بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
صار بن نبي محلّ شكوكٍ عند مدير المدرسة. فلقد شرع يستفسر عن مُطالعاته وقراءاته بطريقة سرّيّة، وبلغ به الأمر أنْ فتّش حتى فراشه الذي كان يُخفي فيه جريدة “ L’Humanité” ثُمّ يُراقبه عن كثب. أمّا السيد بوبريتير M. Bobreiter فلمْ يتوقف عن تزويده بما يقرؤه. فكان يُعيره أعدادا من مجلة “أخبار أدبية” Nouvelles Littéraires) تصِلُه من فرنسا، بالإضافة إلى مجلة جيدة تحت عنوان “كونفيرونسيا” (Conférencia). وكان بن نبي يلْتَهِمُها التهاما.
أتيح له أن يكتشف في أحد أعداد هذه المجلة الأخيرة اسم رابيدرانات طاغور Rabidranath Tagore (1861-1941). وكان لذلك الاكتشاف بالغ الأثر فيه لأنه فتح له آفاقاً لم يكن يعرفها. فلقد أدرك وهو في أقصى درجات النشوة أنّ “العبقرية ليست حكراً على ضفاف نهر السين أو التاميز، بل يمكن أن تظهر على ضفاف نهر الغانج”.
والفضل كلّه يعود إلى طاغور في اكتساب مالك بن نبي لذلك اليقين الذي يرتاح له كلّ إنسانٍ مُستعمَر: ”لقد حّررني ذلك اليقين من العبودية التي كانت ولا تزال في بعض الأحيان جاثمة على عقول المثقفين العرب في نظرتهم إلى عبقرية أوروبا وثقافتها…”. بالإضافة إلى ذلك فهذا الفيلسوف الهندي هو الذي أثرى رصيد بن نبي الفكري ببُعْدٍ جديد، وهو الحياة الروحية الهندية. إلاّ أن بن نبي يقول مُعلّقا: “لكن عقلي كان مُزوّداً بقوة راجعةٍ تُعيدُ كلّ ما تقع عليه عيني إلى انشغالي المركزي، وهو الإسلام” (م.ش.ق).
في سنة 1922 نشب جدال بين الأمير خالد الذي كان ينشر في جريدة “الإقدام”، وبين رئيس بلدية قسنطينة والنائب ذي النفوذ الكبير إميل مورينو Emile Morinaud الذي كان ينشر في جريدة محلية عنوانها Le Républicain. وكان بن نبي يُتابع مُجريات ذلك الجدل الحاد الذي سينتهي بنفي الأمير خالد: “كُنتُ أجد في جريدة الإقدام أول المواضيع السياسية المحددة التي رسخت في عقلي. كانت هذه الجريدة تُندِّدُ بتجريد الفلاح الجزائري من أراضيه، وهي العملية التي بلغتْ مداها في فترةٍ ضاقت فيها الأراضي في الشمال على مزارع الكروم والحوامض والزيتون والتبغ، فراحت تزحف نحو الجنوب، حيث حقول الحبوب”.
ولقد شهدت سنة 1922 كذلك الشروع في بناء مسجد باريس الذي ناضل من أجله أمثال الأمير خالد وأحمد رضا وكريستيان شارفيس (Christian Cherfils). ومع ذلك فإنّ الماريشال ليوتاي Lyautey هو الذي سيُلقي كلمة الافتتاح بمناسبة وضع حجر الأساس لهذا المشروع بتاريخ 2 نوفمبر 1922.
وفي يومٍ من الأيام وقع كتاب ذو عنوان عجيب “الإسلام بين القرش والدّبّ” بين يدي مالك بن نبي، وكان سبباً في تأجيج نار كراهيته للاستعمار (1). وسيتعرّف على كاتبه بعد اثنتي عشرة سنة من ذلك، وهو أجين يونغ Eugène Jung الذي كان في أواخر أيامه وفي حالة من الفقر المُدقع، وهو يُقيم في إحدى غُرَفِ الخَدَم في باريس. ويقول بن نبي في مذكراته: “وليس مُستبعداً أنْ يكون قد دُفِنَ في مقبرة من المقابر الجماعية”.
