بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
في الوقت الذي كان فيه بن نبي منشغلاً بالتساؤل حول مستقبله أتيح له التّعرّف على شابٍّ أوروبيٍّ مُهتمٍّ بالإسلام. و سُرعان ما أدرك بأنّ هذا الفرنسيّ الذي لم يتعرّف عليه إلاّ منذ زمنٍ قصيرٍ كان أكثر تفهّماً لِوَلعِهِ بالفاعلية مِن أصدقائه القُدامى، والفاعلية في نظره هي العنصر الغائب في وجهة المُسلمين العقلية.
قال له يوماً وهو في لحظة من لحظات النشوة: “لو أنّنا قرّرْنا أن نصعد إلى القمر في هذه اللّحظة كان علينا أن نستعين بِسُلّمٍ ونشرع في التّسلّق… وقد وافقني صديقي على الفور قائلاً: نعم ! هذا ما يجب فعلُه. والراجح أنّني لم أفهم على الفور ما المقصود من تلك الملاحظة. لكنني اليوم أعرف أنها جاءت مِن إنسانٍ مُتحضّر” (م.ش.ق). ولقد كُتِبَ لذلك الشابّ الفرنسيّ أنْ يُسْلِمَ بعد ذلك بوقتٍ وجيز ويهاجر إلى المشرق بتوصيةٍ من رشيد رضا كان قد استلَمها من ابن باديس.
وصلَتْ السنة الدراسية 1925 إلى نهايتها حاملة معها مزيداً من القلق لمالك بن نبي. ذلك أنّ السلطات الاستعمارية حكمتْ بالنفي مِنْ تونس على زعيمٍ جزائريّ تونسيّ، وهو أحمد توفيق المدني. كان ذلك بعد حظر حزب الدستور الذي كان هو أحد مؤسّسيه. ولمْ يكنْ حُلول توفيق المدني بقسنطينة إلاّ ماراًّ عليها في اتجاه الجزائر العاصمة. وقد أُتيح لبن نبي أن يلتقي به عند مامي إسماعيل، وهو مُدير جريدة “النجاح”. وعندما رافقه إلى محطة القطار من أجل توديعه استدعاه رجال الشرطة وسجّلوا المعلومات الخاصة بهويته ليُسجّل اسمه في قائمة الأشخاص المشبوهين.
لمْ يُساوِرْهُ أيّ شكّ حول ما يمكن أن تتمخّض عنه حادثة استدعائه في محطة السكة بقسنطينة وهو يُرافق ذلك الرجل الذي سيكون أول وزير للشؤون الدينية في الجزائر المستقلّة. فسيكون محلّ مُراقبة ومُتابعة ومُضايقة حتى جاء الاستقلال، ليس بسبب تلك الحادثة، بل لأنه سيكون له شأنٌ عظيم.
لم يكن بن نبي قد اختار لنفسه طريقاً حتى قُبيْل الامتحانات الختامية. كان يُفكِّرُ في الفرار إلى الريف أو في “تفجير مخزن الذخائر الحربية في قسنطينة حتى ولو لم يكن يعلم أين هي مُخبّأة حتى يتمكن من الوصول إليها” (م.ش.ق). كما كان يحلم أن ينجز القفزة التي أنجزها بعض زملائه قبل عام، أي الذهاب إلى فرنسا.
أعلن السيد دورنون M. Dournon عن نتائج نهاية السنة في المدرسة، وكان بن نبي من الناجحين. لكنه كان حزيناً لأنه لم يكن يرغب في العودة إلى تبسة. ولذلك اتّخذ رفقة صديقه قَوَاوْ قراراً حاسماً، وهو لم يَرَ البحر قبل ذلك أبداً.
