Home مقالاتالإشكالية الجزائرية1989-1980ما الفائدة من هذا الميثاق؟

ما الفائدة من هذا الميثاق؟

by admin

ترجمة عبد الحميد بن حسان

‏ إنّ كلّ المُواطنين مدعوون إلى مُضاعفة مجهوداتهم وإلى توفير كلّ الشروط لتمكين الجزائر مِن ‏وُلوج باب القرن القادم بخُطى ثابتة، وبإرادة قويّة، وإيمان لا يتزعزع، وحيوية مُتجدِّدة”. ‏

‏(مِن مشروع الميثاق الوطني)‏

الميثاق الوطني هو الروح العامة للأمّة، وهو نظامها الفيزيائي والميتافيزيقي، وهو تصوُّرها للـ (الأنا) ‏المُتجذِّر في الماضي والممتدّ إلى المستقبل البعيد، وهو أغلى جوهر في قيَمِها وتطلُّعاتها. إنّ كلّ هذه ‏الأشياء يمكن أنْ تحتويها وثيقة تُسمّى (قاعدة) أو (ميثاق) أو (قانون أساسي) أو أية تسمية أخرى. ‏

لكنها يمكن كذلك، إذا كانت قارّةً، أنْ تُقَوْلَبَ في ظروفٍ ديناميكية، وأن تأخذ مكانها في أعمق أعماق ‏اللاوعي الجماعيّ، وبالتالي فهي ليست بحاجة إلى أنْ تُصاغ في نصّ بلْ تحملها الأجيال وتتناقلها بدون ‏انقطاع.‏

ولقد شرع الشعب الجزائريّ، وهو مؤطّر بحزبه، في عملية إثراءٍ مُعتبرة تخصّ تقييم الحاضر ‏والتقديرات الخاصة بالمستقبل القريب، وكلّ ذلك تحت شعارٍ ثُلاثيّ الأبعاد: استمرارية المسيرة ‏الثورية، والوفاء لروح نوفمبر وقيمه، وضرورة التطوّر في عالم لا يعرف التوقّف. وإثراء الميثاق ‏الوطني يعني بالنسبة للشعب القيام بعملية تطهير ذهنية في لحظة من لحظات تاريخه، والقضاء ‏على كلّ النتوءات التي نتجت عن التمادي في أسلوب تسيير واحد، وتطهير فضائه الفكريّ، والقيام ‏بعملية مُعادلة بين قدرته ورغبته. ومِن وجهة النظر النفسية يمكن القول إنّ الجزائر كانت بحاجة ‏إلى هذه العملية المُتمثلة في النظر إلى الذّات الداخلية، وبحاجة إلى الوقوف على هذه الحصيلة ‏المعنوية والمادية، وبحاجة إلى تموقعٍ جديد قياساً بمعطيات الساحة العالمية. ‏

الجزائر كانت تتمتّع بصحرائها، ولم يكن ينقصها إلاّ الاستسلام لروح التوكّل لتقع في شِباك حياة ‏الترف والبذخ لتصير مثل تلك الدول الوهمية التي ستبتلعها الرمال التي تأسست عليها عفوياًّ إذا ما ‏نفدت ثروات باطن الأرض، تلك الثروات التي كانت تُعوِّلُ عليها. لقد مرّت الجزائر على مرحلة ‏الانبهار بالتوجّه الاقتصادي السطحي، فنسيت الأرض وأهملت الصحراء التي تطاردها، وازدحمت ‏السواحل بالسُّكّان حتى صار 90‏‎%‎‏ منهم يقيمون في الشريط الساحلي والـ 10‏‎%‎‏ الأخرى تقطن في ‏باقي التراب الوطني. 

كُنّا نسبح في بحرٍ هادىءٍ بدون صخور، وكُنّا نرى الهدف قريباً، والرُّكاب في غمرة ‏من الهدوء والسكينة. لكن ها هي ذي الريح تعصف، وها هو ذا المُحيط يهيج، والسفينة ترتجّ ‏تحت أقدامنا ارتجاجاً. ولا نجاة لنا إلاّ بحسن التحكّم في السفينة.‏

وكانت سنة 1979 هي سنة بزوغ موضوع (ما بعد البترول) في ضمائرنا التي استيقظت فجأةً. ومنذ ‏ذلك التاريخ اتجهت سياستنا كُلّها إلى إعطاء محتوى لهذا الموضوع، وذلك بوضع حدّ للتبجّح ‏بالصناعة الثقيلة، ثُمّ محاولة إحداث ديناميكية في الزراعة والثروة المائية، وتوسيع الشريط ‏الساحلي ليشمل الهضاب العليا، والتغلب على المديونية الخارجية، وتغليب إيديولوجيا التعويل ‏على الذات، والتنمية الكثيفة اعتمادا على المركزية الذاتية. ‏

