كيف نصير قوة عظمى ؟

by admin

ترجمة عبد الحميد بن حسان

إنّ المُتتبّع للحملة الإعلامية التي رافقت لقاء القمّة بين ريغان وغورباتشاف ‏‎(Reagan-Gorbatchev)‎‏ ‏يُخيّلُ إليه أنه‎‎‏(لقاء من الطراز الثالث‎»‎‏. ذلك أنّ صعود حدّة التنافس إلى مستوى الفضاء، وبلوغ ‏التعارض مداه بين النظاميْن الأمريكي والسوفياتي، إضافة إلى كونهما على قدم المساواة بخصوص ‏قدرتهما على التسبّب في فناء العالم، كلّ ذلك كاد أنْ يُنْسينا أنّ هذين العملاقيْن مُتعوّدان على اللّقاء ‏‏(فقد جرى لقاء بين كارتر وبريجنيف، وبين نيكسنو‏‎‎بريجنيف، وبين خروتشاف وكنيدي، وبين ‏ستالين ورزفلت)، وكاد أنْ يُغيّب من أذهاننا أنّ مسألة نزع التّسلّح قديمة (فقد عُقِدَ أوّلُ مؤتمر حول ‏هذا الموضوع في واشنطن في أواخر العشرينيات)، وأنّ هذين العملاقيْن بينهما أكثر من قاسم مشترك ‏واحد إنْ على مستوى السياسة الدّولية أو على مستوى النازع النفسي التاريخي الواحد. لكن هذا كلّه ‏ليس هو موضوعنا في هذا المقال.‏

‎‎

إنّ هذا الحدث يدعونا إلى النظر في حالتنا كبلد من العالم الثلث وكأمّة اشتراكية فتيّة، والنظر إلى ‏وزننا الحقيقي في العالم، وإلى مضمون أفكارنا وأساليب عملنا. وهو يمنحنا الفرصة لعقد بعض ‏المقارنات مع عدم إهمال الفوارق وإبراز ما هنالك من أفكار مسبقة وإبهامات سائدة إلى حدٍّ بعيد.‏

ترك صاحب كتاب (الديمقراطية في أمريكا‎ Alexis de Tocqueville‏) نصاًّ عجيبا، وهو بمثابة نبوءة ‏حقيقية، إذ يقول فيه: ‏

‎)‎‏” على وجه الأرض اليوم شعبان عظيمان انطلقا من منطلقين مُختلفين، ويبدو أنّهما مُتّجهان إلى ‏غاية واحدة : إنهما الشعب الروسيّ والشعب الأمريكي. كلاهما نشأ في الظلمات، وبينما كان العالم ‏مشغولاً بأشياء أخرى تمكّن هذان الشعبان من احتلال الصدارة فجأةً، ولم يسمع العالم بميلادهما ‏إلاّ وهُما في مراتب العظمة. أمّا الشعوب الأخرى فهي كلّها تقريبا تبدو وكأنها قد وصلتْ إلى الحدود ‏التي رسمتها الطبيعة والتي عليها أن تحافظ عليها، بينما هذا الشعبان في أوج نموّهما. كلّ الشعوب ‏الأخرى متوقفة أو هي تتحرك بصعوبة، أما الأمريكان والروس فيتقدمان بسهولة وبسرعة في مضمار ‏لا يمكن للعين اليوم أن تجد له حداًّ…‏

أولهما يعتمد على المصلحة الشخصية في الوصول إلى الهدف، ولا يتدخل في تسيير طاقات الأفراد ‏وعقولهم. أمّا الثاني فهو يُركّز كلّ طاقة المجتمع في فرد واحدٍ. أولهما يعتمد على الحرية كوسيلة عمل ‏أساسية، والثاني يعتمد على الاستعباد. لقد انطلقا مِنْ مُنطلقيْن مُختلفيْن، وسلكا سُبلاً مُتباينة، ‏لكن كليهما يبدو وكأنه مدعوّ، ولغاية لم تكشف عنها العناية الإلهية، إلى التّحكّم في زمام نصف ‏العالم يوماً…)‏

