بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
جاء فصلُ الخريف ومعه الدخول المدرسي. ذاتَ يوم، وعند عودته من المدرسة ارتطم الطفل مالك بن نبي بأمه عند عتبة باب البيت.
سارعت الأم بإعطائه رزمة وقبّلتهُ وهي تأمُرُه بالالتحاق بأبيه في مكتب قافلة السفر حيث ينتظره مِن أجل الإقلاع إلى قسنطينة. ومِن دون أن يطرح عليها أيّ سؤال، انطلق الطفل كالبرق إلى حيث أمرته أمّه.
كانت الرحلة كلّها نشوة وفرحاً لا نظير لهما، فليس هناك ما يُسعِدُه أكثر من فرصة العودة إلى مسقط رأسه. فقسنطينة هي حبّه الأكبر، وهو مشتاق كثيرا لرؤية المنزل الذي وُلِدَ فيه وإلى جده وجدته. وعند وصوله غمرته نشوة لا توصف، فالمدينة قد ازدانت بالإنارة العمومية التي كانت شيئا جديداً آنذاك. وهذا ما زاد مِن عظمة المدينة في مُخيّلته، إذ بدا له أنها صارت أكثر نشاطاً وأكثر اكتظاظا بالأوروبيين.
أقام بن نبي عند جدته بهيجة التي كانت تسكن في إحدى تلك الدور العربية، حيث اكترت منها حجرة لتسكن فيها. كانت كل الأشياء في عينه تتجاوز حدود ما يتمناه الخاطر. تعرّف على فن السينما لأول مرة في حياته، وممّا يذكره في هذا الصدد أنه اضطُرّ إلى بيع جواربه الجديدة التي اشتُريَتْ له في الصبيحة نفسها، وذلك من أجل مشاهدة فيلم “غرائب نيويورك”( Les mystères de New York).
أمّا جدّه بابا الخُذير، فقد رجع من ليبيا منذ فترة قصيرة، وهو أحد وجوه الطريقة العيساوية في قسنطينة، وكان حفيده مالك يرافقه أحياناً إلى الزاوية (1) كي يشاهد الأمسيات التهجدية التي ينظمها أتباع الطريقة. ولم يكن الطفل يفهم شيئا في تلك الرقصات والحركات التي هي أشبه شيء بالشعوذة. ومع ذلك فقد صار عضواً في فرقة الإنشاد التابعة للزاوية.
ولمّا انضمّتْ تركيا إلى ألمانيا في الحرب العالمية الأولى اتّخذ هذا الموقف بُعْداً دينياًّ في عقول العامّة. وكثيرا ما كان بن نبي يسمع بإعجابٍ أحد الشيوخ وهو يردد أنّ الخليفة العثماني يملك سلاحاً سرّياًّ، فهو يقول: “لو أنه رفع راية النبي (ص) لاشتعلت النار في العالم بأسره” (م.ش.ق).
وكانت الأنباء التي تصل إلى أسماع الجزائريين حول معركة الدردنيل (1915) تشحنهم فخراً واعتزازاً. وهكذا اكتشف الطفل أنّ بإمكان بلد مسلمٍ أنْ يواجه أعظم البلدان، بل بإمكانه أن يهزمها. وكان ذلك هو السبب في ميله إلى حب تركيا.
أمّا في ساعات الفراغ، فكان الطفل يتجوّل في شوارع المدينة وهو يلاحظ آثار الاستعمار على الصعيد الاجتماعي. وهكذا أتيح له أن يسجِّلَ أنّه كُلّما ازداد عدد الفرنسيين في المدينة ” كانت مظاهر حياة السكان المحليين تتناقص، إذ انزوتْ في أزقة سيدي راشد ومسالكه الضيّقة” (م.ش.ق). وكان ذلك سبباً في اختفاء كثير من الحِرَف والجماعات الحرَفية، مثل حرفة الحياكة، وأخذت مكانها مؤسسات جديدة مثل البنوك والمطاعم. وبدأت تنتشر تجارة المشروبات الكحولية وتأخذ مكان الأنشطة الأخرى التي أصاب الإفلاسُ أصحابها.
