Home فكر مالك بن نبيبَنُّ نَبِيٍّ، نِيتْشِه، وَفِكْرَةُ النَّهْضَةِ

بَنُّ نَبِيٍّ، نِيتْشِه، وَفِكْرَةُ النَّهْضَةِ

by admin

فِي مُسْتَهَلِّ كِتَابِهِ «شُرُوطُ النَّهْضَةِ» (1949)، وَضَعَ مَالِكُ بَنُّ نَبِيٍّ فِي «المُقَدِّمَةِ» قَصِيدَةً جَمِيلَةً عَبَّرَ فِيهَا عَنْ تَصَوُّرٍ رَمْزِيٍّ لِلنَّهْضَةِ،

وَهٰذَا نَصُّهَا:«يَا رَفِيقُ، هٰذِهِ هِيَ السَّاعَةُ الَّتِي يَنْزَلِقُ فِيهَا الشُّحُوبُ الخَفِيفُ لِلْفَجْرِ بَيْنَ نُجُومِ الشَّرْقِ. كُلُّ مَا سَيَسْتَيْقِظُ بَدَأَ يَتَحَرَّكُ وَيَرْتَعِشُ فِي خَدَرِ النَّوْمِ وَأَسْمَالِهِ. بَعْدَ قَلِيلٍ، سَيَشْرُقُ النَّجْمُ الْمِثَالِيُّ عَلَى عَمَلِكَ الَّذِي بَدَأْتَهُ فِي السَّهْلِ، حَيْثُ لَا تَزَالُ الْمَدِينَةُ نَائِمَةً مُنْذُ الأَمْسِ. إِنَّ أُولَى أَشِعَّةِ الْيَوْمِ الْجَدِيدِ سَتَحْمِلُ بَعِيدًا، أَبْعَدَ مِنْ خُطَاكَ، ظِلَّ فِعْلِكَ الْمُقَدَّسِ فِي السَّهْلِ الَّذِي تَزْرَعُ فِيهِ. وَالنَّسِيمُ الَّذِي يَمُرُّ الآنَ سَيَحْمِلُ أَبْعَدَ مِنْ ظِلِّكَ الْبِذْرَةَ الَّتِي يَنْثُرُهَا فِعْلُكَ.

ازْرَعْ، يَا أَخِي الزَّارِعُ! ازْرَعْ لِمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ مَرْحَلَتِكَ، فِي الأُخْدُودِ الْمُمْتَدِّ بَعِيدًا. لَقَدْ بَدَأَتْ بَعْضُ الأَصْوَاتِ تُنَادِي؛ الأَصْوَاتُ الَّتِي أَيْقَظَتْهَا خُطُوَاتُكَ فِي الْمَدِينَةِ حِينَ خَرَجْتَ إِلَى عَمَلِكَ صَبَاحًا. وَالَّذِينَ اسْتَيْقَظُوا بِدَوْرِهِمْ سَيَلْتَحِقُونَ بِكَ بَعْدَ قَلِيلٍ. غَنِّ، يَا أَخِي الزَّارِعُ، لِتَقُودَ بِصَوْتِكَ خُطَى الْقَادِمِينَ فِي ظُلْمَةِ الْفَجْرِ نَحْوَ الأُخْدُودِ الْمُمْتَدِّ مِنْ بَعِيدٍ. لِيَكُنْ نَشِيدُكَ مُدَوِّيًا كَأَنَاشِيدِ الأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا فِي السَّاعَاتِ الْمُوَاتِيَةِ الَّتِي تُنْجِبُ الْحَضَارَاتِ. لِيَعْلُ صَوْتُكَ أَقْوَى مِنَ الْجَوْقَةِ الصَّاخِبَةِ الَّتِي قَامَتْ هُنَاكَ…فَهَا هُمْ الآنَ يُقِيمُونَ عِنْدَ بَابِ الْمَدِينَةِ الَّتِي تَسْتَيْقِظُ سُوقًا وَلَهْوًا، لِإِلْهَاءِ الَّذِينَ يَسِيرُونَ عَلَى خُطَاكَ وَإِيقَافِهِمْ.

لَقَدْ نُصِبَتِ الْمَنَابِرُ وَالأَخْشَابُ لِلْمُهَرِّجِينَ وَالدَّجَّالِينَ لِكَيْ يُغَطِّيَ ضَجِيجُهُمْ نَبَرَاتِ صَوْتِكَ. وَأُوقِدَتْ مَصَابِيحُ كَاذِبَةٌ لِحَجْبِ النَّهَارِ الْقَادِمِ وَتَشْوِيشِ صُورَتِكَ فِي السَّهْلِ الَّذِي تَسِيرُ فِيهِ. وَزُيِّنَ الصَّنَمُ لِإِذْلَالِ الْفِكْرَةِ. لٰكِنَّ النَّجْمَ الْمِثَالِيَّ يُوَاصِلُ مَسَارَهُ الْحَتْمِيَّ، وَسَيُضِيءُ قَرِيبًا انْتِصَارَ الْفِكْرَةِ وَانْحِطَاطَ الأَصْنَامِ، كَمَا حَدَثَ مِنْ قَبْلُ… عِنْدَ الْكَعْبَةِ».

