بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
أتيح لمالك بن نبي خلال السنة الدراسية 1921-1922 أن يكتشف في مكتبة “النجاح” كتابين بقي يعتبرهما كأقدم وأهمّ مصدرين لتوجّهه الفكري، وهما كتاب ”الإفلاس الأخلاقي للسياسة الغربية في المشرق” للشيخ أحمد رضا، وكتاب “رسالة التوحيد”، وهو كتاب حول وحدانية الله، للشيخ محمد عبده.
وهو يقول عنهما ” أنا مَدِينٌ لهما بوجهتي العقلية منذ تلك الفترة. فكتاب أحمد رضا وضع بين يديّ مقياساً صحيحا لقياس النكسة الاجتماعية الحالية، إضافة إلى فيضٍ من المعلومات حول الماضي المجيد الذي عرفه المجتمع الإسلامي أيام ازدهاره. أمّا كتاب محمد عبده، وأخصّ بالذكر فيه تلك المقدمة الهامة التي كتبها مُترجموه (1) حول ثراء الفكر الإسلاميّ عبر العصور، فقد منحني مِحكاًّ حقيقياًّ مكّنني من الوقوف على فظاعة التردّي الذي آلَ إليه في الحاضر” (م.ش.ق). وكم كانت سعادة ذلك المُراهق الذي نشأ في وسط الأهالي وتعوّدَ على التساؤل عن أسباب تردّي أحوال شعبه، عندما اكتشف بمطالعاته أنه ينتمي إلى سلالة ثقافية كانت يوماً ما في أعلى مراتب الرقي والقوة!
و لقد قاده ذلك إلى استنتاج أنّ الوسط الذي يعيش فيه ما هو إلاّ الصورة المتردّية لحضارة أنارت الكون بأشعتها طيلة قرون من الزمن. و لم يكن بن نبي في تلك المرحلة يملك الوسائل التي تُمكّنه من التنظير للمراحل التي يمرّ عليها (عُمْرُ الحضارة)، لكنه كان يعيش حالة حدسٍ أولى ستكون تمهيداً لدخوله مرحلة التنظير.
والمُهِمّ أنه قد تجاوز المرحلة التي كان يستسلم فيها للمواساة التي يجدها في قراءة الأدب الغنائي عند أمثال لوتي Loti أو لا مارتين Lamartine أو شاتوبريان Chateaubriand ولو أنه وجد في أدب هذا الأخير ما غرس فيه الاعتزاز بالانتماء إلى الثقافة العربية الإسلامية. إنّه لم يستفِدْ مِنْ هؤلاء إلاّ نوعاً من الحنين إلى الماضي.
وعلى نقيض كلّ ذلك، فإنّ كُتب أحمد رضا ومحمد عبده جاءت لتُبْعِدَهُ عن أجواء الرومنسية وتضعه وجهاً لوجه مع وقائع التاريخ. فتلك الكتب “كشفت له عن الوجه التاريخي الواقعي للشرق” الذي بدأ مالك بن نبي يشعر به حقيقةً، “وبواقعه المُزري في الحاضر كذلك” (م.ش.ق). وبإمكاننا أن نتصوّر من خلال هذه الأحكام حجم الامتعاض الذي كان يشعر به بن نبي وهو يرى هذا المشهد الذي يمثل له حياة ”الأنديجان” التي آلت إليها أحوال الأمة بسبب انحطاطها في الحاضر.
وكان كثيراً ما يصل إلى مسمعه خلال سنوات وجوده في تلك المدرسة اسمُ تلميذ من مدينة باتنة، كان قد غادر المدرسة عاماً قبل دخول بن نبي إليها، إنه حمودة بن ساعي (1902-1999). وسيتعرّف عليه بن نبي بعد بضعة أشهر من ذلك، ثُمّ تنشأ بينهما رابطة صداقة قوامُها الانسجام الفكري الذي سيمتدّ على مدى عدة عشريات من الزمن.
