Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (27)‏

حياة مالك بن نبي (27)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

بدأ بن نبي بتحرير كتاب ” التاريخ النقدي للثورة الجزائرية” يوم 18 ماي 1959 في الساعة العاشرة ‏ليلاً، لكنه سرعان ما انقطع عنه، إذ لم يكتُبْ منه إلاّ التمهيد الذي امتد على طول ستّ صفحات. وممّا ‏جاء فيه: ” كانت الثورة الجزائرية مِحكاًّ لشعبٍ بكامله، وامتحاناً لكل قيمِهِ الإنسانية، ولكل شرائحه ‏الاجتماعية. وقد أظهر هذا الامتحان مرتبة القيم الشعبية الجزائرية، لكنه فضح النقائص العجيبة عند ‏اولئك الذين يمكن أن نُسميهم “نخبة”، وهي نخبة اتّضح أنها مُتجرّدة من القيم الأخلاقية والثقافية التي ‏هي دَيْدَنُ كل نخبة… فالثورة الجزائرية والشعب الجزائري هُما وديعة مُقدّسة وقعتْ بين أيدي آثمة أو ‏رَعْنَاء… الثورة الجزائرية هي إنجاز حققه شعب بدون نخبة: فالمؤرخ يجد فيها كل الفضائل الشعبية، ‏لكنه لا يجد فيها أية فضيلة خاصة بالنخبة”. ‏

إنّها أسْطُرٌ تُلخِّصُ لنا تاريخ الجزائر كلّه، وتُقدّمُ تفسيراً وافياً للمأساة التي عرفتْها في التسعينيات، كما أنّ ‏تلك الملاحظة حول “الأمور التافهة”، والتي اطّلعْنا عليها في الحلقة السابقة، تُفسّرُ حالة اليأس والقنوط ‏التي تتخبط فيها، وستبقى كذلك لزمنٍ طويل.‏

كتاب “الكتاب والوسط الإنسانيّ”‏

إنّ أعمال بن نبي وسيرته يأخذان وجهتهما انطلاقا من مبدإٍ، هو: في البدءِ كانت الكلمة، أي الفكرة، ‏والكتاب هو حامل هذه الفكرة، سواء أكان كتابا إلهياًّ أم إنسانياًّ. ومن أجل ذلك نجد أنّه تبنّى في وقت ‏مُبكِّرٍ صيغةً وضعها المُحلِّل لويس دو بونالد ‏Louis de Bonald ‎‏ والتي مفادها أنّ “الكتب هي التي ‏صنعت الثورة منذ الإنجيل إلى “العقد الاجتماعي”.‏

ولم يكتفِ بن نبي باعتناق هذه الفكرة، بل حاول هو نفسه القيام “بثورة” (ذهنية، فكرية، نفسية، ‏وحضارية) بالحرص على ربط عمله بأحداث عصره كي يوجهها وجهة مُعيّنة. فكتبه كلّها تستهدف غاية ‏مُحدّدة، وهي إحداث نهضة، وإثارة سياسة جديدة في العالم، والإسراع بـ “إنهاء التاريخ”، (وهي العبارة ‏التي استعملها قبل فرانسيس فوكوياماFrancis Fukuyama ‎‏ بنصف قرن).‏
‏ ‏
وقد جاءت العناوين التي اختارها لكُتبِهِ مُؤكِّدةً لتلك الإرادة الراسخة. فـ “شروط النهضة”، و “وجهة ‏العالم الاسلامي” و “ميلاد مجتمع”، و “دور المسلم ومهمته في الثلث الأخير من القرن العشرين” ليست ‏مُجرّد عناوين، إنها سهام وإشارات مُوجِّهَة، وخرائط طريق، وخُطط عمل… وإنّ هذه المقصديّة العامة ‏ظهرت بشكل أوضح في كتاب “النزعة الأفروآسيوية” الذي دفعتْ نهايتُهُ المُؤْسِفة بكاتبه إلى تحرير ‏كتاب آخر تحت عنوان “الكتاب والوسط البشريّ”، وهو غير منشور. وهل يُعْقَلُ أنْ ينسى مُؤَلِّفٌ أنه ‏كتب كتاباً نسياناً تماماًّ طيلة ثلاث عشرة سنة؟… هذا ما حدث لبن نبي مع هذا المخطوط المتكون من ‏أربعين صفحة والذي أعادهُ له عمر كمال مسقاوي ذات يومٍ من سنة 1972.‏