وكان في قسنطينة قُسّ أنجليكاني اسمه الأب زويمر Zwimmer ينشط لتنصير الشباب المسلم مُستعيناً بِكُتيِّبٍ مِن إنشائه. وفي ذات الوقت أتيح لبن نبي أن يكتشف إيتيان ديني Etienne Dinet (1861- 1929) الذي خصّه بمقال بعد ذلك بخمس وأربعين سنة (2) ، كما كان ينوي ذكر أحد الأوروبيين المسلمين، وهو الدكتور جرونيي Dr. Grenier، وهو مندوب فرنسي كان مِن عادته أن يتوضّأ ويُصلّي في معابر نهر السين مُواجهاً تذمّر المارّين الراجلين (3).
كان على مالك بن نبي في نهاية سنته الدراسية الثانية أنْ يجتاز امتحان نهاية السنة. الرسوب يعني الحرمان من المنحة التي هي نظير الحياة بالنسبة إليه. ورغم أنه كان منشغلاً بمطالعاته أكثر من انشغاله بمراجعة الدروس فقد نجح في الامتحان بفضل بعض المجهودات التي بذلها في اللحظات الأخيرة قبل الموعد.
وبعدها عاد إلى تبسة حيث تنتظره عائلته بعد إقدامه على فعلٍ جريءٍ جداًّ، فلقد تخلّى عن لبس السروال التقليدي الذي لا ينزل تحت الركبتين إلاّ بقليل، والذي كان هو اللباس الشائع آنذاك في بلدان الشمال الإفريقيّ كلّها، وارتدى السروال الأوروبيّ. كان ذلك بمثابة “فسوق في الملبس” على حدّ تعبيره، باعتبار أن السروال الأوروبي كان علامة على الكفر في نظر الناس.
ومع ذلك فهذا السروال الذي يُعتبر عربياّ والذي لا يزال لباسا شائعاً في بعض مناطق شمال إفريقيا والشرق الأوسط، هو أوروبي الأصل، وبالتحديد من جزيرة كريت. ونستدلّ على هذا بما قاله الرئيس التركيّ الأسبق تورقوت أوزال (4) : فالعثمانيون هم الذين تبنّوه عند غزوهم لجزيرة كريت، ثُمّ تبعتهم بقية البلدان الإسلامية.
وفي كتاب “شروط النهضة” الذي أصدره بن نبي سنة 1949 فصلٌ خاصّ بالملبس، ومِنْ أطْرَفِ ما جاء فيه حول هذا الموضوع: “إنّ التوازن في تقاليد المجتمع مرتبط بمجموعة من العوامل المعنوية والمادّية، والملبس مِن بين تلك العوامل. فالبرنوس جزء من موروث المجتمع الذي تغلب على ذهنيته سمتان، وهما التأمّل والمُتعة. فهو زيّ يُناسب الوليّ الصالح كما يناسب الراعي والباشا لأنه يستجيب بصفة كاملة لنوع النشاط الذي تمارسه كلّ فئة. لكنْ، هل يمكن أن أن نتصوّره على كتفي العامل المهنيّ أو عامل المناجم أو الميكانيكيّ؟ والحال أنّ الجزائر بدأت تسلك طريق البروليتاريا والنهج التايلوري لتُماشيَ مسيرة الحياة العصرية. فالإنسان إذا تحوّل إلى مهنة جديدة كان عليه بالضرورة أن يُغيِّر ملبسه. فعندما وقف القبطان بيري Commodore Perry على أبواب اليابان سنة 1864 أدرك اليابانيون أنّ عليهم أن يتخلّوا عن الكيمونو ويرتدوا بذلة العُمال الزرقاء.
