بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
انعقدت الندوة الثانية للبلدان الأفروآسيوية في القاهرة شهر ديسمبر سنة 1957. وكان بن نبي يظن مُحِقاًّ أن مسؤولي “جبهة التحرير” بالقاهرة سيوفدونه لتمثيل الجزائر بالنظر إلى كفاءته في هذا المجال. لكن ظنه سيخيب بعد وقت وجيز.
في 12 جانفي، وكرد فعلٍ على ذلك كتب لهم رسالة انتقامية ليُعْلِمَهم أنه قد شارك في أشغال الندوة رغماً عنهم، لا كجزائريّ، وهذا ما تأسف له، بل كضيف شخصيّ لرئيس الدورة، وهو أنور السادات. ومما جاء في تلك الرسالة: “هكذا إذاً، أيّها السادة ممثلي “جبهة التحرير” في الخارج، أعجبكُمْ ألاَّ يُمثِّلَ مُؤلِّف ”النزعة الأفروآسيوية” الجزائر في أي نقاش. لم تُفكِّروا حتى في أخذ رأيه الاحترافيّ حول تحرير العرض الذي قرأتموه في الجمعية العامة والخاص بالوضعية في الجزائر… لقد فعلتم ما كان بوسعكم لتُبعِدوا مؤلف “النزعة الأفروآسيوية” من محفل الشعوب الأفروآسيوية… أرجوكم أنْ توقِفوا صرفَ الإعانة الشهرية التي تفضلتم بإرسالها لي إلى حدّ الآن: فأنا لا أريد أن تكون في أعينكم دليلاً على تلبّسي معكم أو مُحاباتي لكم في وضعية تبدو لي غير عادية”.
وبعد بضعة أيام أرسل له أنور السادات نسخة من مقال مُوجّه إلى المجلة السوفياتية “أنترناشونال أفيرز” International Affairs ، وفيه تقييم لنتائج الندوة، وتعظيم لبن نبي بنبرة تدُلّ على مدى تطابق أفكار السادات مع أطروحاته. لكن نظام جمال عبد الناصر سيشرع في العمل على إطفاء شعلة كتاب وإبعاد كاتبه عن كل عمل أو تظاهرة ذات علاقة بهذا الموضوع. وكانت قيادة “جبهة التحرير” سائرة على نفس النهج.
وبتاريخ 8 فيفري 1958 نشرت يومية “الأهرام” برقية لتُعلِن عن تعيين مالك بن نبي كمستشار في أمانة المؤتمر الإسلاميّ. والواقع أنّ تلك الوظيفة التي راتبُها الشهري هو 47 ليرة لم تكن إلاّ وظيفة شرَفية. وكان أنور السادات على رأس هذه المؤسسة التي تضمّ أشهر العلماء وأبرز الشخصيات السياسية المصرية. لكن بن نبي لم يكن يرى فيها إلاّ “وسائل مُسخّرة بدون هدف، ورجالاً بدون مهمة”.
ونظراً لشدة انتباهه لما يحدث على الساحة العالمية، فقد كان بن نبي متأكِّداً، عندما كتب في ملاحظة في 2 مارس، مِن أنّ “مسار التطور سيتجه إلى وجهة لن تبقى فيها المواجهة بين الشيوعية والرأسمالية على محور واشنطن – موسكو، كما لن يبقى أثر للاستعمار والقابلية للاستعمار على محور طنجة – جاكرتا. وفي هذا الإطار كتب في 15 أفريل رسالة مفتوحة إلى رئيسي القوتين العُظمييْن، إيزنهَوَرْ وخروتشاف. ولمّا كان جمال عبد الناصر يستعدّ للقيام بزيارة رسمية إلى موسكو كتب له بن نبي رسالة في 15 ماي يطلب فيها تدخله لدى الكرملينKremlin من أجل الحصول على مساندة للثورة الجزائرية.