كان القسنطينيون يبذلون ما بوسعهم للتكيّف مع أوضاعهم الجديدة. فهذه عاداتهم أصابها ما أصاب أهلها من التحوّل والتّغيّر: “كُنّا نحافظ على المظهر ونُهمِلُ الجوهر… إنّ حركة التعمير بالأوروبيين التي شهدتها المدينة أدّتْ إلى تشويه أسلوب حياتنا القديم، وعاداتنا، وكلّ ما كان يُميّز مدينتنا القديمة. أمّا البُنى الاجتماعية والذهنية التي رسّختها الثقافة العربية الإسلامية منذ أكثر من عشرة قرون فقد بدأتْ تتراجع بعد نصف قرنٍ من التعدّي والغزو الثقافيّ. فالإدارة الاستعمارية كانت تفكك تلك البنى بعناية ودقة، وذلك بطرد الفلاحين من أراضيهم، ومنع الحِرَفيين في المدينة من ممارسة نشاطهم، وحرمان الأهالي من التعليم كي ينغمسوا في حياة الصعلكة والتسوّل” ( م.ش.ق).
ولسوء حظ بن نبي، فعودته إلى قسنطينة وإقامته عند جدته لم تدُمْ زمناً طويلاً، إذ اضطرّ للعودة إلى والديْه في تبسة لأنّ جدّته لم تعُدْ قادرة على التكفل به. وفور وصوله إلى تبسة أجرى امتحاناً للالتحاق مُجدّداً بالمدرسة التي كانت معلمته مدام بويل قد غادرتها.
كان يُتابع أخبار الحرب بقراءة جريدة مُصوّرة كان يتلقاها أحد تُجار الحيّ الذي يقطن فيه. وكانت تبلغ مسامعه كذلك أخبار التمرّد الذي حصل في مدينة عين توتة (في الشرق الجزائري) احتجاجاً على الخدمة العسكرية المفروضة على الأهالي على مدى ثلاث سنوات.
كان يُطلق اسم “الأنديجان” على الجزائريين لتمييزهم عن الأوروبيين واليهود لمنعهم من أن يكونوا مواطنين فرنسيين. فلا هُم فرنسيون ولا هُم جزائريون، بل هُم فئة خاصة يُطبق عليها قانون خاص يُسمى بقانون الأنديجان le Code de l’indigénat الصادر سنة 1881. أمّا يهود الجزائر فقد تحصلوا على الحق في الجنسية الفرنسية منذ 1870 بمرسوم كريميو (Décret Crémieux) الشهير، كما تحصّل على هذا الحق كلّ الأجانب من غير المسلمين منذ سنة 1889.
تقول مكالي مورسي Magali Morsy في مقدمة كتاب للمؤرخ شارل أندري جوليان Charles-André Julien حول أوضاع الجزائر في تلك الحقبة: “لمْ يَعُدْ للرجال أسماء. فالعربيّ هو إنسان متوحِّش يعيش في الشمال الإفريقي، وهو من الناحية القانونية لا يحمل أيّ اسمٍ: فهو مُجرّد (أنديجان)، وهو لا يُذكرُ إلاّ كما تُذكر الآجام والوهاد” (2).
أعلنت أمريكا عن دخولها الحرب في أفريل 1917، وكان ذلك إيذاناً بالنتائج التي ستتمخض عنها، إذْ تمّ التوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار بعد ذلك بوقت وجيز (11 نوفمبر 1918). ومِن نتائج تلك الحرب تفكيك الأمبراطورية العثمانية المنهزمة، وتقسيم الأراضي العربية التي كانت مهيمنة عليها بين أنجلتيرا وفرنسا. فباستثناء تركيا والجزيرة العربية، صارت كلّ البلدان الإسلامية مُحتلّة أو ترزح تحت الانتداب.
وفي خضمّ تلك الأحداث بدأ اليهود يتوافدون على فلسطين التي وعدهم الأنجليز بمنحها لهم كموطن. وشهدت مكة ظهور أول جريدة باللغة العربية على يد الشيخ الطيب العقبي (1890-1960) تحت عنوان “أمّ القرى” (3).