ولحُسن الحظ أنّ تلك اليقظة سبقت الصدمة البترولية، والعلامة الكاملة لتلك العيون اليقظة التي ‏تكهنت بالوضع مُسبقاً، خاصة إذا عرفنا أن سنة 1979 تقع في منطقة الصدمة البترولية الثانية. ‏وقد انهارت اقتصاديات بلدانٍ كثيرة بسبب عدم انتباهها في الوقت المناسب للصدمة البترولية، ‏وأمثلة ذلك: البرازيل والمكسيك ونيجيريا..إلخ. ورغم هذا الاستيقاظ المُسبق فإن اقتصادنا لا زال ‏هشاًّ، وهو لا يزال في طور تعلّم السير على قدميْه: الزراعة والصناعة.‏

أمّا على المستوى البسيكولوجي فيجب العمل على نشر النظرة الواقعية والتعويل على عرق الجبين ‏وليس على ما في باطن الأرض، في أُمّةٍ مُتعوّدةٍ على الرّخاء. وممّا يزيد هذا العمل إلحاحا أنّ هناك ‏مؤشرات تدلّ على أننا شعب كثير الاستهلاك لبعض الموادّ، وهو تميّز يجب الإقرار بأنه ليس ‏مُشرّفاً. كان لا بُدّ إذن من تنقية العقول من الأفكار الخاطئة، وإيقاظها من غفلتها ونومها العميق.‏

ولم يَصِل الشعب الجزائريّ إلى الوضعية التي هو فيها إلاّ لأنه سلك أوعر الطرق وأصعب المسالك ‏في مسيرته التاريخية. وبعد كلّ هذا فليس من الحقّ أنْ يُزجّ به في حفرة ضيّقة ومأزق لا مخرج منه ‏بواسطة الديماغوجية غير المسؤولة. لا بُدّ له أن يعود إلى الطرق المستقيمة مهما كان الثمن، وأن ‏يأخذ مسلكه في دروب التاريخ العظيمة، على مرأى ومسمع من كلّ الشعوب، القريبة منها ‏والبعيدة، وأنْ يكُفّ عن التسكّع في الطرقات. 

فعلى هذا الشعب أن يصير أمّةً ماضيها لا غبار عليه، ‏وحاضرها يَحْظى بالاحترام، وهو متجه إلى مستقبله بثقةٍ تامّة. إنّ الأصوليين الذين يعتقدون أنّ في ‏ظهور مذنّب هالي نذير شؤمٍ، قد يكونون على حقٍّ هذه المرّة في تخوّفهم من أنْ تكون نهاية هذا ‏القرن قاسيةً جداًّ على البشرية.‏

وقد جاء في تصريح لأحد كبار المسؤولين في منظمة الوحدة الإفريقية قبل أشهرٍ قليلة أنّ أربعة عشر ‏بلداً إفريقياًّ ستختفي من الخريطة بسبب انعدام أسباب الحياة فيها. كما صرّح يوليوس نييريري وهو ‏يُغادر السلطة قائلاً: ( لا يمكن لي أنْ أكون رئيساً على شعبٍ مُضطرٍّ للاسترزاق من التسوّل). وقد ‏كان صاحب كتاب ((إفريقيا السوداء في مُنطلق خاطىء)) سبّاقاً إلى هذا التكهن في وقت لم يُؤخذ ‏كلامُه بعين الاعتبار. 

ومع أنّ هذا العالِم الزراعي الفرنسيّ الكبير قد حصر دراسته هذه في الجزء ‏المذكور من إفريقيا، فإنّ تحليله قابل للتطبيق على مُعظم بلدان الجزء الجنوبيّ من الكرة الأرضية.‏

ونُلاحظ أنّ الغرب، ولأوّل مرّة منذ أربعين سنة، أصبح يجد مُضايقات في أواخر الشهور ـ فيما يخصّ ‏ميزان المدفوعات ـ، بل وهناك حالات يصل فيها إلى العجز والفقر. والبلد الأكثر مديونيةً اليوم هو ‏أمريكا ريغن: فمديونيتها الكُلّيّة تُقارب الألف مليار دولار. وهناك بلدان أوروبية مثل البرتغال ‏وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا بدأت تنزل إلى مراتب دول العالم الثالث ـ بالمعنى التهكمي الذي أعطاه ‏الغرب لمصطلح العالم الثالث ـ سواء في ذلك سياستها الداخلية أو اقتصادها.‏

ومِن العجب أنْ نلاحظ السرعة المُذهلة التي بدأت بعض الممارسات والأفكار تتأقلم بها في العلاقات ‏الدولية، ومثال ذلك عودة نزعة الحماية، بل الحماية المزدوجة، وعودة العنصرية تحت غطاء ‏التمايز الجنسي، والنفور الذي تتزايد حِدّتهُ إزاء منظمات دولية مثل اليونسكو، بل وحتى هيئة ‏الأمم، وتضاعف الانقلابات الاقتصادية العنيفة (مثل عدم قابلية الدولار للصرف سنة 1971، أو ‏تجميد الأرصدة الإيرانية سنة 1979 والأرصدة اللّيبية سنة 1986، وهي الأرصدة المفتوحة لدى ‏البنوك التجارية، وكذا احتقار البلدان الضعيفة اقتصادياًّ، والتدخل في الشؤون الداخليّة لبلدان مثل ‏جرينادا ونيكاراجوا…‏

