Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (3)‏

حياة مالك بن نبي (3)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

أتيح لمالك بن نبي خلال السنة الدراسية 1921-1922 أن يكتشف في مكتبة “النجاح”‏‎ ‎كتابين بقي ‏يعتبرهما كأقدم وأهمّ مصدرين لتوجّهه الفكري، وهما كتاب‎ ‎‏”الإفلاس الأخلاقي للسياسة الغربية في ‏المشرق” للشيخ أحمد رضا، وكتاب “رسالة التوحيد”، وهو كتاب حول وحدانية الله، للشيخ محمد عبده. ‏

وهو يقول عنهما ” أنا مَدِينٌ لهما بوجهتي العقلية منذ تلك الفترة. فكتاب أحمد رضا وضع بين يديّ ‏مقياساً صحيحا لقياس النكسة الاجتماعية الحالية، إضافة إلى فيضٍ من المعلومات حول الماضي المجيد ‏الذي عرفه المجتمع الإسلامي أيام ازدهاره. أمّا كتاب محمد عبده، وأخصّ بالذكر فيه تلك المقدمة الهامة ‏التي كتبها مُترجموه (1)‏‎ ‎حول ثراء الفكر الإسلاميّ عبر العصور، فقد منحني مِحكاًّ حقيقياًّ مكّنني من ‏الوقوف على فظاعة التردّي الذي آلَ إليه في الحاضر” (م.ش.ق). وكم كانت سعادة ذلك المُراهق الذي ‏نشأ في وسط الأهالي وتعوّدَ على التساؤل عن أسباب تردّي أحوال شعبه، عندما اكتشف بمطالعاته أنه ‏ينتمي إلى سلالة ثقافية كانت يوماً ما في أعلى مراتب الرقي والقوة! ‏

و‎ ‎لقد قاده ذلك إلى استنتاج أنّ الوسط الذي يعيش فيه ما هو إلاّ الصورة المتردّية لحضارة أنارت الكون ‏بأشعتها طيلة قرون من الزمن. و‎ ‎لم يكن بن نبي في تلك المرحلة يملك الوسائل التي تُمكّنه من التنظير ‏للمراحل التي يمرّ عليها (عُمْرُ الحضارة)، لكنه كان يعيش حالة حدسٍ أولى ستكون تمهيداً لدخوله مرحلة ‏التنظير. ‏

والمُهِمّ أنه قد تجاوز المرحلة التي كان يستسلم فيها للمواساة التي يجدها في قراءة الأدب الغنائي عند ‏أمثال لوتي ‏Loti‏ أو لا مارتين ‏Lamartine‏ أو شاتوبريان ‏Chateaubriand‏ ولو أنه وجد في أدب ‏هذا الأخير ما غرس فيه الاعتزاز بالانتماء إلى الثقافة العربية الإسلامية. إنّه لم يستفِدْ مِنْ هؤلاء إلاّ ‏نوعاً من الحنين إلى الماضي.‏

وعلى نقيض كلّ ذلك، فإنّ كُتب أحمد رضا ومحمد عبده جاءت لتُبْعِدَهُ عن أجواء الرومنسية وتضعه ‏وجهاً لوجه مع وقائع التاريخ. فتلك الكتب “كشفت له عن الوجه التاريخي الواقعي للشرق” الذي بدأ ‏مالك بن نبي يشعر به حقيقةً، “وبواقعه المُزري في الحاضر كذلك” (م.ش.ق). وبإمكاننا أن نتصوّر من ‏خلال هذه الأحكام حجم الامتعاض الذي كان يشعر به بن نبي وهو يرى هذا المشهد الذي يمثل له حياة ‏‏”الأنديجان” التي آلت إليها أحوال الأمة بسبب انحطاطها في الحاضر.‏

وكان كثيراً ما يصل إلى مسمعه خلال سنوات وجوده في تلك المدرسة اسمُ تلميذ من مدينة باتنة، كان قد ‏غادر المدرسة عاماً قبل دخول بن نبي إليها، إنه حمودة بن ساعي (1902-1999). وسيتعرّف عليه بن ‏نبي بعد بضعة أشهر من ذلك، ثُمّ تنشأ بينهما رابطة صداقة قوامُها الانسجام الفكري الذي سيمتدّ على ‏مدى عدة عشريات من الزمن.‏

