Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (5)‏

حياة مالك بن نبي (5)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

في الوقت الذي كان فيه بن نبي منشغلاً بالتساؤل حول مستقبله أتيح له التّعرّف على شابٍّ أوروبيٍّ ‏مُهتمٍّ بالإسلام. و سُرعان ما أدرك بأنّ هذا الفرنسيّ الذي لم يتعرّف عليه إلاّ منذ زمنٍ قصيرٍ كان أكثر ‏تفهّماً لِوَلعِهِ بالفاعلية مِن أصدقائه القُدامى، والفاعلية في نظره هي العنصر الغائب في وجهة المُسلمين ‏العقلية.‏

قال له يوماً وهو في لحظة من لحظات النشوة: “لو أنّنا قرّرْنا أن نصعد إلى القمر في هذه اللّحظة كان ‏علينا أن نستعين بِسُلّمٍ ونشرع في التّسلّق… وقد وافقني صديقي على الفور قائلاً: نعم ‏‎!‎‏ هذا ما يجب ‏فعلُه. والراجح أنّني لم أفهم على الفور ما المقصود من تلك الملاحظة. لكنني اليوم أعرف أنها جاءت ‏مِن إنسانٍ مُتحضّر” (م.ش.ق). ولقد كُتِبَ لذلك الشابّ الفرنسيّ أنْ يُسْلِمَ بعد ذلك بوقتٍ وجيز ‏ويهاجر إلى المشرق بتوصيةٍ من رشيد رضا كان قد استلَمها من ابن باديس.‏

وصلَتْ السنة الدراسية 1925 إلى نهايتها حاملة معها مزيداً من القلق لمالك بن نبي. ذلك أنّ ‏السلطات الاستعمارية حكمتْ بالنفي مِنْ تونس على زعيمٍ جزائريّ تونسيّ، وهو أحمد توفيق المدني. ‏كان ذلك بعد حظر حزب الدستور الذي كان هو أحد مؤسّسيه. ولمْ يكنْ حُلول توفيق المدني ‏بقسنطينة إلاّ ماراًّ عليها في اتجاه الجزائر العاصمة. وقد أُتيح لبن نبي أن يلتقي به عند مامي إسماعيل، ‏وهو مُدير جريدة “النجاح”. وعندما رافقه إلى محطة القطار من أجل توديعه استدعاه رجال الشرطة ‏وسجّلوا المعلومات الخاصة بهويته ليُسجّل اسمه في قائمة الأشخاص المشبوهين.‏

لمْ يُساوِرْهُ أيّ شكّ حول ما يمكن أن تتمخّض عنه حادثة استدعائه في محطة السكة بقسنطينة وهو ‏يُرافق ذلك الرجل الذي سيكون أول وزير للشؤون الدينية في الجزائر المستقلّة. فسيكون محلّ مُراقبة ‏ومُتابعة ومُضايقة حتى جاء الاستقلال، ليس بسبب تلك الحادثة، بل لأنه سيكون له شأنٌ عظيم.‏

لم يكن بن نبي قد اختار لنفسه طريقاً حتى قُبيْل الامتحانات الختامية. كان يُفكِّرُ في الفرار إلى الريف أو ‏في “تفجير مخزن الذخائر الحربية في قسنطينة حتى ولو لم يكن يعلم أين هي مُخبّأة حتى يتمكن من ‏الوصول إليها” (م.ش.ق). كما كان يحلم أن ينجز القفزة التي أنجزها بعض زملائه قبل عام، أي الذهاب ‏إلى فرنسا.‏

أعلن السيد دورنون ‏M. Dournon‏ عن نتائج نهاية السنة في المدرسة، وكان بن نبي من الناجحين. ‏لكنه كان حزيناً لأنه لم يكن يرغب في العودة إلى تبسة. ولذلك اتّخذ رفقة صديقه قَوَاوْ قراراً حاسماً، ‏وهو لم يَرَ البحر قبل ذلك أبداً.‏