وواضحٌ أنّ ما دفع ببن نبي إلى تأليف هذا الكتاب هو شرح الأسباب التي وقفت وراء فشل كتابه ‏‏(“النزعة الأفروآسيوية”) في تحقيق الأهداف المرجوّة، رغم أنه كان متأكداً من نجاحه إلى حدٍّ بعيد. فهو ‏‏- أي كتاب “النزعة الأفروآسيوية” – في نظره كتاب مرجعيّ مثل كتاب ماركس “رأس المال”، وبن ‏نبي يُشبّه (“النزعة الأفروآسيوية”) به. وفي تشبيهه ذلك راح يشرح لنا كيف أتيح لكتاب ماركس أنْ ‏يعلو شأنه في أوروبا القرن 19 عندما جاء الفكر الماركسي عقب انتشار فلسفة أوجست كونتle ‎positivisme d’Auguste Comte ‎‏ الوضعية وفلسفة داروينDarwin ‎‏ التحوّلية، ثُمّ جاءت ‏الثورة الصناعية والفلسفة الرأسمالية لتكونا بمثابة المركبة التي سارت فيها الماركسية. ‏

تلك هي المُكوِّنات الفلسفية والاجتماعية التي غذّت الفكر الماركسي وساعدت على انتشاره في خضمّ ‏الفلسفات المادّيّة. وهكذا، فإنّ كل كتاب يأخذ دلالته في أعيُن مُعاصريه بوجهين: بمضمونه الذي يُمثِّلُ ‏قيمته الداخلية، وبالظروف المُحيطة به التي تُمثّل إجمالاً حظوظ نجاحه. بإمكاننا إذاً أن نطرح هذين ‏السؤالين بخصوص كتاب بن نبي:‏
‏1)‏ ما هي قيمته التنظيرية ؟
‏2)‏ كيف كانت حظوظ نجاحه ؟

نعَمْ، لقد قرأنا في هذا الكتاب أنّ بن نبي يتكلم عن نفسه ويذكر اسمه باعتباره مؤلفاً وموضوعاً. وممّا ‏لاحظهُ في عودته إلى الحديث عن التوازي بين كتابه وكتاب “رأس المال”: ” إنّ الذي يُفسّرُ تاريخ ‏الماركسية منذ ظهورها هو خارطة العالم الأوروبي التاريخية والاجتماعية ـ بين الحروب النابليونية ـ ‏فهي تُبيِّنُ التيارات التي ساعدتها على الانتشار والتيارات التي وقفت ضدّها. لكن الوسط الذي أحاط ‏بكتاب بن نبي أكثر تعقيداً. وتبعاً لذلك فخارطته أكثر تعقيداً كذلك: إذ يُفترضُ فيها أن تُبيِّنَ العناصر ‏الآتية من العالم المُستعمَر، والعناصر الأخرى الآتية من العالم القابل للاستعمار”.‏

والحقيقة أنّ الفكرة الأفروآسيوية التي تبنّاها بن نبي قبل مؤتمر باندونغ بزمن طويل كانت مُتضمّنةً في ‏خلفية الفصول الأخيرة من كتاب “وجهة العالم الاسلامي “2، وكذا في بعض مقالاته، مثل “من جنيف ‏إلى كولومبو”، حيث يقول مُتحدثاً عن ذلك الاجتماع الذي جرى في كولومبو آنذاك، وعن الانتماء ‏الجغرافي للبلدان التي كانت مُمَثَّلَةً فيه، وكان ذلك قبل مؤتمر باندونغ بعام واحد: “إنّ هذه الحظيرة ‏مُناسِبَةٌ من الناحية الإيديولوجية لحظيرة الفكر الإسلامي وحظيرة اللاّعُنف، وهو فضاء هاتين ‏الحضارتين: الإسلام والهندوسية اللذان يزخران اليوم بمخزون روحيّ هائلٍ للبشرية” (1). ‏

