Home مقالاتالإشكالية الجزائرية1989-1980اشتراكية البقرة الحلوب

اشتراكية البقرة الحلوب

by admin

ترجمة ساعي عايـــدة

‏” دوما ما يريد الشعب الخير، لكنه لا يحصله دائما. ويرى ممثلو الشعب الخير غالبا، لكن لا ‏يريدونه دوما” (روسوJean-Jacques Rousseau‏)‏

في الأنظمة السياسية حيث مفاهيم المعارضة الشرعية لا معنى لها، يستحسن التمسك على الأقل، ‏بتشجيع بروز فكر نقدي، لأن تجربة أنظمة الحزب الواحد التي سبقتنا برهنت أن غياب هذه ‏الوظيفة – والتي يبررها الإجماع المزعوم الذي لا غبار عليه – قاد على أقل تقدير إلى أشكال من ‏المعارضة، تظهر بملامح الطفيلي الذي يبحث دوما على المزيد، المنافق السياسي، المتمرد غير ‏المعلن أو المنشق المستقبلي.‏

تنتمي هذه الظواهر التي زودت الصحافة الغربية بمادة للسخرية من منطق الحزب الواحد، فهي من ‏صُنعها، ولا يمكن إذن أن ننكرها لمجرد طبع “الخشونة” فينا، أن نتظاهر بجهلها، أو الأسوأ من ذلك، ‏أن نعتقد أننا أكثر ذكاء ومكرا من غيرنا، بل يجب اتخاذ إجراءات نافعة لإنقاذ بلدنا منها‎.‎

في البلدان ذات نظام الحزب الواحد، ظهر جليا عجز مبدإٍ كـ”حرية التعبير في إطار الحزب الواحد”. ‏أكّدتطور الأفكار في العالم بما فيها العالم الاشتراكي، التطور الباهر للإعلام والدعم العالمي لحقوق ‏الإنسان، الخاصية تقريبا الشاذة لهذا المبدأ العتيق.‏

لا يكمن استحقاق سلطة ما، في مجرد قبولها بالبحث عن أسباب الرضا و اليقين أنها على الدرب ‏الصحيح، من خلال الصمت الظاهري لرأيها العام، بل في مجابهتها للفكر النقدي الصحي و المسؤول.‏

أثبتت التغطية التلفزيونية للنقاش حول إثراء الميثاق الوطني في بلدنا هذه الأيام، كما فعلت من ‏قبل النقاشات حول السياسة الثقافية، قانون الأسرة أو قانون الإعلام، أن هذه المجابهة لا تدل على ‏مواجهة ولا على أن حزب جبهة التحرير، مستعينا بتجارب الغير، يؤسس نهجه على أوسع نطاق ‏ممكن للتعبير الديمقراطي. كما بيّنت هذه التغطية أننا لم نتخلص بعد من عادة الصمت الذي يُقطع ‏كل عشر سنوات بجلسات تعويذات جماعية، لإبعاد العقل الخالص والتفكير السليم. لقد أثبتت انه ‏إذا كان نقص التنظيم هو مصدر للفوضى فإن زيادة التنظيم سبب في الجمود، الاستئثار بالسلطة ‏والآلية، لدرجة أن النقاش استحضر في لحظات من الجلسات العامة خطابات من” نصوص ‏مختارة “.‏

إن عملية إثراء الميثاق الوطني التي دُعي الشعب إليها كان من الممكن أن تكون مهمة سهلة ‏للمواطنين إذا كان قد سبقها، عدة أشهر من قبل، تحسيسٌ حول التقييم العمومي، ونقد حصيلة 23 ‏سنة من الاشتراكية في الجزائر خلال المؤتمر الخامس لجبهة التحرير الوطني. حوصلةٌ كهذه كان ‏من الممكن أن تساعد المواطنين على فهم ما هو مطلوب منهم بالضبط، إذا جُعل منها موضوعا ‏للدراسة والتعاليق المتخصصة، مدعمة بالأرقام، تشمل كل القطاعات والخبرات اللازمة. الأكثر ‏لفتا للإنتباه، هو هل المهتمين بالراهن الوطني العمومي على علم أن عملا مثل هذا تم انجازه أم ‏لا؟