ها هو الآن ينظر إلى البحر وهو في سكيكدة التي أتى إليها مُغامراً رفقة صديقه قاصدَيْنِ السفر إلى ‏مرسيليا على متن سفينة. ولمْ يتهيَّأْ لهما ذلك إلاّ بعد بيع أفرشتهما التي استعملاها في النظام الداخلي ‏بالمدرسة. ويقول بن نبي في مذكراته: (كان الذهاب إلى فرنسا في عقولنا بمثابة إطلالة على العالم، لأنّ ‏الأبواب في الجزائر كانت موصدة. والحقيقة أننا كُنّا نُفكّر في اتّخاذ باريس كمعبر نمرّ من خلاله إلى ‏عوالم أخرى… ولم تكن تلك الرحلة عندي مجرد عبور، بل كانت مثل رحلة كريستوف كولومب الذي ‏شقّ البحر من أجل اكتشاف العالم الجديد.‏

أبحرت سفينة “الحاكِم العام لبين” (‏Gouverneur général Lépine‏) والصديقان على جسرها ‏طيلة الرحلة. تعرّفا على متن السفينة على يهوديّ من قسنطينة وعلى شابّ فرنسيّ كانت تحْدوهما ‏نفس النية، أي السفر من أجل العمل في فرنسا. ويروي بن نبي كيف صاروا زمرة واحدة قائلاً: “وسُرعان ‏ما صار اليهوديّ هو قائد الجماعة. قرّرنا أن نؤسس جمعية عمّالية يلتزم أعضاؤها بوضع مرتباتهم ‏الأسبوعية تحت تصرّف رفيقنا اليهودي كي يتمكّن مِن تأسيس مؤسسة لبيع المنتجات الزراعية ‏المبكرة في أحد أسواق المدينة” (م.ش.ق). لكن بن نبي لم يكن مُتأكّدا مِن أنه، هو وصديقه قواو ‏سيجدان عملاً.‏

وواقع الحال أنهما سُرعان ما بقيا بدون أي فلس. فكان على بن نبي أن يبيع معطفه الجديد من أجل ‏مواصلة الرحلة إلى مدينة ليون. فلقد نصحهما رفيقهما اليهودي بمغادرة مرسيليا التي كانت تعُجُّ ‏بالبطّالين الذين ينتظرون فُرَصَ التشغيل. وبن نبي يُبدي هنا مُلاحظة مِن دون أية سخرية: “اليهوديّ ‏يعرف كلّ شيء. إنه يعرف سُبُل حياة الشظف عندما يضع رزمته على ظهره، كما يعرف مداخل ‏الفنادق الفاخرة عندما يصير مليارديراً كبيراً مثل ستافيسكي” (م.ش.ق). ‏

وغداة وصول الرفقاء الأربعة إلى مدينة ليون تمكّن قائدهم اليهودي من إيجاد عمل لنفسه في مصانع ‏برليي ‏Berliet، بينما استطاع الصديق الفرنسي من إيجاد وظيفة في شركة زينيت ‏Zénith‏ للقاطرات ‏الحضرية ‏tramway، أمّا الصديقان الجزائريان فبقيا بدون عمل لأنّ مُصيبتهما في وثائق الهوية التي ‏يُقدّمانها فيُرفَضان أينما تقدّما بطلب. وبعد ستة أيام نفدَ ما كان عندهما من نقود حتى اضطُرّا إلى ‏تناول الوجبات المجانية مع الفقراء. وبلغ الأمر مداه عندما اضطُرّ صاحبُنا إلى بيع شاشيته لأحد ‏الجزائريين.‏

في ليلة من اللّيالي كان الصديقان يستعدّان ليناما في أحد الحقول عندما فاجأهما طفلٌ صغير راح يُقدِّمُ ‏نفسه وهو يروي لهما قصته: فلقد كان مسّاحاً للأحذية في ساحة لابريش بقسنطينة، ثُمّ سافر بطريقة ‏غير شرعية على متن سفينة انطلاقا من سكيكدة باتجاه فرنسا ليبحث عن عمل. كانت بحوزة الطفل ‏بعض الفرنكات التي سرعان ما وضعها تحت تصرّفهما، ثُمّ وجّههما إلى مدينة لورات ‏Lorette‏ التي بها ‏مصنع للأسمنت يُقال إنه بحاجة إلى عمال. وبالفعل، فقد وجد الصديقان بغيتهما هناك. وكان نصيب ‏بن نبي هو نقل أكياس الإسمنت التي تزن 50 كلغ على متن عربة يدوية ذات عجلة واحدة، وهو ناقم ‏على الصينيين الذين لم يُفكروا في تزويدها بعجلتين.‏

