الغزالي بيننا

by admin

ترجمة  فرحات بوزيان

إنه لشرف عظيم للجزائر، بدون أدنى شك، أن تستقبل في مركز تألقها الفكري “جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة”، رجلا بحجم الشيخ محمد الغزالي، وليس أقل من ذلك الشرف العظيم، أن تتيح، وبانتظام، فرصة الكلام ( حديث الاثنين، محاضرات عامة ) لهذا العقل المستنير والواعي بأزمات عصرنا. فالمكسب كله والفائدة الكبرى للجزائر، لشعبها وقادتها، لطلبتها ومفكريها، لشبانها و كهولها.

هذا الرجل العظيم الذي اشتهر بنضاله وكتاباته، بأصالته وشجاعته، عاش الظلم والنفي، الحرمان والتشويه، التآمر في الصمت وتجاوزات السلطة لسبب أو لآخر.

لاقت أفكار الغزالي نجاحا منقطع النظير عند الشعب الجزائري لأنها صِيغَت ببساطة وإخلاص: فلم تكن  لا اجترارا لأدلة معروفة ولا تعميمات مخدِّرة. تميزت أفكارُه بحداثتها ومعالجتها لانشغالات الراهن، و اختلفت في قوتها ودقتها، في طابعها العالمي والنقدي، في توجيهاتها نحو العمل الفعال والإقرار بالأخطاء.

يتحدث الرجل حديث القلب والعقل في آن، يوقظ ويربي، يهز النفوس على شاكلة سقراط ، وكونفيشيوس، ونيتشه، وأبو ذر أو ابن تيمية . تصدى لمشكلات عويصة ( تحديد النسل مثلا) وهكذا أصبحت المسألة واضحة بكل تفاصيلها، براهينها وعواقبها و بشكل كامل، من دون مجاملات ولا اعتبارات “سياسية” كما عودنا بعض العلماء المزيفين عندنا.

قد  يكون الغزالي كل شيء إلاّ أن يكون مخدرا أو منوما للعقول، منمقا للكلام، أو مُجترا لمعلومات مكررة . قد يزعج الغزالي سامعه، يهزه، يستفزه من الداخل بأن يلامس في أعماقه جهلا لا يشعر به أو رضا عن النفس لا مبرر له. 

هو لا يجامل من ينصت له ولا يخدره بل يزلزله، ويصحح أخطاءه، ويكمّل فينا ما هو قابل للتكميل. من خلال التوضيحات غير المألوفة التي ينطق بها، يكتسب الإسلام رونقا جديدا، قد يفاجئ الناس أحيانا، لكنه دائما ما يتوافق مع الفكرة المبهمة التي نمتلكها عما يجب أن يكون عليه ” الفطرة” ،”الحنيف” و “الحق”.

أحد البراهين على نجاحه في مهمته هو ما نراه بعد كل تدخلاته. الناس يتحدثون ويتناقشون فيما بينهم . في البيوت، صار حديث الاثنين شيئا فشيئا على لسان الجميع، موضع تعليق ومواجهات هادئة، كالجدل الذي لم يفتأ أن يسببه حديثه عن طبيعة العلاقة التي يمارسها غالبيتنا مع زوجاتهم: مبسطا حسب تعبيره السهل السلس.

من هنا جاء التقدير والإعجاب الذي يستحقه الغزالي، و النسبة الكبيرة من الإنصات و المتابعة الذؤوبة من الناس.  و هذا ربما أفضل ما يبرر السرعة و العجلة التي خُطّت بها هذه الأسطر. 

Algerie-actualité ” 09 جانفي 1986

موقع الجزائر اليوم 06 ماي 2020

You may also like

Leave a Comment