كان بن ساعي في نظر بن نبي من بين الذين تأثر بهم في اتّجاهه الفلسفي، ويقول عنه في مذكراته ”وهكذا كُنتُ تحت تأثير عديدٍ مِن القوى التي ظلّت تُوجِّهني وتُعدِّل وجهتي وتحُثُّ خطايَ في دروب الفكر. و لا بدّ لي أن أقف عند إحدى تلك القوى، والتي قد تبدو فريدة. إنه صديقي حمودة بن ساعي”. وهو ينعته بأنه كان “موهوباً، ذكياًّ ومزدوج الثقافة بالعربية و الفرنسية. و هو بذلك من الأمثلة التي يجب أن يُقتدى بها… وممّا يُعجبني فيه كثيراً طريقتُه في تأويل آيات القرآن بحسب الوضع الحالي الذي يمرّ به المجتمع الإسلامي”. وسيذكره مالك بن نبي بعد هذه الفترة بخمس وعشرين سنة في إهداء أول كتاب له، وهو “الظاهرة القرآنية” (2) حيثُ شرّفه باعتباره هو أستاذه. ومِن النادر أن نجد مُفكِّراً في مرتبة بن نبي يُكْرِمُ بهذه الدرجة شخصاً مغمور الذكر.
ومِن العادات التي سار عليها بن نبي أيام دراسته أنه كان يرتاد أحد المنتديات الأدبية بعد ساعات الدّوام. كان ذلك في مقهى “بوعربيط” الواقع بالقرب من المدرسة التي كان فيها، حيث كان يلتقي طلبة السنتين الثالثة والرابعة الذين كانوا أكبر منه سناًّ. وكانت تلك فرصة يشارك بها في مناقشات حول أعلام الأدب العربي قبل الإسلام وبعده، مِن أمثال: أمرئ القيس وعنترة والفرزدق والأخطل وأبي نواس… وقد يكون الحديث حول أدباء عرب معاصرين مثل حافظ إبراهيم ومعروف الرصافي وجبران خليل جبران وإيليا أبي ماضي…
وبقي مالك بن نبي يذكر تلك الأوقات التي سادت فيها العواطف الفكرية الجياشة حتى وهو في سن الستّين عندما ألّف كتابه “مذكرات شاهد على القرن”، إذ أنشأ يقول: “لقد أتاحت لنا ترجمة قصيدة البحيرة ( Le Lac ) لـ لامارتين Lamartine اكتشاف نوع أدبي جديد، وهو الشعر الفرنسي المترجم على يد أكبر أعلام الأدب العربي المعاصر. وكان المنفلوطي على رأس مدرسة الترجمة آنذاك ”.
كانت سيرة بن نبي قبل عودته إلى قسنطينة أشبه شيء بروايات مارسيل بانيول Marcel Pagnol، أمّا بعد ذلك فيُخيّل إليك أنك تقرأ حلقة من سلسلة نجيب محفوظ في “خان خليلي” (3) بأجوائها الساحرة.
وهكذا راح ذلك المراهق ينتشي بسحر المطالعات بمختلف أنواعها، ويُقبِلُ بوجدانه الطافح على حلقات النقاش مع الطلبة حتى كاد يُهمِل دروسه لأنه وجد في ذلك غذاء عقلياًّ لَطالما كان يتوق إليه، ولأنّ ذلك الغذاء العقلي كان يحمل إجابة عن تساؤلات أكثر إلحاحاً. و يتّضح من ذلك كله أنّ صاحبنا كان في رحلة البحث عن هويته.
كان بن نبي كثير المطالعة، إذ قرأ سلسلة “باردايان” (Pardaillans ) لـ ميشال زيفاكو Michel Zevacco بكاملها، وكذلك (الأناجيل)، وهو أول مؤلَّف قُدِّمَ له عندما شرع في زيارة مكتبة البعثة الأنجليكانية بقسنطينة.