كان بن ساعي في نظر بن نبي من بين الذين تأثر بهم في اتّجاهه الفلسفي، ويقول عنه في مذكراته ‏‏”وهكذا كُنتُ تحت تأثير عديدٍ مِن القوى التي ظلّت تُوجِّهني وتُعدِّل وجهتي وتحُثُّ خطايَ في دروب ‏الفكر. و‎ ‎لا بدّ لي أن أقف عند إحدى تلك القوى، والتي قد تبدو فريدة. إنه صديقي حمودة بن ساعي”. ‏وهو ينعته بأنه كان “موهوباً، ذكياًّ ومزدوج الثقافة بالعربية و‎ ‎الفرنسية. و‎ ‎هو بذلك من الأمثلة التي ‏يجب أن يُقتدى بها… وممّا يُعجبني فيه كثيراً طريقتُه في تأويل آيات القرآن بحسب الوضع الحالي الذي ‏يمرّ به المجتمع الإسلامي”. وسيذكره مالك بن نبي بعد هذه الفترة بخمس وعشرين سنة في إهداء أول ‏كتاب له، وهو “الظاهرة القرآنية” (2) حيثُ شرّفه باعتباره هو أستاذه. ومِن النادر أن نجد مُفكِّراً في ‏مرتبة بن نبي يُكْرِمُ بهذه الدرجة شخصاً مغمور الذكر.‏

ومِن العادات التي سار عليها بن نبي أيام دراسته أنه كان يرتاد أحد المنتديات الأدبية بعد ساعات الدّوام. ‏كان ذلك في مقهى “بوعربيط” الواقع بالقرب من المدرسة التي كان فيها، حيث كان يلتقي طلبة السنتين ‏الثالثة والرابعة الذين كانوا أكبر منه سناًّ. وكانت تلك فرصة يشارك بها في مناقشات حول أعلام الأدب ‏العربي قبل الإسلام وبعده، مِن أمثال: أمرئ القيس وعنترة والفرزدق والأخطل وأبي نواس… وقد يكون ‏الحديث حول أدباء عرب معاصرين مثل حافظ إبراهيم ومعروف الرصافي وجبران خليل جبران وإيليا ‏أبي ماضي… ‏

وبقي مالك بن نبي يذكر تلك الأوقات التي سادت فيها العواطف الفكرية الجياشة حتى وهو في سن ‏الستّين عندما ألّف كتابه “مذكرات شاهد على القرن”، إذ أنشأ يقول: “لقد أتاحت لنا ترجمة قصيدة ‏البحيرة (‏‎ Le Lac ‎‏ ) لـ لامارتين ‏Lamartine‏ اكتشاف نوع أدبي جديد، وهو الشعر الفرنسي ‏المترجم على يد أكبر أعلام الأدب العربي المعاصر. وكان المنفلوطي على رأس مدرسة الترجمة ‏آنذاك‎ ‎‏”.‏

كانت سيرة بن نبي قبل عودته إلى قسنطينة أشبه شيء بروايات مارسيل بانيول ‏Marcel Pagnol، ‏أمّا بعد ذلك فيُخيّل إليك أنك تقرأ حلقة من سلسلة نجيب محفوظ في “خان خليلي” (3) بأجوائها الساحرة.‏

وهكذا راح ذلك المراهق ينتشي بسحر المطالعات بمختلف أنواعها، ويُقبِلُ بوجدانه الطافح على حلقات ‏النقاش مع الطلبة حتى كاد يُهمِل دروسه لأنه وجد في ذلك غذاء عقلياًّ لَطالما كان يتوق إليه، ولأنّ ذلك ‏الغذاء العقلي كان يحمل إجابة عن تساؤلات أكثر إلحاحاً. و يتّضح من ذلك كله أنّ صاحبنا كان في رحلة ‏البحث عن هويته.‏

كان بن نبي كثير المطالعة، إذ قرأ سلسلة “باردايان” (‏Pardaillans‏ ) لـ ميشال زيفاكو ‏Michel ‎Zevacco‏ بكاملها، وكذلك (الأناجيل)، وهو أول مؤلَّف قُدِّمَ له عندما شرع في زيارة مكتبة البعثة ‏الأنجليكانية بقسنطينة. ‏