و بعد بضعة أسابيع أحسّ الصديقان بتعبٍ مُضني، فقرّرا السفر إلى باريس بحثاً عن فرصٍ أحسن. ‏وبسبب نقص النقود اضطُرّ بن نبي للسفر بمفرده. و في باريس وجد وظيفة كعاملٍ في المستودع في ‏مصنعٍ للجعة. وكانت الوظيفة مُضنية، إذ اضطُرّ للتخلّي عنها بعد أسبوعٍ واحدٍ. و لمّا انسدّتْ في وجهه ‏كلّ السّبُل كتب إلى والديه رسالة يطلب منها أن يُرسلا له مبلغاُ ماليا يكفيه للعودة إلى الجزائر.‏

وبحلول شهر أوت من سنة 1955 تبيّنَ أنّ تلك الرحلة انتهت بفشلٍ ذريعٍ. وفي الجزائر عُيّن موريس ‏فيوليت ‏Maurice Viollette‏ كحاكمٍ عامّ جديد والذي سيصطدم به بن نبي بعد ذلك بخمس عشرة ‏سنة في ظروفٍ مُدهشة. واضطُرّ الشاب الهارب أن يعود إلى تبسة التي سرعان ما سيضيق بها صدره. ‏وما زاد الطين بلّة أنّ كلّ طلبات العمل التي أرسلها لم تُثمر نتيجة. أمّا الخدمة العسكرية فقد أعفي منها ‏لأنها كانت خاضعة للقرعة بالنسبة للسكان الأصليين.‏
‏ ‏
بدأت تظهر أولى نتائج الحركة الإصلاحية في المدينة، ومِن ذلك: بناء أول مسجد مُستقل، وأشغال ‏تنظيف في شوارع المدينة، والصراع ضدّ الجهل والإدمان على الخمر… وكان بن نبي يشارك في التعبير ‏عن هذه الروح الاجتماعية الجديدة. فلقد قام في أحد الأيام بتحرير منشور تمّ إلصاقه على باب ‏المسجد ليلاً. وكان ذلك نوعاً من الرّدّ على حملة دعاية قامت بها الإدارة الاستعمارية حول حرب الريف ‏المغربي عندما بدأت تشعر بالخوف من امتداد شرارة تلك الحرب إلى الجزائر. (1)‏

كان ذلك المنشور موضوع انشغال كبير لدى الإدارة عند اكتشافه. والدليل على ذلك أن مجموعة من ‏رجال الشرطة جاؤوا من قالمة لمساعدة الشرطة المحلّيّة. ويتذكر بن نبي أنه: “تمّ استنطاق كلّ الطلبة ‏والعلماء وأشباه العلماء في المدينة”. كما أنّ أحد المشكوك فيهم ضُرِبَ ضرباً مُبرحاً. ثُمّ هدأت الأوضاع.‏

وإبعاداً للسأم عن نفسه قرّر صاحبُنا أن يرافق أحد أصدقائه في جولاته عبر ضواحي مدينة تبسة. كان ‏ذلك الصديق يمارس وظيفة (عادل)، وهو مترجم لدى محكمة تبسة المختصة بالشؤون الأهلية. ‏وهكذا أتيح له أن يكتشف تلك الناحية وكذا التقاليد البدوية التي أُعْجِبَ بها، كما اتيح له أن يحتكّ ‏بوظيفةٍ هو أهلٌ لها بتكوينه، وهي وظيفة تنفيذ قرارات العدالة. ‏

مرّت عليه سنتان ثقيلتان دون أن يحصل على وظيفة رغم عشرات الطلبات التي قدّمها. وأخيراً جاءته ‏الإجابة من المحكمة تُخبره بشغور منصب (عادل) في محكمة أفلو. انقضّ بن نبي على الفرصة وتوجه ‏إلى أفلو في شهر مارس مروراً على العاصمة التي حلّ بها لأول مرة في حياته. لم تعجبه الأحوال في ‏العاصمة لأنه “وبصراحة، لم أكن أحس بأني عند أهلي. فمِن القصبة إلى باب الواد لم يكن يسمع إلاّ ‏لغة غير مفهومة، وابتداءً من شارع إيزلي لا تُسمع إلاّ اللغة الفرنسية. وعلى كلّ حال، فالجزائريّ القادم ‏من جهات أخرى لا يتجاوز في تجواله البريد المركزي إلاّ نادراً. فتلك هي المحطة النهائية بالنسبة ‏للأنديجان مثلي”.‏

