Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (6)‏

حياة مالك بن نبي (6)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

ما هي العناصر المُهِمّة التي يجب الوقوف عندها ملِياًّ في هذا القسم الأول من حياة مالك بن نبي، والتي ‏تمتدّ مِن سنة 1905 إلى سنة 1930؟ إنه يبدو لنا شابّاً مِن عائلة شريفة رغم ظروفها المادية ‏المتواضعة، إنْ لم نقُل الصعبة. وُلِدَ في مدينة من المدن الداخلية، إذ لم تكن قسنطينة في تلك الفترة ‏إلاّ واحدة منها في بداية القرن العشرين، ثُمّ نشأ بينها وبين مدينة تبسة وتلقّى تعليماً مُخصّصا للأهالي ‏‏(الأنديجان)، ممّا هيّأه لتولّي وظيفة مُلحقة بالعدالة المختصة بشؤون الأهالي.‏

وممّا يمكن أن يُلاحظ في سيرته الذاتية أنّ أباه “سعد” المُلقّب بـ “عمر” لم يكُنْ حاضراً بقوّة، على ‏عكس أمّه “زهيرة” المولودة “حواس”، التي كانت امرأةً ذات شخصية قوية، وهي التي كانت تُسيِّرُ ‏شؤون الأسرة رغم عاهتها. فهي حاضرة في كل ثنايا تلك السيرة الذاتية. ‏

لقد كان فضوله الفطريّ ومُلاحظاته والاستنتاجات التي وصل إليها من مُقارناته بين المجتمع ‏الاستعماري والمجتمع المُستعمَر، وكذا التّمييز الذي سُلِّطَ عليه كما سُلِّط على بني جلدته، كل ذلك ‏كان من العوامل الخفية التي دفعته إلى البحث عن تفسير لتلك الحالة. كان يبحث عن ذلك في حياة ‏الناس اليومية، وفي المناقشات، وكذا في الكتب التي يقرؤها. ‏

لقد استيقظ وعيُه في هذه المرحلة عندما رأى الاستعمار في شكل وضْعٍ اجتماعي مُنظّمٍ، وعندما رأى ‏ظاهرة الانحطاط بمختلف صور النظام التقليدي المُستسلم والمُشتت المُحيط به. كانت تتراءى له ‏الفاعلية من جهة، والاستسلام من الجهة المُقابلة. ولمّا راح يُقارن بين المجتمعات الثلاثة (العربية ‏والفرنسية واليهودية) قاده ذلك إلى التفكير في العوامل المُحدِّدة للسلوكيات الاجتماعية التي تُظهِرُ ‏البعض في صورة مجتمع حي ونشيط، وتُظهِرُ البعض الآخر في صورة مجتمع مُحْبَط تنعدم فيه ‏الوحدة وتسود فيه “الأفكار الميّتة”‏‎.‎

ولولا تلك التساؤلات وذلك البحث لكان شأن مالك بن نبي كشأن تلك النخبة القليلة الخارجة من ‏المدارس الفرنسية بشهادات علمية تهيِّئها لشغل مناصب مُعيّنة والمرور على مسار تُسطره الإدارة ‏الاستعمارية. لقد تلقى بن نبي، بل اكتسب ثقافة تؤهِّلُهُ لاحتلال مكانه بين صفوف ما كان يُسمى بـ ‏‏”فدرالية المنتخبين الأنديجان الجزائريين” التي تأسست في الجزائر العاصمة سنة 1927، أو بين ‏أعضاء الحركة الإصلاحية التي كان يقودها ابن باديس والطيب العقبي والعربي التبسي والإبراهيمي ‏‏(1889-1965) وآخرون، والتي ستتخذ اسم “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” سنة 1931.‏

ومع ذلك فإنّ بن نبي لم ينجذب إلى التيار الأول لأنه متكوّن من “الإدماجيين” المستسلمين للثقافة ‏الغربية، كما أنه لم يجد ما يكفيه مِن التفاهم مع أعضاء التيار الثاني كي ينضم إليهم. وعلى أية حال ‏فملمحُه العام لم يكن مناسباً لذلك التيار لأنه من الصعب تصوّر بن نبي كـ “عالم” من العلماء بالصورة ‏المألوفة. وكان ينتابُهُ إحساس واهي بأن الأوائل يمارسون “البوليتيك”، بينما انبرى الآخرون لضربٍ من ‏النضال الاجتماعي الذي لا غاية له. ورغم هذا فإن بن نبي كان يتفادى وضع التيارين في زمرة واحدة.‏

