بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
كتب بن نبي عشية استقلال الجزائر نصاًّ في أعلى درجات الجرأة عنوانه ” شهادة من أجل مليون شهيد” ليطعن جملةً واحدةً في “الحكومة المؤقتة” وقيادة الأركان وجيش الحدود الذين كانوا في غمرة التطاحن على السلطة. كان ذلك بتاريخ 11 فيفري 1962. ونظراً لما فيه من نبرة عنيفة فلن يُنشر إلاّ سنة 2000 عندما أورده الرائد لخضر بورقعة في ملحق مذكراته المنشورة على حسابه (1).
كان هذا النص مُوجَّهاً إلى “المجلس الوطني للثورة الجزائرية” CNRA (Conseil National de la Révolution Algérienne ) المزمع عقده في طرابلس (ليبيا) شهر ماي 1962، لكن “الزعيم” الذي سلّمه إياه، وهو بن بلّة فضّل أنْ يحتفظ به لنفسه. ولمّا تنبّه إلى ذلك سلّم نسخة ثانية من النص لعمار طالبي الذي كان طالبا في القاهرة طالباً منه أن يوصِلَهُ للدكتور خالدي لينشره في الجزائر.
كان المأمول من اجتماع “المجلس الوطني للثورة الجزائرية” في العاصمة الليبية أنْ يُعِدّ العُدّة كي تستلم الدولة الجزائرية السلطة من الدولة الفرنسية، وأن يُناقش نقطتين أساسيتين مُسجلتين في جدول الأعمال، وهما: مشروع برنامج الحكومة، وتعيين مكتب سياسي. وهكذا تمخض عن الاجتماع ما يُسمى بـ “ميثاق طرابلس” الذي ينصّ على تبنّي اختيارين، هما: سياسة الحزب الواحد والخيار الاشتراكي. وتمت المُصادقة على هذا الميثاق بالإجماع. أمّا النقطة الثانية والمتعلقة ببنية السلطة الواجب تأسيسها، فقد اقترح بن بلّة وخيدر تعويض “الحكومة المؤقتة” ب”مكتب سياسيّ” مُتكوّن منهما إضافة إلى آيت أحمد وبوضياف وبيطاط ومحمدي السعيد.
وقد أدلى سعد دحلبSaad Dahlab ، وهو من المُشاركين في المناقشات التي دارت في اجتماع طرابلس، بالشهادة الآتية: “كانت الشرارة التي أضرمت النار في البارود، إذ ساد الاندفاع والنزعة العاطفية حول هذه النقطة وحدها لأنها كانت تعني السلطة. كما نزع بن بلة وخيدر قناعيْهما، إذ اتّضح أنهما لم يكونا يرغبان في بقاء أيّ شخص من الفريق القديم…” (2).
وبعد عشرة أيام من المناقشات، لم يتمكن أعضاء “المجلس الوطني للثورة الجزائرية” من الاتفاق على رأيٍ واحدٍ. وقد رفض كلٌّ من بوضياف وآيت أحمد أنْ ينضمّا إلى بن بلّة وخيدر اللّذيْن كانا يحْظَيان بدعم من قيادة الأركان العسكرية. أمّا بن خدّة فقد غادر طرابلس وعاد إلى تونس.
قرّرت الحكومة في 30 جوان أن تُنهي مهام أعضاء قيادة الأركان، وفي الفاتح من جويلية جرى الاستفتاء عبر التراب الوطني. وفي الثالث منه عاد جيش الحدود إلى الجزائر. وفي 06 جويلية عبّر فرحات عباس عن مُعارضته لإنهاء مهام قيادة الأركان. في الـ 11 دخل بن بلة إلى الجزائر من مغنية ليُعلِن في تلمسان عن تشكيل “المكتب السياسي” في الـ 22 من الشهر ذاته (ويتشكل من القائمة المقترحة في اجتماع طرابلس باستثناء آيت أحمد وبوضياف). أمّا فرحات عباس فقد ساند بن بلّة والتحق به في تلمسان. وبذلك انفجرت “الحكومة المؤقتة” على نفسها، إذ أن 5 من أعضائها أصبحوا ينتمون إلى ”المكتب السياسي”، وهم بن بلّة، بيطاط، بوضياف، خيدر، ومحمدي السعيد. بالإضافة إلى استقالة اثنين من أعضائها مُنسحبيْن إلى جنيف، وهما آيت أحمد وسعد دحلب، كما بقي اثنان آخران في تونس، وهما بوصوف وبن طوبال. أمّا كريم بلقاسم فقد لاذ ببلاد القبائل.