في تلك المكتبة تعرّف بشكلٍ غير مُنتظر على أحد الطلبة القدامى، وهو من تبسة، واتضح أنه تحوّل إلى ‏المذهب البروتستانتي بعد حفظه للقرآن الكريم، وكان ذلك على يد راهبة أنجليزية كان أهل تبسة ‏يسمّونها (السيدة بينة). وهذا الطالب (الذي كان يُدرِّسُ القرآن في الماضي) هو الذي سيتولّى إدارة البعثة ‏الإنجيلية في قسنطينة بعد ذلك. ويُستفاد من مالك بن نبي أنّ طلبة ابن باديس أنفسهم كانوا كثيراً ما يأتون ‏لمناقشة هذا الشخص الغريب الأطوار حول ألوهية المسيح وحول مواضيع أخرى في جوّ كلّه تسامُحٌ ‏واحترام متبادل.‏

كانت تلك المشاركة في التبادلات الفكرية بالنسبة لمالك بن نبي فرصة مكّنته من الكشف عن عيوبه، ‏وهو يقول في ذلك: “بدأت تبرز بعض ملامح طبعي. فلقد شرعتُ في التعبير عن بعض آرائي بوضوحٍ ‏موجِعٍ أحياناً… وإنني اليوم على علمٍ بأنّ هذه السمة تُمثِّل حجر الزاوية في كياني. وبإمكانك أن تجد فيها ‏تفسيراً لكثير من الأشياء التي جرت لي في المراحل اللاحقة من حياتي، وأخصّ بالذكر قلة مرونتي التي ‏سيلومني عليها أعزّ أصدقائي”.‏

لكنه في الوقت الراهن لا يزال يشعر بالسعادة لكونه في انسجام تامٍّ مع تلامذة ابن باديس. وهو يعتقد ‏اعتقاداً راسخاً أنّ التعايش بين الثقافتين أمرُ ممكِنٌ حتى ولو بدا الجوار بينهما ممجوجاً في بعض ‏الأحيان. وبالفعل، فإنك تتعجب من رؤية شخصٍ بحذاء أبيض وسروال ينتهي عند مستوى الركبتين، ‏ورباط عنق، وهو يرتدي برنوساً وشاشية.‏

عندما عاد بن نبي إلى تبسة لقضاء العطلة السنوية وجد والدته في معاناة شديدة مع المرض الذي ألزمها ‏الفراش وأعاقها عن الحركة. أمّا في المشهد الثقافي فقد استرعى انتباهه ظهور أفكار جديدة ولّدها ‏الصراع بين المدرسة التقليدية التي يمثلها شيوخ الزوايا، ومدرسة الإصلاح التي يمثلها بعض العلماء ‏العائدين من المشرق أو من جامع الزيتونة. وللعلمِ، فهناك بلدة حدودية بين تونس والجزائر تُسمّى ‏‏”نفطة”، بها مركز استقبال ذو طابع ثقافي شُيِّد خلال نهاية القرن 19م ليكون بمثابة صلة وصلٍ بين ‏جامع الزيتونة والجنوب القسنطيني.‏

ولقد أدرك مالك بن نبي المراهق أن العلم الديني بصورته الجديدة لا يخلو من الشعوذة والفولكلور. كما ‏لاحظ ازدياد عدد السكان الأوروبيين واليهود في تبسة، وكان ذلك مِن نتائج فتح خطّ السكة الحديدية ‏المؤدي إلى مدينة عين البيضاء‎.‎‏ ‏

وكان شعوره بالفرق بين مدينة تبسة ومدينة قسنطينة يزداد كُلّما عاد إلى الأولى لقضاء العطلة، وهو ‏الأمر الذي أجّج نار مُعاناته الداخلية. يقول في ذلك: “كُنتُ في تبسة أنظر إلى الأشياء بعين الفطرة ‏والبساطة. أمّا في قسنطينة فكُنتُ أنظر إليها من زاوية النظر الاجتماعية والحضارية. ففي الأولى أرى ‏الطبيعة في صورة الإنسان الغليظ والبسيط، وفي الثانية يُسائِلُني التاريخ والمجتمع في مُعاناته الواضحة ‏للعيان” (م.ش.ق). وبقدر انجذابه وانبهاره بالمدينة بأنوارها ومحلاّتها وسياراتها، وبمظاهر الحداثة فيها، ‏كانت نفسه ترتاح لرؤية الطبيعة والناس البسطاء بغلظتهم، ولمُلامسة مظاهر الأصالة فيهم. ‏