إنّ هذه الفكرة ستصطدمُ بثلاث هبّات مُعاكسة آتية في وقْتٍ واحدٍ من العالم الاستعماري ومن العالم ‏الشيوعي ومن العالم الأفروآسيوي نفسه. ولما كان عليه أنْ يُكيّفَ هذا الكتاب مع مؤتمر باندونغ ‏ووعوده، كان رجاؤه أن يعطي لذلك الاجتماع الذي ضمّ شعوباً متعددة ومصالح مختلفة رابطاً مذهبياًّ كان ‏يفتقده، أو إسمنتاً إيديولوجياًّ كان ينقصه، ذلك أنّ باندونغ لم يكن في ذاته إلاّ مسعى ديبلوماسياًّ مُدهِشاً، ‏لكنه كان مُجرّداً من أية قاعدة إيديولوجية . فبن نبي كان يُريد أن يتيح لتلك المبادرة المُجرّدة من سندٍ ‏موضوعيّ واقعيٍّ، والتي لم يكن لها أي امتداد في نفسية الشعوب، كان يريد أن يمنحها لحمة ثقافية، هي ‏‏”الثقافة الأفروآسيوية”، ومصالح مشتركة هي “الاقتصاد الأفروآسيوي”.‏

هذه هي قصة ذلك الكتاب الذي كان حُلماً، وكان تحدّياً رفعه رجُلٌ واحِدٌ لم يكُنْ يحظى بدعْمِ أيِّ بلدٍ، ولا ‏حتى بدعمِ بلده الذي كانت تُمثله “الحكومة المؤقتة”. وحتى في الوقت الذي كان فيه بن نبي بصدد ‏تحرير كتاب “الكتاب والوسط البشري” لمْ يُفارِقْهُ اليقين في أنّ “النزعة الأفروآسيوية” سيكون “مِن ‏أعظم كُتب القرن العشرين في أعيُنِ الأجيال القادمة، مثلما كان كتاب “رأس المال” في جيلنا كتاباً مُمَثِّلاً ‏للقرن 19.”‏

لكن يبدو أنّه لم يبق زمناً طويلاً وهو مُتشبِّث بهذا اليقين، إذ بمُجرّد أنْ أنهى تأليفه في 25 ماي سنة ‏‏1959 نسي تماماً أنه كتبه أصْلاً. والواقع أنّ بن نبي سبق له أن كشف لنا في دفاتره عمّا يأتي عاما قبل ‏ذلك: ” كتبْتُ “النزعة الأفروآسيوية” في سن الثانية والخمسين مُقتنعاً بأن هذا الكتاب سيُخرِجُني من ‏الظلام بصفة نهائية، وأنه سيُمكّنُني أخيراً من التطلُّعِ إلى شيخوخةٍ مُريحة… كُنتُ مُتأكّداً من أنّ الكتاب ‏سيُتَرْجَمُ في البلدان المشاركة في مؤتمر باندونغ، خاصة وأنني كُنتُ أحظى بدعم نيو دلهي ‏New ‎Delhi‏. وقد ذهب كلّ ذلك في مهبّ الريح، وكانت السقطة النهائية والأخيرة لأملي… انهار كلُّ شيء ‏كما وقع في شهر جويلية من سنة 1936، وفي شهر أوت من سنة 1944… وأنا الآن أدعو الله أنْ ‏يُخلِّصني وأن يُعجّل بنهايتي” (ملاحظة مؤرخة في 26 فيفري 1958).‏

شرع بن نبي في جولة عبر بلاد سوريا ولبنان في أواخر السداسي الأول من سنة 1959، وأقام في ‏لبنان قرابة شهر. واستُقْبِلَ كضيف شرف، حيث ألقى عدة محاضرات في هذين البلدين. يمكن القول أنه ‏ذاق طعم السعادة خلال ذلك الشهر. وقد اشتهر اسمه بفضل صدور كتبه باللغة العربية، واقتُرِحَ عليه أن ‏يستقرّ في لبنان. والدكتور حسن صعاب، مُترجم نص “الإسلام والديمقراطية” هو الذي ألح عليه بذلك ‏الاقتراح، لكن بن نبي لم يكن بإمكانه أن يُلبّي الدعوة رغم أنه لم يكُن مُرتاحاً في مصر لأن علاقاته ‏تدهورت مع رؤوس التيار الماركسي داخل حكومة علي صبري الذي يُكِنّ له عداوة خاصة.‏

