ترجمة عبد الحميد بن حسان
إنّ كلّ المُواطنين مدعوون إلى مُضاعفة مجهوداتهم وإلى توفير كلّ الشروط لتمكين الجزائر مِن وُلوج باب القرن القادم بخُطى ثابتة، وبإرادة قويّة، وإيمان لا يتزعزع، وحيوية مُتجدِّدة”.
(مِن مشروع الميثاق الوطني)
الميثاق الوطني هو الروح العامة للأمّة، وهو نظامها الفيزيائي والميتافيزيقي، وهو تصوُّرها للـ (الأنا) المُتجذِّر في الماضي والممتدّ إلى المستقبل البعيد، وهو أغلى جوهر في قيَمِها وتطلُّعاتها. إنّ كلّ هذه الأشياء يمكن أنْ تحتويها وثيقة تُسمّى (قاعدة) أو (ميثاق) أو (قانون أساسي) أو أية تسمية أخرى.
لكنها يمكن كذلك، إذا كانت قارّةً، أنْ تُقَوْلَبَ في ظروفٍ ديناميكية، وأن تأخذ مكانها في أعمق أعماق اللاوعي الجماعيّ، وبالتالي فهي ليست بحاجة إلى أنْ تُصاغ في نصّ بلْ تحملها الأجيال وتتناقلها بدون انقطاع.
ولقد شرع الشعب الجزائريّ، وهو مؤطّر بحزبه، في عملية إثراءٍ مُعتبرة تخصّ تقييم الحاضر والتقديرات الخاصة بالمستقبل القريب، وكلّ ذلك تحت شعارٍ ثُلاثيّ الأبعاد: استمرارية المسيرة الثورية، والوفاء لروح نوفمبر وقيمه، وضرورة التطوّر في عالم لا يعرف التوقّف. وإثراء الميثاق الوطني يعني بالنسبة للشعب القيام بعملية تطهير ذهنية في لحظة من لحظات تاريخه، والقضاء على كلّ النتوءات التي نتجت عن التمادي في أسلوب تسيير واحد، وتطهير فضائه الفكريّ، والقيام بعملية مُعادلة بين قدرته ورغبته. ومِن وجهة النظر النفسية يمكن القول إنّ الجزائر كانت بحاجة إلى هذه العملية المُتمثلة في النظر إلى الذّات الداخلية، وبحاجة إلى الوقوف على هذه الحصيلة المعنوية والمادية، وبحاجة إلى تموقعٍ جديد قياساً بمعطيات الساحة العالمية.
الجزائر كانت تتمتّع بصحرائها، ولم يكن ينقصها إلاّ الاستسلام لروح التوكّل لتقع في شِباك حياة الترف والبذخ لتصير مثل تلك الدول الوهمية التي ستبتلعها الرمال التي تأسست عليها عفوياًّ إذا ما نفدت ثروات باطن الأرض، تلك الثروات التي كانت تُعوِّلُ عليها. لقد مرّت الجزائر على مرحلة الانبهار بالتوجّه الاقتصادي السطحي، فنسيت الأرض وأهملت الصحراء التي تطاردها، وازدحمت السواحل بالسُّكّان حتى صار 90% منهم يقيمون في الشريط الساحلي والـ 10% الأخرى تقطن في باقي التراب الوطني.
كُنّا نسبح في بحرٍ هادىءٍ بدون صخور، وكُنّا نرى الهدف قريباً، والرُّكاب في غمرة من الهدوء والسكينة. لكن ها هي ذي الريح تعصف، وها هو ذا المُحيط يهيج، والسفينة ترتجّ تحت أقدامنا ارتجاجاً. ولا نجاة لنا إلاّ بحسن التحكّم في السفينة.
وكانت سنة 1979 هي سنة بزوغ موضوع (ما بعد البترول) في ضمائرنا التي استيقظت فجأةً. ومنذ ذلك التاريخ اتجهت سياستنا كُلّها إلى إعطاء محتوى لهذا الموضوع، وذلك بوضع حدّ للتبجّح بالصناعة الثقيلة، ثُمّ محاولة إحداث ديناميكية في الزراعة والثروة المائية، وتوسيع الشريط الساحلي ليشمل الهضاب العليا، والتغلب على المديونية الخارجية، وتغليب إيديولوجيا التعويل على الذات، والتنمية الكثيفة اعتمادا على المركزية الذاتية.