أمّا من الناحية النفسية فلمْ يكن مُرتاحاً، وسجل ذلك في ملاحظة واردة في دفاتره: “إني أختنق في مصر كما كُنتُ في الجزائر سنة 1951… إنّ الرسول (ص) وجد في المدينة بعد الهجرة مساعدة وعوناً ليُواصل معركته الفكرية. أما أنا فقد لجأتُ إلى بلدٍ إسلاميّ لأجد نفسي منزوع السلاح وعاجزاً عن مواصلة المعركة… فمنذ أنْ حللْتُ بمصر لم أشعر بأرضية صلبة تحت قدميّ، ومع كل خطوة أخطوها ينتابني إحساس بأنها ستتهاوى بي”. وفي اليوم الـ 20 من شهر ماي طلب منه أنور السادات إعدادَ دراسةٍ مقارنة بين الإسلام والبوذية والمسيحية.
وكان شعوره بالعجز يُضعِفُ صبره ويجعله سريع الغضب. من الناحية الفكرية كان يشعر بأنه منبوذ من جهتين: فهو محكوم عليه بالعيش في منطقة وسطى no man’s land بين الشرق والغرب، من دون أية إمكانية للذوبان في أيٍّ منهما. وقد سجل هذه الملاحظة المؤرخة في 28 جوان: “إنني أرى نفسي في الحدود بين عالمين وبين حضارتين”. وفي 12 ماي طلبتْ منه مجلة Présence africaine السماح لها بنشر مقتطفات من كتاب “النزعة الأفروآسيوية”، كما طلبتْ منه إعداد رسالة إلى مؤتمر الكُتاب السّود الذي كان من المزمع عقده في روما شهر سبتمبر.
بتاريخ 12 جويلية نشرتْ “روز اليوسف” محاورة صحفية مع بن نبي. وفي 18 جويلية كتب رسالة إلى “السادة أعضاء “جبهة التحرير” و “جيش التحرير” في المغرب”، وممّا جاء فيها: “لا بدّ عليّ أنْ أوضِّح فكرة قد توقِعُكُمْ في خطإٍ: فأنا لستُ مُرشّحاً لأيّة مهمة رسمية في الدولة الجزائرية مستقبلاً”. ويبدو أنه لم يكن مرتاحاً لما آلاتْ إليه كتبُهُ، وذلك من خلال هذه الملاحظة المؤرخة في 04 أوت: “منذ أنْ دخل كتاب “الظاهرة القرآنية” في مرحلة الطبع صرْتُ أشعر بأني سأتعرض للأذى فور صدوره. فعند صدور كتاب “وجهة العالم الاسلامي” سارعتْ “جمعية العلماء” بإيقاف المساعدة المالية الشهرية التي كنتُ أستفيد منها، وهي 10.000 فرنك. وعند صدور “النجدة للجزائر” سارعتْ “جبهة التحرير” بإيقاف منحة 25 جنيه مصري التي كنتُ أستفيد منها بصفتي لاجئاً”.
لمْ تَرَ قيادة الثورة أية فائدة من إيفاد مالك بن نبي لتمثيل الجزائر في مؤتمر الكُتّاب الأفروآسيويين الذي افتتح أشغاله في طاشقند (بالاتحاد السوفياتي) في الفاتح من أكتوبر، وأوفدَتْ بعثةً لا يوجد من بين أعضائها أيّ كاتب. وكان لذلك وقع قاسٍ عليه. ولمّا انعقد مؤتمر الشباب الأفروآسيوي في القاهرة شهرَ فيفري 1959 بحضور جمال عبد الناصر لم يكُن كذلك من المدعويين. ولقد تزامن ذلك مع قراءته لكتاب سيرج برومبرغرSerge Bromberger ”المُتمردون الجزائريون “(Les rebelles algériens ) ووجد فيه تأكيداً لبعض آرائه حول الثورة.