أمّا مناطق الجنوب فقد أعجبته منذ الوهلة الأولى، وعلى وجه التحديد مناطق السهوب. وعلى أيّة ‏حال فقد أحسّ على الفور بالراحة التامّة في تلك الأراضي الممتدة والشاسعة، وانسجم انسجاماً تاماًّ ‏مع سكان المناطق الداخلية التي لم تُصِبْها وصمة (الأنديجانية) التي ألحقها الاستعمار بسكان المدن ‏الكبرى. كان في تناغمٍ كاملٍ مع ذلك الوسط الذي تطبعه الفطرة النقيّة والتقاليد الرعوية، وكذا روح ‏التّنسّك والكرم لدى هؤلاء السكان الذين راح بن نبي يتتبع حركاتهم ومواقفهم بكثير من الود.‏

وفور وصوله إلى أفلو اتّخذ المحكمة كإقامةٍ له، وفي إحدى حجراتها طرح أفرشته وأغطيته التي أتى بها ‏من تبسة. وفي ذلك يقول: “كانت أفلو بمثابة مدرسة عمّقتْ اطّلاعي على فضائل الشعب الجزائريّ، ‏تلك الفضائل التي كانت راسخة عند أهل أفلو وعند باقي الجزائريين قبل أن يُشوِّهها الاستعمار… كُنتُ ‏أشعر بأنني في متحفٍ حُفِظت فيه تلك الفضائل التي ضاعتْ في أماكن أخرى بعد الاحتكاك المُشين ‏بالوجود الاستعماريّ” (م.ش.ق).‏

كان عليه أن يتنقل بين القبائل البدوية في إطار وظيفته، فراح يجوب الحقول الخضراء والمراعي التي لا ‏حصر لها والسهول المغطاة بالحلفاء. كانت تربية المواشي هي مصدر عيش الناس بقطعان متفاوتة ‏العدد. وكانوا يتخذون الخيام مساكن لهم، وهي في كثير من الحالات خيام جليلة المظهر “إذ يمكن أن ‏يدخلها الفارس مُمْتطياً، كما يمكن لقبابها أن تستقبل عشرات الضيوف”. وتلك هي اللوحات الفنّية ‏التي استلهم منها عشرات الصفحات الأدبية في كتابه “شروط النهضة” المنشور سنة 1949 حول ‏موضوع المرحلة الملحمية (‏Stade épique‏) وموضوع الإنسان الفطري (‏l’Homo-Natura‏ ). ‏
‏ ‏
كان يُعجبه أن يعرف أنّ الرعاة يقضون لياليهم واقفين وسط قطعانهم “فالراعي ينام مُتّكِئاً على عصاه ‏في وضعية وقوف، وباستطاعته أن يحسّ بأبسط حركة في محيط القطيع فيفتح عينيه على الفور”. ‏وكثيراً ما يكون على المحكمة أن تتنقل بكلّ أعضائها تحت قيادة القاضي الشيخ بن عزوز. وكانت ‏تُستقبل استقبالاً عظيماً في كلّ مكان وتُعدّ لها أطباق المشويّ، كما كانت قوافل الطريقة القادرية ‏تجوب النقاط المسكونة كدليل على أنّ الشعوذة كانت متمكنة.‏

قضى بن نبي حوالي سنة واحدة في أفلو. واستفاد من عطلته السنوية في شهر مارس 1928. وفي طريق ‏عودته إلى تبسة توقف في قسنطينة وكُلّه عزمٌ على زيارة الشيخ ابن باديس كي يُعبّر له عن بعض ‏الملاحظات التي كانت لا تُفارق ذهنه. وعندما جلس عنده حدّثه عن مشكلة الأراضي في أفلو والتي لم ‏تكن محمية من الناحية القانونية بعقود ملكية موَثّقة، وهي بذلك تبقى مُعرّضة للاستيلاء عليها من ‏طرف المُعمِّرين “خاصة وأنّ تلك الناحية منحتْها الطبيعة حقولاً خضراء ومراعي كثيرة لا يستطيع ‏أصحابها الفقراء الدفاع عنها ضد أطماع الاستعمار. إذ لو وصل المُعمِّرون إلى تلك الناحية فإن ذلك ‏سيكون نهاية لهذا المتحف الذي سيفرغ بعد أن عمِرَ طيلة قرون كما حدث في باقي نواحي الجزائر… ‏فأسطورة هابيل وقابيل تتكرر كُلّما كان الجوار بين جماعة تعيش في المرحلة الرعوية وجماعة تعيش في ‏المرحلة الزراعية كما حدث في الجزائر سنة 1927(2). فغريزة حب تملّك قطعة أرض تُثير لديه غرائز ‏اجتماعية لا يعرفها الراعي”(م.ش.ق).‏