وفي الثاني من أوت تمّ التّوصُّلُ أخيراً إلى تسوية تُرضي كل الأطراف، وتتمثل في الاتفاق على تنظيم انتخابات من أجل تعيين “مجلس تأسيسيّ”. وهكذا عاد بوضياف إلى” المكتب السياسيّ” الذي حلّ بالجزائر العاصمة في الثالث من الشهر ذاته. وأعلنت “جمعية العلماء” من جهتها مُساندتها لبن بلّة، وتبعها “الحزب الشيوعيّ الجزائريّ”. أمّا الولايات فقد انقسمت إلى صفّين، أحدهما يُساند “الحكومة المؤقتة”، والآخر يساند “المكتب السياسي”. ومن نتائج ذلك نشوب مُواجهات بينها أسفرتْ عن سقوط المئات من القتلى. وأجريت انتخابات “المجلس التأسيسي الوطني ” في تاريخ 20 سبتمبر، وبعد ذلك بأسبوعٍ واحد (27 سبتمبر) بادر بن بلة بتشكيل حكومته.
أمّا بن نبي فقد أعلن في “شهادته” عن إرادته في إفادة الشعب الجزائري بما يعرفه عن الثورة وقادتها. وبدأ شهادته بالتعجب مِن أنّ أشخاصا كانوا مُقرّبين من الإدارة الاستعمارية ثُمّ وجدوا أنفسهم في إذاعة ”صوت الجزائر”، أو مسؤولين عن مالية الثورة، ذاكراً أسماء أولئك الأشخاص. وهو يؤكِّد على ضرورة إعلام الشعب حول سلوك كل فردٍ ومسؤولياته قبل تنظيم استفتاء تقرير المصير. ثُمّ يقترح على ”المجلس الوطنيّ للثورة الجزائرية” أن يعقد “مؤتمراً استثنائياًّ للشعب الجزائري” في الجزائر العاصمة، ويتولى المؤتمر تشكيل لجان مُكلفة بالتحقيق حول جملة من القضايا، وذلك قبل تنظيم أيّة عملية انتخابية في البلاد. وهو يُحصي تلك القضايا فيما يأتي:
1 ـ الظروف التي أحاطتْ بإنشاء إدارة مُستقلة تحت اسم “منطقة الجزائر المستقلة” ZAA (zone autonome d’Alger)، في أفريل سنة 1955.
2 ـ الظروف التي أحاطت بموت كلّ من مصطفى بن بولعيد، وعباس لغرور، وزيغود يوسف، وعبد الحيّ، ومصطفى لكحل، وبن مهيدي، وعميروش… ذلك أنه كان يشتمّ رائحة الخيانة في تلك الأحداث، ويُحمِّلُ المسؤولية للقيادة التي نصّبت نفسها بنفسها سنة 1955 عندما كانت الحكومة الفرنسية تسعى إلى إيجاد ” المفوضين المعتمدين” مِن خارج صفوف “جيش التحرير” من أجل التفاوض معهم. وكان بن نبي يرى أنّه حتى تحويل الطائرة الذي أفضى إلى اعتقال “الخمسة” سنة 1956 كان نتيجة لخيانة.
3 ـ سلوكيات القادة الذين تمخض عنهم مؤتمر الصومام تُجاه إقامة “خط موريس”، والتي لم يحدث أنْ عُرقِلتْ أو أُخِّرَتْ، بل تزامنت مع فترة من الهدوء على الجبهة الداخلية. وهو يرى أنّ “مؤتمر الصومام” تلته فترة تناقص في حدّة القتال، ونقل مُتعمَّدٍ للوحدات القتالية نحو الحدود الشرقية والغربية، وذلك مِن أجل إتاحة استراحة للقوات الفرنسية إرهاصا للشروع في المُفاوضات (3). وهو يرى أنّ تلك القوات حُوِّلت إلى وحدات استعراضية بين أيدي “الزعماء”.
