهم السلطة الاستعمارية.‏

‏7)‏ الصورة الإملائية الصحيحة لهذا الاسم هي : ‏Battestini

‏8)‏ أشار بن نبي إلى هذا اللقاء في الجزء الثاني من مذكراته، لكنه لم يُشِرْ إليه في المذكرات غير المنشورة التي ‏يصف فيها بن نبي المناسبتين اللتين أتيح له فيهما أن يلتقي بلويس ماسنيون في مطلع سنة 1932: فالأولى ‏كانت بمناسبة محاضرة ألقاها ماسنيون في أحد المعابد البروتستانتية التي نُظِّمَ فيها “يومٌ للإسلام”، والثانية ‏كانت في مقر الاتحاد الطُّلاّبي، إذ جاء هذا المستشرق مُحاضراً تلبية لدعوة الاتحاد.‏

‏9)‏ خلال نفس الفترة، أي بين 1929 و1934، أسس ميشال عفلق وصلاح الدين بيتار، وهما سوريان، جمعية ‏الطلبة العرب. فهل هي نفس الجمعية؟ أم أنها جمعية أخرى؟

‏10)‏ لقد أُلْقيَتْ هذه المحاضرة للمرة الأولى، حسب شهادة حمودة بن ساعي نفسه في رسالة أرسل بها إلى عبد ‏الوهاب حمودة بتاريخ 4 سبتمبر 1980، في مقر “الطلبة المسلمين الشمال إفريقيين” بباريس في ديسمبر ‏‏1931 نزولاً عند طلب المرحوم صالح بن يوسف. ومما جاء في الرسالة: “هو الذي اقترحني لمنصب نيابة ‏رئاسة جمعيتنا (وليس مالك بن نبي) … أهديتُ نسخة من المحاضرة للبروفيسور لويس ماسنيون ـ وكم كُنتُ ‏ساذجاً في ذلك! بتاريخ 03 جويلية 1932. وبتاريخ 28 أوت 1932 كان يُفترض أن ألقي محاضرة بالفرنسية ‏بمناسبة اختتام المؤتمر الثاني للطلبة المسلمين، وعنوانها (مِن أجل نزعة إنسانية حقيقية). لكن رفيقي بن ‏عبد الله، وهو طالب في الحقوق، جاء ليُخبرني في الدقيقة الأخيرة بأن مُسيّري نادي الترقّي كانوا يريدون ‏محاضرة باللغة العربية، وراح يُذكّرني بمحاضرتي التي عنوانها (القرآن والسياسة). فهمْتُ أنّ في الأمر مناورة ‏خفية، فباريس مُسيطرة على الجزائر، وشعرتُ بخفقان في قلبي. ومع ذلك فلقد رفعتُ التحدّي. وكانت ‏النتيجة: قُرابة نصف قرن من المُعاناة. وسيقول بن نبي عن ذلك سنة 1948: “كان اغتيالاً حقيقياًّ”. ولقد ‏ذكر محاضرتي في كتابه “مذكرات شاهد على القرن ـ الطالب) في جزئه الثاني الذي ظهر في نسخته العربية ‏وحدها!”.‏
وبالإضافة إلى ذلك فإن حمودة بن ساعي قد احتفظ بقصاصة من جريدة تُشير إلى محاضرته (جريدة ‏La presse ‎libre ‎‏ الصادرة بتاريخ 3 سبتمبر 1932 مُوقعة تحت اسم آيت أحمد الميلي)، ومما جاء فيها: ” بمناسبة اختتام مؤتمر ‏الاتحاد الطلابي للطلبة المسلمين الشمال إفريقيين ألقى صديقنا محمد بن ساعي، نائب رئيس جمعية الطلبة المسلمين ‏الشمال إفريقيين بفرنسا والودادية الفرنسية الشمال إفريقية بباريس، والذي قدِمَ إلى باريس مؤخراً من أجل متابعة ‏دراساته، محاضرة تحت عنوان ( الإسلام والسياسة). ورغم كونه شاباًّ فلقد تمكّن المُحاضر من معالجة هذا الموضوع ‏الشاسع والمعقد باقتدار وبعمق منقطعيْ النظير… ولقد ردّ الجمهور الحاضر الذي أعجبته كلمات المُحاضر الأصيلة ‏والمؤثرة بتصفيقات متواصلة… إنها مُجرّد بداية، ولا شك أن المستقبل سيُرينا في هذا المُحاضر الشاب رجلاً نخبوياًّ ‏قادراً على تشريف الفكر الإسلامي”.‏

You may also like

Leave a Comment