ولحُسن الحظ أنّ تلك اليقظة سبقت الصدمة البترولية، والعلامة الكاملة لتلك العيون اليقظة التي تكهنت بالوضع مُسبقاً، خاصة إذا عرفنا أن سنة 1979 تقع في منطقة الصدمة البترولية الثانية. وقد انهارت اقتصاديات بلدانٍ كثيرة بسبب عدم انتباهها في الوقت المناسب للصدمة البترولية، وأمثلة ذلك: البرازيل والمكسيك ونيجيريا..إلخ. ورغم هذا الاستيقاظ المُسبق فإن اقتصادنا لا زال هشاًّ، وهو لا يزال في طور تعلّم السير على قدميْه: الزراعة والصناعة.
أمّا على المستوى البسيكولوجي فيجب العمل على نشر النظرة الواقعية والتعويل على عرق الجبين وليس على ما في باطن الأرض، في أُمّةٍ مُتعوّدةٍ على الرّخاء. وممّا يزيد هذا العمل إلحاحا أنّ هناك مؤشرات تدلّ على أننا شعب كثير الاستهلاك لبعض الموادّ، وهو تميّز يجب الإقرار بأنه ليس مُشرّفاً. كان لا بُدّ إذن من تنقية العقول من الأفكار الخاطئة، وإيقاظها من غفلتها ونومها العميق.
ولم يَصِل الشعب الجزائريّ إلى الوضعية التي هو فيها إلاّ لأنه سلك أوعر الطرق وأصعب المسالك في مسيرته التاريخية. وبعد كلّ هذا فليس من الحقّ أنْ يُزجّ به في حفرة ضيّقة ومأزق لا مخرج منه بواسطة الديماغوجية غير المسؤولة. لا بُدّ له أن يعود إلى الطرق المستقيمة مهما كان الثمن، وأن يأخذ مسلكه في دروب التاريخ العظيمة، على مرأى ومسمع من كلّ الشعوب، القريبة منها والبعيدة، وأنْ يكُفّ عن التسكّع في الطرقات.
فعلى هذا الشعب أن يصير أمّةً ماضيها لا غبار عليه، وحاضرها يَحْظى بالاحترام، وهو متجه إلى مستقبله بثقةٍ تامّة. إنّ الأصوليين الذين يعتقدون أنّ في ظهور مذنّب هالي نذير شؤمٍ، قد يكونون على حقٍّ هذه المرّة في تخوّفهم من أنْ تكون نهاية هذا القرن قاسيةً جداًّ على البشرية.
وقد جاء في تصريح لأحد كبار المسؤولين في منظمة الوحدة الإفريقية قبل أشهرٍ قليلة أنّ أربعة عشر بلداً إفريقياًّ ستختفي من الخريطة بسبب انعدام أسباب الحياة فيها. كما صرّح يوليوس نييريري وهو يُغادر السلطة قائلاً: ( لا يمكن لي أنْ أكون رئيساً على شعبٍ مُضطرٍّ للاسترزاق من التسوّل). وقد كان صاحب كتاب ((إفريقيا السوداء في مُنطلق خاطىء)) سبّاقاً إلى هذا التكهن في وقت لم يُؤخذ كلامُه بعين الاعتبار.
ومع أنّ هذا العالِم الزراعي الفرنسيّ الكبير قد حصر دراسته هذه في الجزء المذكور من إفريقيا، فإنّ تحليله قابل للتطبيق على مُعظم بلدان الجزء الجنوبيّ من الكرة الأرضية.
ونُلاحظ أنّ الغرب، ولأوّل مرّة منذ أربعين سنة، أصبح يجد مُضايقات في أواخر الشهور ـ فيما يخصّ ميزان المدفوعات ـ، بل وهناك حالات يصل فيها إلى العجز والفقر. والبلد الأكثر مديونيةً اليوم هو أمريكا ريغن: فمديونيتها الكُلّيّة تُقارب الألف مليار دولار. وهناك بلدان أوروبية مثل البرتغال وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا بدأت تنزل إلى مراتب دول العالم الثالث ـ بالمعنى التهكمي الذي أعطاه الغرب لمصطلح العالم الثالث ـ سواء في ذلك سياستها الداخلية أو اقتصادها.