لقد كان يجد عند العلماء تلك الأصالة التي افتقدها الإدماجيون. ومما كتبه حول العلماء في كتاب ‏‏”شروط النهضة”: “إنّ العلماء، رغم النقائص التي لم يَسْلَمُوا منها، ورغم ذلك الاندفاع الفكري الذي ‏وقعوا فيه، كانوا رواداً للنهضة الإسلامية الحقيقية، وهم يُمثِّلون طاقتَها الحية التي لا تنضب”. إلاّ أنّ ‏ذلك لم يمنعه من انتقادهم بشدة كما سيتّضح لنا.‏

وبعدَ هذا العرض الموجز لسيرة بن نبي في مرحلتها الأولى، يتراءى لنا التوجهُ الفكري العام عنده، أو ‏المصادر التي استلهم منها فكره على الأقل. فهو منذ البدء يبدو لنا في ملتقى الطرق بين الفكر الإسلاميّ ‏والفكر الغربي، وهذا ما تسبّب في نبذه مِن كلتا الكُتلتين.‏

فالإصلاحيون الذين يمكن اعتبارهم عاملاً حاسماً في يقظته هم بلا شك محمد عبده والكواكبي وأحمد ‏رضا وابن خلدون وجبران خليل جبران. ومِن بين هؤلاء مَنْ كان مصدراً استلهم منه توجّهه الفكريّ ‏‏(نقصد ابن خلدون والكواكبي)، ومِن بينهم مَن أثّر في توجهه الوجداني وفي أسلوبه (نقصد جبران خليل ‏جبران). أمّا الغربيون، فمِن بينهم مَن أيقظ إحساسه وعواطفه (مثل لوتي وفارير وهيجو ولامارتين)، ‏ومِن بينهم مَنْ يَدِين لهم بأثرهم فيه عندما سينكب على دراسة مشكلة الأفكار مثل جون ديوي‎ ‎‏(‏John ‎Dewey‏) وكاندياك‎ Condillac)‎‏).‏

وبالإضافة إلى هؤلاء الأعلام ينبغي ألاّ ننسى طاغور ‏‎(Tagore)‎‏ والأفق الذي فتحه له، والذي سينكبّ ‏بن نبي على تعميقه لاحقاً بفضل احتكاكه بغاندي واهتمامه برسالة “ساتياغراها‎)‎‏”‏‎(Satyagraha‎‏. ‏ومهما يكن، فإنّ الهندوسية كانت في مركز اهتماماته، وهذا ما دفع به إلى البحث عن القواسم ‏المشتركة بين أقدم الديانات، وهي الهندوسية، وأحدثها، وهي الإسلام، وذلك في إطار النظرية التي ‏اقترحها حول “النزعة الأفروآسيوية”( ‏L’afro-asiatisme ‎‏).‏

لمْ يُشِرْ بن نبي في سيرته الذاتية ولا في كُتبه إلى مواضع تأثره بأيِّ كان، كما أنه لم يذكرْ ما قرأه لغيره. ‏لكننا إذا كُنّا نعرف أعمال الكُتاب الذين ذكرهم أمْكَنَ لنا أن نتبيّن ذلك التأثير وأنْ نرسم تطور إنجازه ‏الفكري بشيءٍ من الدقة. أمّا ما هو مِن إنتاجه هو، وما لا نجده عند غيره من المسلمين في القرن 20، ‏فهو ذلك الدمج وذلك الانسجام والاتساق الذي نجح في تحقيقه بين النفس الإسلامية والعقل ‏الغربي.‏