4 ـ الظروف التي أحاطت بالتحاق الفارّين من الجيش الفرنسي بوحدات جيش التحرير، وأسباب تعيينهم في مهام حساسة داخل الجيش.
5 ـ اغتيال علاّوة عميرات في مقر الحكومة المؤقتة بالقاهرة بعد أن اتّهم الحكومة المؤقتة بإجراء اتصالات سرّيّة مع فرنسا (4)
6 ـ موقف أعضاء “الحكومة المؤقتة” تُجاه الطلبة الجزائريين في الخارج.
7 ـ التسيير المالي في الحكومة المؤقتة، وكيفية استعمال الأموال، مع إجراء مقارنة بين المصاريف المُخصصة لجيش التحرير، وتلك المخصصة لتسيير شؤون الحكومة المؤقتة، مع ذكر التعويضات التي تُصرف لأعضائها (5).
8 ـ التدابير الخاصة بتشكيل “المجلس الوطني للثورة الجزائرية” ومدى تمثيله.
9 ـ مُبادرة إقحام الجزائر في مُحادثات حول موضوع “المغرب الكبير” مِن دون استشارة الشعب.
وطلب بن نبي في رسالة مُرفقة بـ “شهادة لمليون شهيد” أرسلها إلى بن بلة في 18 جوان 1962، أنْ ينعقد مؤتمر “كالذي انعقد سنة 1936” تلتقي فيه “جبهة التحرير” وجيشها و”العلماء” و”اتحاد البيان” UDMA و”الحزب الشيوعي الجزائري”، بل وحتى “الحركة الوطنية الجزائرية” التي يرأسها مصالي الحاج. لكنّ الفكرة لمْ تَرُقْ للمتحكمين في زمام السلطة لأنهم قرروا الأخذ بخيار الحزب الواحد.
ومما يُستنتج من رسالة بن نبي أنه كان يصبو إلى جزائر ذات نظام ديمقراطيّ مؤسس على التعددية السياسية. ويؤكِّدُ في خاتمة شهادته أنه لا يمكن الشروع في تنظيم انتخابات دون أن يعرف الشعب كلّ الحقيقة حول الثورة، ويقول حانقاً: ” إنّ الأيام الكئيبة والبائسة التي مرّت على الشعب الجزائري كانت أجمل الأيام عند “الزعماء”، فكانت حياتهم كحياة أمراء البترول في قصور ألف ليلة وليلة”.
وهو يتألم مِنْ ألاّ أحدَ مِن “العلماء” المثقفين نَبَسَ بكلمة واحدةٍ للتنديد بما حدث أو لإخبار الشعب. وكان هذا المستوى في حرية الرأي كفيلاً بتعريض حياته للخطر بالنظر إلى التقاليد السياسية المعمول بها آنذاك. وإذا كانت هذه الرسالة قد بقيت مغمورة ولم يطّلع عليها إلاّ جمهور محدود سنة 2000، فإنّ أهمّ ما جاء في مضمونها قد ورد في “آفاق جزائرية” و في ” مشكلة الأفكار في المجتمع الإسلامي”.
هكذا كانت حياة بن نبي: فهو لا يسكت إطلاقاً، ولا يتنازل عن حرية رأيه وتعبيره. فالمسائل التي أثارها كانت في أعلى درجات الخطورة، ويتبيّنُ من خلالها أنّ الثورة قد أُبْعِدَتْ عن مسارها أشهراً قليلة بعد اندلاعها. وكان اقتناعه بذلك لا يَشُوبُه أيُّ غموض.
مؤتمر الصومام
بعد مرور أقلّ من سنتين على اندلاع الثورة، اتفق كريم بلقاسم والعربي بن مهيدي وعبان رمضان على عقد مؤتمر من أجل إرساء قواعد النظام في الثورة، وتعيين قيادة، وصياغة برنامج. وانعقد هذا المؤتمر بالفعل في قرية من قرى بلاد القبائل، ودامت أشغاله مدة عشرين يوماً.