وغداة الحرب العالمية الأولى أصدر الرئيس ويلسن بياناً في أربع عشرة نقطة بخصوص حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها. ولمّا وصلت أصداؤه إلى الجزائر سارع المُعمِّرون بالإعلان عن مُعارضتهم لتطبيق تلك الوثيقة على الأنديجان الذين جُنِّدَ منهم حوالي 200.000 جندي للمشاركة في الحرب، وقُتِلَ منهم 80.000 دفاعاً عن الراية الفرنسية (4).
كان مالك بن نبي شاباًّ، وكان ينظر بأسى شديد إلى الأوضاع المتردية التي آل إليها شعبه غداة الحرب العالمية الأولى، وهو يقول في ذلك: “كانت تبسة آخذة في الانحدار إلى أسفل دركات التصعلك في جميع أوجه حياتها… فكبرى العائلات التي كانت في رغدٍ من العيش وتنعم بما يكفل لها المسكن والملبس لمْ تعُدْ قادرة على العيش فيها. والأرض التي كان يرتزق منها الأجداد صارت جدباء عقيمة… فالنيران التي أتت على الأخضر واليابس قُبيل الحرب العالمية الأولى بدأت تظهر آثارها الوخيمة. لمْ أعُدْ أرى تلك الثلوج التي كنتُ أتمرّغ فيها، ولا صواعد الجليد ونوازلها على أسقف البيوت، والتي كنتُ ألهو بكسرها وأنا أمرّ بمُحاذاتها. ولمْ يَعُدْ سهل (الحريق) المشهور في تبسة إلاّ أرضاً جدباء مُقفرة” ( م.ش.ق). وسيبقى حُبّ الأرض الذي عرفه مالك وهو صبيّ مُلازماً له طيلة حياته. فهذه الغريزة كانت بمثابة ”جوهر للحس الاجتماعيّ”، كما يقول بن نبي.
ومن مظاهر التغيير التي بدأت تنتشر في المجتمع، اللّجوء إلى شراء الخبز بدلاً مِن طهي (الكسرة) في المنزل، وظهور السيارة كوسيلة للنقل البريّ والطائرة للنقل الجوّيّ. وفي خضمّ هذا التحوّل تحصّل بن نبي على الشهادة الابتدائية بملاحظة (جيّد)، ونجح في امتحان الاستفادة من منحة لمتابعة التعليم الإكمالي.
وبما أنّ جدّه كان متوفّيا، وجدته عاجزة عن التكفل به، كان لا بُدّ من الاعتماد على أحد أعمامه لرعايته في مدينة قسنطينة حيث يتابع دراسته. وكان هذا العمّ محاسباً رئيسياًّ في أحد مصانع التبغ التي تملكها عائلة ثرية في قسنطينة، وهو في الوقت ذاته يشتغل كقائد جوق للفرقة الموسيقية بالمدينة.
أمّا نقل المسافرين عبر الطرق الطويلة فصارت الحافلة هي الوسيلة البديلة عن القوافل. امتطى مالك حافلته التي ستُقِلّه إلى قسنطينة وهو يشعر أنّه على عتبة مرحلة جديدة من حياته. وكانت إقامته عند عمّة أبيه المُسمّاة (خالتي بيبيّة)، وهناك وقع بصره لأوّل مرّة على الآلة الموسيقية التي سيتعلّم منها قواعد الموسيقى بمساعدة عمّه محمود. وهكذا عاد إلى مسقط رأسه، تلك المدينة التي كانت تتكوّن من ثلاثة أجزاء: الحيّ العربي، والحيّ اليهودي، والحيّ الفرنسي. وقد تمّ تسجيله في إكمالية “سيدي الجلّيس” التي تابع فيها أبوه وعمّه دراستهما، والتي يُديرها السيد مارتن M. Martin.
ولولا (الشاشية) الحمراء التي كان مالك بن نبي يرتديها وهو عائد إلى مسقط رأسه لظُنّ أنه مِن أبناء الأوروبيين. فكان وهو في الرابعة عشرة من عمره شاباًّ جميل الطلعة، بسحنة بيضاء وعينين خضراوين عليهما نظارتان طبيّتان.