‎.‎

إنّ هذه النبوءة التي صاغها توكفيلTocqueville‏ لم تتحقق في يالتا‎(Yalta)‎‏ أو بوتسدام‎(Potsdam) ‎، ‏أي بعد 110 سنوات بعد صياغتها، بل بدأت تظهر علاماتها للجميع منذ سنة 1945. ففيما يتعلّق ‏بالاتّحاد السّوفياتي يتضح أنه من الخطأ الاعتقاد بأنه انطلق من لا شيء. فحسب ما يتّضح من كلام ‏توكفيل الذي عاش بعد بطرس الأكبر‎ (Pierre le grand)‎‏ بقرن كامل، فإنّ روسيا قد بدأت تسلك ‏طريقها نحو العظمة منذ أيام ذلك القيصر.‏

وبالفعل، فإنّ بطرس الأكبر هو الذي أخرج روسيا من القرون الوسطى ووضعها في طريق الرّقي ‏والاتجاه إلى مستقبلها كقوة عظمى. لقد كان هذا القيصر شديد التّأثر لما شاهده من مظاهر التأخر ‏في بلاده قياساً بأمم أوروبا الأخرى. هذا القيصر الذي سيحظى بتقديس حقيقيّ عند البلشفيين ‏وعند ستالين بشكل خاصّ هو الذي شرع في تحديث بلاده وتنظيمها سالكاً إلى ذلك كل الطرق ‏العادلة وغير العادلة، مستعملاً القدوة الحسنة تارةً والإرغام الجسديّ تارةً أخرى.‏

كان شديد الاحتقار لأوروبا اللاّتينية وأوروبا الصالونات، وأقبل بوجهه على أوروبا الصّناعة، أوروبا ‏الورشات والثكنات لكي يبدأ رحلة التّعلّم. لقد سافر إلى هولندا واشتغل فيها كعامل في ورشات ‏الصناعة البحرية، وسافر إلى ألمانيا وتعلّمَ منها فلسفة إتقان العمل، وتوجّه إلى أنجلترا حيث ‏اندهش لأجواء الديمقراطية عندما حضر بعض اجتماعات البرلمان…‏

وعند عودته إلى وطنه شرع بطرس الأكبر في تأسيس مفاهيم الدولة والملك العموميّ ومصلحة ‏الدولة، وفرض على المُوظّفين أداء يمين الوفاء للدّولة بمنأى عن اليمين التي تؤدّى له بصفته ‏كقيصر، كما أنشأ الجيش النِّظاميّ الدائم، وشرّع الخدمة العسكريّة الإجبارية والتّعليم العامّ، ووضع ‏أسس نظام جبائيّ من أجل ضمان موارد التمويل.‏

وتشجيعاً للعُمّال كان يزورهم في ورشاتهم ويعتزّ بأنه متحكم في أربع عشرة مهنةً، كما يعتزّ بتحكمه في ‏استعمال القدوم لقطع الخشب الذي سيُستعمَلُ في بناء أسطول بحريّ مكّنه من إلحاق الهزيمة ‏بالسويد، عدوّه اللّدود، لأوّل مرّة في التاريخ. وجاء في بعض كتب التاريخ أنّ: (مخطّطهُ الخماسيّ ‏الأوّل يبدأ منذ رجوعه من هولندا)، أي في نهاية القرن السابع عشر.‏

‎.‎

إنّ التوجه إلى اتّحاد سوفياتي كقوة عظمى في المستقبل ظهر في الحقيقة قبل قيام هذا الاتحاد ‏بقرنين، أي في أيام بطرس الأكبر الذي لم يتردّد في قتل ابنه لأنه كان يُعارض فكرة تحديث روسيا ‏بالقوة والقهر. وبطرس الأكبر نفسه لم يأتِ إلاّ لمُواصلة الحُلم الذي بدأ به إيفان القاسي ‏Ivan le ‎terrible، مثله مثل كاترين الثانية التي أضافت بعض التحسينات لما ورثته عن سلفها.‏