في تلك المكتبة تعرّف بشكلٍ غير مُنتظر على أحد الطلبة القدامى، وهو من تبسة، واتضح أنه تحوّل إلى المذهب البروتستانتي بعد حفظه للقرآن الكريم، وكان ذلك على يد راهبة أنجليزية كان أهل تبسة يسمّونها (السيدة بينة). وهذا الطالب (الذي كان يُدرِّسُ القرآن في الماضي) هو الذي سيتولّى إدارة البعثة الإنجيلية في قسنطينة بعد ذلك. ويُستفاد من مالك بن نبي أنّ طلبة ابن باديس أنفسهم كانوا كثيراً ما يأتون لمناقشة هذا الشخص الغريب الأطوار حول ألوهية المسيح وحول مواضيع أخرى في جوّ كلّه تسامُحٌ واحترام متبادل.
كانت تلك المشاركة في التبادلات الفكرية بالنسبة لمالك بن نبي فرصة مكّنته من الكشف عن عيوبه، وهو يقول في ذلك: “بدأت تبرز بعض ملامح طبعي. فلقد شرعتُ في التعبير عن بعض آرائي بوضوحٍ موجِعٍ أحياناً… وإنني اليوم على علمٍ بأنّ هذه السمة تُمثِّل حجر الزاوية في كياني. وبإمكانك أن تجد فيها تفسيراً لكثير من الأشياء التي جرت لي في المراحل اللاحقة من حياتي، وأخصّ بالذكر قلة مرونتي التي سيلومني عليها أعزّ أصدقائي”.
لكنه في الوقت الراهن لا يزال يشعر بالسعادة لكونه في انسجام تامٍّ مع تلامذة ابن باديس. وهو يعتقد اعتقاداً راسخاً أنّ التعايش بين الثقافتين أمرُ ممكِنٌ حتى ولو بدا الجوار بينهما ممجوجاً في بعض الأحيان. وبالفعل، فإنك تتعجب من رؤية شخصٍ بحذاء أبيض وسروال ينتهي عند مستوى الركبتين، ورباط عنق، وهو يرتدي برنوساً وشاشية.
عندما عاد بن نبي إلى تبسة لقضاء العطلة السنوية وجد والدته في معاناة شديدة مع المرض الذي ألزمها الفراش وأعاقها عن الحركة. أمّا في المشهد الثقافي فقد استرعى انتباهه ظهور أفكار جديدة ولّدها الصراع بين المدرسة التقليدية التي يمثلها شيوخ الزوايا، ومدرسة الإصلاح التي يمثلها بعض العلماء العائدين من المشرق أو من جامع الزيتونة. وللعلمِ، فهناك بلدة حدودية بين تونس والجزائر تُسمّى ”نفطة”، بها مركز استقبال ذو طابع ثقافي شُيِّد خلال نهاية القرن 19م ليكون بمثابة صلة وصلٍ بين جامع الزيتونة والجنوب القسنطيني.
ولقد أدرك مالك بن نبي المراهق أن العلم الديني بصورته الجديدة لا يخلو من الشعوذة والفولكلور. كما لاحظ ازدياد عدد السكان الأوروبيين واليهود في تبسة، وكان ذلك مِن نتائج فتح خطّ السكة الحديدية المؤدي إلى مدينة عين البيضاء.
وكان شعوره بالفرق بين مدينة تبسة ومدينة قسنطينة يزداد كُلّما عاد إلى الأولى لقضاء العطلة، وهو الأمر الذي أجّج نار مُعاناته الداخلية. يقول في ذلك: “كُنتُ في تبسة أنظر إلى الأشياء بعين الفطرة والبساطة. أمّا في قسنطينة فكُنتُ أنظر إليها من زاوية النظر الاجتماعية والحضارية. ففي الأولى أرى الطبيعة في صورة الإنسان الغليظ والبسيط، وفي الثانية يُسائِلُني التاريخ والمجتمع في مُعاناته الواضحة للعيان” (م.ش.ق). وبقدر انجذابه وانبهاره بالمدينة بأنوارها ومحلاّتها وسياراتها، وبمظاهر الحداثة فيها، كانت نفسه ترتاح لرؤية الطبيعة والناس البسطاء بغلظتهم، ولمُلامسة مظاهر الأصالة فيهم.