كان عليه أنْ يرتاد المسجد صبيحة كلّ يومٍ باكراً كي يتابع دروس الشيخ عبد المجيد، وإذا كانت الساعة الثامنة كان عليه أن يذهب إلى المدرسة الإكمالية ليتابع دروس السيد مارتن. ويقول في ذلك: “وسيكون لهذين الرجلين الدور البارز في إعطائي التكوين العقليً مزدوج الاتجاه، والذي سيحدد إلى حدٍّ ما ميولي الفكرية” (م.ش.ق). وكان من حسن حظه أن السيد مارتن كان ذا نفْسٍ خيِّرةٍ، إذ هو الذي سيُعلِّمُه حبّ المطالعة بإعارته بعض الكتب التي كان أولها المجموعة الكاملة للروائي جول فارن Jules Verne.
أنهى الشاب مالك بن نبي هذه المرحلة التعليمية وأجرى امتحان الدخول إلى المدرسة. ولم يكن في الجزائر كلّها آنذاك إلاّ ثلاث مدارس بهذا المستوى الذي يكون فيه التعليم مزدوجاً franco-musulman ومختصاًّ بالإعداد للتعليم الجامعي.
التحق مالك بن نبي بالمدرسة سنة 1920، وكان عليه أن يحمل معه كلّ أمتعته وفراشه. أقام في إحدى حجرات المدرسة رفقة طالبيْن آخريْن، وهُمْ جميعاً يتناولون وجباتهم في مطعمٍ شعبيّ قريب من المدرسة التي يديرها السيد دورنون M. Dournon.
وفي تلك المدرسة تتلمذ على يد مفتي قسنطينة الشيخ مولود بن ميهوب وتعلّم عنه العلوم الدينية والسيرة، كما تتلمذ على الشيخ بن العابد الذي تعلّم عنه الفقه. أمّا أساتذته الفرنسيون فكان منهم السيد بوبريتير Bobreiter الذي زاد من شغفه بالمطالعة، إذ بفضله قرأ كتابيْ « L’Azyadé” و Les Désenchantées لصاحبهما بيار لوتي Pierre Loti وكتاب L’Homme qui assassina للكاتب كلود فارير Claude Farrère، و Le Disciple للكاتب Pierre Bourget (5).
وسيكون لرواية Le disciple أكبر فضلٍ في اكتشاف مالك بن نبي لعلمِ النفس، وهو المجال الذي سيتوسع فيه بعد عاميْن من ذلك بقراءة كتاب (6) Traité لصاحبه كوندياك Condillac، ذلك الكتاب الذي أكبّ على قراءته زمناً طويلاً، بالإضافة إلى كتاب (كيف نُفكِّر Comment nous pensons ) لِعالِمِ التربية الأمريكيّ جون ديوي John Dewey (7).
وهكذا أقبل مالك بن نبي على التشبع بِنَهَمٍ شديدٍ مِنْ ثقافتين مُختلفتيْن، ممّا أدّى إلى ظهورِ شرخٍ في تصوّره للوسط الذي يعيش فيه. وهو يقول في ذلك: “كان صوتُ المشرق الحديث والقديم يصل إلى مسمعي في صورة بهيّةٍ تارةً وفي صورة مُتردّيةٍ تارة أخرى. كُنْتُ أنتشي بأخبار الماضي المجيد إلى حدّ البكاء، وكانت تلك الأخبار تشُدّني بقوّةٍ إلى شيءٍ مُبْهَمٍ في أعماقي، وقد بدأْتُ أشعُرُ بوجوده فعلاً. إنّ تلك الدروس التي كُنتُ أُتابعها عند أساتذتي، خاصةً منهم العرب، كان لها الدور الفعال في ترسيخ هذا العامل العقلي عند أمثالي من طلبة تلك المدارس المزدوجة، والذين سيكون لهم مكان في الحركة الإصلاحية التي بدأت تظهر في الجزائر آنذاك” (م.ش.ق).
لكنه كان يشعر من جهةٍ أخرى بمحاسن التعليم بالفرنسية، ويقول في ذلك: “كان أساتذتنا الفرنسيون يُغَذّون عقولنا بمضامين تلك الثقافة الديكارتية التي ينقشع أمامها ضباب الروح الأسطورية التي هي لازمة مِن لوازم التفكير الخُرافي السائد آنذاك في الجزائر” (م.ش.ق).