راح بن نبي يُعبّر لأهل أفلو الشِّهام عن مخاوفه قائلاً لهم: “عليكم أنْ تُقيموا حقّكم الاجتماعي لملكية ‏الأرض كي تصبح ملكية شخصية ومُتوارثة عبر الأجيال! وعليكم أن تحرثوا أكبر مساحة ممكنة كي ‏تُقيموا حقكم الاجتماعي لملكية الأرض التي تملكونها بمجرّد الحقّ طبيعيّ الذي ينبت به العشب اللاّزم ‏لرعي قطعانكم…! وإلاّ فإنّ المُعمِّر سيأتي وسيستولي على الأرض التي فيها خيامكم لأنّكم في نظر ‏القانون الفرنسي لستم مالكين شرعيين لها”. ‏

والواقع أن لقاءه مع ابن باديس لم يكن مُثْمِراً، إذ خرج منه بخيبة كبيرة لأنّ الشيخ لم يولِ أفكاره إلاّ ‏قدرا ضئيلاً من الاهتمام الذي أمْلاه عليه مُجرّد حسن الأدب. واصل صديقنا الشّقيّ طريقه إلى تبسة ‏التي لاحظ فيها تحوّلات جديدة، إذ ظهر المسرح الجزائريّ والسينما المصرية. راح يرتاد النادي الثقافي ‏في المقهى الذي تُسمع فيه الموسيقى المصرية طيلة اليوم ممّا يُخفف من حدة القلق الذي كان يعيش ‏فيه الناس ويزيد مِن استسلامهم للفراغ النفسي.‏

وعندما تطرّق بن نبي لمسألة الفن في كتاب “شروط النهضة” 1949 كان رأيه قد تغيّر فيها. فقد كتب ‏بأسلوب فيه مزيج من الفكاهة والصرامة: “الفنّ قد يُربِّي وقد يُفْسِد. فإذا توفّرتْ أخلاقياتٌ تُحدد ‏المثل الأعلى، وإستطيقا تُلهِمُ صاحبها، لن يبقى للفن إلاّ أنْ يُهيِّء وسائله. واختيار تلك الوسائل هو ‏الذي يجعل من الفن وسيلة تربية أو وسيلة إفساد… لننْظُرْ إلى الفنّ في أشكاله المُتعارف عليها في ‏البلدان الإسلامية. ولنخُصّ بالذكر فنّي الموسيقى والفيلم السينمائي اللّذيْن هما وسيلتان تربويتان ‏قويتان في أيامنا. والحالُ أنّ الجزائر من هذا المنظور تُعتبر مَدينةً لمصر. وفي كلمة واحدة، علينا أن ‏نعرف قيمة الموسيقى المصرية والفيلم السينمائي المصريّ.‏

ولا شكّ أنّكم استمعتُمْ إلى ذلك النّحيب الأغنّ والآهات المتكررة التي يُسمّونها موسيقى مصرية. ‏فلنتساءل بدْءاً: هل يُعتبرُ هذا الشيء الذي يتجاهل المكان والزمان والفصول مِن الموسيقى؟ فلا شيء ‏فيه يوحي بنسائم الربيع الخفيفة في الغابة، ولا بتهافت أوراق الأشجار في الخريف، ولا بلفحات الحرّ ‏في الصيف، ولا بهدير العاصفة، ولا بِدويّ الرعد، ولا بالجحيم ولا الجنّة. ما صورة هذا العالم الذي ‏تُحدِّثُنا عنه الموسيقى المصرية التي تتجاهل خطوات الجنديّ الموزونة؟ إنه عالم غير موجود، لا في ‏السماء ولا في الأرض ولا في أي مكانٍ آخر. فالموسيقى المصرية ليست فناًّ لأيّ شيء، إنها فنّ العدم ‏‏(وهذا ينطبق كذلك على ما يُسمّى بالموسيقى الأندلسية). وبناءً على ذلك، فما هي القيمة التربوية التي ‏يمكن لنا أن نعترف لها بها في هذا العالم؟”‏