لكنّ الملبس ليس مجرّد شرط ماديّ في توازن التقاليد. فللملبس روح: إنه يدلّ على هوية صاحبه (على عكس ما تدلّ عليه الحكمة الفرنسية القائلة:” اللباس لا يصنع الراهب” (L’habit ne fait pas le moine). فعندما فرض مصطفى كمال ارتداء القبّعة في تركيا سخر منه كثير ممّن كان يتّهمه بالتفكير السطحيّ. غير أنّ هذا الرجل لم يتأثر بقهقهة السّاخرين الذين ملؤوا الآفاق بضحكاتهم. ذلك انه كان يعرف أنّ الشاش جزء من الروح التركية القديمة: روح المستهترين الذّكور، ومُدخني النرجيلة، وهُواة النسيان أو التناسي. فكان لا بُدّ من القطيعة مع الجمود والركود في مجتمع مُتسمِّر في أحلامه القديمة على ضفاف نهر البوسفور.كانت القبّعة هي القنبلة التي زعزعت توازن التقاليد في تركيا، وهي القنبلة التي فجّرت الحُلم، ومزّقت آفاق الوهم، وطردت دخان النرجيلة من الهواء، وطوتْ حصائر التكاسل، وأبعدت الأفكار الميّتة والأفكار المُميتة. ذلك هو جوهر فكر كمال اتاتورك… فالملبس إذا تعفّر بأدران الانحطاط كان كالبذلة التي عليها آثار الهزيمة.
عندما ترجم أحد المستشرقين آثار المؤرخ وعالم الاجتماع العربي أبي فضة، والذي درس تقاليد القبائل السلافية العائشة على ضفاف نهر الفولقا، كانت له هذه الملاحظة: “كان العرب يحبّون الظهور بشيشانهم في كلّ مكان”. قد تكون هذه الملاحظة صحيحة. لكن، لو فرضنا أنّ أبا فضة عاد إلى الحياة في عالمنا اليوم، فهل يُعقل أنْ يُظهِرَ شاشه الذي فَقَدَ هيبته على ضفاف نهر الفولقا مثلما كانت أجيال الأمّيين ترتدي قبعة الحمار؟ وهل بقي الطربوش بقيمته القديمة بعد أنْ عفّرت صورتَهُ أجيال من الباشوات والشاويشات ؟ فمِن السذاجة تجاهل مشكلة الملبس التي تطرحها النهضة الجزائرية، والتي يجب أن تُعالج عند الرجل وعند المرأة على السّواء…”.
وسيعود مالك بن نبي إلى هذه المسألة في كتاب “النزعة الأفروآسيوية” L’Afro-Asiatisme) الصادر سنة 1956 (5)، فهي تمثِّلُ في نظره ما يجده العالم الإسلامي من حرج إزاء التغييرات المطلوب إجراؤها. وقد يتخذ ذلك الحرج صورة تبعية عمياء حيناً، أو صورة تمظهرٍ ساذج بالتّفرّد أو التميّز حيناً آخر، لكنه في كلتا الحالتين يطرح مشكلة الخيار والانسجام. فالسؤال المطروح هو: ما هو النموذج الذي ينبغي الأخذ به؟
ففي حديثه عن النموذج الغربي يقول بن نبي: “إذا كان النموذج يرتدي قبّعة، ففضائل هذا النموذج وقيَمه لا تكمن في القبعة، ومِن العبث استعارتها منه بالتقليد الأعمى، كما أنه من العبث إشهار الطربوش الأحمر لمواجهة القبعة في سذاجة قاتلة بذريعة إظهار التميُّز… يجب أن نتجاوز هذه الذهنية الصبيانية التي تُثقِلُ كاهل المجتمع الإسلاميّ بتفاصيل غير منتظرة أو ممجوجة أحياناً. ومثال ذلك أنّك إذا رأيت بعض موظّفي عاصمة من العواصم العربية في مصلحة من مصالح الإدارة يرتدون قبعة وبعضهم الآخر لا يزالون مُتمظهرين بالطربوش، فاعرف أنّنا في مجتمع لم يحسم أمْره بشكل واضح. و ليس ما يوضع على الرأس هو المُهِمّ في هذه الحالة، لكن المُهِمّ هو ما تُخفيه مِن روح صبيانية.
ولو أجْمَلْنا القول فيما يتعلق بهذه الاعتبارات الخاصة بالمرحلة التي يمرّ بها العالم الإسلاميّ أمْكن لنا أنْ نُلاحظ مدى رفضه واستهتاره بأيّ مجهودٍ في اتّجاه التنظيم، وكأنه لا يُريدُ الخضوع لانضباط القواعد، أي للمبدإ الأساسي لأية حضارة، وما الحضارة في جوهرها إلاّ نوعٍ مِن الخضوع الذي يرفض كلّ أشكال البداوة، وعلى رأسها البداوة الفكرية. إنّ البدوي هائم على وجهه، غير متيقّنٍ من الغاية التي يسعى إليها، ولا مِن السبيل التي يسلكها. فعقله عاجز عن الخضوع لأية عقيدة تفرض عليه هدفاً وسبيلاً مُعيّنة. وهذا ما أدّى إلى أنّ العالم الإسلاميّ وقع اختياره ـ ضمنياًّ ـ على النموذج الغربي مع جهله شبه التام بهذا النموذج ومحاسنه الحقيقية وقيَمه العُليا”.