وفي آخر هذه المرحلة كان بن نبي في الخامسة والعشرين من عمره، وكان على وعيٍ تامٍّ بهويته، ويُصرح ‏بذلك في مذكراته قائلاً: “كان باستطاعتي منذ تلك الفترة أن أعتبر نفسي ثورياًّ من الناحية السياسية ‏ومُحافظاً من الناحية النفسية… ومع ذلك فإنّ وصفي بأني كنت ثورياًّ محافظاً لا يفي بالصورة ‏الحقيقية لكياني. فالمسألة أكثر تعقيداً. أنا مُرهف الإحساس تُجاه الحدث. أتلقى صدمته بالكامل ‏وبفيضٍ عاطفي يمكن أن أذرف فيه دموعي الحزينة حتى ولو كان الحدث كفيلاً بإسعادي”.‏

أمّا على الصعيد الاجتماعي فأفكاره “يسارية” لأنه كان طيلة حياته متعاطفا مع بني جلدته الفقراء، فلقد ‏ذاق لفح النار التي يكتوون بها. ولا تكاد تخلو كتاباته من فقرة حول الجزائريّ البطّال الذي ينام خاوي ‏البطن، أو حول الأرملة في شقوتها، أو اليتيم الذي يرتعش من البرد في الشارع…‏

في الصعيد الفكري يمكن اعتبار أفكاره أفكاراً مُحافظة، كما يصرّح هو بذلك. لكن ما حدود هذه النزعة ‏المُحافظة عنده؟ إنه يؤمن بالله، وهذا واضح، وهو مسلم مُطبق للشعائر، وهذا مفروغ منه، وهو ‏يؤمن بقوة الأفكار ويرى أن الأفكار هي التي تقود العالم، وهذا أمرٌ بيّنٌ. لكن فكره سيكون في مجمله ‏مُراجعة مُعمّقة لما يُسمّى بـ “الثقافة الإسلامية”، وهذا ما لم يكن يقبل فيه بأية مُساومة.‏

انْتَابَتْهُ الرغبةُ في الكتابة، خاصة وأنه كان قد اختار عنوان الكتاب الذي استهواه حيناً من الوقت. ‏ونحن نعرف كذلك أنه ألّف بعض القصائد الشعرية بالفرنسية بين 1925 و1930، لكننا لا نملك أي ‏أثرٍ لها (1). أمّا في عقله الباطن فلم يَعْقَدْ نيته على الكتابة بعدُ. لم يكن يعرف ماذا سيكون شأنُه، ولا ‏ماذا سيفعل. ومهما يكُنْ فإنّ المُكوِّنات القاعدية التي ستُوجِّه فكره وستحدد مواقفه كانت موجودة في ‏ذاته خلال تلك الفترة. ومِنْ نبوءاته أنّ القرن العشرين سيكون “قرن المرأة واليهود و الدولار” ‏‏(م.ش.ق).‏

وخَمْسَ سنوات بعد فشل محاولته الأولى للإقامة بفرنسا بسبب عدم التحضير، ها هو ذا يعقد العزم ‏على مُغادرة الفضاء الاستعماري. كان إصراره على قراره بقدر إصرار جوليان سورال (‏Julien Sorel‏) ‏‏(2) لكن الدافع لم يكن واحداً: فالأول كان يسعى إلى كسب الثروة والتكريم، والثاني كانت مشكلتُهُ مع ‏التاريخ.‏

إذا كان الشاعر يرى أن “الذهاب هو الموت إلى حدٍّ ما” فإنّ الذهاب عند بن نبي كان من أجل حياة ‏أفضل. وبالفعل، فهو يمضي لِلِقاء مصيره، وكان مصيراً قاسياً. ولقد تكهّن هو بنوعٍ من العلم المُسبق ‏بأنه سيكون كمصير المنبوذين. ولم يكُن يُساوره أيّ شك في أنه سيكون منبوذاً فعلاً.‏

وفي شهر سبتمبر من سنة 1930 نزل بن نبي في محطة ليون‎(gare de Lyon)‎‏ للسكك الحديدية. ‏وكان قد ودّع عائلته منذ أسبوع دون أن يكون قد حدد لوجهته مكاناً مُحدّداً. وعندما كان في شوارع ‏باريس لمدة وجيزة سنة 1925 تذكّر صديقه السوقهراسي الذي جرّب حظه قبله بسنوات والذي عاد ‏من باريس مسلولاً مخذولاً. كان منقبض القلب هذه المرة لأنه لم يكن يجهل ما ينتظر أيّ ‏جزائريّ”‏‎ ‎أنديجان‎ ‎‏” بدون مالٍ كافٍ ولا سندٍ. قادتْهُ رجلاهُ إلى الحيّ المنحوس الذي عاش فيه صديقه، ‏وهو حي سان دوني ‏Saint- Denis‏ واختار فندقاً صغيراً لإقامته.‏

