بقلم نورالدين بوكروح
ترجمة نورة بوزيدة
”إذا كنت تريد السلم، هيأ الحرب”. هكذا كان يفكر الرومان القدامى.
لكن، لم تعد هذه الحكمة صحيحة تماما في أيامنا نحن، علما أن كل حرب تنشب تبدا بقطع اواصر السلم من طرف أحد المتنازعين، وتنتهي بطلب من الاثنين. وغالبا ما تنتهي أبدون غالب أو مغلوب، وقد خسر كلاهما أكثر مما ربحا، مهما يسعيان إلى إخفاء ذلك بختم “سر دفاعي” او”الفخر الوطني”، آملين أن يفعل النسيان مفعوله أو في انتضار أن تنشب حرب أخرى متعمدة أو غير متعمدة.
تعود الناس في بلدينا الجارين أن يضعوا الشر الذي يقومون به على ظهر “الشيطان” كما في المقولة الشعبية “جابها الشيطان” عندما يقترفون فعلة غير مسؤولة، محاولين ومسرعين إلى إخفاء آثارها وطيها في طي النسيان، في محاولة تهدف في الحقيقة إلى تفادي البحث عمن ظلم ومن هو محق، وخوفا من إحياء الحريق مجددا.
وفي حقيقة الأمر، في بلدان المغرب، لا يحب الناس مواجهة الحقيقة، أي حقيقتهم. لا يتحققون من نتائج عملهم حتى يقترفونه، يهرعون ثم يفكرون. وفي النهاية، يدفنون الحقيقة في عمق البئر ويغلقون عليها ويختمون عليه بكلمة “خلي البير بغطاه”. هكذا ترعرعت مقولات وأمثال نستعملها في محلها وغير محلها، في مقامها وغير مقامها، تصبح بعد كثرة استعمالها بالخطأ تحمل المعنى وعكسه، وتفيد الشيء وضده.
وهذا ما قام به المغرب مع الجزائر سنة 1994 عندما اتهمها خطأ بأنها من قامت بالعمل الإرهابي في مراكش، وما زال يقوم به هذا الأسبوع، مرتين بدل الواحدة: أولا بان خلق خارطة لمنطقة القبائل التي توجد في مخيلته فقط، وبقضية “بيغازوس” Pegasusالتي انفجرت، وهي في بداية تداعياتها فقط، وتمس الجزائر وفرنسا وعلى الأرجح اسبانيا أيضا. لديه عمل كبير، صديقنا الملك.
إعداد الحرب لا يعني أن تقوم بها، ولا أن تكون المبادر بها، ويمكن الاكتفاء باتخاذ إجراءات احترازية ودفاعية وردعية. لكن الاستعداد للحرب قد يكون أكثر كلفة من القيام بها لأن الأمر يستدعي أن تكون دائما في حالة استنفار وامتلاك منظومات مراقبة ووسائل دفاع أرضي وبحري وجوي.
كما يجب تدريب فرق تقنية مطلعة على كل المستجدات التكنولوجية المتسارعة وصيانة المعدات الحربية للبقاء على مستوى رفيع وفعال، لكن يجب أيضا تجديدها بين الحين والآخر دون نسيان مخزون المستلزمات الحربية المتنوعة.
إذا كانت كل الحروب التي شنها الناس على بعضهم البعض، بما فيها حرب المائة سنة، قد انتهت بوقف إطلاق النار والإعلان عن السلم والسلام، لماذا القيام بها إذن؟ وتكرارها كل مرة؟ هل هي في ” طبيعة الإنسان”؟ كلا.
ليست الطبيعة من سنت نزعة الحرب في الانسان، لكنها نزعة ناتجة عن الثقافات الانسانية والأديان والعادات المعيشية والفكرية التي تدفعهم بطريقة أو أخرى، وبحجج مقدسة مزعومة أو حتى لأتفه الأسباب مثل الحروب اتي تسببت فيها هفوة تنقيط أو حتى مباراة كرة قدم.