وما يُفسِّرُ كلّ هذا هو أنّ التخوّف من نفاد الثروات غير المُتجددة ـ بل ومِن نفاد كل الثروات ‏الطبيعية ـ قد أدّى إلى طُغيان الرّوح الفرديّة والميل إلى الاحتياط خوفاً من المُستقبل المجهول، ‏خاصة عند أولئك الذين لا يتبنّون سياسة وجودية بل سياسة القوة والسيطرة. وكُلّ شيءٍ يدلّ على ‏أنه بمجرّد أن يأتي خطرٌ داهم فإنّ سفينة النجاة لن تقبل إلاّ بمن كان قوياًّ ومتوحّشاً ومُستعداًّ ‏للتضحية بشعوب كاملة من أجل بقائه. ‏

أمّا ما نشهده من تنافس تجاريّ نزيه، ومن تعاون دوليّ، وكذا كأس العالم في كرة القدم، فما هو إلاّ ‏واجهة سلميّة لمواجهة شرسة مُتواصلة بمختلف الوجوه منذ ظهور الإنسان على وجه الكرة ‏الأرضية. وما يُسمّى بـ (المجموعة الدولية) عبارة عن مكسب لم يبلغ من النضج ما يكفيه للصمود ‏في وجه التحدّيات الكبرى التي قد تُصادفها البشرية في طريقها. فهذه التجربة لم يتجاوز عمرها ‏الخمسين سنة. غير أنّ السبب في هشاشتها هو اعتمادها على ميثاق (وهو ميثاق هيئة الأمم الذي ‏هو بحاجة إلى كثير من الإثراء). 

وفي غياب دعائم فلسفية وأخلاقية قويّة لن تتمكّن أية مجموعة ولا ‏أية جمعية أو مجموعة وطنية أو دولية من الصمود في وجه الصراعات والمصالح الخاصة والاختلاف ‏الإيديولوجي.‏

ولم يتمكن الوضع الاقتصاديّ العالمي الجديد من أخذ مكانه، ولن يتمكّن من ذلك ما لم يظهر ‏وضع فلسفيّ عالميّ جديد ومُتجسّد في أخلاقيات وسياسة عالميّة تحظى بإجماع كلّ شعوب ‏المعمورة. ونحن بعيدون عن هذا الحلم الذي يبقى هو الشرط الأساسيّ لإيجاد مجموعة دولية ‏حقيقيّة.‏

إنّ إرهاصات التفاهم بين السوفيات والأمريكيين، وهما القوتان اللتان تجاوزت طموحاتهما حدود ‏الكرة الأرضية وامتدّت إلى الكون الخارجي ـ وهو العامل الأساسي في التقارب بينهما في عدة نقاط ـ ‏تلك الإرهاصات لا تبشّر بأنّ العالم يتّجه إلى ثنائية قطبية بقدر ما يُنذر باتفاق مصالح أمّتين على ‏حساب الأمم الأخرى. ‏

وما هو مؤكّد في الوقت الرّاهن هو أنّ هناك جديداً في الأجواء وفي الأفكار، وفي ضمائر الناس ونحن ‏على عتبة الألفيّة الثالثة. وسواء أشئنا أم أبيْنا، فنحن معنيون بهذا كمجموعة بشرية تحتلّ موقعاً ‏هامّاًّ نسبياًّ. وعودتنا إلى مركبة التاريخ وإلى قيادة مصيرنا جاءت إذن في مرحلة حرجة من التاريخ ‏البشريّ، وهي مرحلة البحث عن إمكانات جديدة للتعايش، ومرحلة التنافس العام، الشرس الذي لا ‏يعرف الرحمة والشفقة، والذي يشمل كلّ المجالات.‏

ونحن اليوم بحاجة أكثر من أيّ وقت مضى إلى أفكار واضحة وأساليب عمل فعّالة، ووحدة ذاتية ‏وموضوعية، وبحاجة إلى بُعد النظر والعزم على التغلب على العوائق التي تُعرقل مسيرتنا باتّجاه ‏الحياة العملية والإيجابية والكريمة. وتلك هي الفائدة من الميثاق الوطنيّ، أي: إعداد أرضية صلبة ‏من أجل انطلاقة ناجحة نحو المستقبل. ولو أنّ هذا الميثاق وجد طريقه إلى التطبيق فإنّ الجهود ‏التي بُذِلت في إثرائه لن تذهب سُدى.‏

ألجيري أكتواليتي، في 16 جانفي 1986

You may also like

Leave a Comment