وإذا انقضت العطلة وولّى فصلُ الصيف كان عليه أن يعود إلى قسنطينة لمباشرة سنته الدراسية الثانية. ‏وهناك سيكون الموعد ثانية مع أصدقائه وعاداته، ومع تلاميذ ابن باديس الذين يُكِنّ لهم كثيراً من ‏الإعجاب. فابن باديس كان يُمثِّلُ عنده ذلك “العالِم الوطنيّ‎ ‎‏” وذلك “العِلم المُسيّس”. كان مقرّ جريدة ‏‏”المُنتقِد” التي يُديرها الشيخ لا يبعد عن مقهى الطلبة إلاّ ببضعة أمتار، وهي الجريدة التي ستتّخذ اسم ‏‏(الشهاب) بعد منعها من طرف الإدارة الاستعمارية سنة 1925. وستتوقف جريدة الشهاب عن الصدور ‏بدورها سنة 1939.‏

عاد بن نبي إلى دروسه، لكنه كان يولي مُطالعاته اهتماماً أكبر بكثير. فلمْ يكُن يُتابع دروس الفقه عند ‏الشيخ العابد إلاّ على مضض. كان موعده هذه المرّة مع كتاب (أنتينيا ‏Antinéa‏) (4) الذي ظهر في ‏المكتبات، والذي بقراءته أصبح بن نبي مِن هواة الصحراء والآفاق الواسعة الجديدة والأسفار البعيدة، ‏فأصبح يحلم بـ تامبوكتو ‏Tombouctou‏ وبدأ يبحث في الخرائط عن الطريق المؤدِّية إليها.‏

تلك هي المرحلة التي اكتشف فيها مالك بن نبي كتاب إيزابيل إبيرهارت ‏Isabelle Eberhardt‏ (‏‎ ‎‏1877-1904). وهو يقول في ذلك: “سيُتاح لي في وقتٍ لاحقٍ أنْ أفهم سِرّ ولوع إرنست بسيشاري ‏Ernest Psichari‏ بالصحراء وإقباله عليها بنفسٍ مُتّقِدة. لكنني قد فهمتُ في تلك المرحلة ذلك السُّمّ ‏الناقع الذي بثّه في نفس إيزابيل إبيرهارت التي اكتشف العالمُ كتابَها المُدهش عن طريق فيكتور ‏باروكان ‏Victor Barrucand‏ . ذلك أني كُنتُ قد قرأتُ مراراً كتاب تلك المرأة الهائمة على وجهها ‏والتي ماتت موتةً فظيعة في عين الصفراء. وكُنتُ أبكي عندما أقرأ “في دفء الإسلام” ‏A l’ombre ‎chaude de l’islam‏ الذي اكتشفْتُ بفضله الشعر الإسلامي والحنين إلى الصحراء” (م.ش.ق).‏

إنّ مَنْ لم يعِشْ تجربة البكاء بعد قراءة روايةٍ أو سيرةٍ خارقة للعادة ليس بإمكانه أن يفهم الهزّة العاطفية ‏التي عاشها بن نبي والتي لازمته آثارها طيلة أيامه، إذ كان كثيراً ما يذرف الدموع لمُجرّدٍ ذكر مكارمِ ‏الأخلاق.‏

وخلال تلك الفترة كان لفيلسوفنا موعد مع قراءة الطبعة العربية لكتاب “أمّ القرى” لعبد الرحمن ‏الكواكبي. ولقد فوجىء بما في هذا الكتاب من أفكارٍ جديدة، وبما فيه من أصالة في الطرح. و يقول في ‏ذلك: “كان لهذا الكتاب أثر بالغ في أنفسنا لِما فيه من غرابة. فقد كشف لنا عن إسلامٍ يُعِدّ العُدّة للدفاع عن ‏النفس وللنهوض من الكبوة. و مع أنه لا يعدو أن يكون طرحاً خيالياًّ، فهو يحمل دلالة واضحة على ‏استيقاظ الضمير في العالم الإسلاميّ” (م.ش.ق).‏