كل هذا ينطبق بشكل جيد على حال بلدينا اللذين لا يعرفان التواصل ببعضهما البعض منذ الأزل. من بين كل شعوب افريقيا الشمالية (البلدان الخمسة زائد واحد (مصر)، إنهما الشعبين الأكثر شبها ببعضهما البعض، حتى في “خشونتهما” التي تجتاحهما عندما يخدش شعورهما بكلمة، أو عندما يأخذ عليهما خطأ بدر منهما. في هذه الحال، يتغير مزاجهما ويتهوران ويصدر منهما أفعال متطرفة يندمان عليها بمجرد العودة إلى حالتهما الطبيعية.
إنهما كيانين وطنيين كبيري السخاء والكرم، وهما يتحابان على المستوى الشعبي ويتكارهان على مستوى الحكام الذين يتأهبون للحرب منذ نيلهما الاستقلال وكأنها “وصية” تركها لهم أجدادهم أو عهدة إلهية أتوا بها إلى الدنيا.
لم يعرفا في الماضي ضراوة الحرب بينهما ولم يحدث بينهما ما لا تحمد عقباه وما لا يمكن تجاوزه، ولم يحدث ما يبرر العداوة التي يجهر بها كلاهما على مواقع التواصل الاجتماعي. وهنا أتحدث عن الحرب الحقيقية والكاملة والمتواصلة التي تترك الخصمين متعبين وفقيرين ومصدومين، وليس المناوشات التي قامت بينهما سنتي 1963 و1976.
لكن يبدو أنهما يقتربان منها أكثر فأكثر، وكأن حرب بينهما هو ما ينقص كليهما لإبراز فخرهما الوطني وشهادة على شجاعة حكامهما، من الجهتين.
كل بلد يملك ما يسمح له بتدمير الآخر عن بعد وقتل عدد من مواطنيه والقضاء على جزء من موارده. وكلاهما كون هذه القوة المدمرة على حساب النفقات الاجتماعية والصحية التي كانت من حق شعبيهما، لكن حولوها من وجهة الخير إلى نفق الشر.
وبعد أن يوجعا بعضهما البعض كفاية، ويظن كلاهما أنه فقد عينا بينما الآخر فقد الإثنين، عندما سيدمران أكثر بنايات ممكنة ومصانع ومعدات عمومية وسكك حديدية وجسور على أرض الجار، وعندما سيشبع كل واحد من دم الأخر، سيخضعان لأوامر الأمم المتحدة بأن يتوقفا عن إطلاق النار والجلوس إلى طاولة المفاوضات، سيعودان إلى نقطة البداية، إلى حالتهما ما قبل الحرب.
هذا السيناريو يمكن تفاديه سواء بين الجزائر والمغرب أو بين المغرب والبوليزاريو. البلدان الثلاث يمكنها تقرير حل مشاكلها بينها وبدون وساطة أجنبية وهي في الحقيقة مشكلة واحدة وهي مشكلة الصحراء الغربية يمكنهم حلها في بضعة أسابيع، شرط أن تتخلص كل الجهات من أفكارها المسبقة ونظاراتها القديمة، والتفكير في مقاربة جديدة مبنية على الخير الذي سيدره العيش في مستقبل يرسم جماعيا وبرضا الجميع.
قبل أيام، أعدت نشر مقال كتبته بتاريخ 3 أكتوبر 1985 في جريدة “ألجيري أكتواليتي” بعنوان ”مفارقات الديمقراطية” وضمنته فكرة طرحها المفكر الفرنسي منتسكيو Montesquieu (1689-1755) والتي أثرت في كثيرا عندما اكتشفتها في شبابي عندما قرأت ثلاثية (روح القوانين – تأملات في أسباب عظمة وانحطاط الرومان – رسائل فارسية): ” لو أعلم أن شيئا ينفعني ويضر عائلتي، أمحيها من ذهني. لو أعلم أن شيئا ينفع عائلتي ويضر وطني، أود نسيانه. لو أعلم أن شيئا ينفع وطني ويحمل ضررا لأوربا، أو أعلم أنه ينفع أوربا ويحمل شرا للإنسانية، أنظر إليه كجريمة.”
هذه الفكرة ما زالت تهزني إلى يومي هذا، وأقترح أن نجعل منها فلسفة لنا الجزائريين والمغاربة والصحراويين. إنها تحمل معنى احتواه أحد الأحاديث الصحيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
صفحة فايسبوك ن.ب:22/07/2021