في الواقع، أمام الكاميرا و ” مجمع حكماء” المسؤولين، أعطى الكثيرون، وهم مأخوذون بذلك ‏الجو المهيب، الانطباع أنهم هناك لأداء فرض أو للقيام بامتحان شفهي. من جهة، تظهر أحيانا ‏مداخلات مبدعة مدهشة من كثرة الوضوح والنضج. ومن جهة أخرى، تدخلات طيبة، مثيرة ‏للمشاعر من كثرة صدقها. وبالموازاة شاهدنا لقطات تشبهالأدوار الإيمانية التي لا فائدة منها، ‏التأكيدات والإعادات المملة، ” التحاليل ” التي لا طعم لها والتي ينفيها الواقع، الذي يعرب عن ‏إرادة حازمة في عدم التخلي عن اشتراكية البقرة الحلوب أكثر من كونه رغبة في إثراء الميثاق، ‏عزيمة همجية ليس للاستمرار في الأكل من مزود العلف بل في أكل المزود نفسه إذا فقد العلف.‏‎.‎‏.‏

بالنسبة للبعض، المسألة تلقائية آلية، إنهم هنا، صارمون، حريصون على ألا ترِد أي كلمة جديدة قد تُفسد ‏الجو العام الصافي للغة الخشب، على ألا تمر فكرة جديدة إلى متحف حفظ الأفكار الميتة التي تحتل مكانا ‏في عقولهم. لكن للبعض الآخر،المسألة مسألة فكرة مسبقة، إنهم مدافعوا و حماة المواقع التي حصلوا ‏عليها و حصّلوا منها العديد من المكاسب، هم هناك لتعطيل كل إثراء قد يسبب إضعاف مواقعهم في ‏الحياة، الأمر الذي يخشونه كثيرا.‏

هؤلاء هم من نجد بينهم مرشحين لترقيات اجتماعية لم يكونوا ليستحقوها أبدا عن كفاءتهم الخاصة ‏وقيمتهم الأصلية. الإثراء، موضوع الحديث، ليس ذلك الذي يتعلق بالأدبيات الموجودة في النص، بل ‏بالحياة الوطنية من خلال مؤسساتها، جهازها الاقتصادي، نظامها السياسي، تطوير حظوظها لمواجهة ‏مستقبل، لن يكون ساطعا كما يحاول بائعوا الأساطير الترويج له والتغرير به، بل سيكون صعبا كما ‏تترقبه التوجهات العالمية‎.‎

على هذا النوع من المواطنين و المناضلين، و هم بالتأكيد أهل بلاغة بامتياز، أن يتعلموا الإستفادة من ‏الاهتمام بلغة الأرقام كقراءة ميزان المدفوعات لبلدهم مثلا.عندها سيظهر لهم بلدهم على حقيقته، من ‏ظرف دولي إلى آخر، و ليس ما يعتقدونه الوضع الدائم و بشكل قطعي ابدي. فإن اعتقدوا أنفسهم ‏ماهرين في تحديد نهاية قلق ما بعد البترول مع أواخر سنوات التسعينيات، لن يكون لديهم الوقت الكافي ‏للاستفاقة من مفاجئتهم إذا غامرت العربية السعودية ونفذت تهديداتها الأخيرة بتخفيض سعر البرميل إلى ‏‏15 دولار‎.‎

لأن اشتراكية البقرة الحلوب، اشتراكية مجانية وسهلة، هي كالشراب الذي يجعل النظر، وبالأحرى ‏النظر القاصر، مغبشا غير واضح. من يرفض أن يكرس لها ولاءا خالدا إذا علم أنها أبدية؟ ما يحول ‏دون ذلك هو كونها لا تملك هذه الخاصية فقط، فهذه الاشتراكية لم توفر ما توفره إلا لأن الجزائر هي ‏عطاء الصحراء كما قيل عن مصر أنها عطاء النيل. لكن إن كان هذا النهر يجري منذ الأزل دون أن ‏يفقر أو يغني الإنسان والروح المصرية، فان بترولنا سينفذ يوما ما وهذا مما صار معروفا حاليا، لكن ما ‏لا نعرفه جيدا، أنه في انتظار ذلك ممكن له أن يسيل دون أن يكون له قيمة كبيرة.‏

أي شعب في العالم يريد مصلحته وخيره دون أن يعرف أين توجد في مرحلة معيّنة: يوجدان في التخلي ‏عن الأوهام والأساطير، في تجاوزا المصالح الشخصية العاجلة، في العمل الذؤوب والمضني الذي ‏يضمن المستقبل، وليس في الحياة السهلة بلا قيود، بين ثدي البقرة الحلوب والكلام الفارغ لبعض ‏‏”‏‎‎المفوضين عن الشعب”، والذين لن يتصوروا أبدا أن يروا كلامهم المعسول وامتيازاتهم الصغيرة قد ‏يُعاد النظر فيها.