هذا كلّ ما قاله بن نبي عن هذا الكتاب الذي لم يكن مُجرّد طرح خياليّ. فلقد اقترح الكواكبي، الذي كان ‏معاصراً للأفغاني ومحمد عبده، في هذا الكتاب، على حركة الانبعاث مُخططاً حقيقياًّ لإعادة بناء الفكر ‏الإسلامي وإعادة تنظيم العالم الإسلامي سياسياًّ.‏

وُلِد الكواكبي في مدينة حلب التي تلقى فيها تكويناً تقليدياًّ ودرس العلوم الدّقيقة. وتعرّض لمُضايقات ‏الحُكم العثماني بسبب مقالات نشرها في جريدتين كان هو مؤسسهما، وهما “الشهباء” و “الاعتدال”. ‏غادر سوريا هارباً، وراح يجوب الآفاق، إذ مرّ على كلٍّ من مصر، وزنزيبار، وإيثيوبيا، واليمن، ‏والحجاز وبلاد الهند. و كأنّ هذه الرحلة كانت من أجل جسّ النبض قبل أن يصوغ منهجه الفكريّ الذي ‏جاء في كتابين، هما “أمّ القُرى” و “طبائع الاستبداد” اللّذين سيكون لهما صدى كبير في أوساط رجال ‏الإصلاح العرب.‏

جاء كتاب “أمّ القرى” في شكل تقرير حول مؤتمر (حقيقي أم افتراضي؟ السؤال لا يزال مطروحاً إلى ‏يومنا) انعقد سنة 1898 في مكة بحضور ثلاثة وعشرين ممثِّلاً لمختلف البلدان الإسلامية، بل وحتى ‏لبدان مثل الصين وروسيا و أنجلتيرا. و كان الهدف من عقد ذلك اللقاء هو حوصلة أحوال العالم ‏الإسلامي المتردّية ثُمّ وضع مُخطط للانبعاث.‏

وينصّ ذلك المخطط على إعادة تنظيم الخلافة بجعلها رمزية، ووضع تنظيمٍ تربوي إسلاميّ جامِعٍ يهدف ‏إلى توحيد البرامج التعليمية الوطنية. ‏

وأنا أرى أنّ الكواكبي هو أوّل عقلٍ عربي مُتحرّر من النظرة الأخلاقية لمفهوم “النهضة”، إذ جاء ‏بمقاربة سياسية و براجماتية. وستكون لي عودةٌ إلى الأفكار الرائدة التي أتى بها هذا المفكر الخارق ‏للمألوف (5). ‏

عاد مالك بن نبي إلى قراءة كتاب أحمد رضا (“الإفلاس الأخلاقي للسياسة الغربية في المشرق”) مراراً، ‏ومِن أجل ذلك علينا أن نعتبر هذا الكتاب من بين أهمّ المنعطفات التي قادتْه إلى الاستيقاظ (6) غير أنّ ‏كتاب محمد عبده هو الذي أراه السبيل المؤدية إلى ذلك.‏

كتب بن نبي بعد هذه الفترة بخمس وعشرين سنة في (“وجهة العالم الإسلامي”) (7) قائلاً: “لا بُدّ مِن ‏الانتباه إلى ما كان يُمثِّلُه ظهور كتاب “رسالة التوحيد” بالنظر إلى أنه يخوض في مجالٍ مُتوقِّفٍ عن ‏الحركة منذ ابن خلدون. فلأول مرّة منذ قرون عديدة يجود عقلٌ مُسلِمٌ بعملٍ فيه تفكير، وهي كذلك أول ‏مرة يُطرح فيها النقاش ويُكسر جدار الصمت في جامعة من الجامعات الإسلامية العتيقة. فلقد شهد جامع ‏الأزهر، وهو من تلك الجامعات، نقاشاً حاداًّ أثاره جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وسيكون لذلك ‏النقاش أثر كبير في الأزهر لأنه يتناول مسائل حساسة. و لا يمس ذلك التأثير برامج الجامعة ومناهجها ‏التي تنتظر الصياغة الدقيقة رغم وجود بعض المحاولات السطحية في هذا الاتجاه، بل يمسّ بروح ‏المؤسسة ولُبِّها. فها هو الأزهر، وهو المركز الفكري للعالم الإسلامي، يُقِرُّ بشرعية الحركة والتطوّر، ‏ويُدرك أنّ درجة الإتقان القصوى أمرٌ مُستحيل، وأنّ كلّ الأشياء تخضع للتحسين المستمر، حتى ولو ‏كان ذلك تحت القباب الشامخة لذلك الجامع. وهكذا بدأ الفكر الإسلاميّ الحديث يتحرك داخل الحقل ‏الشاسع الذي فتحتْه الحركة الإصلاحية… إنّ محمد عبده هو المفكر الذي أعطى المثل الأعلى للجهد ‏الفكريّ في عالمٍ لم يتعوّد على التفكير، وهو عميد الجامعة الذي بثّ الحركة في مؤسسته كي تستطيع ‏مُسايرة الأفكار الجديدة. فبالإضافة إلى القطيعة التي قام بها في الثقافة الإسلامية، مكّنَ العالم الإسلامي من ‏اكتشاف الثقافة الغربية، وذلك بإدماج تلك الثقافة في إعادة تنظيم جامعته، وكذلك في آثاره المكتوبة التي ‏جاءت مصطبغة بها. و تلك هي المبادرات التي انطلقت منها القفزة الفكرية للنهضة”. ‏