وإذا انقضت العطلة وولّى فصلُ الصيف كان عليه أن يعود إلى قسنطينة لمباشرة سنته الدراسية الثانية. وهناك سيكون الموعد ثانية مع أصدقائه وعاداته، ومع تلاميذ ابن باديس الذين يُكِنّ لهم كثيراً من الإعجاب. فابن باديس كان يُمثِّلُ عنده ذلك “العالِم الوطنيّ ” وذلك “العِلم المُسيّس”. كان مقرّ جريدة ”المُنتقِد” التي يُديرها الشيخ لا يبعد عن مقهى الطلبة إلاّ ببضعة أمتار، وهي الجريدة التي ستتّخذ اسم (الشهاب) بعد منعها من طرف الإدارة الاستعمارية سنة 1925. وستتوقف جريدة الشهاب عن الصدور بدورها سنة 1939.
عاد بن نبي إلى دروسه، لكنه كان يولي مُطالعاته اهتماماً أكبر بكثير. فلمْ يكُن يُتابع دروس الفقه عند الشيخ العابد إلاّ على مضض. كان موعده هذه المرّة مع كتاب (أنتينيا Antinéa) (4) الذي ظهر في المكتبات، والذي بقراءته أصبح بن نبي مِن هواة الصحراء والآفاق الواسعة الجديدة والأسفار البعيدة، فأصبح يحلم بـ تامبوكتو Tombouctou وبدأ يبحث في الخرائط عن الطريق المؤدِّية إليها.
تلك هي المرحلة التي اكتشف فيها مالك بن نبي كتاب إيزابيل إبيرهارت Isabelle Eberhardt ( 1877-1904). وهو يقول في ذلك: “سيُتاح لي في وقتٍ لاحقٍ أنْ أفهم سِرّ ولوع إرنست بسيشاري Ernest Psichari بالصحراء وإقباله عليها بنفسٍ مُتّقِدة. لكنني قد فهمتُ في تلك المرحلة ذلك السُّمّ الناقع الذي بثّه في نفس إيزابيل إبيرهارت التي اكتشف العالمُ كتابَها المُدهش عن طريق فيكتور باروكان Victor Barrucand . ذلك أني كُنتُ قد قرأتُ مراراً كتاب تلك المرأة الهائمة على وجهها والتي ماتت موتةً فظيعة في عين الصفراء. وكُنتُ أبكي عندما أقرأ “في دفء الإسلام” A l’ombre chaude de l’islam الذي اكتشفْتُ بفضله الشعر الإسلامي والحنين إلى الصحراء” (م.ش.ق).
إنّ مَنْ لم يعِشْ تجربة البكاء بعد قراءة روايةٍ أو سيرةٍ خارقة للعادة ليس بإمكانه أن يفهم الهزّة العاطفية التي عاشها بن نبي والتي لازمته آثارها طيلة أيامه، إذ كان كثيراً ما يذرف الدموع لمُجرّدٍ ذكر مكارمِ الأخلاق.
وخلال تلك الفترة كان لفيلسوفنا موعد مع قراءة الطبعة العربية لكتاب “أمّ القرى” لعبد الرحمن الكواكبي. ولقد فوجىء بما في هذا الكتاب من أفكارٍ جديدة، وبما فيه من أصالة في الطرح. و يقول في ذلك: “كان لهذا الكتاب أثر بالغ في أنفسنا لِما فيه من غرابة. فقد كشف لنا عن إسلامٍ يُعِدّ العُدّة للدفاع عن النفس وللنهوض من الكبوة. و مع أنه لا يعدو أن يكون طرحاً خيالياًّ، فهو يحمل دلالة واضحة على استيقاظ الضمير في العالم الإسلاميّ” (م.ش.ق).