استقرّ بن نبي في شقة صغيرة واقعة في حي المَعادي حيث أقام لأول مرة منفرداً. وكان العالم الإسلامي يمرّ بمرحلة اضطرابات، إذ شهد عدة ثورات وانقلابات في كلٍّ من باكستان والسودان والعراق… وممّا جاء في ملاحظة سجّلها بتاريخ 13 ديسمبر 1958: “إنّ العالم الإسلاميّ يمرّ بمرحلة ثورية لكنه ثار قبل أن يُبْدِع نظرية ثورية مثلما حدث في العالم الشيوعيّ. فالثائر المُسلم، مبدئياًّ، لا يضبط الوسائل المتاحة له، ولا الطريق الواجب اتباعها، ولا حتى هدفه بوضوحٍ كافٍ، بل يكتفي بالتعلّق بمثَلٍ أعلى. أما الزعيم الثوري فلا يُفكِّرُ في تزويد الثورة بمُحرِّكها المُتمثل في قناعات المناضل، بل يكتفي بالوعود التي يوعَدُ بها: فهذه آلية سياسية كاذبة ومُضلِّلة في جوهرها. والأحرى بالسياسة التي تصبو إلى خلق مخزون ثوري أنْ تكون، في آنٍ واحدٍ، ممارسة نفسية حريصة على وضع قناعات الفرد بعين الاعتبار، وممارسة اجتماعية حريصة على وضع الظروف المُحيطة في الحسبان”.
في تلك الأثناء كان الروس والأمريكان يتنافسون بإرسال أقمار صناعية وصواريخ إلى الفضاء. وقد خصص بن نبي ملاحظة لكل عمل عظيم ولكل إطلاق. وبينما كان الخبراء الاستراتيجيون يستنبطون النتائج السياسية والعسكرية المنجرة من كل ذلك الأداء، انبرى بن نبي إلى استخراج العبرة المعنوية، مثل ما ورد في ملاحظة مؤرخة في 05 جانفي 1959: “كُنتُ واحداً مِن أولئك الذين، كُلّما بدا لهم الكون مثْخناً بالظلم والألم، يتمنون أن تمرّ يوماً مركبة فضائية تخترق هذا الأفق مُحمّلةً برسالة للمظلومين، تتضمن مشروع حياة بشرية أفضل وأكثر تطوُّراً من حياتنا، كي تفرض عليها قانونها العادل. لكن هذا الحلم قد انهار لأنّ مجموعتنا البشرية هي التي ستحمل رسالتها إلى الكواكب الأخرى… ويا لها مِنْ رسالة !”
وإذا كان بن نبي لم يُشارك في مؤتمر باندونغ، فقد شارك في مؤتمر القاهرة الذي بدا له فيه أنه ” لا جدوى من السعي إلى تحقيق وحدة اقتصادية داخل جمعية غير مُتجانسة الأعضاء”. وكانت تلك أول ثغرة في حُلمه الأفروآسيوي، ممّا حَداه للعودة إلى مُخططه “لدراسة العالم الإسلامي بغية تنظيمه في شكل كومنويلث”. وجاءت هذه الدراسة التي تضمنت خمسين صفحة وألّفها بين السابع والثامن عشر أكتوبر 1958، في صورة مقدمة لعملٍ يأمل أن يتكفل به مركز من مراكز البحث.
ويقول بن نبي في الرسالة المرفقة التي بعث بها إلى أنور السادات في جويلية سنة 1956: ” أعتقد أنه لو أُنْجِزتْ هذه الدراسة بكاملها وتمت مُتابعة نشرها خطوةً بخطوة، فإنها ستكون أحسن دليل للجيل الحاضر وأحسن دواء للاضطراب المُهيمن علي ضميره في الوقت الحالي. وإنني أرى أنّ التعريف بالكومنويلث الإسلامي سيُمكِّنُ المؤتمر الإسلاميّ من تزويد الجيل الإسلامي الحالي بمعنى مهمته التاريخية، ومن تفادي الكوارث التي تُعشِّشُ في ضميره. واستكمالاً لفكرتي لا بُدّ أنْ أُضيف أني أخشى فوات الأوان بعد عشر سنوات”. (هو من قام بالتسطير).