وكان طلبة المدرسة المزدوجة والطلبة الباديسيين يلتقون يومياًّ في مقهى “بن يمينة” ليتبادلوا النقاش ‏حول الشؤون الثقافية والدينية والتاريخية، وكذا حول الأحداث الدولية… وفي هذا الصدد يدور الحديث ‏حول اعتقال زعيم حزب الوفد المصري سعد زغلول (1857-1927) على يد الأنجليز ونفْيِه إلى جزر ‏السيشل. ولمّا اطّلع بن نبي على هذه الفاجعة على صفحات جريدة “‏Dépêche de Constantine‏”‏‎ ‎‏ ‏تأثّر لها تأثُّرا شديداً.‏

ولمّا بدأت جريدة “‏L’Humanité‏” تُباع في الجزائر تبنّى بن نبي أفكارها المُعادية للاستعمار، وتعلّق ‏خاصةً بالمقالات التي كان يُوقِّعُها الصحفيان فايان كوتوريي ‏Vaillant-Couturier‏ ومارسيل كاشان ‏Marcel Cachin‏ . كانت هذه الجريدة الشيوعية هي التي تُروي عطشه إلى العدالة والحرية لأنّ بن ‏نبي في تلك الحقبة كان قد بدأ يُدْرِكُ أنه وطنيّ التوجّه وأنّ الوطنية هي “العامل الموجِّه لوجودي” على ‏حدّ تعبيره (م.ش.ق). تعلّق فيلسوفنا بجريدة يسارية أخرى، وهي جريدة “‏La lutte sociale‏” (8) ‏والتي كان يُديرها فيكتور سبيلمان ‏Victor Spielmann‏ (1866-1943)، الصديق الوفيّ للأمير ‏خالد (1875-1936).‏

(يتبع)

المراجع:‏
‏1)‏ م.عبد الرازق و ب.ميشال‎ B.Michel.‎
‏2)‏ منشورات النهضة، الجزائر العاصمة 1947‏
‏3)‏ حي شعبي في القاهرة، ويقع فيه جامع الأزهر

‏4)‏ الأرجح أنّ المقصود به هو كتاب (لاتلانتيد ‏l’Atlantide‏) لـ بيار بينوا ‏Pierre Benoit‏ الذي صدر سنة 1919، ‏وأنتينيا ‏Antinéa‏ تُمثِّلُ الشخصية الرئيسية فيه.‏

‏5)‏ سُرعان ما انجذبت النخب الإسلامية إلى فكرة مؤتمر إسلاميّ جامع في تلك الفترة. فبعد المحاولة التي قام بها أحد ‏زعماء الإسلام في القرَم، وهو إسماعيل باي جاسْبْرانسكي، لعقد مؤتمر سنة 1906 انطمست الفكرة بسبب أحداث ‏الحرب العالمية والثورة البلشفية. لكن الفكرة عادت إلى الظهور بإلغاء نظام الخلافة من طرف البرلمان التركي سنة ‏‏1924، ممّا أتاح عقد (مؤتمر الخلافة) في القاهرة شهر ماي من سنة 1926، و(مؤتمر العالم الإسلامي) في مكة ‏خلال شهري جوان و جويلية من السنة نفسها. وقد باءت محاولة مؤتمر الخلافة تعيين خليفة جديد بالفشل، أمّا الثاني ‏فقد ارتطم بالخلافات الحادة بين الوهابية والمدارس السّنّية. وانعقدت مؤتمرات أخرى سنة 1931 في القدس، وسنة ‏‏1932 في الهند، وسنة 1935 في جنيف… وتمخضت الفكرة عن إنشاء (منظمة المؤتمر الإسلامي) سنة 1969.‏