هذا كلّ ما قاله بن نبي عن هذا الكتاب الذي لم يكن مُجرّد طرح خياليّ. فلقد اقترح الكواكبي، الذي كان معاصراً للأفغاني ومحمد عبده، في هذا الكتاب، على حركة الانبعاث مُخططاً حقيقياًّ لإعادة بناء الفكر الإسلامي وإعادة تنظيم العالم الإسلامي سياسياًّ.
وُلِد الكواكبي في مدينة حلب التي تلقى فيها تكويناً تقليدياًّ ودرس العلوم الدّقيقة. وتعرّض لمُضايقات الحُكم العثماني بسبب مقالات نشرها في جريدتين كان هو مؤسسهما، وهما “الشهباء” و “الاعتدال”. غادر سوريا هارباً، وراح يجوب الآفاق، إذ مرّ على كلٍّ من مصر، وزنزيبار، وإيثيوبيا، واليمن، والحجاز وبلاد الهند. و كأنّ هذه الرحلة كانت من أجل جسّ النبض قبل أن يصوغ منهجه الفكريّ الذي جاء في كتابين، هما “أمّ القُرى” و “طبائع الاستبداد” اللّذين سيكون لهما صدى كبير في أوساط رجال الإصلاح العرب.
جاء كتاب “أمّ القرى” في شكل تقرير حول مؤتمر (حقيقي أم افتراضي؟ السؤال لا يزال مطروحاً إلى يومنا) انعقد سنة 1898 في مكة بحضور ثلاثة وعشرين ممثِّلاً لمختلف البلدان الإسلامية، بل وحتى لبدان مثل الصين وروسيا و أنجلتيرا. و كان الهدف من عقد ذلك اللقاء هو حوصلة أحوال العالم الإسلامي المتردّية ثُمّ وضع مُخطط للانبعاث.
وينصّ ذلك المخطط على إعادة تنظيم الخلافة بجعلها رمزية، ووضع تنظيمٍ تربوي إسلاميّ جامِعٍ يهدف إلى توحيد البرامج التعليمية الوطنية.
وأنا أرى أنّ الكواكبي هو أوّل عقلٍ عربي مُتحرّر من النظرة الأخلاقية لمفهوم “النهضة”، إذ جاء بمقاربة سياسية و براجماتية. وستكون لي عودةٌ إلى الأفكار الرائدة التي أتى بها هذا المفكر الخارق للمألوف (5).
عاد مالك بن نبي إلى قراءة كتاب أحمد رضا (“الإفلاس الأخلاقي للسياسة الغربية في المشرق”) مراراً، ومِن أجل ذلك علينا أن نعتبر هذا الكتاب من بين أهمّ المنعطفات التي قادتْه إلى الاستيقاظ (6) غير أنّ كتاب محمد عبده هو الذي أراه السبيل المؤدية إلى ذلك.
