Home مقالاتتونس قلب المشكلة

تونس قلب المشكلة

by admin


بقلم نورالدين بوكروح ‏

ترجمة نورة بوزيدة

‏” ليس البرلمان هو من يجب أن يحكم، بل الشعب هو الذي يجب أن يحكم عن طريق البرلمان” ‏(وينستن تشرشل) ‏

إن الرئيس التونسي رجل العجائب. أتى إلى عالم السياسة في عمر متقدم بلا حزب ولا مناضلين ولا مال ‏ولا ماضي ولا برنامج. لكنه نجح في الفوز برئاسة الجمهورية بنسبة يحلم بها الكثير. لم يكن مضطرا ‏للتجول في ربوع وطنه لإقناع الناس، واكتفى بالتوقف عند بعض المقاهي وعبور بعض الساحات ‏العمومية. ففي زمن العالم الافتراضي والرقمي، كفى أن يظهر في بعض الحصص التلفزيونية ليصبح ‏رئيسا قد يقارن في تونس يوما ما بديغول أو تشرشل. ‏

لقد استطاع هذا الرجل اكتساب رضا المنتخبين التونسيين الذين تجرعوا المر مع طبقة سياسية ‏تخاذلت وتمادت في مقايضات سياسوية مشينة من أجل مصالحها الضيقة وتناست مصالح البلاد. ‏فقدم قيس سعيد، أستاذ القانون، فكسب ثقتهم بوجهه السمح الذي يذكرنا بصورة موثق القرن ‏التاسع عشر وبالعسكري الصارم من جهة عندما يقف، ويفوح منه عبق العصور الغابرة وهو يتحدث ‏العربية مثل المتنبي والفرنسية مثل شاتوبريان. لا من يعرفه ولا أثر عن مسار سياسي قد يجلب له ‏النقد، بل كان يلمع مثل قطعة نقدية جديدة. فتذمر أعداؤه لأنهم لا يملكون من حيث يشدون ‏لإسقاطه أرضا مثل مصارعي الجيدو.‏

واكتمل حسن حظه وكأنه أتى إلى الدنيا بصندوق مليئ بالمنتخبين، بأنه لم يجد في مواجهته سوى ‏رجل أعمال متهم بالرشوة كان يقبع في السجن وأخرج منه فقط للقيام بالحملة الانتخابية قبل أن يعاد ‏إليه، حتى أنه يمكننا التفكير أن الهدف من ذلك كان فقط لمساعدة سعيد في الدخول إلى قصر قرطاج. ‏كان على قيس سعيد التسلل بين القطرات، فنجح في التمرين وكأنه جزيء ضوئي (فوتون). 

عندما وصل إلى عين المكان، وأخذ مكانه على طاولة المدعوين الذين بدا عليهم تفاهما وتوافقا كبيرين، ‏ويهزئون منه خفية، لم يتمكن محبوب المنتخبين في إخفاء خيبته. لماذا هو هنا؟ كان يعرف قبل ‏مجيئه أن وضعه سيكون مثل المدعو المرموق لكن فقط كمشاهد للأحداث بلا تأثير عليها، فكان ‏يغيضه ذلك وينتظر فرصته لقلب الطاولة. نعم، كان ينتظر أن يصل غضب الشارع ذروته ويترقب ‏حرارته حتى ينتفض بدوره.‏

كان يعلم منذ البداية ما سيقوم به. لكنه لم يبح به لأحد خوفا من المعارضة الشديدة واللوم ‏والتصدي. كان يعرف طبعا أن الدستور التونسي لم يترك لرئيس الجمهورية سوى دورا فخريا عندما لا ‏يملك مساندة البرلمان عبر حزب قوي أو ائتلاف منسجم.

لم يخطئ وينستن تشرشل عندما قال إن الديمقراطية أسوأ نظام حكم لكنه لا يعرف ما هو أفضل منه. ‏نعم لهذا النظام نقطة ضعف يمكن أن تشله عندما ينتخب الشعب رئيسا ينتمي لجهة سياسية (أو ‏ليس لديه انتماء سياسي) وينتخب ممثلين عنه في البرلمان ينتمون للجهة المعارضة. 