بدأ يخرج يوميا من أجل اكتشاف “مدينة الأضواء”، وزار متحف الفنون والحرَف، ووقف مُطوّلاً أمام ‏الأبنية الشامخة والصّروح التي صَنَعَتْ شهرةَ تلك العاصمة العظيمة. لم يكن يبدو كأجنبيّ تائه في ‏شوارع عاصمة كبرى بدون هدف، بل كان يبدو بمظهر شاب ذي أفكار مرسومة، باحث عن طريقه ‏وواثق في أعماقه من الثقافة العميقة التي اكتسبها في قسنطينة. إنه هنا من أجل مواصلة دراسته ‏وينوي أن يصير مُحاميا حسب ما نصحه به أبوه. ‏

ووقعت عيناه يوما على هذه اللافتة: “مدرسة اللغات الشرقية”. دخل إلى المؤسسة وسجل نفسه ‏للمشاركة في امتحان الدخول الذي سيُجرى في شهر أكتوبر. وبعد أن نجح في التسجيل اطمأنّتْ نفسه ‏إلى أنه حقّق الغاية التي جاء من أجلها إلى فرنسا. وعاد إلى تجواله في الأحياء الباريسية لعدة أيام، وهو ‏سعيد بالتأمل في الحضارة الفرنسية بكلّ مداها. وجديرٌ بالذكر أنه كان حريصاً على النظام وعلى حسن ‏تسيير نقوده.‏

في يومٍ مِن الأيام دخل إلى أحد المحلاّت ظاناًّ أنه مطعم مُتواضع، فوجد نفسه في مقرّ “الاتحاد ‏المسيحي للشباب الباريسي “‏l’Union chrétienne des jeunes gens de Paris‏(3) حيث يوجد ‏بالفعل مطعم بأسعار معقولة. وأكّد له الشخص الذي جاء لاستقباله أن لائحة الأسعار التي رآها في ‏المدخل هي فعلاً لائحة مطعم الجمعية، ورحب به في المكان. ثُمّ أتاحوا له زيارة قاعة المحاضرات ‏والمكتبة وقاعة الرياضة، إلخ. كانت المؤسسة تحت إدارة السيد هنري نازال ‏Henri Nazelle‏ ويرتادها ‏الطلبة، كما كان يُسمّيها المتعوّدون على التواجد بها باسم ‏République de Trévise ‎، وهو اسم ‏الشارع الذي تقع فيه في الرقم 14 من الدائرة التاسعة‎(9e arrrondissement)‎‏.‏

وسُرعان ما صار بن نبي يذهب إلى ذلك المكان مُنجذباً بانخفاض أسعار الوجبات والنظافة المثالية. ‏وكان في ذلك فرصة عرّفته ببعض الطلبة الأوروبيين ومكّنتْهُ من استغلال المكتبة. ومن العوامل التي ‏جعلته يتعلّق بتلك المؤسسة المتسامحة والمتحررة لمدة عشر سنوات حسنُ الاستقبال الذي حظيَ ‏به، والاحترام الذي ناله، والتفتح العقلي الذي لاحظه. وسيقول عن كل ذلك في وقتٍ لاحِقٍ: “‏‎ ‎ذلك ‏المكان هو الذي تفتّح فيه وعْيي تُجاه كلّ المشاكل التي شغلَتْ حياتي”‏‎ ‎‏. ‏

لقد اندمج بسهولة مع هذه الجماعة المتكوِّنة من شبان ذوي أصولٍ مختلفة، وكوّن مجموعة من ‏الأصدقاء منهم مارسلان‎(Marcellin)‎‏ وريمون‎(Raymond)‎‏ وسانشاز‎(Sanchez)‎، ‏وحنوّز‎(Hanouz)‎، وهو جزائري مُتنصِّر. ولقد امتدّت تلك العلاقات إلى خارج المؤسسة بفضل ‏صديقه الرّسام روني‎ ‎‏(‏René‏)، ممّا مكّنه مِن اكتشاف حياة العائلات الفرنسية المثقفة والبورجوازية ‏والاطلاع عليها من الداخل.‏