كتب بن نبي بعد هذه الفترة بخمس وعشرين سنة في (“وجهة العالم الإسلامي”) (7) قائلاً: “لا بُدّ مِن الانتباه إلى ما كان يُمثِّلُه ظهور كتاب “رسالة التوحيد” بالنظر إلى أنه يخوض في مجالٍ مُتوقِّفٍ عن الحركة منذ ابن خلدون. فلأول مرّة منذ قرون عديدة يجود عقلٌ مُسلِمٌ بعملٍ فيه تفكير، وهي كذلك أول مرة يُطرح فيها النقاش ويُكسر جدار الصمت في جامعة من الجامعات الإسلامية العتيقة. فلقد شهد جامع الأزهر، وهو من تلك الجامعات، نقاشاً حاداًّ أثاره جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وسيكون لذلك النقاش أثر كبير في الأزهر لأنه يتناول مسائل حساسة. و لا يمس ذلك التأثير برامج الجامعة ومناهجها التي تنتظر الصياغة الدقيقة رغم وجود بعض المحاولات السطحية في هذا الاتجاه، بل يمسّ بروح المؤسسة ولُبِّها. فها هو الأزهر، وهو المركز الفكري للعالم الإسلامي، يُقِرُّ بشرعية الحركة والتطوّر، ويُدرك أنّ درجة الإتقان القصوى أمرٌ مُستحيل، وأنّ كلّ الأشياء تخضع للتحسين المستمر، حتى ولو كان ذلك تحت القباب الشامخة لذلك الجامع. وهكذا بدأ الفكر الإسلاميّ الحديث يتحرك داخل الحقل الشاسع الذي فتحتْه الحركة الإصلاحية… إنّ محمد عبده هو المفكر الذي أعطى المثل الأعلى للجهد الفكريّ في عالمٍ لم يتعوّد على التفكير، وهو عميد الجامعة الذي بثّ الحركة في مؤسسته كي تستطيع مُسايرة الأفكار الجديدة. فبالإضافة إلى القطيعة التي قام بها في الثقافة الإسلامية، مكّنَ العالم الإسلامي من اكتشاف الثقافة الغربية، وذلك بإدماج تلك الثقافة في إعادة تنظيم جامعته، وكذلك في آثاره المكتوبة التي جاءت مصطبغة بها. و تلك هي المبادرات التي انطلقت منها القفزة الفكرية للنهضة”.
وكان طلبة المدرسة المزدوجة والطلبة الباديسيين يلتقون يومياًّ في مقهى “بن يمينة” ليتبادلوا النقاش حول الشؤون الثقافية والدينية والتاريخية، وكذا حول الأحداث الدولية… وفي هذا الصدد يدور الحديث حول اعتقال زعيم حزب الوفد المصري سعد زغلول (1857-1927) على يد الأنجليز ونفْيِه إلى جزر السيشل. ولمّا اطّلع بن نبي على هذه الفاجعة على صفحات جريدة “Dépêche de Constantine” تأثّر لها تأثُّرا شديداً.
ولمّا بدأت جريدة “L’Humanité” تُباع في الجزائر تبنّى بن نبي أفكارها المُعادية للاستعمار، وتعلّق خاصةً بالمقالات التي كان يُوقِّعُها الصحفيان فايان كوتوريي Vaillant-Couturier ومارسيل كاشان Marcel Cachin . كانت هذه الجريدة الشيوعية هي التي تُروي عطشه إلى العدالة والحرية لأنّ بن نبي في تلك الحقبة كان قد بدأ يُدْرِكُ أنه وطنيّ التوجّه وأنّ الوطنية هي “العامل الموجِّه لوجودي” على حدّ تعبيره (م.ش.ق). تعلّق فيلسوفنا بجريدة يسارية أخرى، وهي جريدة “La lutte sociale” (8) والتي كان يُديرها فيكتور سبيلمان Victor Spielmann (1866-1943)، الصديق الوفيّ للأمير خالد (1875-1936).
(يتبع)
المراجع:
1) م.عبد الرازق و ب.ميشال B.Michel.
2) منشورات النهضة، الجزائر العاصمة 1947
3) حي شعبي في القاهرة، ويقع فيه جامع الأزهر
4) الأرجح أنّ المقصود به هو كتاب (لاتلانتيد l’Atlantide) لـ بيار بينوا Pierre Benoit الذي صدر سنة 1919، وأنتينيا Antinéa تُمثِّلُ الشخصية الرئيسية فيه.
5) سُرعان ما انجذبت النخب الإسلامية إلى فكرة مؤتمر إسلاميّ جامع في تلك الفترة. فبعد المحاولة التي قام بها أحد زعماء الإسلام في القرَم، وهو إسماعيل باي جاسْبْرانسكي، لعقد مؤتمر سنة 1906 انطمست الفكرة بسبب أحداث الحرب العالمية والثورة البلشفية. لكن الفكرة عادت إلى الظهور بإلغاء نظام الخلافة من طرف البرلمان التركي سنة 1924، ممّا أتاح عقد (مؤتمر الخلافة) في القاهرة شهر ماي من سنة 1926، و(مؤتمر العالم الإسلامي) في مكة خلال شهري جوان و جويلية من السنة نفسها. وقد باءت محاولة مؤتمر الخلافة تعيين خليفة جديد بالفشل، أمّا الثاني فقد ارتطم بالخلافات الحادة بين الوهابية والمدارس السّنّية. وانعقدت مؤتمرات أخرى سنة 1931 في القدس، وسنة 1932 في الهند، وسنة 1935 في جنيف… وتمخضت الفكرة عن إنشاء (منظمة المؤتمر الإسلامي) سنة 1969.