يمكنهم أن يروا ويستشفوا قليلا خير شعبهم، لكن لا يريدونه لأنه سيتسبب في زوالهم كطفيليات أو ‏مواطنين من الدرجة الأولى. وتجدر الإشارة إلى أن الشعب إن كان قد فوّض بضعة أشخاص، هناك ‏كثيرون ممن فوضوا أنفسهم بأنفسهم كي يقرؤوا له الكف ويوشوشوا له أين يكمن خيره الكبير.‏

أراد الشعب الجزائري وقبِل بنظام الحزب الواحد، لأنه رأى فيه باكرا أسلوب التنظيم الذي يتلائم مع ‏فترة التحرير وبعد الاستقلال على السواء. التعددية الحزبية لم تكن لتقوده إلى الاستقلال، فهو لم يكن ‏مخولا لأن يسيّرها، بمعنى أن يجعله سريعا من الشروط اللازمة لتشييد الدولة المركزية، لترسيخ الوحدة ‏الوطنية ولجمع كل الطاقات البشرية والمسارعة في التحكم في الثروات الاقتصادية الوطنية. ‏

إذن فقد تثبت هذا النظام منذ البداية كضرورة تاريخية وسيظل كذلك حتى وإن علمنا، من تجربتنا ‏وتجربة دول أخرى، انه في نفس الوقت يمثل التنظيم السياسي الأكثر ملائمة لتشكيل الأوليغارشيا التي ‏تجد نفسها في الوضع الأمثل للحكم دون تكليف أو مُسائلة.‏

سنقتبس من أبطال التعددية، رغما عنهم، هذه الحجة التي تبدو صحيحة: لا يكمن المشكل في مجرد ‏مناقشة وحدة الحزب أو البحث عن بديل لحزب جبهة التحرير، بل في البحث على إيجاد وسائل لإبطال ‏الأضرار التي يمكن أن تنتج من هذه الوحدوية، وتؤثر سلبا على تطور مجتمع لم تبق تشكله الطبقات ‏التي عرفت وحاربت المستعمر، والذي يجد، من جهة أخرى، نفسه خاضعا لقوة جذب عالم عصري ‏تشغله الفعّالية على الكلام المعسول الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. 

هذه المساوئ موجودة في العلن وهي: الإنغلاق والجمود النافي لكل قيمة فردية، الفقر الفكري، التركيز ‏على مكاسب الإستحقاقات الانتخابية وحسب، خلق مناصب خاصة فقط للمسيرين التابعين للحزب ‏الواحد، الانشقاقات بين المناضلين وغير المناضلين.‏

أما فيما يخص التجديد الاجتماعي المثبت بإحصائيات معروفة لدى الجميع، علينا أن نتعلم أيضا مع ‏توكفيل (‏‎(Tocqueville‎‏ أن:” المجتمعات لا تهرم وتشيخ بنفس كيفية شيخوخة الإنسان، وكل جيل يولد ‏في أحضانها كأنه شعب جديد سُلم ليد المُشرّع “. ‏

يمكن أن يتشكل ويتبلور فكر سياسي جزائري محض، جزائريّ بامتياز انطلاقا من التفكير في هذه ‏المساوئ و سبل معارضتها.من المُسلّم به أن الإعتراف و محاربة هذه المساوئ من الداخل، سيكبح تغذية ‏المزايدة الديماغوجية للمنشقين الذين يعملون من باريس، الرباط، جنيف و طرابلس على زرع الشك و ‏تحطيم الروابط الأخلاقية و السياسية للشعب الجزائري بالهمس له أن الجزائري لن يجد خلاصه 

سوى ‏بين أيديهم المباركة‎.‎

لا يمكن منطقيا للحزب الواحد، وكانت هذه واحدة من مطالب المتدخلين في النقاشات، أن يكون من فعل ‏رجال يودون أن يكونوا وحدهم، ويفرضوا فكرهم الوحدوي، ومعادلاتهم الشخصية الخاصة‎. ‎لابد أن ‏يثبت قدرته على أن يمثل بالفعل الطليعة، النخبة الأخلاقية والسياسية للأمة.