ها هو الآن ينظر إلى البحر وهو في سكيكدة التي أتى إليها مُغامراً رفقة صديقه قاصدَيْنِ السفر إلى مرسيليا على متن سفينة. ولمْ يتهيَّأْ لهما ذلك إلاّ بعد بيع أفرشتهما التي استعملاها في النظام الداخلي بالمدرسة. ويقول بن نبي في مذكراته: (كان الذهاب إلى فرنسا في عقولنا بمثابة إطلالة على العالم، لأنّ الأبواب في الجزائر كانت موصدة. والحقيقة أننا كُنّا نُفكّر في اتّخاذ باريس كمعبر نمرّ من خلاله إلى عوالم أخرى… ولم تكن تلك الرحلة عندي مجرد عبور، بل كانت مثل رحلة كريستوف كولومب الذي شقّ البحر من أجل اكتشاف العالم الجديد.
أبحرت سفينة “الحاكِم العام لبين” (Gouverneur général Lépine) والصديقان على جسرها طيلة الرحلة. تعرّفا على متن السفينة على يهوديّ من قسنطينة وعلى شابّ فرنسيّ كانت تحْدوهما نفس النية، أي السفر من أجل العمل في فرنسا. ويروي بن نبي كيف صاروا زمرة واحدة قائلاً: “وسُرعان ما صار اليهوديّ هو قائد الجماعة. قرّرنا أن نؤسس جمعية عمّالية يلتزم أعضاؤها بوضع مرتباتهم الأسبوعية تحت تصرّف رفيقنا اليهودي كي يتمكّن مِن تأسيس مؤسسة لبيع المنتجات الزراعية المبكرة في أحد أسواق المدينة” (م.ش.ق). لكن بن نبي لم يكن مُتأكّدا مِن أنه، هو وصديقه قواو سيجدان عملاً.
وواقع الحال أنهما سُرعان ما بقيا بدون أي فلس. فكان على بن نبي أن يبيع معطفه الجديد من أجل مواصلة الرحلة إلى مدينة ليون. فلقد نصحهما رفيقهما اليهودي بمغادرة مرسيليا التي كانت تعُجُّ بالبطّالين الذين ينتظرون فُرَصَ التشغيل. وبن نبي يُبدي هنا مُلاحظة مِن دون أية سخرية: “اليهوديّ يعرف كلّ شيء. إنه يعرف سُبُل حياة الشظف عندما يضع رزمته على ظهره، كما يعرف مداخل الفنادق الفاخرة عندما يصير مليارديراً كبيراً مثل ستافيسكي” (م.ش.ق).
وغداة وصول الرفقاء الأربعة إلى مدينة ليون تمكّن قائدهم اليهودي من إيجاد عمل لنفسه في مصانع برليي Berliet، بينما استطاع الصديق الفرنسي من إيجاد وظيفة في شركة زينيت Zénith للقاطرات الحضرية tramway، أمّا الصديقان الجزائريان فبقيا بدون عمل لأنّ مُصيبتهما في وثائق الهوية التي يُقدّمانها فيُرفَضان أينما تقدّما بطلب. وبعد ستة أيام نفدَ ما كان عندهما من نقود حتى اضطُرّا إلى تناول الوجبات المجانية مع الفقراء. وبلغ الأمر مداه عندما اضطُرّ صاحبُنا إلى بيع شاشيته لأحد الجزائريين.
في ليلة من اللّيالي كان الصديقان يستعدّان ليناما في أحد الحقول عندما فاجأهما طفلٌ صغير راح يُقدِّمُ نفسه وهو يروي لهما قصته: فلقد كان مسّاحاً للأحذية في ساحة لابريش بقسنطينة، ثُمّ سافر بطريقة غير شرعية على متن سفينة انطلاقا من سكيكدة باتجاه فرنسا ليبحث عن عمل. كانت بحوزة الطفل بعض الفرنكات التي سرعان ما وضعها تحت تصرّفهما، ثُمّ وجّههما إلى مدينة لورات Lorette التي بها مصنع للأسمنت يُقال إنه بحاجة إلى عمال. وبالفعل، فقد وجد الصديقان بغيتهما هناك. وكان نصيب بن نبي هو نقل أكياس الإسمنت التي تزن 50 كلغ على متن عربة يدوية ذات عجلة واحدة، وهو ناقم على الصينيين الذين لم يُفكروا في تزويدها بعجلتين.