6) احمد رضا: هو مهندس فلاحي، كان قد انتمى إلى (اللجنة العثمانية للوحدة والتطور) التي كانت تناضل من أجل نظام دستوريّ في نهاية ق19. لمّا نفاه السلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918) أقام في باريس سنة 1889 وأسس فيها جريدة. وهناك راح يُخالط تلاميذ أوجست كونت وصار من أتباع الفلسفة الوضعية. تعرّفَ على فلاسفة وضعيين آخرين ممّنْ أسْلمُوا، مثل كرستيان شارفيس Christian (Abdelhaq) Cherfils (1858-1926) الذي تَسَمّى باسم (عبد الحق)، وإسماعيل أوربان Ismaël Urbain (1812-1884). وبعد نجاح ثورة (الشُّبّان الأتراك) سنة 1908 أصبح رئيسا لمجلس الشيوخ العثماني.
وإسماعيل أوربان هو المترجم الرئيسي للجيش الإفريقي، عُيِّن في الجزائر ابتداءً من سنة 1837. وهو من تلاميذ سان سيمون Saint-Simon، اعتنق الإسلام وتزوّج من جزائرية. وهو مؤسس أول جريدة بالعربية في الجزائر سنة 1847 تحت عنوان (المباشر)، والتي استمرّ صدورها إلى سنة 1927. كما أنه مُحرّر التقرير الخاص بالمرسوم الذي بمقتضاه أنشِئتْ ثلاث مدارس إسلامية عليا في الجزائر. نشر سنة 1856 دراسة حول (التسامح في الإسلام) على صفحات مجلة la Revue de Paris. وفي سنة 1860 نشر على حسابه الخاص كتابا تحت عنوان الجزائر للجزائريين L’Algérie pour les Algériens) تحت اسم مستعار (جورج فوازان Georges Voisin )، ليُعبِّر فيه عن مُعارضته لسياسة الإدماج، ويدعو إلى تنمية مشتركة ( co-développement ) لفائدة كلّ من الجزائر وفرنسا.
7) منشورات سوي Seuil ، باريس 1954
8) جريدة ذات توجّه شيوعي، كانت تصدر بالجزائر وتُطالب باستقلال الجزائر في العشرينيات. ومما نشرته في فيفري 1927: “الشيوعيون الجزائريون يُعلنون عن تأييدهم لاستقلال الجزائر التام”. كانت هذه الجريدة تدعو إلى ”استقلال الجزائر، وإلغاء المندوبيات المالية، وانتخاب مجلس وطنيّ عن طريق الاقتراع العام الذي يشارك فيه كلّ السكان رجالاً ونساءً بدءاً من سن 18 سنة”. و المؤكّد أنّ هذه المواقف ليست هي مواقف الحزب الشيوعي الفرنسي الذي سيدافع عن الوجود الفرنسي بالجزائر إلى النهاية، كما أنها ليست مواقف الحزب الشيوعي الجزائريّ، أو على الأقل لم تكن كذلك إلى سنة 1956.( ارجع الى س.ر.اجيرون ” ميلاد نجم شمال افريقيا” في “فعاليات المؤتمر المنعقد في المركز الثقافي الجزائري في بايس”، 1987). وواقع الحال أن اسم فيكتور سبيلمان Victor Spielmann كان مرتبطاً أكثر بمجلة (صلة الوصل “Le Trait d’Union ).