والواقع أنّ بن نبي لم يكن بإمكانه الانسجام إلاّ بصعوبة مع نظام جمال عبد الناصر الذي كان يدعو إلى ‏القومية العربية في حين أنه لا يؤمن إلاّ بوحدة العالم الإسلامي الحضارية في إطار أفق وحدويّ أوسع، ‏وهو النزعة العالمية. وقد برز هذا الاختلاف في الرؤية من خلال كتاب “النزعة الأفروآسيوية” وكتاب ‏‏” فكرة كومنويلث إسلاميّ”.‏

ومِن أصدقائه في الأوساط السياسية والثقافية القاهرية: الوزراء حسن الباكوري، كمال الدين حسين، ‏أحمد عبد الكريم، ومن رجال الثقافة: عمر بهاء الدين العامري، والدكتور الباهي، سعيد العريان، ‏والدكتور أبو زهرة، وصلاح الدين عشاش… كما كان كثيرا ما يقوم بزيارة الأمير عبد الكريم الخطابي.‏

خصّصت جرية “الحرّيّة” طبعتها بتاريخ 12 أكتوبر سنة 1959 لأكبر حدثيْن في تلك الأيام، وهما: ‏محاولة اغتيال الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم، والرسالة المفتوحة التي وجهها بن نبي للرئيسيْن ‏خروتشاف وإيزنهوَرْ، المُجتمعيْن في كامب ديفيد ليحُثّهما على إيجاد حلٍّ للأزمة الجزائرية. ومن بين ‏الأعمال الشنيعة التي ارتكبها الاستعمار والمذكورة في هذه الرسالة اغتيال عيسات إيدير، مؤسس الاتحاد ‏العام للعمال الجزائريين. ثُمّ عاد بن نبي إلى لبنان في شهر نوفمبر مُلبّياً دعوة للمشاركة في مؤتمر حول ‏العلوم السياسية. وقد تلقى من جمال عبد الناصر كلمة تهنئة بتاريخ 12 ديسمبر على رسالته المفتوحة ‏الموجهة للزعيمين الأمريكي والسوفياتي.‏

كتاب”مشكلة الأفكار في المجتمع الإسلامي”(نسخة 1960)‏

يُخبرنا بن نبي في ملاحظة مؤرخة في 30 ديسمبر 1959 أنه ” في هذه الليلة، الساعة السادسة ‏والنصف، ارتسمتْ في عقلي خطّة عملي المُعنْوَن “مشكلة الأفكار في المجتمع الإسلامي”. ولطالما ‏عالجتُ هذا العمل منذ سنة كاملة من مختلف أوجهه، ولم تكن لدي إلاّ نظرة جزئية حول فكرته العامة. ‏لكن تلك الفكرة العامة تجسّدتْ الليلةَ في عقلي تحت هذا العنوان”. وهذا العمل مخطوط في سبعين ‏صفحة، ويتضمن خمسة فصول، عناوينها: الأفكار والأمراض الاجتماعية، جزاء خيانة النماذج المثالية، ‏النخبة بوصفها قاطع تيار في حلقة الأفكار، مُبارزة بين الفكرة والشيء وإجابة عن الفراغ الفضائي.‏
وكانت جامعة الأزهر تستنجد به عادةً لتحليل بعض الأعمال الغربية، مثل كتاب “تطوُّر الإسلام” لـ ‏ريمون شارل ‏Raymond Charles، وكتاب ” الكتاب المُقدّس والقرآن” لـ جاك جوميي ‏Jacques ‎Jomier، أو كتاب “الاسلام في مواجهة التطور الاقتصادي”، لـ جاك اوستروي ‏Jacques ‎Austruy‏. وكان بن نبي يُحرِّرُ تقارير تحليلية حول تلك الكتب باللغة العربية. ويتبيّن مِن مخطوطاته ‏ومُسوّداته أنه كان في ذلك الوقت مُتمكناً من اللغة العربية تمكُّناً تاماًّ، لأنّ تلك الكتب كانت تُعالج مواضيع ‏متنوعة، مِنْ تفسيرٍ واقتصادٍ وجيوستراتيجيا. وقد فوجىء يوماً بنشر أحد تلك التقارير في الصحافة، فقدّم ‏احتجاجاً كتابياًّ على ذلك للأزهر. وقد حصل له أن التقى بالمودودي (1903-1980) بتاريخ 19 جانفي ‏‏1960 لما كان هذا الأخير في زيارة للقاهرة.‏