ومِن النتائج التي حققها مؤتمر الصومام أنه وقف على حصيلة الثورة، وقرر إعادة تنظيم “جيش التحرير” حسب نموذج الجيوش التقليدية، وقسم التراب الوطني إلى ستّ ولايات، وجعل من الجزائر العاصمة “منطقة مستقلة”، وصادق على أرضية سياسية (قام بتحرير أهمّ فقراتها عُمر أوزقان، وهو من قدماء المسؤولين في “الحزب الشيوعي الجزائري”)، كما تولّى تعيين قيادة متكونة من هيئة تنفيذية بـ 5 أعضاء (“لجنة التنسيق والتنفيذ le Comité de Coordination et d’Exécution- CCE”) وتعيين هيئة سياسية تشريعية متكونة من 34 عضواً (وهو “المجلس الوطني للثورة الجزائرية” CNRA le Conseil National de la Révolution Algérienne -).
ولمّا تلقّى أعضاء “البعثة الخارجية” لـ”جبهة التحرير الوطني” محاضر المؤتمر ومُقرراته تبيّن لهم أنهم أُقصَوْا من قيادة الثورة. وكان ردّ فعلهم توجيه تهمة ضعف التمثيل في المؤتمر و” التراجُع عن الطابع الإسلامي للمؤسسات السياسية القادمة”، ثُمّ رفضوا الاعتراف بمقرراته. أما فيما يتعلق بتشكيلة ”لجنة التنسيق والتنفيذ” فقد رفضت “البعثة الخارجية” تعيين بن خدة وسعد دحلب لأنهما كانا من ”المركزيين”. وقد وُجِّه أشدّ الانتقاد لعبان رمضان الذي هو مُنظِّم المؤتمر. وهو مُتّهم بالاستيلاء على السلطة وإبعاد “التاريخيين” والقادة المتواجدين في الخارج.
وقد أُلْغِيَتْ مُقررات مؤتمر الصومام في اجتماع “المجلس الوطني للثورة الجزائرية” الذي انعقد في القاهرة في شهر أوت 1957، كما تمّ تعيين “لجنة” جديدة “للتنسيق والتنفيذ”، متكونة من 9 أعضاء، وتمّ تهميش عبان رمضان وتكليفه بإدارة جريدة “المجاهد”.
وقد قرر “بيان أول نوفمبر54” أنّ أول هدف يجب على الثورة السعي إلى تحقيقه، هو “إعادة بناء الدولة الجزائرية المستقلة، الديمقراطية والاجتماعية في إطار المبادىء الإسلامية”. أمّا في “أرضية الصومام” فنجد “دولة جزائرية في صورة جمهورية ديمقراطية واجتماعية، وليس إعادة بناء مملكة أو حُكم تيوقراطي بالي”.
وبعد شهرين من انعقاد المؤتمر تمّ اعتقال أربعة من أعضاء” البعثة الخارجية” بعد تحويل طائرتهم. ولمّا علمَ بن نبي بتلك ” الفروق nuances ” و “المصادفات” رأى أنّها في أبعد ما تكون عن البراءة. فقد تراءى له من ذلك مخطط مدروس بإحكام لإفراغ الثورة من قِيَمِها. وقد ثار ضدّ التغيير الذي طرأ على تنظيم الثورة التي لم تَعُدْ “نظاماً”، وضدّ إسناد رُتَبٍ عسكرية لـ “مُجاهدين”، وضد ” التحفيزات المادية”، ويقصد بها الرواتب.
ومهما يكُن مِن أمْرِ أعمال بن نبي المنشورة، فإنّ مذكراته غير المنشورة ودفاتره هي التي نجد فيها مشاعره الحقيقية وأفكاره. فقد كانت تلك الثورة في نظره بمثابة “زئير أسد، وكلمة الالتحام عند رفقاء بن بولعيد، أبطال الفاتح من نوفمبر 1954. إنها الصرخة التي أرعبت الاستعمار لأنه انتبه إلى أنه ما دامت صرخة “الله أكبر” مُدوِّيةً فإنّ روح الثورة باقية”.