و بعد بضعة أسابيع أحسّ الصديقان بتعبٍ مُضني، فقرّرا السفر إلى باريس بحثاً عن فرصٍ أحسن. وبسبب نقص النقود اضطُرّ بن نبي للسفر بمفرده. و في باريس وجد وظيفة كعاملٍ في المستودع في مصنعٍ للجعة. وكانت الوظيفة مُضنية، إذ اضطُرّ للتخلّي عنها بعد أسبوعٍ واحدٍ. و لمّا انسدّتْ في وجهه كلّ السّبُل كتب إلى والديه رسالة يطلب منها أن يُرسلا له مبلغاُ ماليا يكفيه للعودة إلى الجزائر.
وبحلول شهر أوت من سنة 1955 تبيّنَ أنّ تلك الرحلة انتهت بفشلٍ ذريعٍ. وفي الجزائر عُيّن موريس فيوليت Maurice Viollette كحاكمٍ عامّ جديد والذي سيصطدم به بن نبي بعد ذلك بخمس عشرة سنة في ظروفٍ مُدهشة. واضطُرّ الشاب الهارب أن يعود إلى تبسة التي سرعان ما سيضيق بها صدره. وما زاد الطين بلّة أنّ كلّ طلبات العمل التي أرسلها لم تُثمر نتيجة. أمّا الخدمة العسكرية فقد أعفي منها لأنها كانت خاضعة للقرعة بالنسبة للسكان الأصليين.
بدأت تظهر أولى نتائج الحركة الإصلاحية في المدينة، ومِن ذلك: بناء أول مسجد مُستقل، وأشغال تنظيف في شوارع المدينة، والصراع ضدّ الجهل والإدمان على الخمر… وكان بن نبي يشارك في التعبير عن هذه الروح الاجتماعية الجديدة. فلقد قام في أحد الأيام بتحرير منشور تمّ إلصاقه على باب المسجد ليلاً. وكان ذلك نوعاً من الرّدّ على حملة دعاية قامت بها الإدارة الاستعمارية حول حرب الريف المغربي عندما بدأت تشعر بالخوف من امتداد شرارة تلك الحرب إلى الجزائر. (1)
كان ذلك المنشور موضوع انشغال كبير لدى الإدارة عند اكتشافه. والدليل على ذلك أن مجموعة من رجال الشرطة جاؤوا من قالمة لمساعدة الشرطة المحلّيّة. ويتذكر بن نبي أنه: “تمّ استنطاق كلّ الطلبة والعلماء وأشباه العلماء في المدينة”. كما أنّ أحد المشكوك فيهم ضُرِبَ ضرباً مُبرحاً. ثُمّ هدأت الأوضاع.
وإبعاداً للسأم عن نفسه قرّر صاحبُنا أن يرافق أحد أصدقائه في جولاته عبر ضواحي مدينة تبسة. كان ذلك الصديق يمارس وظيفة (عادل)، وهو مترجم لدى محكمة تبسة المختصة بالشؤون الأهلية. وهكذا أتيح له أن يكتشف تلك الناحية وكذا التقاليد البدوية التي أُعْجِبَ بها، كما اتيح له أن يحتكّ بوظيفةٍ هو أهلٌ لها بتكوينه، وهي وظيفة تنفيذ قرارات العدالة.
مرّت عليه سنتان ثقيلتان دون أن يحصل على وظيفة رغم عشرات الطلبات التي قدّمها. وأخيراً جاءته الإجابة من المحكمة تُخبره بشغور منصب (عادل) في محكمة أفلو. انقضّ بن نبي على الفرصة وتوجه إلى أفلو في شهر مارس مروراً على العاصمة التي حلّ بها لأول مرة في حياته. لم تعجبه الأحوال في العاصمة لأنه “وبصراحة، لم أكن أحس بأني عند أهلي. فمِن القصبة إلى باب الواد لم يكن يسمع إلاّ لغة غير مفهومة، وابتداءً من شارع إيزلي لا تُسمع إلاّ اللغة الفرنسية. وعلى كلّ حال، فالجزائريّ القادم من جهات أخرى لا يتجاوز في تجواله البريد المركزي إلاّ نادراً. فتلك هي المحطة النهائية بالنسبة للأنديجان مثلي”.