هذه العناصر بما فيها تلك الموجودة في المنظمات الجماهيرية لابد أن تُستأصل من حسّ الناس الذين ‏يرون فيهم “مناضلين”، أو بالأحرى رجال ذوو التركيبة الغامضة والمؤهلات المشكوكة، الذين يملكون ‏الوقت لممارسة فن لغة الخشب، وتنظيم اجتماعات بدون موضوع ولا نتيجة تذكر. لابد أن يصبح ‏للنضالية تعريفا مقبولا ومقنعا، محتوى يتعلق بنشاط معروفِ الفائدة، دور خلاّق للثروة، وليس مجرد ‏‏”هواء وريح” أو تطفل.‏

على الحزب، من خلال مكوناته أن يتكيف مع الأزمنة الحديثة، وليس على هذه الأخيرة أن تبحث على ‏مكانها في فضاء بقي يميزه الخطاب الغامض، رغم التحولات القيّمة لهذه السنوات الأخيرة‎!‎

بنفس الطريقة التي تَبلى بها الأشياء والمعدات ويلغى استعمالها، تنتهي اللغة التي تُستعمل كثيرا وأساليب ‏التفكير المهجورة إلى عدم إعطاء أية مردودية‎. ‎لابد إذن من إصلاحها وتعويضها خشية البقاء يوما ما ‏كالضائع في أرض فلاة. لم يفعل القائد الصيني دانغ‎ Deng Xiao Ping، والرئيس غورباتشوف، والزعيم ‏كاسترو وآخرين شيئا سوى محاولة، كل واحد منهم حسب مشاكله وأسلوبه، تكييف مؤسساتهم لمتطلبات ‏الأزمنة الجديدة: التغيير والانفتاح الديموقراطي…‏

ومما لا يمكن إنكاره، فإلى وقت قريب، و لا يمكننا إخفاء ذلك، لا يتحدثون في الخارج عن “جزائر جبهة ‏التحرير” بل عن “جزائر الكولونال”‏‎.‎‏ هو أكيد أسلوب لاستفزاز الجزائريين، وتشبيههم بالعديد من ‏الدول الإفريقية حبيسةُ قدر الانقلابات. لكن لان حزب جبهة التحرير لم تظهر إلا كإطار نظري، كظل ‏شبحي، وكأنها “وزارة الكلام الفارغ”‏‎‎تكلف بمهام غير حقيقية كقيادة حملة التشجير أو المشاركة ‏المناسباتية كديكور في حملة انتخابات بلدية‎.‎

لابد أن نمحو مفارقة، رغم أن هذا لا يهم كثيرا، أنْ ليس الحزب هو من أقام دولة القانون، بل الدولة هي ‏التي أقامت خلال السنوات الست الأخيرة حزب القانون. لكن الأهم هو أن يعود حزب جبهة التحرير إلى ‏دوره الأساسي لإرضاء كل الجزائريين. مع معرفة المسؤوليات الحقيقية والسامية التي هي إلى الآن ‏مسؤولياته، على الحزب أن يتحفظ من التطور إلى أنماط أصبحت تقليدية للحزب الواحد، كما عرفتها ‏وكرهتها الشعوب التي سبقتنا في هذه الطريق. 

هم على الأقل، لهم عذر أن لم يكن لهم أسلاف، لان الخطر الأكبر الذي يترقب كل حزب واحد هو إتباع ‏الجسر السهل والمغري للديماغوجية، المحسوبية، العشائرية، وبدل أن تصبح الوحدة حجة لتوحيد ‏الأشخاص، وذريعة لتكوين الوصوليين، لابد أن تكون الوحدة الذاتية لكل الأمة. فأي نظام أفضل للوقاية، ‏للدفاع وللحماية من تشجيع الفكر النقديّ، المسؤول،الإيجابي والبناء؟

« Algérie-Actualité » 10 أكتوبر 1985

موقع الجزائر اليوم 07 فيفري 2019

You may also like

Leave a Comment