ولذلك كان مُنشغلاً بأمر بن بلة أولاً وبعده عبان رمضان لمّا اقْتَرَحَا على المؤتمرين في الصومام تحويل الثورة إلى منظمة كلاسيكية وتقليدية. وسيزداد انشغاله عندما يرى “مرضى الفكر” intellectomanes - ذاكرا إياهم بأسمائهم – وهُمْ يتسللون إلى أعلى هرم سلطة الثورة. ومما كتبه في دفاتره بتاريخ 7 جانفي 1959: ” لقد فقدت الثورة روحها وماتت، لأنّ “الزعماء” جعلوا مِن المُجاهدين مُجرّد أفراد “قناصة tirailleurs. لم يبق من الستة التاريخيين حياًّ وطليقاً إلاّ كريم بلقاسم، إذ استشهد كل من ديدوش مراد ومصطفى بن بولعيد والعربي بن مهيدي، أمّا بوضياف وبيطاط فكانا في السِّجن.
نحن نعرف أنّ حياة بن نبي كلّها كانت شهادة على وجود قوى خفية لها وزنها في توجيه الأحداث والأفكار والأشياء. فأنّى له أن يغفل عن أنّ الذين قُتِلوا فجأةً والذين اعتُقِلوا بسهولة لم يكونوا إلاّ حلقات في مخطط موضوع مُسبقا لتوجيه الثورة إلى وجهة غير وجهتها الصحيحة ؟ وبناءً عليه فقد كان من الطبيعيّ أن ينتمي بن نبي إلى أولئك الذين يرون أنّ عبان رمضان لم يكُنْ “صافياً”.
فهو يتحدث عنه في كتاب ” مشكلة الأفكار” كأنه شخص أدى دوراً كارثياً في الثورة. وفي الوقت الذي كان فيه بن نبي يشتغل بتحرير كتابه هذا كان الفاعلون المباشرون في تلك الأحداث (عباس، لبجاوي، دحلب، بن خدّة، ياسف سعدي، علي كافي)، وكذا الشهود المُقرّبون، لائذين بالصمت ولم يؤلفوا كتبهم المعروفة إلاّ بعد فوات الأوان. أمّا المؤرخون مثل حربي فلم يكشفوا عن أرشيف الثورة آنذاك، ولا الإدارة العسكرية الفرنسية عن أرشيفها.
لكنْ، هل كان بإمكان بن نبي أن يؤمن بتحاليل غير تحاليله التي سُكّتْ في سياق مُهلْوِسٍ، والتي تعتمد أساساً على اعتبارات إيديولوجية وأخلاقية؟ فعبان رمضان كان ذا أفكار ماركسية ولائكية، ولم يكُنْ يُخفي ذلك. لكنْ، هل يكفي ذلك لاعتباره خائناً؟ ويجب ألاّ ننسى أنه كان ذا مزاج صعب وعنيف، وذا ميول تسلّطية، كما كان مُحتقراً لخصومه. وتلك حقائق أكّدها كلّ مَنْ كتب عنه (6).
ويروي خلفة معمري كل التفاصيل المتعلقة بعلاقات عبان رمضان المتدهورة مع معظم القادة، بدءاً بذلك الرجل الذي أدخله إلى “حزب الشعب”، وهو عمر أوصديق، وكذا القائد الذي عيّنه على رأس “منطقة الجزائر المستقلة”، وهو كريم بلقاسم “الذي وصفه يوماً بـ أغيول ) أي الحمار( على مرأى ومسمع من الجميع”، بالإضافة إلى أعضاء ” البعثة الخارجية “، وخاصة منهم بن بلة الذي اتّهمه بالخيانة، وعُقداء الثورة “مثل بوصوف، وبومدين، وبن طوبال، وعميروش، إذ حدث أنْ وصفهم بأنهم “صعاليك”.
كان عبان رمضان يرى أنه الأجدر بقيادة الثورة، وهذا ما ولّد عند الطامحين الآخرين حذراً وتوجُّساً شديديْن تُجاهه. وقد خصّهُ خلفة معمري بكتاب ثري بالتوثيق مُتحلِّيا بحيادٍ مثاليّ، إذْ لم يتردّدْ في الوقوف مُطوَّلاً عند النقاط المُظلمة من حياته، والتي كانت مصدراً للتهمة الكبيرة التي أُلصِقَتْ به (7).
أمّا سعد دحلب الذي كان مِن أقرب المٌقربين لدى عبان، كما كان مديناً له بالارتقاء في سُلّم السياسة، فقد أنشأ يقول: “كان كثيراً ما يضعُنا أمام الأمر الواقع… وكان أشدّ ما يُثير حُنق كريم بلقاسم والعربي بن مهيدي أن يرياه يتصرف وكأنه القائد”.