وهذه ملاحظة سجلها في 03 مارس كحوصلة لوضعيته: ” لم أكن أعرف أنني بإهدائي كتاب “النزعة ‏الأفروآسيوية” لجمال عبد الناصر سنة 1956 سأعيش في القاهرة أحلك مُغامرة يمكن أن تحدث ‏لمؤلّفٍ”. ‏

ذلك أنّ هناك هموماً مِن نوع جديد بدأت تظهر في طريقه، وهي تتمثل في الضجيج الاصطناعي الذي ‏كان يمنعه من النوم. وقد اشتكى بن نبي من ذلك للسلطات، لكن بدون جدوى.‏

وفي يوم 08 جويلية أرسل للوزير الأول الصيني شوان لاي نسخة من كتابه مرفوقة برسالة. وخلال هذا ‏الشهر نشرت مجلة ‏Présence africaine ‎‏ تلك الرسالة التي بعث بها إلى مؤتمر الكُتّاب السُّود المنعقد ‏في روما. ‏

وفي شهر أوت عاد إلى دمشق من أجل إلقاء مُحاضرات، وهناك زاره عدة وزراء. وقد مرّت به محنة ‏قاسية في شهر سبتمبر، إذ تمّ تكييف جهازه العصبي بشكل يمنعه من النوم، حتى صار لا ينام ستّ ليالٍ ‏مُتتالية. فالضجيج المُصطنع فوقه وتحته لا يتوقف، ممّا أطال أرقه. وقد اضطرّه ذلك إلى قضاء لياليه ‏عند أصدقائه أو تلاميذه، ومنهم: الشهادي، شاكر، بغدادي، فوده… وكان يشغل الشقة التي فوقه شخصان ‏غريبان. وكان يرى أن كلّ ذلك مِن عمل أخصّائيين يعرفون مدى خطورة الأصوات المتتابعة والمختلفة ‏على الأعصاب: نُباح كِلاب بدون انقطاع، أشغال ليلية في الطابق العلوي، صخب متنوع لكن مستمر في ‏الطابق السفلي، رنين جرس الهاتف بدون مُراسل… وقد ظهر كلّ هذا فجأةً.‏

وهو يروي ما كان يعتقد أنه “مُحاولة اغتيال بوسائل علمية” في مطوية تحت عنوان “الاغتيال بوسائل ‏العلم”، وهي تتضمن رسالة إلى كريم بلقاسم وأخرى إلى آلان دول ‏Allen Dulles‏. كما أرسل رسالة ‏إلى خروتشاف في 18 أكتوبر ليشكره على مُساندة الجزائر. وفي شهر نوفمبر تواصل مع الكاتب ‏الشخصي للملك سعود ، واقترح عليه هذا الأخير الإقامة في الولايات المتحدة كي يكون “مُرشِداً” لجمعية ‏خاصة بالمسلمين السّود. لكن بن نبي رفض الاقتراح.‏