فكانت تلك الحياة المدرسية المزدوجة ممّا فتح للشاب الناشئ عالماً سِمتُهُ التّحرّر. فالمنحة المدرسية التي استفاد منها كانت كافية لتغطية احتياجاته. فراح يغتنم هذه الحرية كي يتسلل إلى شوارع المدينة القديمة التي كان يعيش فيها الأوروبيون واليهود والسكان الأصليون جنباً إلى جنب. وكان وعيه العميق يُسجِّل كل شيءٍ، بدءاً بالإطار المكاني، ومروراً بالسلوكات والأفعال، ووصولاً إلى العادات الخاصة بكل جماعة. وهو في مذكراته يرسم لنا الوسط القسنطيني في تنوّعه وتناقضاته مثل: حفلات الطرق الصوفية، وأعراس الزواج، والطموح في امتطاء قطار الحداثة.
إنّ أسلوب وصف الأستاذ مالك بن نبي في درجة عالية من الدقة والتشويق، إذ ينتابك، وأنت تقرأ له، أنك تُتابع فيلماً وثائقياًّ حول الفترة التي عاشها. ويبدو مُرهف الشعور ومُنشغلاً بما لحق المجتمع القسنطيني من تدهور، إذ يبدو جلياًّ أن التعايش بين الاستعمار والمجتمع الجزائري أمرٌ مُستحيل لأنّ الأول يعمل على التعدّي على الثاني وإهانته.
يصف لنا بن نبي انهيار تلك الأسَرِ القسنطينية الكبرى التي حاولتْ المحافظة على مجدها التليد. ومِن تلك العائلات: بن شريف، وبن قريشي، باش ترزي، صالح باي، لفقون، وبعض تلك الأسَرٌ كانت تتربع على أملاك واسعة، وبعضها كانت مُهيمنة على الصناعة، بينما اكتفى البعض الآخر بامتلاك الحمّامات أو الدكاكين. لكنها جميعاً اضطرتْ إلى إيقاف نشاطها أو بيع أملاكها والتنازل عنها لصالح اليهود أو الفرنسيين.
إنّ كثيرا من المؤرخين الفرنسيين يعترفون بأن الجزائريين خضعوا لمسار تفقير فرضه الوجود الاستعماري. فلقد كتب ألكسي دو توكفيل Alexis de Tocqueville منذ سنة 1847 قائلاً: “لقد جعلنا من المجتمع المُسلِمِ أكثر شقاءً، وأكثر فوضوية، وأكثر جهلاً وبربريةً قياساً بما كان عليه قبل أن يعرفنا” (8).
وممّاَ يدعو إلى الدهشة عند قراءة مذكرات بن نبي حرصه على التمييز بين الاستعمار والضمير الفرنسي، وهو يُكِنّ كثيراً من التقدير لبعض الفرنسيين، مثل الدكتور فيجاريل Dr. Figarelle الذي عالج أمّه طيلة سنوات دون أنْ يُطالب بأي أجرٍ مُراعاةً للظروف القاسية التي كانت تمرّ بها العائلة.
وقد صاغ بن نبي ذلك “التعايش معاً” الذي فرضه الاحتلال الفرنسي على الجزائريين في إحدى مقالاته التي نشرها بعد هذه الفترة: “في سنة 1830 كان الشعبان (الفرنسي والجزائري) في مستوى اجتماعي مُتقارب. ولا نُجانبُ الصواب إذا قُلنا إن الشعب الجزائري كان أحسن حالاً من الناحية المادية لأنه كان يستفيد من فائض إنتاج في المواد الغذائية، وهو الفائض الذي يُوَجّهُ إلى فرنسا أحياناً. أمّا من الناحية الفكرية فالجانب الفرنسي كان أحسن حالاً. وهكذا كان الشعب الجزائري يتمتع بكل ثروات أرضه، وكان الشعب الفرنسي ينعم بموارد ثقافية هائلة لأنّه ينتمي إلى حظيرة ثقافية تعيش فترة ازدهار فكري… وكان بإمكان الشعب الجزائري في البداية أن يلحق بالفرنسيين على امتداد عصر البخار والكهرباء. والذي حصل أنّ الشعب الفرنسي تمكّن من الوصول وحده إلى عتبة عصر الذرة. أمّا الشعب الجزائريّ فقد زُجّ به في قافلة (المتأخرين) لأنه لم يتمكن حتى مِن تجاوز مرحلة الأُمِّيّة. ومن زاوية النظرية النسبية، فإنّ هذا الطرح يعني أنّ قرناً كاملاً من (التعايش معاً) لم يُؤدِّ إلى تضييق الهوّة بين الشعبين، بل زادها اتّساعاً. إذاً، فكلّ ما حدث طيلة القرن الماضي هو أنّ أحد الشعبين كان يسير إلى الأمام، بينما كان الآخر يسير إلى الخلف” (9).