وتتضمن هذه الدراسة تلك الحبكة التي سيعرضها بتفصيل في كتاب “مشكلة الثقافة”، وفي كتاب “مشكلة الأفكار في المجتمع الإسلامي”. وبن نبي يُقدّم فيها خُلاصة حول ذلك “الكومنويلث” الذي يمكن أن يكون ”اتحادية لـ “العوالم الإسلامية”، وهي: العالم الإسلامي العربي، العالم الإسلامي الإيراني، العالم الإسلامي الماليزي، العالم الإسلامي الصيني المنغولي، والعالم الإسلامي الأسْوَد. وعلى هذه العوالم أن تبحث عن مركز الاهتمام المشترك الذي تتجه نحوه معاً، فهذا أفضل من تصوّر ديناميكية إدماج شبه مستحيلة تنطلق من بعض البلدان، أو من عالم من تلك العوالم. وليكن العنصر المُوحّد ضرباً من “مؤتمر إسلامي”.
لكن بن نبي اكتفى بتبيين بعض السبل مُبتعداً عن تقديم اقتراحات ينبغي أن تُترك كسرٍّ من أسرار الدول. ويختتم الكتاب بهذا التحذير “ونحن هنا في سنة 1958!”: ” يجب أن تحدث ثورة من الداخل، وإلاّ فإنها ستأتي من الخارج. فهناك إذاً خطر مُحدق خلال العشرين سنة القادمة”. ويقول حول هذه المسألة-المُعضلة question-dilemme: ” هل بإمكان العالم الإسلامي أن يقوم بثورته في إطار مسار مُحدد مُسبقاً يأخذ بعين الاعتبار المُكوّنات النفسية والعوامل الاجتماعية الخاصة بالمجتمع الإسلامي الحالي؟ أمْ أنّه، وبسبب غياب التوجيه الرشيد، وفي إطار مُخطط مُحدد مُسبقاً، سيجد نفسه مُستسلماً لضرورات تكيُّفه مع التطوُّرِ العالمي الذي لا يزداد إلاّ سرعةً في كل يومٍ، ليقوم بثورة هو عاجز عن مراقبتها؟”.
ولمّا أُطْلقَ سراح مصالي الحاج بتاريخ 14 جانفي 1959 علّق بن نبي على ذلك الحدث بهذه العبارات: ” إنها لحظة مأساوية على هذا “الزعيم” الذي يرى بأمّ عينه أولئك “الزعماء الحقيرين” (zaïmillons) الذين تسبّب هو نفسه في إيجادهم، وهم يُنزِلونه من العرش الذي كان يظنّ أنه ملكه إلى الأبد”. أمّا بن خدة الذي عايش كل مراحل الثورة في مراكز القيادة منذ سنة 1955، فقد وافق بن نبي في رأيه، لكن بعد فوات الأوان، إذ يقول: ” إنّ ما أودى به هو “الأنا” الذي يٌوَلِّدُ التعنُّتَ والتّسلُّط، ذلك المرض الذي ابتُلِيَ به “زعماؤنا” فأصمّهُمْ عن سماع أية منازعة وأوقعهم في منزلق “التفرعُن” دون أن يشعروا بذلك. وإذا أضفنا إلى كل ذلك ما أظهروه من رداءةٍ ومِن انعدام كفاءة، فلا بُدّ أنْ نتوقع كل داهية” (1).
لكن بن خدة، قبل أن يكتب هذه السطور (لما كان رئيساً “للحكومة المؤقتة” GPRA)، لم يُقِمْ لبن نبي أيَّ وزنٍ، بل أهمله إهمالاً تاماًّ لمّا كان مُقيماً في القاهرة، وأبْعَدَهُ عن كلّ ما كان يتعلق بشؤون الثورة (2). وهكذا يتبيّن لنا أن مشكلة “الأنا” مِنْ أعراض الأزمة الشاملة في العالم الإسلاميّ.