لكن تجب الإشارة إلى أنّ الحكم الاستبدادي القيصريّ أقام إمبراطورية بدون وحدة داخليّة، إذ كان ‏هذا الحكم يُحافظ على مصالح الطبقة الحاكمة (منذ إيفان القاسي إلى نيكولا الثاني)، أمّا الشعب ‏الروسيّ فلم يعرف أيّ تحسّنٍ في ظروف معيشته. ولم يكفِ إلغاء النظام الإقطاعي سنة 1861 على ‏يد نيكولا الثاني لإعادة الأراضي إلى الفلاّحين الذين كانوا دوماً يُمثِّلون الأغلبية الساحقة من الشعب ‏الروسي. ولم يتحقق هذا المطلب إلاّ بمجيء ثورة أكتوبر. وعندما تحرّر الشعب الروسي وصار يتنعّم ‏بمحاسن الاشتراكية والعدالة والحُرية أثبت للعالم أنه شعب عبقريّ وذو قدرة على التّضحيّة وعلى ‏بذل أقصى جهده في العمل.‏

وتمكّن الاتّحاد السّوفياتي في ظرف خمس عشرة سنة (أي من 1927 إلى 1941) من تحقيق قفزة ‏نوعية ليتحوّل من بلدٍ زراعيّ بالأساس إلى قوة صناعية كبرى. إنها الحقبة التي كان المخطط ‏الخماسي فيها يُنفّذ وتُحقق أهدافُه في أربع سنوات فقط، والتي كان التنافس على أشدّه في أجواء ‏الاشتراكية حتى ظهر رجال أمثال ألكسي ستاخانوف، وهو عامل المناجم الذي تمكّن من استخراج ‏‏102 طناًّ من الفحم خلال ليلة واحدة بينما كان متوسط ما يستخرجه العامل العادي هو سبعة ‏أطنان. ولم يتوقف عند هذا الحدّ بل رفع رقمه القياسي بعد ذلك ببضعة أشهر إلى 227 طناًّ. ‏

‎.‎

إنها الحقبة التي كان فيها كلّ العُمّال يُقدّمون ساعات عمل إضافية بدون مقابل، والتي كان فيها الفرد ‏الروسيّ مُضطراًّ للعمل والاستقرار لأنّ مِنْ بين الوثائق التي من واجبه أن يحملها معه جواز السفر ‏الداخليّ ودفتر العمل، والتي كان فيها الانضباط في العمل شبيها بالقانون العسكري، وحيث النقابات ‏لم تكُنْ تُؤسَّسُ لكي تُمثِّل جماعات أو تشكيلات مُعيّنة، بل لتُمثل المصلحة الاجتماعية وعقيدة ‏المردوديّة. أمّا ما نُسمّيه نحن بنقابات المؤسسة ‏GSE‏ فهو في الاتحاد السوفياتي يُكافىء الكفر ‏والفسوق الذي يُعاقب صاحبه بالإقامة المؤبّدة في مُحتشد من مُحتشدات العمل.‏

‏ وكان غزو سيبيريا في الاتحاد السوفياتي شبيها بغزو غرب القارة الأمريكية في الولايات المُتّحدة. إنها ‏الحقبة التي صار فيها هذا البلد هو أول مُنْتِجٍ للقمح في العالم، والتي أدّى فيها المزج بين سياسة ‏إيفانالقاسي وفلسفة ماركس إلى إنتاج أُمّةٍ بلغت درجة الحافزية فيها أعلى المستويات، أُمّة لا تؤمن ‏إلاّ بالواجبات، وعلى رأس تلك الواجبات أن تتفوّق على البشرية قاطبة في كلّ المجالات.‏

إنّ الاتّحاد السوفياتي بالصورة التي يظهر بها في أيامنا يمتلك، بالإضافة إلى عبادة العمل والتضحية، ‏عوامل قوة طبيعية هامّة، فهو أكبر دولة في العالم من حيث المساحة (ثلاثة أضعاف مساحة ‏الولايات المتحدة، وأحد عشر ضعفاً من مساحة الجزائر)، ويتمتع بأعلى احتياطيّ من البترول في ‏العالم، وهو المتحكم في ثلث تجارة الذهب المُتداول في العالم، كما أنه من بين البلدان المُصدّرة ‏للغاز، والألماس، والأسلحة…‏