وبما أنه محكوم عليه بالعيش في صخب القاهرة وفوضاها، ذلك القلب النابض للمشرق والعالم ‏الإسلامييْن، فقد أتيح له أن يُلاحظ السلوكيات الاجتماعية ويُحللها. وسجل ذلك في ملاحظة مؤرخة في ‏‏26 نوفمبر 1960، يقول فيها: ” إنّ مُجتمعاً لا يُطالَبُ فيه الفرد بأية واجبات تُحددها حاجيات الجماعة ‏بدقة، هو مجتمعٌ اصطناعي. إنه اصطناعي لأن أفراده لا يشعرون بالروابط التي يشعر بها الأفراد في ‏المجتمع العادي. وفي هذه الحالة فإن الفرد الذي يحس بأن وجوده تافه وعبثيّ، سيشعر بما يشبه الخجل ‏من حياته الطّفيلية، وهذا ما يؤدي إلى إلغاء كرامة الإنسان من نفسه. وهذا كلّه يؤدي إلى ظهور كائنات ‏مُستعدة لكل التنازلات، فهي كائنات اصطناعية… إنّ تدهور الفرد هو الخطر الرئيسي الذي يهدد ‏المجتمع الاصطناعي”.‏

عاد بن نبي ثانيةً إلى دمشق في شهر ديسمبر، ونالت مُحاضراته نجاحاً كبيراً. وفي أواخر سنة 1960 ‏نشرت الصحافة المصرية خبراً مُفاده أنه مُرشح لنيل جائزة نوبل ‏Prix Nobel‏. لكن بن نبي ردّ على ‏ذلك ببيانٍ جاء فيه: ” لم أترشح لهذه الجائزة، ولا أطمح إلى نيلها”. وقد أرسل بهذا البيان إلى عدة ‏صحف، لكنها لم تنشره.‏

وقد أضاف مُلاحظة على هامش هذا النص المطبوع والمحفوظ في أرشيفه، ويقول فيها: ” إنّ صحافة ‏القاهرة جادّةٌ في نشر البيانات التي يقصد بها الاستعمار الاستحواذ على عقول المسلمين، لكنْ عندما يُريد ‏المُسْلِمُ أن يرُدّ عليه يقف على حقيقة أنه بمقتضى حق الفيتو، الذي هو بين يديْ تلك الصحافة، لا حقّ له ‏في الرّدّ”.‏

وبعد بضعة أيام نشرت صحيفة “الحقائق” بتاريخ 29 ديسمبر 1960 مقالاً تحت عنوان: “فيلسوف ‏جزائري مُقترح لجائزة نوبل”. وممّا جاء فيه: ” اقترحت الأوساط الأدبية في ستوكهولم كاتبيْن لنيل ‏جائزة نوبل، ومن بينهما الكاتب الجزائريّ مالك بن نبي… لكن هذه الجائزة نالها في الماضي وسينالها ‏في المستقبل أيضاً آخرون مِن غير مالك بن نبي، وذلك نظراً لطبيعة نضاله السياسي، ونظراً للفلسفة ‏التي يفتح بها للبشرية آفاقاً جديدة نحو الحق والخير والسلام…”.‏

وليست تلك هي المرة الأولى التي يُقترح فيها بن نبي في ظروف عجيبة لنيل جائزة. ففي المخطوطة ‏الفرنسية لكتاب ” الصراع الفكري في البلدان المُستعمَرة” يحكي لنا أن مجلة جمعية العلماء “الشاب ‏المسلم”( ‏Le Jeune musulman ‎‏ ) قد نشرت في طبعتها المؤرخة في 26 مارس 1954 بياناً ‏صادراً عن “الجالية الإسلامية في هامبورغ” تُعلن فيه عن منح جائزة الصحفيين الهنديين للدكتور ‏بفاوس ‏Pfaus، ” فاقترح هذا الأخير على رئيس الجمعية استحقاق السيد مالك بن نبي، صاحب كتاب ‏‏”الظاهرة القرآنية”، لهذه الجائزة هو كذلك”. ونشر بن نبي فور ذلك توضيحاً يعلن فيه: ” لا يمكن لي ‏قبول هذه الجائزة لا من أجل “الظاهرة القرآنية” ولا من أجل أي كتاب آخر”.‏