وقد أتيح لبن نبي عادةً أن يُلاحظ في اجتماعات المؤتمر الإسلامي الآثار الوخيمة ” لمُصادمات الأنا (télescopage des moi). وكتب في الفاتح افريل 1959عن ذلك قائلاً: ” إنّ العالم الإسلامي هو ضحية إفراطٍ مُنقطع النظير في “الأنا”، وفي كل خطوة يخطوها تحدث كارثة. وإذا التقى أصحاب ”الأنا” في اجتماع فإنهم ينسفون المشاكل حتى تختفيَ تماماً، لأنهم ينشغلون بكل ما يتعلق بحب الذات والمصالح الشخصية. تلك هي صورة العالم الإسلاميّ في سنة 1959: عالم مريض وعاجز عن الحركة لأنّ كلّ حركة تقتضي فكرة رائدة ووسيلة تنفيذ. لكن الفكرة والوسيلة لهما علاقة متبادلة مع المعادلة الشخصية، أيْ مع “الأنا”.
وكان كلٌّ مِن الدكتور دباغين، وإبراهيم مزهودي وعمارة بوقلاز، وكثيرون غيرُهُم، يزورونه عادةً. وكانوا يشتكون من زملائهم في “الحكومة المؤقتة” مُتّهمين إياهم بالسعي فُرادى إلى خلق مناطق نفوذ وتأثير في الداخل، بدلاً من التفرُّغِ لمُحاربة الاستعمار. كما كان يزوره كثير من الجزائريين الآخرين، مثل المُجاهدَيْن الوردي وبوقصّة…
وفي كلّ جُمُعة كان يزور السيدة معادي، وهي مُثقفة عَلِمَ منها يوماً بإنشاء مركز للدراسات الأفروآسيوية في تل أبيب. وهو الخبر الذي أوحى له بهذه المُلاحظة: ” إنّ بن غوريون، ليس كغيره، يعرف أنّ قوى هاتين القارتين التي اجتمعت بفضل مؤتمر باندونغ لا يمكن لها أن تُشكِّلَ قوةً مُوَحّدة بالخطابات السياسية وحدها، أو بإقامة صروح في القاهرة أو غيرها، بل بإلإيديولوجيا الأفروآسيوية التي لم تجد، إلى حدّ هذه الساعة، أحسن تعبير عنها إلاّ في كتابي… وأعتقد أنه (أي بن غوريون) جدير بالإعجاب، فهو رجلٌ حقاًّ”.
إنّك، وأنت تقرأ بعض الملاحظات المتشائمة التي كتبها بن نبي، يُخيّلُ إليك أنّ صاحبها يمرّ بلحظات الاحتضار. فشتان ما بين كاتب “العفن” والدفاتر، وبين كاتب بقية الأعمال الفكرية التي خلّفها بن نبي. فهو في هذه الأخيرة يبدو في صورة إنسان في أعلى درجات السكينة، مُتحلّياً بموضوعية لا مِراء فيها وبتحفُّظٍ لا يتزعزع.