وُلِدَ عبان رمضان في بلاد القبائل سنة 1920، وتابع دراسته الابتدائية في مسقط رأسه، ثٌمّ في البليدة، حيث نال شهادة البكالوريا، شعبة الرياضيات سنة 1942. وقد تابع كلٌّ مِن لمين دباغين وبن يوسف بن خدّة وسعد دحلب دراستهم في نفس المؤسسة التي كان فيها عبان، وهُم الذين عيّنهم بعد ذلك في مناصب حساسة: الأول على رأس ” البعثة الخارجية ” لـ”جبهة التحرير”، والثاني والثالث كعضوين في “لجنة التنسيق والتنفيذ”. وقبل ذلك بسنوات كانوا جميعاً في “حزب الشعب”، حيث اكتشفوا النضال في ذلك الحزب.
وكانت الحرب العالمية الثانية، وكذا الأوضاع الاقتصادية المتردية في عائلته، ممّا منعه من متابعة دراسته الجامعية. وقد جُنِّدَ في الجيش الفرنسي وأدى خدمته العسكرية في فور ناسيونال (الأربعاء ناث إيراثن حاليا) غير بعيد عن قريته، ثُمّ في ” القناصة الجزائريين” (Tirailleurs algériens) في البليدة، ولم يحصل له أن شارك في جبهات القتال، لكنه لم يُغادر الجيش الفرنسي إلاّ سنة 1946.
وعمر أوصديق (عضو في قيادة “حزب الشعب”) هو الذي أدخله إلى الحزب في الأربعاء ناث إيراثن. ثُمّ تمّ توظيفه في بلدية شلغوم العيد المختلطة بين سنة 1946 وسنة 1947، وقد استقال من منصبه (مثلما جرى لبن نبي عشرين سنة قبل ذلك، وفي نفس البلدية).
صار عضواً دائماً في حزب الشعب بمدينة سطيف، ودخلت حياته في إطار اللاّشرعية. كان عضواً في المنظمة الخاصة التي أسست سنة 1947، لكن الشك يبقى قائماً حول انتمائه بالفعل إلى هذا التنظيم. وفي سنة 1949 عُيِّن مسؤولاً على مستوى الولاية، ولم يتمكن خلفة معمري من تحديد الولاية التي عُيِّن فيها وبقي مترددا بين سطيف وعنابة ومنطقة وهران. وهو يقول في ذلك: ” إن تعيين عبان رمضان على رأس ولاية يطرح علينا إشكالاً نظير الإشكال الذي يطرحه انتماؤه إلى المنظمة الخاصة. تمّ اعتقاله في ماي 1950، ولا يزال الشك دائرا حول مكان اعتقاله. ويسجل خلفة معمري ذلك قائلاً: ” إمّا أن يكون في عين تموشنت أو في مستغانم، إذ لم يتم الفصل في أيِّهما”.
ويُتابع المؤلف قائلاً: ” هناك عنصر يستحق الإشارة إليه. فأقاربه يُفيدُونَنَا بأنّ والده كان يتلقى إعانة مالية مُقدرة بـ 15000 فرنك قديم… فهل هذا معقول؟ وليس من السهل الفصل في الأمر خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن عبان لم يكن يتقاضى إلاّ خمسة إلى ستة آلاف فرنك كعضو دائم في حزب الشعب، لكنه يُحتمل أن يكون راتبه قد ارتفع إلى ما بين 15 إلى 20 ألف فرنك عندما صار قائد ولاية”.
تمّ اكتشاف أمر المنظمة الخاصة في مارس 1950، واعتُقِلَ عبان في شهر ماي وأودِع سجن بجاية، حيث صادق حارس يهودي اسمه أتلان Atlan (8) ” وكان يُعامل سجينه أحسن معاملة”، حسب ما يقول خلفة معمري. وقد استُنطِق عبان على يد مُحافظي الشرطة الثلاثة الرئيسيين في الجزائر، وهم محافظ وهران، ومحافظ قسنطينة ومحافظ الجزائر الذي يُدعى كوست Costes والذي قال في آخر الاستنطاق” إنّ سجينه ذو ملمح قيادي، وقد يُصبح شخصية مرموقة”. وكان عبد الرحمن كيوان مُحاميه، وهو صديق بن خدّة.