وفي المُقابل، كان بن نبي هو صاحب فكرة إنشاء ” جائزة لمنطقة السلام” التي نصت عليها اللاّئحة رقم ‏‏10 لمؤتمر القاهرة للبلدان الأفروآسيوية المنعقد في ديسمبر سنة 1957. وقد خامرتْهُ هذه الفكرة سنة ‏‏1954، أي قبل ميلاد الحركة الأفروآسيوية بزمن طويل، وذلك حسب ما رواه هو نفسه في النسخة ‏الفرنسية غير المنشورة لكتاب ” الصراع الفكري في البلدان المُستعمَرة”.‏

‏ في جانفي 1961، انتقل بن نبي إلى طرابلس لاستكمال إجراءات زواجه بابنة خالته، وهي خدوجة ‏حواس (المتوفاة في جوان 2015). وقد اغتنم فرصة وجوده في ليبيا في إلقاء بعض المُحاضرات. أما ‏استقبال الليبيين له فكان جيّداً.‏

نشرت يومية “المساء” المصرية يوم 3 أفريل 1961 حواراً مع بن نبي يُعبِّرُ فيه عن أسفه على أنّ ‏الإشكالية الأفروآسيوية انجرّ عنها إنشاء مركز دراسات في تل أبيب، وليس في البلدان المعنية. وهو ‏مُتألِّمٌ من أنّ مؤتمر الكُتاب الأفارقة، بدلاً من تقوية فكرة ثقافة أفروآسيوية، قد فتح الطريق إلى الزُّنوجة ‏Négritude‏ التي لا تعدو أن تكون، في سياق الرهانات العالمية المُعاصرة، تأكيداً على التميُّز الإفريقي ‏الهادف إلى إبعاده أكثر عن الثقافتين العربية والآسيوية. وهذا، في نظر بن نبي، دليل آخر على فعالية ‏الصراع الفكري.‏

وفي أواخر شهر ماي سافر إلى جدة انطلاقاً من ميناء السويس لأداء فريضة الحج التي استغرقت قرابة ‏شهر. وبعد عودته نشرت نفس الصحيفة تقديماً لآخر إصدارات بن نبي، وهما كتاب ” الصراع الفكري ‏‏” وكتاب ” تأملات حول العالم العربي”.‏

ولمّا اندلعت أحداث بيزرت التونسية أرسل بن نبي برسالة إلى الرئيس بورقيبة يقول فيها: ” يشرفني ‏أن أتقدم إليكم بعبارات الاحترام مُتطوّعا بخدمتي كإسعافيّ في كل مكان يُجاهد فيه الشعب التونسي ‏البطل ضد الهجمة الاستعمارية. مع احتراماتي. مالك بن نبي. أديب. 51، شارع سعود، هيليوبوليس”.‏

ولمّا أُعلِن وقف إطلاق النار في الجزائر بتاريخ 19 مارس 1962 كان بن نبي في أسوان تلبيةً لدعوة ‏حاكمها (‏‎2‎‏). وفور ذلك عاد إلى القاهرة كي يكون في الموعد الخاص باستقبال الزعماء الجزائريين في ‏المطار جنباً لجنبٍ مع جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين وحسين الشافعي. وفي شهر أفريل رُزِق ‏بتوأم بنتين أسماهما نعيمة وإيمان. وفي شهر جوان انتقل إلى مسكن جديد.‏

‏ كتاب “ميلاد مجتمع: شبكة العلاقات الاجتماعية”‏

نُشِرَ هذا الكتاب الذي هو من أكثر أعمال بن نبي تميُّزاً وتجديداً في شهر جوان سنة 1962. وقد ألّفه ‏الكاتب باللغة الفرنسية، ثُمّ تمّت ترجمته بقلم عبد الصبور شاهين. يتضمن تمهيداً مؤرّخاً في 11 أفريل ‏‏1962، و” توطئات”، وخمس عشرة فصلاً، وهي: التاريخ والروابط الاجتماعية ـ أصل الروابط ‏الاجتماعية ـ طبيعة الروابط الاجتماعية ـ الثراء الاجتماعي ـ الآفة الاجتماعية ـ المجتمع والقيمة ‏الأخلاقية ـ الدين والروابط الاجتماعية ـ شبكة الروابط الاجتماعية والجغرافيا ـ الروابط الاجتماعية وعلم ‏النفس ـ فكرة بيداغوجيا اجتماعية ـ شبكة الروابط الاجتماعية والاستعمار ـ شروط أوّلية لبيداغوجيا ‏اجتماعية ـ الدفاع عن شبكة الروابط الاجتماعية.‏