إنها فرنسا “‏‎ ‎الأخرى”‏‎ ‎‏ و”‏‎ ‎الحقيقية‎ ‎‏”، فرنسا القيم الأخلاقية والروحية، وهي التي ستكشف له عن ‏وجه جديد لم يكن يتصوّر وجوده. وسيكون لهذا الاكتشاف بالغ الأثر في وجهته العقلية. لكنه في ‏الوقت الراهن لم يتجاوز حدود ذلك الشعور اللّطيف ببُعْدِهِ عن الفضاء الاستعماريّ العنصريّ الذي لا ‏يُقيمُ وزناً للجزائري (الأنديجان) مهما تكن رتبته وقيمته. فعلاً، لقد كانت علاقته بهذا الاتحاد سبباً ‏مباشرا في اكتشاف الطريق التي كان يبحث عنها في الظلام الدامس.‏‎ ‎لمْ يَعُدْ يُحِسّ بأنه مُسافر تائه في ‏عاصمةٍ أسلوبُ حياتِها لا يرحم، ولم يكن غارقاً في الشعور بغربة المدن الكبرى كما يجري لكثير من ‏الناس حتى يؤول مصيرهم إلى الضياع والتهميش. ‏

كانت هويته، التي لم يكن يُخْفيها على أحدٍ، تحظى بالاحترام والقبول بوصفها عنصر إثراء داخل ‏الاتحاد الذي كان بن نبي هو أول مسلم يُقْبَلُ فيه بفضل ثقافته. فيجب ألاّ ننسى أنه قرأ الأناجيل في ‏قسنطينة، وأنه ذو ثقافة واسعة في مختلف الأديان. والدليل على هذا أنه لم يكن ليثير إعجاب أعضاء ‏الاتحاد إلاّ بفضل إحدى المناقشات حول كتاب الفيداLes Védas)‎‏)، مما فتح له أبواب الاتحاد على ‏مصراعيه.‏

أجرى بن نبي امتحان الدخول إلى مدرسة اللغات الشرقية، ولم يجد أية صعوبة في الإجابة عن الأسئلة، ‏لكنه عندما عاد للاستفسار عن النتائج اتّضح أنه لم يكن ناجحاً. وأكثر من ذلك فإنّ مدير تلك ‏المؤسسة الشهيرة التي درس فيها معظم المستشرقين استدعاه وطلب منه عدم تجديد طلبه.‏

لم يفهم صاحبنا في الأمر شيئا. وها هو يعيش لحظات انهيار أمله في حيرةٍ من أمره، وهي لحظات ‏أعادت إلى ذهنه تلك الصورة القاتمة التي تركها في تبسة حيث كانت الإدارة توصِد الباب في وجهه كُلّما ‏حاول أن يحصل على شيء. لقد عاوده الشعور بأنه في مأزق واستحوذ على كيانه كُلّيةً. وبما أنه لم يكن ‏له أي خيار فقد اكتفى بتسجيل نفسه لمتابعة دروس في اللغة التركية، لكنه لم يلبث أن تخلّى عن ذلك ‏من أجل متابعة دراسات أكثر فائدة لمستقبله (4).‏

عاد بن نبي بعد ذلك إلى جولاته في أحياء باريس، وقد قادته هذه المرة إلى جسور نهر السين حيث ‏اكتشف الحيّ اللاّتينيّ وما فيه من باعة الكُتُب. ولم يكن المكان ببعيدٍ عن مقرّ إقامته ولا عن مقر ‏الاتّحاد المسيحيّ. ولقد انجذب إلى السحر الثقافيّ الذي يُميّز هذا الحيّ الشهير. و لم يطُلْ به الوقت ‏حتى وجد الطريق المؤدّية إلى الوسط الطُّلاّبيّ الإسلاميّ، حيث كانت له علاقة صداقة مع العديد من ‏الطلبة. وذلك هو الوسط الذي سيقضي فيه الفترة الباريسية من حياته. ‏