ومثلما كان شانه مع مسألة الملبس نجد أن بن نبي يعود إلى مسألة الموسيقى في كتاب “النزعة ‏الأفروآسيوية” سنة 1956، حيث يقول: “إنه مما يجلب الانتباه أن الموسيقى العربية (الحديثة) لا ‏تستلهم أرباب الموسيقى الغربيين، بل تستلهم “مُغنِّييها المُطْرِبين”، وبدرجات متفاوتة من الإتقان. ‏ولسنا بحاجة إلى تحليل المكتبة الموسيقية الإذاعية، إذ يكفي الإنصات إلى بعض الحصص التي تبثها ‏العواصم العربية لكي نتأكد من ذلك. وفي مقابل ذلك يجب التأكيد على ما كان في الذوق الغربي من ثقةٍ ‏‏(بنزعته المشرقية)، أي بمعرفته بالمشرق عندما يحتاج إلى استلهامه. إنّ هذا الجزء من المكتبة ‏الموسيقية الغربية تحتوي على قطع موسيقية مثل “في سوقٍ فارسية”، وهي تُترجم البيئة الخاصة ‏والحنين إلى مصدر إلهامها. بينما نجد انّ الطابع المحلّي للحياة الغربية غائب من الموسيقى العربية ‏‏(الحديثة) باستثناء بعض نغماتها الخارجة عن المألوف… إذاً، فالذوق العربي ليس متيقِّناً مِن (نزعته ‏الغربية) لأنّ موسيقيينا لم يُفكّروا في طرح مشكلة النموذج”. ‏

كان بن نبي يقرأ من حين إلى آخر صحيفة “صوت الأهالي”‏La voix des humbles ‎‏ ) التي لم يكُن ‏يُعجبه عنوانها على الإطلاق. وكان الجدل على أشدّه بين التيار الإصلاحيّ والتيار التقليدي على ‏صفحات الجرائد المُعرّبة. وكان الشيخ الطيب العقبي قد غادر بسكرة وحلّ بالجزائر العاصمة حيث ‏أسس نادي الترقّي. أما الشيخ العربي التبسي فقد دعاه أهل مدينة السيقSig ‎‏ بالغرب الجزائري ليُدير ‏المدرسة التي افتُتِحت آنذاك. ولمّا انقضت عطلته السنوية كان على بن نبي أن يعود إلى أفلو، لكن مِن ‏دون حماسٍ كبير في هذه المرّة. فلقد عاد التساؤل اللاّذع الذي طالما جال في خاطره: (ما العمل؟). ‏فمدينة أفلو لا تعدو أنْ تكون مرحلة على ما فيها مِن جاذبية خاصة، لكنها تبقى مرحلة من المراحل ‏البسيطة في حياته. ‏

وبعد عودته إلى أفلو بشهرٍ واحدٍ تلقى رسالة من المحكمة تُخبره بشغور منصب (عادل) في بلدة ‏شلغوم العيد القريبة من قسنطينة. وصل بن نبي إلى عين المكان في أواخر فصل الربيع مُحمّلاً بكل ‏أمتعته واتّخذ قاعة الأرشيف بالمحكمة مكاناً لإقامته. ومعروف أنّ الإطار الذي كان يعمل فيه مِن شأنه ‏أنْ ينتهي به إلى وظيفة “قاضي”.‏

وسرعان ما شعر بمَقْتِ تلك البلدة التي اكتشف فيها وجه الاستعمار بكل بشاعته. وما أثار دهشته هو ‏ذلك العدد الهائل من السِّكِّرين بين سكان البلدة الأصليين. وبعد شهرٍ واحد نشب خلاف بينه وبين ‏كاتب الضبط، وهو كورسيكي مُتغطرس، دفع به إلى الاستقالة من منصبه. وعن ذلك يقول الكاتب: ‏‏”لقد اتخذت تلك الحادثة صورة مساس بالسيادة الوطنية” (م.ش.ق). وكانت تلك القضية من ‏النقاط السوداء التي أُضيفتْ إلى ملفه لدى مصالح الشرطة و الإدارة.‏

ولمّا عاد إلى تبسة استهواه عالم الأعمال، فكان يُشارك في تسيير طاحونة وكذا في نشاط النقل. كانت ‏التجارة مُربحة في البداية، لكن وبمجيء الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 1929 تدهورت الأوضاع ‏وانهار كلّ شيء. ‏