أمّا مناطق الجنوب فقد أعجبته منذ الوهلة الأولى، وعلى وجه التحديد مناطق السهوب. وعلى أيّة حال فقد أحسّ على الفور بالراحة التامّة في تلك الأراضي الممتدة والشاسعة، وانسجم انسجاماً تاماًّ مع سكان المناطق الداخلية التي لم تُصِبْها وصمة (الأنديجانية) التي ألحقها الاستعمار بسكان المدن الكبرى. كان في تناغمٍ كاملٍ مع ذلك الوسط الذي تطبعه الفطرة النقيّة والتقاليد الرعوية، وكذا روح التّنسّك والكرم لدى هؤلاء السكان الذين راح بن نبي يتتبع حركاتهم ومواقفهم بكثير من الود.
وفور وصوله إلى أفلو اتّخذ المحكمة كإقامةٍ له، وفي إحدى حجراتها طرح أفرشته وأغطيته التي أتى بها من تبسة. وفي ذلك يقول: “كانت أفلو بمثابة مدرسة عمّقتْ اطّلاعي على فضائل الشعب الجزائريّ، تلك الفضائل التي كانت راسخة عند أهل أفلو وعند باقي الجزائريين قبل أن يُشوِّهها الاستعمار… كُنتُ أشعر بأنني في متحفٍ حُفِظت فيه تلك الفضائل التي ضاعتْ في أماكن أخرى بعد الاحتكاك المُشين بالوجود الاستعماريّ” (م.ش.ق).
كان عليه أن يتنقل بين القبائل البدوية في إطار وظيفته، فراح يجوب الحقول الخضراء والمراعي التي لا حصر لها والسهول المغطاة بالحلفاء. كانت تربية المواشي هي مصدر عيش الناس بقطعان متفاوتة العدد. وكانوا يتخذون الخيام مساكن لهم، وهي في كثير من الحالات خيام جليلة المظهر “إذ يمكن أن يدخلها الفارس مُمْتطياً، كما يمكن لقبابها أن تستقبل عشرات الضيوف”. وتلك هي اللوحات الفنّية التي استلهم منها عشرات الصفحات الأدبية في كتابه “شروط النهضة” المنشور سنة 1949 حول موضوع المرحلة الملحمية (Stade épique) وموضوع الإنسان الفطري (l’Homo-Natura ).
كان يُعجبه أن يعرف أنّ الرعاة يقضون لياليهم واقفين وسط قطعانهم “فالراعي ينام مُتّكِئاً على عصاه في وضعية وقوف، وباستطاعته أن يحسّ بأبسط حركة في محيط القطيع فيفتح عينيه على الفور”. وكثيراً ما يكون على المحكمة أن تتنقل بكلّ أعضائها تحت قيادة القاضي الشيخ بن عزوز. وكانت تُستقبل استقبالاً عظيماً في كلّ مكان وتُعدّ لها أطباق المشويّ، كما كانت قوافل الطريقة القادرية تجوب النقاط المسكونة كدليل على أنّ الشعوذة كانت متمكنة.
قضى بن نبي حوالي سنة واحدة في أفلو. واستفاد من عطلته السنوية في شهر مارس 1928. وفي طريق عودته إلى تبسة توقف في قسنطينة وكُلّه عزمٌ على زيارة الشيخ ابن باديس كي يُعبّر له عن بعض الملاحظات التي كانت لا تُفارق ذهنه. وعندما جلس عنده حدّثه عن مشكلة الأراضي في أفلو والتي لم تكن محمية من الناحية القانونية بعقود ملكية موَثّقة، وهي بذلك تبقى مُعرّضة للاستيلاء عليها من طرف المُعمِّرين “خاصة وأنّ تلك الناحية منحتْها الطبيعة حقولاً خضراء ومراعي كثيرة لا يستطيع أصحابها الفقراء الدفاع عنها ضد أطماع الاستعمار. إذ لو وصل المُعمِّرون إلى تلك الناحية فإن ذلك سيكون نهاية لهذا المتحف الذي سيفرغ بعد أن عمِرَ طيلة قرون كما حدث في باقي نواحي الجزائر… فأسطورة هابيل وقابيل تتكرر كُلّما كان الجوار بين جماعة تعيش في المرحلة الرعوية وجماعة تعيش في المرحلة الزراعية كما حدث في الجزائر سنة 1927(2). فغريزة حب تملّك قطعة أرض تُثير لديه غرائز اجتماعية لا يعرفها الراعي”(م.ش.ق).