كان مالك بن نبي يريدُ أنْ يُصحّح الفكرة التي مفادها أن الحركة الإصلاحية نابعة من أفكار جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ويقول في ذلك: “إنّ في هذا التوجّه كثيراً من الإفراط لأنه توجّهٌ يضرب عرضَ الحائط بالتقاليد المحلية”. فهو – أي مالك بن نبي – يعتقد أن الفضل يعود إلى الشيخ صالح بن مْهنّة (1854-1910) وتلميذه الشيخ عبد القادر البجاوي (1848-1914) في ظهور الحركة الإصلاحية بقسنطينة في نهاية ق19م.
ولقد أورد في كتابه “شروط النهضة” (10) بعض المعلومات حول الشيخ صالح بن مهنّة “الذي كاد أن يوقظ قسنطينة بأَسْرها في حدود سنة 1898. فهذا الشيخ الجليل كان هو رائد النزعة الإصلاحية، فهو أول مَنْ هاجمَ شبح الشعوذة. لكن الإدارة كانت حريصة على إبقاء الناس في غفلتهم بإسكات كلّ من يُريدُ أن يرفع صوته في ذلك الليل الدامس. وهكذا تمّ الاستيلاء على مكتبة ثمينة كانت عند هذا الشيخ، كما تمّ تشريدُ مُنشطي طلائع الحركة الإصلاحية. والشيخ عبد القادر البجاوي كان من بينهم، إذ تمّ نقله من مدرسة قسنطينة إلى مدرسة الجزائر…”.
وسيعود مالك بن نبي إلى هذه الفكرة لاحِقاً في مقال له حول عبد الحميد بن باديس، حيث يقول: “كانت قسنطينة بين سنة 1895 و1900 مسرحاً لحركة إصلاحية مُبكِّرة بفضل جهود شخصيتين، وهما الشيخ بن مهنّة، والشيخ عبد القادر البجاوي. فإننا لا نُجانِب الصواب إذا تساءلْنا عمّا إذا لم تكن تلك الحركة إرهاصاً للنزعة الإصلاحية ككُلٍّ، سواء أكان ذلك بشكلٍ مباشرٍ انطلاقاً من أفكار ابن باديس ذاتها، أو بشكلٍ غير مباشرٍ انطلاقاً من الأثر الذي تركته تلك الأفكار في وسطه. فنحن إذاً بإزاءِ مصدرٍ شمال إفريقيّ للحركة الإصلاحية الجزائرية بِرُمَّتِها” (11).
ولقد ردّد نوربارت تابييرو Norbert Tapiero هذه الملاحظات ذاتها في حديثه عن رجال الإصلاح المسلمين خلال القرن 19م، فقد ذكر اسم الطاهر الجزائري (1852-1920) الذي ذاع صيتُهُ في سوريا بفضل أفكاره التجديديّة، مثل: الدعوة إلى التعليم الحديث، وإنشاء شبكة من المكتبات، والوحدة العربية (12)… غير أن السلطات العثمانية التي أزعجتها أفكاره الجريئة أمَرَتْ بنفْيِهِ إلى مصر التي أقام بها عشر سنوات. وقد خلّفَ ما يُقارب عشرين كتاباً.