وأحبّ بن نبي”جُدران نُصُبِها، وأحبّ البانتيونPanthéon ‎‏ الذي ينام فيه عباقرة الماضي التّليد، ‏والسوربون والكوليج دوفرانس اللّذيْن يستيقظ فيهما عباقرة الغد” (م.ش.ق). كان يشعر في أعماقه ‏بالإشعاع المنبعث من تلك الحجارة السوداء، وينهمك في قراءة البرامج الجامعية حتى يغرق في تفكير ‏عميق حول الشرخ الواسع بين العالم الإسلاميّ والعالم الغربيّ.‏

لم يكن بن نبي سائحاً مندهشاً أمام عظمة أماكن مشحونة بعظمة تاريخها، بل كان نفساً مُضطربة ‏تتساءل وتريد الإجابة عن لغز الحضارة الذي سَحَرَهُ منذ الطفولة. لم يكُنْ مُغترباً عابراً وغير آبه بما ‏يحيط به، بل كان فكْراً مُنفتحاً على معاني الأشياء، متسائلاً ومُتأثّراً أمام “‏‎ ‎المشهد العجيب للحضارة”.‏

الطلبة السوريون والمصريون والمغاربة الذين تعرّف عليهم يبدو عليهم أنهم يعيشون في أوطانهم، وهُمْ ‏يقضون أسعد الأيام وأبهجها في راحة وهدوءٍ تامّيْن. أمّا هو فلمْ يكُنْ باستطاعته أنْ يمتنع عن صياغة ‏‏”مُقارنة تحصيلية بين الحضارتين” كما صاغها قبله جبران خليل جبران عندما أقام في باريس وأسرّ ‏بذلك في مذكراته غير المنشورة(5): “كُنتُ أجد كثيراً من الهوان عندما أحسّ بمدى تأخُّرِنا. لكنني لم ‏أكن أرى أيّ طالبٍ ينظر إلى هذه الاعتبارات، وكُنتُ لذلك أشعر بأسف أشدّ (6).” ‏
‏ ‏
اقترح عليه صديقه الرّسام أن يترشح في مدرسة ‏TSF‏ المركزية حيث سجل نفسه فعلاً. واضطُرّ لتغيير ‏مكان إقامته لكي يكون قريباً من المدرسة في شارع ‏rue de la Lune‏ وباشر دراسته. لقد أعجبه الفضاء ‏العلمي في ورشات العمل والمخابر، وكان يجد راحة تامة في تعاطيه مع العلوم الدقيقة وما تمتاز به من ‏دقة وقواعد وصرامة.‏

تحوّل مالك بن نبي إلى عامل مُجتهدٍ مُنكبٍّ على رفع مستواه العلميّ. راح يتشبع بالرياضيات والفيزياء ‏والكيمياء والميكانيك… وهذا ما مكّنه من اكتساب “روح النظام” الذي يعني: المنطق، والاستدلال ‏الخطابي، والولع بالدقة، والمصطلح الدقيق… و اكتشف “عالماً جديداً يخضع فيه كلّ شيء للقياس، ‏حيث تُمثل الدقة والملاحظة والعمل أهمّ السِّمات”‏‎.‎

وكان ذلك كله مما أحدث تغييرا جذرياًّ في الأفكار التي جاء بها إلى فرنسا: “لم أعُدْ أحلُمُ بما هو بعيد أو ‏بشهادةٍ أو بمقام محترم. صرتُ لا أحلم إلاّ بالعلم. صحيح أن المدرسة (في قسنطينة) كان لها بالغ الأثر ‏في شخصيتي، لكنها لمْ تُحدد لي أية وجهة. كُنتُ مُلزماً باكتساب المعرفة وبالتعلّم في إطار الجهل ‏والانحطاط الذي كُنتُ أشاهده في بلدي وفي العالم الإسلاميّ كلّه”(م.ش.قll‏). ‏

راح عقله يستوعب الروابط الموجودة بين المواد التي يدرسها في المدرسة وبين القيم الاجتماعية التي ‏تقف وراء سلوكات الناس في حياتهم اليومية. و كان في كل سبت يذهب للقاء أصدقائه في الاتحاد ‏المسيحيّ حيث كانت تُنظّمُ مُحاضرات ومناقشات حول مختلف الأفكار. بدأ يتشجع وينظر إلى ‏المستقبل بعينٍ مُتفائلةٍ وراح يُخطط للمستحيل. (يتبع)‏