و لا بُدّ أن نقول إنّ مشكلة الملبس في العالم الإسلاميّ اليوم مطروحةٌ مُجدّداً، بكلّ ما فيها من غياب انسجام، وسيطرة الروح الصبيانية التي أشار إليهما بن نبي في الماضي.
عندما وصل بن نبي إلى بيته في آخر العام الدراسي وجدَ شيئاً جديداً في مدينته تبسة: ففي مقاهي العرب أغاني سلامة حجازي، وفي مقاهي الأوروبيين نغمات الجاز الصاخبة. كان ذلك بفضل انتشار استعمال جهاز الاسطوانات. كان في البدءِ سعيداً بدخول الموسيقى العربية إلى الجزائر لتُنافس الموسيقى الغربية، ويقول في مذكراته: “بالفعل، لقد كانت الأسطوانة المصرية عاملاً بارزاً للتطوّر النفسيّ والسياسيّ في بلادنا. ومدينة تبسة كانت رائدة في ذلك. ففي قسنطينة كان المالوف هو النوع الموسيقيّ المنتشر. أمّا في الجزائر العاصمة فالساحة الموسيقية كانت تسبح في فضاء فارغ. و كان لأول أسطوانة مصرية سمعتُها وقعٌ كبير في نفسي بفضل نغمات آلة (القانون) التي عرفتُها لأول مرّة، لكن صوت سلامة حجازي ولغته كان لهما وقع أقوى”.
وينبغي ألاّ ننسى أنّ بن نبي نفسه كان عضواً في المعهد الموسيقي، كما كان واحداً من المُنشدين في الفرقة الموسيقية. لكنه سيُغيِّرُ رأيه حول الموسيقى المصرية في وقتٍ لاحقٍ.
وبحلول شهر ديسمبر غادر تبسة وعاد إلى قسنطينة وراح يتردد على مكتبة (النجاح) ليشتري جرائده المفضلة ويتصيّد ما قد يستجدّ من كتب ومؤلفات. كانت المواجهة الإعلامية بين الأمير خالد ومورينو على أشدّها. وانقضت سنة 1923 على وقع ملحمة الأمير عبد الكريم الخطابي (1882-1963) والهزيمة التي مُنيَ بها الإسبان في أنوال (6) . أمّا في فرنسا فلقد تمّ الاستنجاد بـ بوانكاري Poincaré ليعود إلى الحكم ثانيةً. في إيطاليا كان موسوليني مُتّجهاً إلى روما بمسيرته. كما شهدتْ الساحة العالمية ظهور اسم غاندي وذيوع صيته على صفحات الجرائد. وفي الوقت ذاته كان رومان رولان Romain Rolland مُنْكَباًّ على نشر كتاب “الهند الفتيّة” La Jeune Inde)…
غير أنّ الحدث الذي أثّر في مالك بن نبي أكثر خلال هذه السنة لم يكن متعلّقاً بما يجري في الساحة الدولية أو المحلّيّة. كان ذلك الحدث ذا طبيعة فكرية، كما هو الشأن في سيرة فيلسوفنا كلّها. إنها السنة التي تمّ له فيها اكتشاف ابن خلدون (1332-1406) في ترجمة دوسلان De Slane والمسعودي (900-956) صاحب كتاب “مروج الذهب” (7). ولمّا انقضت السنة الثالثة من حياته الدراسية في المدرسة عاد بن نبي ثانية إلى تبسة.