لقد شهدنا مثل هذا الوضع في فرنسا مع “التعايش” ‏cohabitation)‎‏)في عهد ميتران حيث كان هو ‏رئيسا من اليسار وفي البرلمان توجد أغلبية من اليمين)، وكذلك في عهد شيراك (الرئيس يميني والبرلمان ‏يساري)، وفي الولايات المتحدة يكون الوضع كذلك كلما كان الرئيس من الحزب الديمقراطي ومجلس ‏النواب بأغلبية جمهورية. وفي كل هذه الحالات نرى كيف يجرد الرؤساء من صلاحياتهم ويصبحون ‏مثل الخضار التي تزدهي بها أطباق الكسكس في المغرب العربي. ‏

من الأكيد أن الرئيس التونسي وجد لنفسه مرجعا في تجربة شارل ديغول الذي وضع حدا ل”حكم ‏الأحزاب” سنة 1958 الذي كان سائدا في الجمهورية الرابعة، وأعاد قصر الإيليزي، أي الرئاسة إلى مركز ‏السلطة التي تتحكم في دواليب الحكم، راغبا هو الآخر إعادة السلطة إلى قصر قرطاج. ‏

‎ ‎هذا هو التحدي الذي وضعه لنفسه، برنامجه السري والمعظلة التي يجب فكها، وهنا في الحقيقة ‏يكمن معنى نصف الانقلاب الذي قام به، بعد أن رفض قسم اليمين لأعضاء الحكومة الجدد، وشل ‏بذلك عملهم الحكومي، ومن جهة أخرى استعمل صلاحياته كقائد القوات العسكرية لمنع البرلمانيين ‏من الدخول إلى مبناهم. ‏

كان الدستور التونسي 2014 يسري بسلاسة أكثر في عهد باجي قايد السبسي لأن هذا الأخير كان ‏يسانده حزب قوي، اندثر بمجرد وفاته، وكذلك على اءتلاف مريح. لكن اليوم نعيش وضعا آخر لا ‏يتحمل مسؤوليته الدستور لكنها “غلطة” المنتخبين والطبقة السياسية حيث لم يفكر أي طرف في ‏نتائج انتخاب رئيس لا حزب أغلبية به. كانت كل عناصر المأزق المؤساساتي موجودة وهو ما حدث. 

وفي الحقيقة، فإن المشكل أكثر تعقيدا مما يبدو. هو لا يخص تونس وحدها، بل هو لصيق ‏بالديمقراطية وبأكثر دقة بنظرية فصل السلطات التي حين تطبق تظهر للعيان على أنها غير واقعية. ‏ففي الحقيقة، لا يمكن فصل السلطة التنفيذية عن السلطة التشريعية حيث يجب ان ينبع الإثنان من ‏نفس التوجه السياسي والدفاع عن نفس المصالح، وإلا فلا يمكن للنظام أن يعمل. 

فالأولى، أي ‏السلطة التنفيذية لا تملك سوى تطبيق البرنامج الذي انتخبت على أساسه في شكل مشاريع قوانين، ‏بينما الثانية (عندما تكون الأغلبية في البرلمان منتخبة على أساس نفس البرنامج) مجبرة على التصويت ‏لها. فممارسة السلطة مستحيلة بدون الإثنتين. 

إن الفكرة التي أسس عليها منتسكيو تفكيره منطقية : فالشعب السيد يخلق مكانا يمثله فيه ممثلين ‏لتسيير الشؤون الجماعية. إنه البرلمان حيث تسود السلطة التشريعية والتي لها دور تجسيد رغبة ‏الشعب والتعبير عنها في شكل نصوص قانونية. لكن، لكي تحول من جديد هذه النصوص إلى الواقع ‏والحياة الاجتماعية، يجب أن يشكل فريق مهمته جمع الشروط الضرورية لتنفيذها عبر مؤسسات ‏وهيآت ووسائل جماعية وسياسات عامة. ‏

إن هذا الفريق هو من أصبح يمثل السلطة التنفيذية وأصبح يمثل الدولة. والبرلمان يراقبه للتأكد من ‏أن مصالح الشعب محترمة ويدافع عنها، وفي حال عكس ذلك يعاقبه بتنحيته. لكن هذا كله ليس كافيا ‏لضمان الصالح العام والحد من خطر التعسف بالسلطة عندما نمتلك منها الكثير. فيجب أن تكون ‏سلطة مضادة مستقلة عن الإثنين. ولذا، اتفق على ضرورة تعيين مجموعة أشخاص، يمثلون القانون، ‏والسلطة القضائية المكلف بإخضاع الجميع للقانون “باسم الشعب” وتنفذها الدولة. 