ولفهم الظاهرة السوفياتية لا بدّ أن توضع بعين الاعتبار تلك الأبعاد الثلاثة المذكورة، وهي: التربُّع ‏على قارة بين أوروبا وآسيا مع التمتع بموقع مفصول عن باقي البلدان وكأنه جزيرة، وتقاليد حكم ‏مركزيّ مع إرادة جامحة للتفوّق (وهما الميزتان اللتان استمرّتا منذ إيفان القاسي إلى ستالين، إضافة ‏إلى الإيديولوجية الاشتراكية التي وجدت مكانها في الذات الروسية. إنّ الإدماج بين هذه العوامل هو ‏الذي جعل من الاتّحاد السّوفياتي تلك القوة الاقتصادية والعلمية والعسكريّة التي نراها بين أعيننا ‏اليوم.‏

وبالإضافة إلى كلّ هذا فإنّ هذه القوة العظمى تُحاول منذ نهاية السبعينيات أنْ تُصلِح بعض أساليب ‏العمل التي تجاوزها الزمن، وخاصة ما يتعلّق بالتطوير التوسّعي (الاهتمام بالكم على حساب النوعية ‏وسعر الكلفة، واستيراد التقنيات، والتخطيط البيروقراطيّ، وتزوير الأرقام والإعلام الاقتصاديّ ‏تزويراً كُلّياًّ…). فتلك أساليب انتهى أمرها وأثبتت عدم قدرتها على تحقيق نتائج جيدة.‏

‎‎

أمّا في المجال الزراعي فإنّ هذا العملاق الذي كان مُصدّرا للقمح صار يعاني من التبعيّة الغذائية. ‏ناهيك عن التأخر الذي سجّله في المجالين الصناعيّ والتكنولوجيّ. وأخيرا، وفيما يخصّ المجال ‏المالي، فإنّ الاتّحاد السوفياتي قد سلك سبيل الاستدانة الخارجية بطريقة سريّة خلال السّبعينيات، ‏وذلك بأخذ قروض من الأسواق الأوروبية، وهي تُقدّرُ بعدة ملايير من الدولارات.‏

والأمر الذي تجاوز حدود المُفاجأة هو أنّ هذا العملاق قد لجأ في سبتمبر 1984، ولأوّل مرّة منذ ‏‏1917، إلى السوق الأوروبية المتعاملة بالسندات (‏marché euro-obligataire‏) حيث أصدر قرضاً بـ ‏خمسين مليون دولار بعنوان الدوتش البنكي لمدة سبع سنوات وبنسب فوائد غير ثابتة. والعجيب ‏في هذا أنّه، على عكس القروض الأوروبية الأخرى التي هي دعوة إلى البنوك التجارية، فإنّ القروض ‏الأوروبية بالإصدار هي دعوة إلى الادّخار المباشر للخواص.‏

‎‎

إنّ ما عُرِف به غورباتشاف من انفتاح ليس مردّه الرّغبة في جلب إعجاب الدول الغربية الرّأسمالية، ‏لكنه تعبير عن الوعي بضرورة التكيّف مع التقنيات المتطوّرة، سواء أكان ذلك في مجال التسيير ‏الاقتصاديّ والمالي أو في المجال العلمي والتكنولوجي مِن أجل المحافظة على مرتبة العملاق ‏السوفياتي كقوة عظمى في العالم، بل ورفعها إنْ أمكن.‏

ويمكن اعتبار المقترحات التي تقدّم بها الاتحاد السوفياتي حول موضوع الحدّ من الأسلحة ‏الإستراتيجية غير مسبوقة، لكن الاستجابة لها من الطرف الأمريكي كانت تتطلب أنْ يكون وودرو ‏ولسن، صاحب النقاط الأربع عشرة، هو الحاضر في المفاوضات، وليس رونالد ريغان. ولهذا فإن ‏جولة المحادثات الجارية في جنيف لن تفضي إلى أية نتيجة مُفاجئة. أمّا فيما يخصّنا نحن، فإنّ هذا ‏اللاّحدث قد أتاح لنا على الأقلّ أن نتأمل قليلاً في المسار التاريخي لهذه الأمة التي هي اليوم بمثابة ‏مرجعٍ للحلم الاشتراكيّ في العالم.‏

« Algérie-Actualité» ‏ 21 نوفمبر 1985‏

You may also like

Leave a Comment