والجديد في تلك الصائفة أنّ صوت أم كلثوم (1898-1975) صار من الأصوات المسموعة في مقهى أهل المدينة الأصليين. ومِن جهة أخرى كانت المدينة تعيش انطلاق الدعوة التي قادها العربي التبسي (1893-1957) العائد من جامع الأزهر. فكانت حربا ضدّ الشعوذة و الزوايا. وسرعان ما انقسم أهل المدينة إلى فريقيْن: مؤيّدي الأفكار الإصلاحية التي دعا إليها الشيخ العربي التبسي، ومؤيّدي الإسلام التقليدي الذي يُمثِّلُه العالِم الجليل، الشيخ سليمان.
وكانت السلطات الاستعمارية تخُصُّ ذكرى 14 جويلية باحتفالات مهيبة. أما بن نبي فكان يقضي أيامه في البيت، ولا يخرج إلاّ ليلاً لملاقاة الأصحاب. كان شديد التعلّق بأمِّهِ التي كانت تعتزّ كثيرا بابنها الوحيد المُتعلّم، الجميل و المؤدّب.
وممّا قرأه في تلك العطلة كتاب “التاريخ الاجتماعي للإنسانية” L’Histoire sociale de l’humanité) للكاتب كورتلمان Courtellement (8) الذي كان قد وجده في مكتبة أبيه، وكذا جريدة ”العصر الجديد” الأسبوعية التونسية. أمّا الصراع الدائر بين تلاميذ العربي التبسّي وأتباع الشيخ سليمان فلم يكن يأبه له إطلاقاً. ولمّا وصلت العطلة إلى نهايتها وحان أوان توديع الأهل بدأ يُجهِّز نفسه لمباشرة سنته الدراسية الرابعة والأخيرة.
لمّا عاد إلى قسنطينة شعَر مُجدّداً بأن عدد الأوروبيين صار هو الأغلب، كما شعر بأنّ قبضة الاستعمار صارت أقوى. و الجديد في هذه السنة هي تلك الحافلات الخاصة بنقل المسافرين عبر شوارع المدينة، وكذا البدء في تجنيد الأعداد الأولى من القُوميين (Goumiers). أمّا في مقهى بن يمينة فكان الحوار يدور خاصة حول ثورة الريف المغربي.
صار عُمْر بن نبي الآن عشرين سنة، وكان في هذه المرحلة كثير التفكير في مستقبله بعد إنهاء الدراسة. ومِن الأحلام التي كانت تراوده الالتحاق بثوار الريف في المغرب، أو زيارة تومبوكتو والانتشاء بسحرها. لكن هناك وجهة أخرى كانت تجذبه، و هي أستراليا. لم يكُن يعرف أن أعداداً كبيرة من شباب الجزائر المستقلّة سيحلمون بهذه الوجهة بعده بثلاثة أرباع القرن، كما ستكون سبباً في شهرة أحد ممثلينا الكوميديين، وهو محمد فلاّق. كان بن نبي يعرف أنّ هذه الوجهة أصعب من سابقتها، لكنه بقي يحلم بها لفترة طويلة.
والسّؤال الذي طالما حيّره هو: ماذا سيفعل؟ فهو على علمٍ بأنّ حظوظ الأنديجان في الإدارة أو الأعمال الحرّة ضئيلة. فلقد سبقت الإشارة إلى أنّ الجزائريّ في ذلك الوقت كان بدون جنسية، فهو بمثابة لا كائن قانوني، أو بمثابة مواطن من الدرجة الثانية، وأجنبي في موطنه. ولأجل كل ذلك كان هذا السؤال ملازماً له على الدوام. غير أنه في الوقت الراهن يُفكِّرُ في الاكتفاء بالانطلاق بعيداً عن تبسة فيُنشىء مزرعة في (الخروب) أو تجارة في (الشريعة).
وقد تمكّن ابن باديس من قلوب أهل قسنطينة حتى صار أسطورة بأتمّ معنى الكلمة. وكان بن نبي مسحورا بهذا الشيخ الذي كُلّما مرّ على مقهى بن يمينة، وهو في طريقه إلى مكتبه، تبعه بعينه حتى يختفي عن النظر (م.ش.ق).