هٰذَا النَّصُّ يُذَكِّرُ مَنْ يَعْرِفُ أَعْمَالَ الْفَيْلَسُوفِ الأَلْمَانِيِّ فِرِيدْرِيك نِيتْشِه (1844–1900) بِـ«الْمُقَدِّمَةِ» الَّتِي يَفْتَتِحُ بِهَا كِتَابَهُ «هٰكَذَا تَكَلَّمَ زَرَادَشْت».

فِي هٰذَا النَّصِّ، لَا يَقْتَرِبُ بَنُّ نَبِيٍّ مِنْ نِيتْشِه فِي الأُسْلُوبِ الرَّمْزِيِّ فَقَطْ، بَلْ يَبْدُو كَأَنَّهُ زَرَادَشْتُ نَفْسُهُ، جَاءَ لِيُوقِظَ الْمَدِينَةَ الإِسْلَامِيَّةَ النَّائِمَةَ.وَيَبْدَأُ كِتَابُهُ بِقَوْلِهِ: «لَقَدْ سَئِمْتُ مِنْ حِكْمَتِي، كَمَا تَسْأَمُ النَّحْلَةُ مِنْ كَثْرَةِ مَا جَمَعَتْ مِنَ الْعَسَلِ…».وَتَبْدَأُ مُقَدِّمَةُ مُذَكِّرَاتِ مَالِكِ بَنِّ نَبِيٍّ غَيْرِ الْمَنْشُورَةِ بِقَوْلِهِ: «لَقَدْ رَأَيْتُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً خِلَالَ عِشْرِينَ سَنَةً! لَقَدِ امْتَلَأْتُ بِهَا كَمَا تَمْتَلِئُ النَّحْلَةُ بِالْعَسَلِ حِينَ تُكْثِرُ مِنَ الْجَمْعِ…».

اعْتَزَلَ زَرَادَشْتُ فِي الْجِبَالِ فِي سِنِّ الثَّلَاثِينَ، وَنَالَ الإِشْرَاقَ بَعْدَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ مِنَ الْعُزْلَةِ. وَفِي صَبَاحٍ مَا، خَاطَبَ «النَّجْمَ الْعَظِيمَ» مُعْلِنًا رَغْبَتَهُ فِي النُّزُولِ إِلَى النَّاسِ لِيُبَشِّرَهُمْ بِفِكْرَةِ «الْعَوْدِ الأَبَدِيِّ».وَعِنْدَمَا التَقَى عِنْدَ أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ بِجُمْهُورٍ مُنْشَغِلٍ بِفَرْجَةِ السُّوقِ، خَاطَبَهُمْ قَائِلًا: «أَقُولُ لَكُمْ: لَا يَزَالُ فِيكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْفَوْضَى… لَقَدْ حَانَ الْوَقْتُ لِكَيْ يُحَدِّدَ الإِنْسَانُ هَدَفَهُ، وَلِكَيْ يَغْرِسَ بَذْرَةَ أَسْمَى أَمَلِهِ…».

فَالْإِنْسَانُ الْمُسْلِمُ الْمُنْحَطُّ الَّذِي يُرِيدُ بَنُّ نَبِيٍّ إِصْلَاحَهُ، هُوَ نَفْسُ الْإِنْسَانِ الْمُتَرَاجِعِ الَّذِي يُرِيدُ نِيتْشِه إِيقَاظَهُ. إِذْ يَقُولُ: «أُرِيدُ أَنْ أُعَلِّمَ النَّاسَ مَعْنَى وُجُودِهِمْ، وَهُوَ الإِنْسَانُ الأَعْلَى».

وَلٰكِنَّ الْجُمْهُورَ يَسْخَرُ مِنْهُ وَيَنْصَرِفُ عَنْهُ، فَيُغَادِرُ زَرَادَشْتُ الْمَدِينَةَ وَيَلْجَأُ إِلَى الْغَابَةِ. وَعِنْدَمَا يَسْتَيْقِظُ فِي الْيَوْمِ التَّالِي، يُغَيِّرُ قَرَارَهُ قَائِلًا: «لَيْسَ إِلَى الْجُمْهُورِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَجَّهَ زَرَادَشْتُ، بَلْ إِلَى رُفَقَاءَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَحْصُدُوا مَعَهُ، لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عِنْدَهُ مُهَيَّأٌ لِلْحَصَادِ… بَيْنَ فَجْرٍ وَفَجْرٍ تَالٍ، جَاءَتْنِي حَقِيقَةٌ جَدِيدَةٌ… لَمْ أَعُدْ أُرِيدُ أَنْ أُخَاطِبَ الْجُمْهُورَ… إِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ أَلْتَحِقَ بِالْمُبْدِعِ، بِالْحَاصِدِ…».