هذا ما يستعصي تصديقه وشرحه في هذه الرواية النفسية. فلولا أنّ بن نبي اعترف بالصدمات النفسية العديدة التي مرّت به طيلة حياته لما أمكن لنا العلم بحدوثها، إذ عادة ما نجده ينتقل فجأةً من الحديث عن فكرة قاتمة ومتشائمة إلى حديثٍ كلُّهُ حيوية وعزم. ومثال ذلك هذه الملاحظة الواردة تحت عنوان ”المظهر والجوهر” والمؤرخة في 10 ماي 1959: “منذ حينٍ، ولمّا كُنتُ منهمكاً في ارتداء ملابسي، ساوَرَتْني الرغبة في ترك المشجب الذي أخذتُ منه ثيابي على السرير، بِحُجّة أنني سأنزع ثيابي بعد ربع ساعة أو نصف ساعة. والواضح أن ذلك لم يكُنْ في الظاهر إلاّ اقتصاداً تافهاً للوقت، أمّا في الجوهر فهو الكسل بعينه. لكنني تداركْتُ الأمْر كأنني كُنتُ مُقبلاً على ارتكاب خطإٍ جسيم. شعرْتُ أنّ ترك المشجب على السرير بحُجة أن الأمر هيِّن قد يدفعُني إلى ترك خُفَّيَّ أمام السرير بنفس الحُجّة. لكن الوضعية التي تمثلت لي في عقلي كحوصلة لتلك الحُجج المُثبِّطة هي بالضبط وضعية الكائن غير المُتحضِّر وحالة الحياة بلا حضارة. فهِمْتُ أنني لو استسلمتُ لحُجة واحدة من تلك الحجج سيُفضي بي الأمرُ إلى تغيير وجه حياتي كلّها ثُمّ أسلوب عيشي. أنا أُدْرِكُ خطورة “إنّ الأمر هيِّن” على رُقيّ النفس والمجتمع، لأنّ هذه الحُجة تبدو هيّنةً هي كذلك” (نحن من قمنا بالتسطير). ويُضيف بعد ذلك بأسطُرٍ قليلة: ” سجّلتُ خاطرةً حول تُفاحة نيوتن”. كما يمكن أن نجد مُلاحظة مؤرخة في 30 ماي فيها خلاصة لمقالٍ كان ينوي كتابته بعد ذلك، وهي: ” المُسلِمُ ومشكلة الإنسان”، وقد أوردها دفعةً واحدة (3).
إنّ هذه الملاحظة المؤرخة في 10 ماي 1959 جديرة بأن تأخذ مكانها في الكتب المدرسية في البلدان المتأخرة عموما، والبلدان الإسلامية خصوصاً. فمع أنّ هذا النص القصير يبدو بريئا وبسيطا، علينا أنْ نعترف بأنه يُلخص كل الأسباب التي أدت إلى تأخر تلك البلدان سواء قبل الاستعمار أو بعده لدحض ادعاءات المُتذرِّعين بالاحتلال الأجنبي.
إنّ الموقف بإزاء ما يظهر تافهاً هو الذي يُميِّزُ عادةً بين الإنسان المتحضِّر والإنسان غير المتحضّر. ذلك أنّ كلّ شيء قابع في نفسية الإنسان. أوَليس في هذا خلاصة لفكر بن نبي؟ فهذا النص هو أحسن درسٍ تطبيقيّ كان بإمكان بن نبي أن يُقدِّمه حول الحضارة. وهو هنا مُبتعد عن لغة التجريد مثلما هي الحال في الكيمياء أو الجبر: (إنسان + أرض+ زمن، يتحركون بفعل فكرة)، أو ( ح = إ + أ + ز)، بل استعمل أكثر المستويات اللغوية قابلية للفهم.
إنّ الإنسان المتحضّر الذي نشأ على فكرة أنه يجب ألاّ نُهمِلَ حتى ولو حبة رمل، إنسانٌ يؤمِنُ بأنّ لكل التفاصيل أهميتها في الحياة عموما، والحياة الاجتماعية خصوصاً، لأنّ هذه الحياة الاجتماعية لا يمكن أن تستقيم وتخلو من الأخطار إلاّ إذا خلتْ من كل الأعطاب وكل أشكال الخروج عن القانون وعن التقاليد وحُسن الذوق. وهكذا فإنّ قولنا “هذا أمر تافه” تارةً، و” هذا أمرٌ هيِّنٌ” تارة أخرى، سيوقِعُنا في خراب النظام الاجتماعي.