وما إنْ خامرتْهُ فكرة الكتابة حتى خَطَرَ في ذهنه هذا العنوان “الكِتاب المُحرّم” قبل أنْ يُفكِّرْ في موضوعٍ مُحدّد. ولمْ يجد بن نبي لذلك تفسيراً للوهلة الأولى، لكنه أدرك بعد مرور الوقت أنه استلهم أسطورة ابن باديس دون شعور منه. فالمعروف عن الشيخ أنه تخلّى عن حياة الترف والبذخ التي كانت تتيحها له عائلته الثّريّة، كي يتفرّغ للمجهود الإصلاحيّ. فأبوه كان تاجراً ثرياًّ، وأخوه كان مُحاميا مُعتمداً، وزوجته مِن الطبقة الثرية كذلك.
لكنّ الأمر الذي سيُثيرُ حيرته بعد تلك الفترة أنه كان أكثر تعلّقاً بالشيخ الطيب العقبي في صراعه المرير مع أهل الشعوذة والممارسات الظلامية. فالاعتقاد بأن الطيب العقبي كان أكثر تمثيلاً للتيار الإصلاحي من ابن باديس لم يكُنْ إلاّ نتاج أحكام اجتماعية مُسبقة.
وسيتعلّق بن نبي بتلك الأحكام المسبقة لمدة طويلة، مما جرّه إلى تحرّي الحذر، بل وحتى الغيرة من الأغنياء والأشراف. ومما جاء في مذكراته حول ذلك: “لمْ أكتشف خطئي في هذه النقطة إلاّ بعد رُبع قرن. ولمْ أشرع في الاعتراف بذاك الخطإ إلاّ حوالي سنة 1939، وبلغ اعترافي مداه سنة1947”.
إنّ الاعتراف بالذنب، سواء أكان مُتأخراً أمْ مُبكراً، علامة مُشرّفة لصاحبه، خاصة إذا كان الاعتراف مكتوباً. فبن نبي في نزاهته الدامغة وتواضعه النادر كان مثل حمودة بن ساعي، ذلك المثقف المغمور الذي لا تعرفه إلاّ القلة القليلة من الناس.
ولقد كرّم فيلسوفنا ابن باديس أكثر من مرة: في مقال نُشِرَ بتاريخ 24 أفريل 1953 في صحيفة Le Jeune musulman ، وفي كتاب “وجهة العالم الإسلامي” المنشور سنة 1954، حيث أشار إلى ”شخصية ابن باديس البارزة، والذي امتدّ إشعاعه الشخصي إلى أعماق الضمير الشعبي”. كما كرّمه في كتاب “الصراع الفكري في البلدان المُستعمَرة”colonisés La lutte idéologique dans les pays (9) سنة 1960، حيث وصفه بكونه “مُجاهداً كبيراً في الجبهة الإيديولوجية” ، وفي مقال نُشِرَ له في مجلة Révolution africaine في أوت 1967، حيث يقول: “لمْ يخُضِ المعركة بالتحفظات والحسابات التي يقوم بها كلّ زعيم، بل بتفانٍ تام وقٌنوتٍ صوفيّ… هو الذي أحيى قيمة الإسلام الثقافية الأصيلة، وكان أحسن ممثِّلٍ لها دون أن يعلو على الجماهير، وفي خضمّ المعركة”). وكرّمه أخيراً في شهر ماي 1970 في مجلّة صادرة عن جامعة الجزائر(10) (Que sais-je de l’islam )
وإذا كان بن نبي يؤكِّد على أن خطأه محصور في هذه النقطة دون سواها، فذلك لأنّه اختلف مع الشيخ ابن باديس في نقاطٍ أخرى. وهذا ما سنستعرضه لاحقاً. (يتبع)
المراجع:
1) عُقِد لقاء بباريس سنة 1905 بين نجيب عزوري (م سنة 1916)، وهو مسيحيّ عربي كان حاكماً بالنيابة لمدينة القدس، وأوجين يونغ Eugène Jung ( م سنة 1934) وهو نائب القائم الفرنسي سابقاً في تونكين Tonkin. وكان عزوري قد نشر كتاب “يقظة الأمة العربية في آسيا التركية”. ولقد تعرّض للنفي من طرف السلطان عبد الحميد مثل الطاهر الجزائري وأحمد رضا في وقت سابق. وسرعان ما بدا الانسجام بين الرجلين في هذا اللقاء حتى توطّدت روابط الصداقة بينهما. تخلّى يونغ عن وظيفته في الإدارة كي يتفرّغ للدفاع عن ذلك الحُلم الفرنسي/العربي.