ويُصرِّح بن نبي في التمهيد بأنّ هذا العنوان “ميلاد مجتمع”‏‎ ‎هو في الحقيقة عنوان عام ينوي أن ينشر ‏ضمنه سلسلة من الأعمال، ومن بينها هذا الكتاب الذي ميّزه بإلحاق عبارة ” شبكة الروابط الاجتماعية” ‏بعنوانه. وهو مُخصّص لإبراز قيمة المعنى المُتضمَّن في مقولة الامام مالك (وعليها مسحة من نبوة) التي ‏مُفاداهُ أنه “لن يصلح حال هذه الأمة إلاّ بما صلُح به أوّلها”.‏

وكون هذا الكتاب هو آخر ما كتبه بن نبي في القاهرة يدحض الفكرة الشائعة القائلة إنه ألّف بعض كتبه ‏باللغة العربية مباشرة. وهذا غير صحيح كما اتّضح لنا مع كتاب ” فكرة كومنويلث إسلامي”، و ” ‏مشكلة الثقافة”، و “الصراع الفكري في البلدان المُستعمرة” و “ميلاد مجتمع”، بل وحتى الكتاب الثاني ‏من مذكراته لاحقاً.‏

كتاب ” تأمُّلات” ‏

إنه كتاب ناتج عن ضمّ كتابين في عنوان واحد، وهما: “خطاب حول التشييد الجديد” الذي نُشِر بالعربية ‏سنة 1960، و “تأملات حول العالم العربي” الذي نُشِر سنة 1961 بالعربية كذلك. ويتضمن كتاب ‏‏”تأمُّلات” نصوص المُحاضرات التي ألقاها المؤلف في سوريا ولبنان بين سنتي 1959 و 1960. تلك ‏المحاضرات هي: “الصعوبات كعلامة على الرقي في المجتمع العربي”، أُلْقِيَتْ سنة 1960 في مقر ‏الوحدة العربية بدمشق، و ” الحوافز في المجتمع”، ألقيَتْ سنة 1961 في نادي الطلبة العرب بدمشق، و ‏‏” قِيَم إنسانية وقِيَم اقتصادية”، ألقيَتْ سنة 1960 في نادي الطلبة الفلسطينيين بدمشق، و ” الديمقراطية ‏في الإسلام”، ألقيت سنة 1960 نادي الطلبة المغاربة بدمشق، و “التضمان الأفروآسيوي”، ألقيت سنة ‏‏1960 في حلب، و “الفاعلية”، ألقيتْ سنة 1959 في بيروت، و “الثقافة” ، ألقيتْ سنة 1959 في ‏طرابلس، لبنان، و “كيف نبني مجتمعاً أحسن”، ألقيتْ سنة 1959 في طرابلس، و ” تهديدات على ‏النهضة العربية”، 1959 في دمشق، و “مهمتنا في العالم”، 1959 في دمشق.‏
‏(يتبع)‏
المراجع:‏

‏1)‏ المرجع السابق
‏2)‏ شاهد بن نبي في مكتب ذلك المسؤول “أربعة هواتف بين يديه وخمسة مكيفات هوائية حوله”، واستشهد به كمثال في كتاب “مشكلة ‏الأفكار” لِيُجسِّد ظاهرة “التراكم”. وهو يقول في ملاحظة مؤرخة في 13 مارس 1962: ” خرجتُ من ذلك المكان وفي ذهني فكرة ‏أوضح حول “النزعة التشْييئية ‏choséisme‏) التي تُهدد مجتمعاً جديداً. فإذا كان وجود خمسة مُكيفات هوائية ضرباً من الإفراط في ‏المجتمع الذي يصنع تلك الأشياء بنفسه، فإنه في المجتمع الذي يشتريها يُعَدُّ جنوناً”.‏

You may also like

Leave a Comment