راح بن نبي يُعبّر لأهل أفلو الشِّهام عن مخاوفه قائلاً لهم: “عليكم أنْ تُقيموا حقّكم الاجتماعي لملكية الأرض كي تصبح ملكية شخصية ومُتوارثة عبر الأجيال! وعليكم أن تحرثوا أكبر مساحة ممكنة كي تُقيموا حقكم الاجتماعي لملكية الأرض التي تملكونها بمجرّد الحقّ طبيعيّ الذي ينبت به العشب اللاّزم لرعي قطعانكم…! وإلاّ فإنّ المُعمِّر سيأتي وسيستولي على الأرض التي فيها خيامكم لأنّكم في نظر القانون الفرنسي لستم مالكين شرعيين لها”.
والواقع أن لقاءه مع ابن باديس لم يكن مُثْمِراً، إذ خرج منه بخيبة كبيرة لأنّ الشيخ لم يولِ أفكاره إلاّ قدرا ضئيلاً من الاهتمام الذي أمْلاه عليه مُجرّد حسن الأدب. واصل صديقنا الشّقيّ طريقه إلى تبسة التي لاحظ فيها تحوّلات جديدة، إذ ظهر المسرح الجزائريّ والسينما المصرية. راح يرتاد النادي الثقافي في المقهى الذي تُسمع فيه الموسيقى المصرية طيلة اليوم ممّا يُخفف من حدة القلق الذي كان يعيش فيه الناس ويزيد مِن استسلامهم للفراغ النفسي.
وعندما تطرّق بن نبي لمسألة الفن في كتاب “شروط النهضة” 1949 كان رأيه قد تغيّر فيها. فقد كتب بأسلوب فيه مزيج من الفكاهة والصرامة: “الفنّ قد يُربِّي وقد يُفْسِد. فإذا توفّرتْ أخلاقياتٌ تُحدد المثل الأعلى، وإستطيقا تُلهِمُ صاحبها، لن يبقى للفن إلاّ أنْ يُهيِّء وسائله. واختيار تلك الوسائل هو الذي يجعل من الفن وسيلة تربية أو وسيلة إفساد… لننْظُرْ إلى الفنّ في أشكاله المُتعارف عليها في البلدان الإسلامية. ولنخُصّ بالذكر فنّي الموسيقى والفيلم السينمائي اللّذيْن هما وسيلتان تربويتان قويتان في أيامنا. والحالُ أنّ الجزائر من هذا المنظور تُعتبر مَدينةً لمصر. وفي كلمة واحدة، علينا أن نعرف قيمة الموسيقى المصرية والفيلم السينمائي المصريّ.