‏6)‏ احمد رضا: هو مهندس فلاحي، كان قد انتمى إلى (اللجنة العثمانية للوحدة والتطور) التي كانت تناضل من أجل ‏نظام دستوريّ في نهاية ق19. لمّا نفاه السلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918) أقام في باريس سنة 1889 ‏وأسس فيها جريدة. وهناك راح يُخالط تلاميذ أوجست كونت وصار من أتباع الفلسفة الوضعية. تعرّفَ على فلاسفة ‏وضعيين آخرين ممّنْ أسْلمُوا، مثل كرستيان شارفيس ‏Christian (Abdelhaq) Cherfils‏ (1858-1926) الذي ‏تَسَمّى باسم (عبد الحق)، وإسماعيل أوربان ‏Ismaël Urbain‏ (1812-1884). وبعد نجاح ثورة (الشُّبّان الأتراك) ‏سنة 1908 أصبح رئيسا لمجلس الشيوخ العثماني.‏

وإسماعيل أوربان هو المترجم الرئيسي للجيش الإفريقي، عُيِّن في الجزائر ابتداءً من سنة 1837. وهو من تلاميذ ‏سان سيمون ‏Saint-Simon، اعتنق الإسلام وتزوّج من جزائرية. وهو مؤسس أول جريدة بالعربية في الجزائر ‏سنة 1847 تحت عنوان (المباشر)، والتي استمرّ صدورها إلى سنة 1927. كما أنه مُحرّر التقرير الخاص ‏بالمرسوم الذي بمقتضاه أنشِئتْ ثلاث مدارس إسلامية عليا في الجزائر. نشر سنة 1856 دراسة حول (التسامح في ‏الإسلام) على صفحات مجلة ‏la Revue de Paris‏. وفي سنة 1860 نشر على حسابه الخاص كتابا تحت عنوان ‏الجزائر للجزائريين ‏L’Algérie pour les Algériens)‎‏ تحت اسم مستعار (جورج فوازان ‏Georges Voisin‏ ‏‏)، ليُعبِّر فيه عن مُعارضته لسياسة الإدماج، ويدعو إلى تنمية مشتركة ( ‏‎ co-développement‏ ) لفائدة كلّ من ‏الجزائر وفرنسا.‏
‏7)‏ منشورات سوي ‏Seuil‏ ، باريس 1954‏

‏8)‏ جريدة ذات توجّه شيوعي، كانت تصدر بالجزائر وتُطالب باستقلال الجزائر في العشرينيات. ومما نشرته في ‏فيفري 1927: “الشيوعيون الجزائريون يُعلنون عن تأييدهم لاستقلال الجزائر التام”. كانت هذه الجريدة تدعو إلى ‏‏”استقلال الجزائر، وإلغاء المندوبيات المالية، وانتخاب مجلس وطنيّ عن طريق الاقتراع العام الذي يشارك فيه كلّ ‏السكان رجالاً ونساءً بدءاً من سن 18 سنة”. و المؤكّد أنّ هذه المواقف ليست هي مواقف الحزب الشيوعي الفرنسي ‏الذي سيدافع عن الوجود الفرنسي بالجزائر إلى النهاية، كما أنها ليست مواقف الحزب الشيوعي الجزائريّ، أو على ‏الأقل لم تكن كذلك إلى سنة 1956.( ارجع الى س.ر.اجيرون ” ميلاد نجم شمال افريقيا” في “فعاليات المؤتمر ‏المنعقد في المركز الثقافي الجزائري في بايس”، 1987). وواقع الحال أن اسم فيكتور سبيلمان ‏Victor ‎Spielmann‏ كان مرتبطاً أكثر بمجلة (صلة الوصل “‏Le Trait d’Union ‎‏ ).‏

You may also like

Leave a Comment