وسيأتي الأستاذ الجزائري عمار هلال ليؤكّد ملاحظات مالك بن نبي ويتّسع فيها، فهو يرى أنّ “الجذور المحلّية لحركة الإصلاح أقدمُ بكثير مما هوشائع، إذْ تعود إلى ذات العصر الذي عاش فيه أبو النزعة السلفية ابن تيمية (1263-1323)، حيث ظهر في بلدة طولقة (ناحية بسكرة) عالِمٌ اسمه الشيخ سعادة الذي راح ينشر أفكاره التجديدية. كما ظهر بعده بزمن قصير، أي في القرن 14م، عالم آخر من مدينة تلمسان اسمه عبد القادر بن محمد المغربي، وهو الذي قاد حركة مماثلة في ناحية توات” (13).
لكنّ العجيب أنّ مالك بن نبي، وبعد كتابة ما سبق ذكرُهُ بعامٍ واحد، راح يقول مؤكِّداً “إنّ الإصلاح هو الصيغة الجزائرية للحركة الوهابية” (14).
(يتبع)
المراجع:
(1) مؤسسة تضمّ أتباع طريقة من الطرق الصوفية، وتتكفل بالتعليم الديني.
(2) شارل أندري جوليان :” فكر مناهض للإستعمار: مواقف (1914-1979″ منشورات السندباد، باريس 1979
(3) الراجح أنّ الأمر يتعلّق بجريدة “القِبلة” التي أسسها الشريف حسين (1856-1924) وأسندَ إدارتها للشيخ الطيب العقبي، لكن جريدة “أمّ القرى” كانت موجودة بالفعل في تلك الفترة.
(4) هذه الأرقام أوردها مالك بن نبي في مذكراته. أما المؤرخ بنيامين ستورا Benjamin Stora فقد ذكر أنّ عدد ”الأنديجان” الذين جُنِّدوا في هذه الحرب هو 173.000، منهم 87.500 ملتزمون، وقُتِلَ 25.000 من المسلمين و 22.000 من فرنسيي الجزائر ( ارجع الى ب.ستورا B. Stora و زكية داوود Zakia. Daoud :” فرحات عباس: جزائر مختلفة” منشورات القصبة، الجزائر العاصمة 1995). ولويس ماسينيون Louis Massignon مِن جهته يذكر أنّ 270.000 جزائري قد جُنِّدوا، منهم 124.000 كعمال في المصانع. (ارجع الى ” أوبرا مينورا” (Opéra Minora ) المجلد3، منشورات دار المعارف، بيروت 1963)
(5) يتعلق الأمر أكيد ببول بورجي Paul Bourget ، عضو الأكادمية الفرنسية حيث نشر الكتاب سنة 1889
(6) يتعلّق الأمر بكتاب Traité des sensations (1764).
(7) نُشِرَ هذا الكتاب بالأنجليزية تحت عنوان (How we think )سنة 1910 لكنه لن يُترجم إلى الفرنسية إلاّ سنة 1933.
(8) ألكسي دو توكفيل Alexis de Tocqueville “: المستعمرة الجزائرية، (De la colonie en Algérie)، منشورات غاليمارد Gallimard ، باريس 1968
(9) ”الخيار الثالث” La troisième perspective ، ” الجمهورية الجزائرية” La République algérienne عدد 13 نوفمبر 1953
(10) منشورات النهضة ، الجزائر العاصمة 1949
(11) مقال تحت عنوان”الشيخ ابن باديس”، نُشِر على صفحات صحيفة «Le Jeune musulman» بتاريخ 24 أفريل 1953. وجدير بالملاحظة أنّ الشيخ البجاوي كان قد نشر كتابا صغيرا تحت عنوان “إرشاد المُتعلِّم” في الجزائر سنة 1877، وهو يحثُّ فيه الجزائريين على تعلُّمِ اللّغات الأجنبية ومُسايرة ركب الحداثة.
(12) نوربرت تابيرو Norbert Tapiero :” الأفكار الإصلاحية للكواكبي”، منشورات العرب، باريس 1956
(13) عمار هلال:” الحركة الاصلاحية الجزائرية : 1831-1957″ منشورات OPU، الجزائر العاصمة 2002.
(14) ”من جنيف إلى كولومبو”، “الجمهورية الجزائرية” عدد 07 ماي 1954