إِنّ ما يراه الإنسان غير المتحضر ” أمراً هيِّناً” يرى فيه الإنسان المتحضِّر كلَّ شيء. فمُخالفة القانون تستتبع عقوبة صارمة عند هذا الأخير، بينما تحدث كوارث عند الثاني دون أن يُوَبّخ أحدٌ لأن تلك الكوارث لم تحدث إلاّ بعد سلسلة من “الأمور التافهة” التي يتحمل الجميعُ مسؤوليتها. تلك الأمور التافهة هي التي تتجمع فيها ضروب التّسيُّب والنقائص، وانعدام الكفاءة، والتخاذل، وكلّ ما يُميِّزُ ثقافة اللاّثقافة وتطوّر التأخر. وإذا كانت تلك “الأمور التافهة” هي التي تقف وراء انعدام الفاعلية في البلدان المتأخرة، فإنّ ” التفاصيل الصغيرة” أحياناً تكون هي أصل الإلهامات الكبرى والاكتشافات الخارقة في البلدان المتحضرة.
وقد جاء في مقدمة كتاب “مشكلة الثقافة” سنة 1972 عندما راح بن نبي يصف الثقافة بكونها ” ظاهرة مُحيط”: «إنّ كلّ تفصيل يُسجل مع علامته الإيجابية أو السلبية في الحصيلة العامة للثقافة. فكل تفصيل في المحيط الذي يعيش فيه الراعي والعالم، سواء أكان ذاك التفصيل مألوفاً أو مُدهشاً، يُخاطب الطفل ويُقيمُ معه حواراً منذ ولادته، حواراً يتواصل بينهما إلى الشيخوخة، مُسجّلاً كل مُصطلحٍ في ذاتيته وفي شخصيته، مُثْرِياً له أو مُعقِّما، بحسب علامته. فالأعمال الإلهامية الخلاّقة التي تُمثِّلُ اللحظات الحاسمة في العبقرية الإنسانية مُرتبطة بتفاصيل غير ذات أهمية في ظاهرها. وأمثلة ذلك: المغطس بالنسبة لأرخميدس، والتفاحة بالنسبة لنيوتن، والقِدْر بالنسبة لدونيس بابان Denis Papin، ودفقة الماء بالنسبة لـ ليزت Liszt.”
كتاب “مشكلة الثقافة”
أودِعَ هذا الكتاب في المطبعة في شهر مارس 1959، لكن الرقابة الرسمية لم تسمح بنشره إلاّ بعد شهرين. وهو يتكوّن من مقدمة، وجزء أول (التحليل النفسي للثقافة)، وجزء ثانِ (التركيب النفسي للثقافة)، وجزء ثالث ( الثقافة والنزعة الشمولية، أو العالمية). ولمّا صدر الكتاب في طبعته الثانية في دمشق سنة 1972 أضاف له بن نبي جزءاً جديداً تحت عنوان: ” ضدُّ الثقافة L’anti-culture ”، (وهو إعادة للحاشية التي حرّرها في 1969 كملحق لـ” رسالة الى مؤتمر الكتاب الأفارقة” المنعقد في مارس سنة 1959).
. أمّا الطبعة الفرنسية فهي تتضمن، بالإضافة إلى ذلك مُلحقاً أورد فيه بن نبي بعض المقالات التي تعود إلى الستينيات، وعناوينها: “السياسة والثقافة”، “اللغة والثقافة”، ” نداء قسنطينة”، ” الرسالة وحاشيتها”، وكذا ” خواطر منفردة حول الثقافة”. ولمّا صدر هذا الكتاب سنة 1959 أقْدَمتْ إدارة الأوقاف على تعليق المنحة التي كانت تُرسلها لبن نبي، ومقدارها 20 جنيهاً شهرياًّ.
(يتبع)
المراجع:
1) المرجع المذكور انفا
2) امتنعنا طيلة فصول هذا الكتاب عن إيراد الأحكام القاسية التي أصدرها بن نبي في حق الشخصيات الوطنية والأجنبية التي تَصادم معها في حياته.
3) سيُنشَرُ في سلسلة Que sais-je de I ’islam ماذا أعرف عن الإسلام؟، العدد 5، شهر نوفمبر 1971.