وبُغية نشر أفكاره أسس جريدتين: الاستقلال العربي (L’Indépendance arabe ) سنة 1906، ثُمّ ”المشرق العربي” ( L’Orient arabe) سنة 1917. اضطُرّ إلى نشر كتبه على نفقته الخاصة لأن دور النشر رفضت نشرها له.
كان يونغ سليل أسرة ألزاسية شريفة. فأبوه كان جنرالاً ورجل أعمال ثريّ في مجال الصناعة، وموظّفاً سامياً في الدولة الفرنسية. لكن الابن سرعان ما صار فقيراً فقراً مُدقعاً بسبب مواقفه المُوالية للعالم الإسلاميّ. آثاره تتمثل في عشرة كتب، من بينها “الإسلام تحت النّير” L’islam sous le joug ) الصادر سنة 1926، و ”العرب والإسلام في مواجهة الحروب الصليبية الجديدة “Les Arabes et l’islam face aux nouvelles croisades ) الصادر سنة 1931.
2) ”تامل من بوسعادة”، الثورة الافريقية عدد 17 أفريل 1968
3) أسْلَمَ الدكتور فيليب جرونيي Philippe Grenier ( 1865-1944) في البليدة بالجزائر سنة 1894، وأدّى فريضة الحجّ في السنة نفسها. كان طبيبا يمارس عمله في مدينة مونتارليي Pontarlier بولاية جورا الفرنسية Jura انتُخِبَ في المجلس المحلّيّ، ثُمّ نائباً برلمانيا لمدينته. و بذلك فهو أول نائب مسلمٍ في المجلس الوطنيّ الفرنسيّ. كان يحظى باحترام كبير في ناحيته نظراً لإنسانيته، وكثيرا ما شُبِّهَ بـ فيكتور هيجو ولويس باستور (جريدة الفيجارو Le Figaro الصادرة بتاريخ 14 جانفي 1897). وقد اختار أنْ يرتدي لباس المسلمين التقليدي (الشاش والعباءة والبرنوس) ممّا يُغْرِي المُشاهِدَ باعتباره شخصاً غريب الأطوار. وانتهى به الأمر إلى الحرمان من عهدته النيابية سنة 1898، أي قبل الفترة التي يقصدها بن نبي. . R. Fermier : « Dr. Philippe Grenier, ancien député de Pontarlier », Ed. Faivre-Verney, Pontarlier, 1955 et R. Bichet : « Un comtois musulman, le Dr Philippe Grenier : prophète de Dieu, député de Pontarlier», Besançon 1976).
4) تورقوت أوزال Turgüt Özal “: تركيا في أوروبا” منشورات بلون Plon ، باريس 1988
5) منشورات مصر، القاهرة 1956
6) خاض الأمير تلك المعركة على رأس 3000 جندي ضد الجيش الإسباني الذي كان يتكون من 60000 جندي قُتِلَ منهم أكثر من 20000 كما أُسر العديد من الجنرالات. وحسب ما جاء في شهادة الأمير نفسه، فقد تمكن جيشه من غنم 20000 بندقية، 200 مدفعاً، والملايين من الخراطيش.أرجع الى عمار بلخوجة:” علي الحمامي و تنامي الوطنية الجزائرية” منشورات الدحلب ، الجزائر العاصمة 1991.
7) ترجمه الى الفرنسية باربيه دو ماينارد Barbier de Meynard سنة 1867
8) جول جيرفي كورتلمان (1863-1931) هو مُصوِّر فوتوغرافي ومُنقِّب، أسلم في حدود سنة 1880، وأدّى فريضة الحج سنة 1894. ولمّا هاجمنه الصحافة الاستعمارية غادر الجزائر سنة 1895. وهو كاتب “رحلتي إلى مكة Mon voyage à la Mecque) وكذلك “رحلة إلى سوريا ومصر” Voyage en Syrie et en Egypte )، ولم نتمكن مِن إثبات صحة ما نسبه إليه بن نبي من مؤلفات.
9) منشورات دار العروبة، القاهرة، 1960.
10) ماذا أعرف عن الاسلام؟ ”Que sais-je de l’islam ? .”