المراجع:‏
‏1)‏ جاء في مذكرات بن نبي أنه التقى بأحد أقاربه (علي بن أحمد) في عنابة قُبيل سفره إلى فرنسا للمرة الثانية سنة ‏‏1930، وقرأ عليه قصيدة شعرية ألّفها في الحين، وعنوانها “الوداع”‏

‏2)‏ هو الشخصية المركزية في رواية ستاندال ‏Stendhal‏ التي عنوانها “الأحمر والأسود” ‏Le rouge et le ‎noir ‎‏).‏

‏3)‏ لا تزال هذه المنظمة غير الحكومية موجودة في عدة بلدان في شكل فصائل مُجمّعة في إطار ما يُسمى ‏‏(‏Alliance universelle des UCJG)‎‏). وهي تنشط في تنفيذ البرامج التنموية “في إطار احترام المعتقدات ‏الدينية لجميع أعضائها وقدرتها على منح فرص العمل لأفراد من مختلف الديانات في المناطق التي فيها ‏مصالح مشتركة”.‏

‏4)‏ نشر أحد المثقفين اللبنانيين، وهو إبراهيم عسي، نص الحوار الذي أجري مع بن نبي سنة 1973، حيث جاء ‏في إجابته عن بعض الأسئلة: “حاولتُ أنْ أدرس الحقوق سنة 1930 في معهد الدراسات الشرقية بباريس كي ‏أصير مُحاميا، لكنني أُقْصيتُ منه لاعتبارات سياسية استعمارية. فكوني جزائريا مسلماً كان سببا كافياً لطردي” ‏‏(ارجع الى ” آخر حوار مع مالك بن نبي: شهادة و استشراف” منشورات الفرقان، الجزائر العاصمة 2003)‏‎.‎

‏5)‏ مرجعنا فيما سبق ذكره هو الجزء الأول من كتاب “مذكرات شاهد على القرن: الطفل ‏Mémoires d’un ‎témoin du siècle : l’Enfant‎‏ ” والذي يُغطي الفترة الممتدة من 1905 إلى 1930. أمّا فيما سيأتي من ‏فصول فسنعتمد على الجزء الثاني من المذكرات في نسختها العربية التي ظهرت سنة 1970 تحت عنوان ‏‏”الطالب”، وعلى مخطوط غير منشور تحت عنوان “العفن” (‏‎ Pourritures ‎‏) والذي يغطي الفترة الممتدة ‏من 1930 إلى 1954 من حياة بن نبي، وهذا ما سنُشيرُ إليه بهذا العنوان: “مذكرات غير منشورة ‏Mémoires ‎inédits ‎‏” كُلَّما اقتضتْ الحاجة.‏

‏6)‏ أقام هذا الفيلسوف الشاعر والرسام اللبناني، مثل بن نبي، في الحي اللاّتيني سنة 1908، وعاش في فقر مُدْقِعٍ. ‏كان يهوى أن يذرع جسور نهر السين وأن يتنزه بين الكتب التي يعرضها العارضون هناك. كان يحب كتب ‏نيتشه وتولستوي. وبعد سنتين من إقامته في باريس قرّر جبران خليل جبران السفر إلى الولايات المتحدة ‏مكسور الوجدان. وسيكتب عن ذلك لاحقاً: “سُعداء هُم الذين يكسبون مأوى في باريس ‏‎!‎‏ و سعداء هم الذين ‏يذرعون ضفاف السين ويُحملقون في الكتب القديمة والرسوم القديمة… باريس، مسرح الفنون والأفكار، ‏ومصدر إلهام و أحلام. لقد وُلِدْتُ مرةً ثانية في باريس، وفيها أحلم أن أقضي بقية حياتي… ولو أسعفني الحظ ‏وكانت لي ثروة سأعود إلى باريس لأُشبِعَ قلبي الجائع وأُروي نفسي العطْشى…”. توفي جبران في نيويورك سنة ‏‏1931 أشهراً قليلة بعد وصول بن نبي إلى باريس.‏

You may also like

Leave a Comment