مرّت شهور كلّها غموض. أما الإدارة الاستعمارية فكانت مشغولة بالاستعداد للاحتفال بالذكرى المئوية ‏لاحتلال الجزائر. وتلك هي الظروف التي ظهر فيها شاب وطنيّ اسمه مصالي الحاج (1898-1974)، ‏وهو الذي وجّهَ إلى عصبة الأمم مذكرة يندد فيها بممارسات الاستعمار الفرنسي الشنيعة في الجزائر، ‏ويُطالب بالاستقلال تحت راية “نجم شمال إفريقيا”.‏

كان بن نبي يتألّم في مدينته الصغيرة. ولم يكن له مِن مفرّ غير القراءة. ومما قرأه في تلك الفترة كتاب ‏‎«Un homme se penche sur son passé»‎، الفائز بجائزة ‏Goncourt‏ لسنة 1930، وكتاب ‏‎«Partir, c’est mourir un peu»‎‏ الذي نسي أسماء كُتّابه (3). ولمّا كان يوم الاحتفال بذكرى 14 ‏جويلية لزِمَ بيته. وبعد ذلك بثلاثة أيامٍ كان على متن سفينة مُبحرة من ميناء عنابة إلى مرسيليا.‏

لقد عقد العزم على عدم التقهقر هذه المرّة. كان في الخامسة والعشرين من عمره، بتكوين فكري جيّدٍ ‏ومظهرٍ لائق. لكنّ هناك نقطة سوداء تُنغِّصُ هدوءه: فمن الناحية القانونية لا هو فرنسي ولا هو شيء ‏آخر. ومن الناحية النفسية كان رجلاً مُرهف الإحساس، مع وجدان جياش، بالإضافة إلى ضعف ثقته ‏بنفسه بفعل الضغط الذي يعانيه من العامل المُحبِط (‏coefficient réducteur‏) الناجم عن ‏الاستعمار. أمّا من الناحية الاجتماعية فليس له أيّ سندٍ مِن غير نفسه لمساعدته على شق طريقه في ‏دروب الحياة. (يتبع)‏

المراجع:‏

‏1)‏ وقد واجه الخطابي الفرنسيين بعد مواجهته للإسبان. وكان الجيش الفرنسي متكوّنا من 200.000 جندي ‏تحت قيادة الماريشال بيتان. فكان عدد الجنود الإجمالي والذين جُنّدوا لمواجهة ثورة الريف (1921-1926) ‏‏800.000 جندي.‏
‏2)‏ جاء ذكر قابيل، وهو الابن البكر لآدم، في العهد القديم بوصفه مُزارعا مُستقراًّ، أمّا هابيل، وهو ابنه الثاني، ‏فكان راعيا بدويا مُترحّلاً. ولمّا قتل قابيلُ هابيلَ بدافع الغيرة حُكِمَ عليه بقضاء بقية حياته راعيا متنقّلاً. ‏وكتاب العهد القديم الذي سنرجع إليه في هذا العمل هو الصادر عن” ‏Alliance Biblique Universelle ‎‏ ” ‏سنة 1977 تحت عنوان ” الترجمة المتفق عليها للكتاب المقدس التي تضم العهد القديم و الأناجيل الأربعة، ‏المترجمة من نصوص يونانية و عبرية اصلية”‏
‏3)‏ الأول هو موريس كونستانتين ويير ‏Maurice Constantin – Weyer، وهو الفائز بجائزة ‏Goncourt‏ سنة ‏‏1928. أما الثاني فالراجح أنه لازمة مُترددة في قصيدة شعرية لـ إيدمون هاروكور ‏‎’ Edmond Haraucourt‎‏ ‏وردت في كتابه الذي يحمل عنوان ‏L’âme nue‏ ‏‎ ‎والذي صدر سنة 1885.‏
والحب هو الموت بعينه
لأن فيه تنازلاً عن جزءٍ منك
في أي زمان وفي أي مكان
نذهب، وفي ذلك لعبة
وإلى يوم الممات‏
إنما ننثر نفوسنا ‏
ننثر نفوسنا عند كل وداع
فالذهاب هو الموت إلى حدٍّ ما.‏
فالبيت الأخير من أية قصيدة
إنما هو مأتمُ أمنية:‏
الذهاب هو الموت إلى حدٍّ ما.‏

You may also like

Leave a Comment