في واقع الأمر، لا يمكن للسلطة التنفيذية القيام بشيء دون السلطة التشريعية. فلا يمكن “فصلهما”، ‏وأكثر من ذلك، لا يمكنهما أن يكونا “خصمين”، بل عليهما العمل مع بعضهما، والتكاتل بينهما. ‏عليهما أن ينبعا من نفس الجهة السياسية والإيديولوجية والتوق إلى نفس الأهداف.‏

‏ أما السلطة القضائية، فإنها غير ملزمة بهذه “الوحدة” لكن، إذا أصبحت هي الأخرى “مستقلة” ‏بصفة مطلقة يمكن بدورها أن تتعسف بسلطتها والإفلات من كل مراقبة، مما يمكن أن يتسبب في ‏إضرار الجميع.

إن ما تعرفه تونس من أزمة سببه الابتعاد عن هذا الرسم وارتكبت غلطتين: الأولى داخل السلطة ‏التنفيذية (المتشكلة من رئيس الجمهورية المنتخب من قبل الشعب لكن دون سلطة فعلية، ومن ‏رئيس حكومة يعينه البرلمان وهو مسؤول أمام من عينه فقط)، والثانية بين الرئيس والبرلمان حيث ‏يعرقل كل واحد الآخر قدر المستطاع. 

وبسبب عدم التعاون بين الجميع، توقفت عربة تونس في نصف ‏النهر لا تعرف إذا وجب الرجوع إلى الوراء أو المضي قدما، بينما تراكمت على الحافة المشاكل ‏الاقتصادية والصحية، والمجتمع على وشك العودة إلى الثورة من جديد. ‏

إن الديمقراطية مسألة ثقافة أكثر منها آليات قانونية. إن الثقافة الاجتماعية المغاربية ترفض ألا يملك ‏رئيس الجمهورية أو الملك سلطات حقيقية ولا يفهم ذلك. “القائد يقود”، كما قال جاك شيراك. إذن، ‏كيف الخروج من هذا الصراع؟ لا يوجد العديد من الحلول، بل هما حلين وحيدين: ‏

‏1) إما أن يترك الرئيس الوضع على ما هو عليه الآن ويعيد للبرلمان صلاحياته بعد شهر، وسينتهي هو ‏حيث أن أحزاب الإءتلاف لن يقبلوا حكومة تم تعيينها خارج ما ينص عليه الدستور، وقد يذهبون إلى ‏أبعد من ذلك، ويتخذون إجراءات لتنحيته، وحتى متابعته جنائيا كما يسمح لهم ذلك الدستور. ‏

‏2) الجميع يقبل نسيان ما حدث، أي نصف الانقلاب والمضي قدما لإصلاح الاختلال والحرص على ‏عدم تكراره ثانية، ويتفق الجميع، رئيسا وبرلمانا، على إصلاح الدستور للاختيار نهائيا بين نظام برلماني ‏ينتخب فيه ممثلوا الشعب رئيس الجمهورية، أو التوجه إلى نظام رئاسي مثلما هو الحال في الولايات ‏المتحدة أو شبه رئاسي مثل ما هو الحال في فرنسا، حيث السلطات متوازنة ومنسجمة حتى في زمن ‏‏”التعايش”. والشعب هو من يقرر في الأمر عبر استفتاء. ‏

ولا يجب التوكل على الحظ، فالحظ يحالف الأشخاص أو يخذلهم، لكنه لا مفعول له على ‏المجتمعات. ‏

صفحة فايسبوك ن.ب:30/07/2021

You may also like

Leave a Comment