ولا شكّ أنّكم استمعتُمْ إلى ذلك النّحيب الأغنّ والآهات المتكررة التي يُسمّونها موسيقى مصرية. فلنتساءل بدْءاً: هل يُعتبرُ هذا الشيء الذي يتجاهل المكان والزمان والفصول مِن الموسيقى؟ فلا شيء فيه يوحي بنسائم الربيع الخفيفة في الغابة، ولا بتهافت أوراق الأشجار في الخريف، ولا بلفحات الحرّ في الصيف، ولا بهدير العاصفة، ولا بِدويّ الرعد، ولا بالجحيم ولا الجنّة. ما صورة هذا العالم الذي تُحدِّثُنا عنه الموسيقى المصرية التي تتجاهل خطوات الجنديّ الموزونة؟ إنه عالم غير موجود، لا في السماء ولا في الأرض ولا في أي مكانٍ آخر. فالموسيقى المصرية ليست فناًّ لأيّ شيء، إنها فنّ العدم (وهذا ينطبق كذلك على ما يُسمّى بالموسيقى الأندلسية). وبناءً على ذلك، فما هي القيمة التربوية التي يمكن لنا أن نعترف لها بها في هذا العالم؟”
ومثلما كان شانه مع مسألة الملبس نجد أن بن نبي يعود إلى مسألة الموسيقى في كتاب “النزعة الأفروآسيوية” سنة 1956، حيث يقول: “إنه مما يجلب الانتباه أن الموسيقى العربية (الحديثة) لا تستلهم أرباب الموسيقى الغربيين، بل تستلهم “مُغنِّييها المُطْرِبين”، وبدرجات متفاوتة من الإتقان. ولسنا بحاجة إلى تحليل المكتبة الموسيقية الإذاعية، إذ يكفي الإنصات إلى بعض الحصص التي تبثها العواصم العربية لكي نتأكد من ذلك. وفي مقابل ذلك يجب التأكيد على ما كان في الذوق الغربي من ثقةٍ (بنزعته المشرقية)، أي بمعرفته بالمشرق عندما يحتاج إلى استلهامه. إنّ هذا الجزء من المكتبة الموسيقية الغربية تحتوي على قطع موسيقية مثل “في سوقٍ فارسية”، وهي تُترجم البيئة الخاصة والحنين إلى مصدر إلهامها. بينما نجد انّ الطابع المحلّي للحياة الغربية غائب من الموسيقى العربية (الحديثة) باستثناء بعض نغماتها الخارجة عن المألوف… إذاً، فالذوق العربي ليس متيقِّناً مِن (نزعته الغربية) لأنّ موسيقيينا لم يُفكّروا في طرح مشكلة النموذج”.
كان بن نبي يقرأ من حين إلى آخر صحيفة “صوت الأهالي”La voix des humbles ) التي لم يكُن يُعجبه عنوانها على الإطلاق. وكان الجدل على أشدّه بين التيار الإصلاحيّ والتيار التقليدي على صفحات الجرائد المُعرّبة. وكان الشيخ الطيب العقبي قد غادر بسكرة وحلّ بالجزائر العاصمة حيث أسس نادي الترقّي. أما الشيخ العربي التبسي فقد دعاه أهل مدينة السيقSig بالغرب الجزائري ليُدير المدرسة التي افتُتِحت آنذاك. ولمّا انقضت عطلته السنوية كان على بن نبي أن يعود إلى أفلو، لكن مِن دون حماسٍ كبير في هذه المرّة. فلقد عاد التساؤل اللاّذع الذي طالما جال في خاطره: (ما العمل؟). فمدينة أفلو لا تعدو أنْ تكون مرحلة على ما فيها مِن جاذبية خاصة، لكنها تبقى مرحلة من المراحل البسيطة في حياته.
وبعد عودته إلى أفلو بشهرٍ واحدٍ تلقى رسالة من المحكمة تُخبره بشغور منصب (عادل) في بلدة شلغوم العيد القريبة من قسنطينة. وصل بن نبي إلى عين المكان في أواخر فصل الربيع مُحمّلاً بكل أمتعته واتّخذ قاعة الأرشيف بالمحكمة مكاناً لإقامته. ومعروف أنّ الإطار الذي كان يعمل فيه مِن شأنه أنْ ينتهي به إلى وظيفة “قاضي”.
وسرعان ما شعر بمَقْتِ تلك البلدة التي اكتشف فيها وجه الاستعمار بكل بشاعته. وما أثار دهشته هو ذلك العدد الهائل من السِّكِّرين بين سكان البلدة الأصليين. وبعد شهرٍ واحد نشب خلاف بينه وبين كاتب الضبط، وهو كورسيكي مُتغطرس، دفع به إلى الاستقالة من منصبه. وعن ذلك يقول الكاتب: ”لقد اتخذت تلك الحادثة صورة مساس بالسيادة الوطنية” (م.ش.ق). وكانت تلك القضية من النقاط السوداء التي أُضيفتْ إلى ملفه لدى مصالح الشرطة و الإدارة.