فِي هٰذَا النَّشِيدِ، يُخَاطِبُ بَن نَبِي بِأُسْلُوبٍ مُتَوَهِّجٍ «رَفِيقًا»، هُوَ «الزَّارِعُ»، وَيَحُثُّهُ عَلَى غَرْسِ بَذْرَةِ النَّهْضَةِ. أَمَّا فِي كِتَابِ نِيتشِه، فَيَعُودُ زَرَادَشْتُ إِلَى جَبَلِهِ وَعُزْلَتِهِ، «مُنْتَظِرًا كَزَارِعٍ نَثَرَ بُذُورَهُ… وَقَدِ امْتَلَأَتْ نَفْسُهُ شَوْقًا وَتَوْقًا لِأُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ، لِأَنَّهُ لَا يَزَالُ يَمْلِكُ الْكَثِيرَ لِيُعْطِيَهُمْ». وَلٰكِنَّهُ فِي صَبَاحٍ مَا يَسْتَيْقِظُ عَلَى حُلْمٍ تَلَقَّى فِيهِ تَحْذِيرًا: فَقَدْ قَامَ أَعْدَاؤُهُ بِتَحْرِيفِ رِسَالَتِهِ وَتَشْوِيهِهَا.

إِنَّ «الإِرَادَةَ الْجَدِيدَةَ» الَّتِي يَتَمَنَّى نِيتشِه أَنْ تَسْرِيَ فِي مُعَاصِرِيهِ تُوَازِي «إِرَادَةَ الْحَضَارَةِ» الَّتِي يَسْعَى بَن نَبِي إِلَى بَثِّهَا فِي قَوْمِهِ، مِنْ خِلَالِ اقْتِرَاحِ قِيَمٍ جَدِيدَةٍ: الْفَاعِلِيَّةِ، وَالرُّوحِ الْجَمَاعِيَّةِ، وَالْحَضَارَةِ.وَفِي كِتَابِ نِيتشِه، كَمَا فِي «شُرُوطِ النَّهْضَةِ»، تَلِي «الْمُقَدِّمَةَ» خُطَبٌ عَنِ «الْعَوْدِ الأَبَدِيِّ»، وَهُوَ تَسْمِيَةٌ أُخْرَى لِمَا يُسَمِّيهِ بَن نَبِي «دَوْرَاتِ الْحَضَارَةِ»، أَيْ هٰذَا التَّعَاقُبُ اللَّامُتَنَاهِي لِلِانْطِلَاقَاتِ وَالْعَوْدَاتِ فِي التَّارِيخِ، وَلِقِمَمِ الأُمَمِ وَانْحِدَارَاتِهَا، وَلِعَظَمَتِهَا وَانْحِطَاطِهَا…

إِنَّ فِكْرَةَ «الْعَوْدِ الأَبَدِيِّ» هِيَ نَتَاجُ التَّأْثِيرِ الَّذِي مَارَسَهُ عَلَى نِيتشِه فَيْلَسُوفٌ أَلْمَانِيٌّ آخَرُ هُوَ غُوتِه، الَّذِي كَانَ نِيتشِه يَعُدُّهُ أَحَدَ «أَسْلَافِهِ». وَعِنْدَ غُوتِه، تُعَبَّرُ هٰذِهِ الْفِكْرَةُ بِمَا يُعْرَفُ بِـ«قَانُونِ الِانْقِبَاضِ وَالِانْبِسَاطِ» (السِّيسْتُول وَالدِّيَاسْتُول)، الَّذِي يَحْكُمُ سَيْرَ الْخَلْقِ كَمَا يَحْكُمُ حَرَكَةَ الْقَلْبِ (انْقِبَاضٌ وَانْبِسَاطٌ). وَيُعَدُّ غُوتِه أَيْضًا صَاحِبَ فِكْرَةِ «الإِنْسَانِ الأَعْلَى» (أُوبِرْمِنْش). وَقَدْ قِيلَ إِنَّ «زَرَادَشْت» عِنْدَ نِيتشِه هُوَ ابْنُ «فَاوُسْت» لِغُوتِه.

وَيَشْتَرِكُ نِيتشِه وَبَن نَبِي فِي أَنَّهُمَا مِنَ الْمُفَكِّرِينَ الَّذِينَ مَجَّدُوا التَّعَالِي وَتَجَاوُزَ الْحُدُودِ الضَّيِّقَةِ، وَفِكْرَةَ «الإِنْسَانِ الأَعْلَى». وَقَدْ حَمَلَ كِلَاهُمَا نُفُورًا شَدِيدًا مِنَ التَّفَاهَةِ وَالِانْحِطَاطِ وَغِيَابِ الإِرَادَةِ الْحَضَارِيَّةِ. وَكِلَاهُمَا أَدَانَ مَظَاهِرَ التَّرَدِّي: عِنْدَ أَحَدِهِمَا «عديم الذوق الثَّقَافَي»، وَعِنْدَ الآخَرِ «الإِنْسَانُ مَا بَعْدَ الْمُوَحِّدِيِّ». وَكِلَاهُمَا فَكَّرَ بِمِنْطِقِ الْحَضَارَةِ، وَكَانَا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ نَاقِدَيْنِ شَرِسَيْنِ وَشَاعِرَيْنِ رَقِيقَيْنِ.

You may also like

Leave a Comment