ومِن العجب أنْ نلاحظ السرعة المُذهلة التي بدأت بعض الممارسات والأفكار تتأقلم بها في العلاقات الدولية، ومثال ذلك عودة نزعة الحماية، بل الحماية المزدوجة، وعودة العنصرية تحت غطاء التمايز الجنسي، والنفور الذي تتزايد حِدّتهُ إزاء منظمات دولية مثل اليونسكو، بل وحتى هيئة الأمم، وتضاعف الانقلابات الاقتصادية العنيفة (مثل عدم قابلية الدولار للصرف سنة 1971، أو تجميد الأرصدة الإيرانية سنة 1979 والأرصدة اللّيبية سنة 1986، وهي الأرصدة المفتوحة لدى البنوك التجارية، وكذا احتقار البلدان الضعيفة اقتصادياًّ، والتدخل في الشؤون الداخليّة لبلدان مثل جرينادا ونيكاراجوا…
وما يُفسِّرُ كلّ هذا هو أنّ التخوّف من نفاد الثروات غير المُتجددة ـ بل ومِن نفاد كل الثروات الطبيعية ـ قد أدّى إلى طُغيان الرّوح الفرديّة والميل إلى الاحتياط خوفاً من المُستقبل المجهول، خاصة عند أولئك الذين لا يتبنّون سياسة وجودية بل سياسة القوة والسيطرة. وكُلّ شيءٍ يدلّ على أنه بمجرّد أن يأتي خطرٌ داهم فإنّ سفينة النجاة لن تقبل إلاّ بمن كان قوياًّ ومتوحّشاً ومُستعداًّ للتضحية بشعوب كاملة من أجل بقائه.
أمّا ما نشهده من تنافس تجاريّ نزيه، ومن تعاون دوليّ، وكذا كأس العالم في كرة القدم، فما هو إلاّ واجهة سلميّة لمواجهة شرسة مُتواصلة بمختلف الوجوه منذ ظهور الإنسان على وجه الكرة الأرضية. وما يُسمّى بـ (المجموعة الدولية) عبارة عن مكسب لم يبلغ من النضج ما يكفيه للصمود في وجه التحدّيات الكبرى التي قد تُصادفها البشرية في طريقها. فهذه التجربة لم يتجاوز عمرها الخمسين سنة. غير أنّ السبب في هشاشتها هو اعتمادها على ميثاق (وهو ميثاق هيئة الأمم الذي هو بحاجة إلى كثير من الإثراء).
وفي غياب دعائم فلسفية وأخلاقية قويّة لن تتمكّن أية مجموعة ولا أية جمعية أو مجموعة وطنية أو دولية من الصمود في وجه الصراعات والمصالح الخاصة والاختلاف الإيديولوجي.
ولم يتمكن الوضع الاقتصاديّ العالمي الجديد من أخذ مكانه، ولن يتمكّن من ذلك ما لم يظهر وضع فلسفيّ عالميّ جديد ومُتجسّد في أخلاقيات وسياسة عالميّة تحظى بإجماع كلّ شعوب المعمورة. ونحن بعيدون عن هذا الحلم الذي يبقى هو الشرط الأساسيّ لإيجاد مجموعة دولية حقيقيّة.
إنّ إرهاصات التفاهم بين السوفيات والأمريكيين، وهما القوتان اللتان تجاوزت طموحاتهما حدود الكرة الأرضية وامتدّت إلى الكون الخارجي ـ وهو العامل الأساسي في التقارب بينهما في عدة نقاط ـ تلك الإرهاصات لا تبشّر بأنّ العالم يتّجه إلى ثنائية قطبية بقدر ما يُنذر باتفاق مصالح أمّتين على حساب الأمم الأخرى.
وما هو مؤكّد في الوقت الرّاهن هو أنّ هناك جديداً في الأجواء وفي الأفكار، وفي ضمائر الناس ونحن على عتبة الألفيّة الثالثة. وسواء أشئنا أم أبيْنا، فنحن معنيون بهذا كمجموعة بشرية تحتلّ موقعاً هامّاًّ نسبياًّ. وعودتنا إلى مركبة التاريخ وإلى قيادة مصيرنا جاءت إذن في مرحلة حرجة من التاريخ البشريّ، وهي مرحلة البحث عن إمكانات جديدة للتعايش، ومرحلة التنافس العام، الشرس الذي لا يعرف الرحمة والشفقة، والذي يشمل كلّ المجالات.
ونحن اليوم بحاجة أكثر من أيّ وقت مضى إلى أفكار واضحة وأساليب عمل فعّالة، ووحدة ذاتية وموضوعية، وبحاجة إلى بُعد النظر والعزم على التغلب على العوائق التي تُعرقل مسيرتنا باتّجاه الحياة العملية والإيجابية والكريمة. وتلك هي الفائدة من الميثاق الوطنيّ، أي: إعداد أرضية صلبة من أجل انطلاقة ناجحة نحو المستقبل. ولو أنّ هذا الميثاق وجد طريقه إلى التطبيق فإنّ الجهود التي بُذِلت في إثرائه لن تذهب سُدى.
ألجيري أكتواليتي، في 16 جانفي 1986