ولمّا عاد إلى تبسة استهواه عالم الأعمال، فكان يُشارك في تسيير طاحونة وكذا في نشاط النقل. كانت التجارة مُربحة في البداية، لكن وبمجيء الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 1929 تدهورت الأوضاع وانهار كلّ شيء.
مرّت شهور كلّها غموض. أما الإدارة الاستعمارية فكانت مشغولة بالاستعداد للاحتفال بالذكرى المئوية لاحتلال الجزائر. وتلك هي الظروف التي ظهر فيها شاب وطنيّ اسمه مصالي الحاج (1898-1974)، وهو الذي وجّهَ إلى عصبة الأمم مذكرة يندد فيها بممارسات الاستعمار الفرنسي الشنيعة في الجزائر، ويُطالب بالاستقلال تحت راية “نجم شمال إفريقيا”.
كان بن نبي يتألّم في مدينته الصغيرة. ولم يكن له مِن مفرّ غير القراءة. ومما قرأه في تلك الفترة كتاب «Un homme se penche sur son passé»، الفائز بجائزة Goncourt لسنة 1930، وكتاب «Partir, c’est mourir un peu» الذي نسي أسماء كُتّابه (3). ولمّا كان يوم الاحتفال بذكرى 14 جويلية لزِمَ بيته. وبعد ذلك بثلاثة أيامٍ كان على متن سفينة مُبحرة من ميناء عنابة إلى مرسيليا.
لقد عقد العزم على عدم التقهقر هذه المرّة. كان في الخامسة والعشرين من عمره، بتكوين فكري جيّدٍ ومظهرٍ لائق. لكنّ هناك نقطة سوداء تُنغِّصُ هدوءه: فمن الناحية القانونية لا هو فرنسي ولا هو شيء آخر. ومن الناحية النفسية كان رجلاً مُرهف الإحساس، مع وجدان جياش، بالإضافة إلى ضعف ثقته بنفسه بفعل الضغط الذي يعانيه من العامل المُحبِط (coefficient réducteur) الناجم عن الاستعمار. أمّا من الناحية الاجتماعية فليس له أيّ سندٍ مِن غير نفسه لمساعدته على شق طريقه في دروب الحياة. (يتبع)
المراجع:
1) وقد واجه الخطابي الفرنسيين بعد مواجهته للإسبان. وكان الجيش الفرنسي متكوّنا من 200.000 جندي تحت قيادة الماريشال بيتان. فكان عدد الجنود الإجمالي والذين جُنّدوا لمواجهة ثورة الريف (1921-1926) 800.000 جندي.
2) جاء ذكر قابيل، وهو الابن البكر لآدم، في العهد القديم بوصفه مُزارعا مُستقراًّ، أمّا هابيل، وهو ابنه الثاني، فكان راعيا بدويا مُترحّلاً. ولمّا قتل قابيلُ هابيلَ بدافع الغيرة حُكِمَ عليه بقضاء بقية حياته راعيا متنقّلاً. وكتاب العهد القديم الذي سنرجع إليه في هذا العمل هو الصادر عن” Alliance Biblique Universelle ” سنة 1977 تحت عنوان ” الترجمة المتفق عليها للكتاب المقدس التي تضم العهد القديم و الأناجيل الأربعة، المترجمة من نصوص يونانية و عبرية اصلية”
3) الأول هو موريس كونستانتين ويير Maurice Constantin – Weyer، وهو الفائز بجائزة Goncourt سنة 1928. أما الثاني فالراجح أنه لازمة مُترددة في قصيدة شعرية لـ إيدمون هاروكور ’ Edmond Haraucourt وردت في كتابه الذي يحمل عنوان L’âme nue والذي صدر سنة 1885.
والحب هو الموت بعينه
لأن فيه تنازلاً عن جزءٍ منك
في أي زمان وفي أي مكان
نذهب، وفي ذلك لعبة
وإلى يوم الممات
إنما ننثر نفوسنا
ننثر نفوسنا عند كل وداع
فالذهاب هو الموت إلى حدٍّ ما.
فالبيت الأخير من أية قصيدة
إنما هو مأتمُ أمنية:
الذهاب هو الموت إلى حدٍّ ما.