تمّت مُحاكمة عبان في شهر جويلية سنة 1951 وحُكِمَ عليه بخمس سنوات سجناً، وعشر سنوات منعاً مِن الإقامة، وعشر سنوات حرماناً من الحقوق المدنية، وغرامة مالية مقدارها 500 ألف فرنك. ولمّا حدثت حركة تمرّدية داخل السجن نُقِل إلى سجن بربروس. وفي مطلع سنة 1952 حُوِّل إلى فرنسا حيث وجد نفسه وحيداً في سجن الألزاس. وعند ذلك دخل في إضراب عن الطعام لمدة 33 يوماً، وتمكّن من تسريب رسالة من السجن مُوجّهة إلى رفقائه في النضال. وتضمنت الرسالة فضحاً لظروف حبسه، حيث يقول: ” لا شيء يدعوكم إلى الشعور بالخجل بسببنا. إننا لم نُفرِّط في واجبنا أبداً. وهدفنا الوحيد هو الخروج ومواصلة المعركة التي ستكون أشدّ مرارةً مِنْ أيِّ وقتٍ مضى”.
وبعد نشر هذه الرسالة في وسائل الإعلام أُنْهِيَتْ مهامّ مدير السجن، وحُوِّلَ عبان إلى جنوب فرنسا بصفته معتقلاً سياسياًّ. كان يتلقى كل البريد الذي يُفيده بكلّ ما يجري داخل حزب الشعب الذي كان يمرّ بأزمة حادّة. وفي خريف سنة 1954، بينما كانت الثورة قد اندلعت منذ مدة قصيرة، أُعيدَ إلى الجزائر (الحراش).
تمّ إطلاق سراحه في جانفي 1955 قبل نهاية المدة التي حُكِمَ عليه بقضائها في السجن بخمسة اشهر. وقد أنشأ خلفة معمري يقول في ذلك: ” كيف لا نُفاجأ بهذا الإفراج الذي أتي في وقت كانت فيه الجزائر آخذةً في الاشتعال…؟ ولم تمنعه الإقامة الجبرية التي تفرِض عليه الحضور إلى ثكنة الدرك في الأربعاء ناث إيراثن، مِنْ الالتحاق هو كذلك بمعركة التحرير التي كان يتمنى المشاركة فيها منذ زمن بعيد، لكن الفرصة لم تُتَحْ له”.
عاد عبان إلى مسقط رأسه “عزوزة”. وبعد ذلك بأسبوع واحد اتصل به سليمان دهيلس وعمار أوعمران، وهما اللذان سيكونان من عقداء الثورة مستقبلاً، فقد كلّفهما كريم بلقاسم بإعلام عبان بأنه يقترح عليه أن يتولى منصب نائب لرابح بيطاط، مُكلّف بالإعلام والدعاية في ناحية الجزائر العاصمة.
وهكذا التحق عبان رمضان بالجزائر في أوائل مارس من سنة 1955، وصار مُقيماً عند بعض المناضلين. وقد تمّ اعتقال بيطاط في ذات الشهر، كما كاد أن يُعتقل هو وكريم في نفس الوقت مع بيطاط، ذلك أنهم جميعا كانوا ضحية خائن استدرجهم إلى فخّ نصبته لهم الشرطة. ولحسن حظ كريم وعبان أنهما لم يحضرا للموعد الذي ضُرِبَ لهما في القصبة.
وعن كل هذا يقول خلفة معمري: ” وجد عبان نفسه، بضربة حظ وبدافع الضرورة، مُقدّراً عليه أن يتحمل عبء المسؤولية الكبرى. وقد كثُرَ اللغط حول الظروف التي أحاطتْ بهذه الترقية. فهل كان راغباً فيها، وهل فرض نفسه، وهل تمّ فرضُه، وماذا كان سيحدث لو لم يُعتقَل بيطاط؟ وهل كان هناك مُرشّح آخر لخلافة بيطاط، مثل سويداني بوجمعة الذي كان نائباً له؟ هي أسئلة كثيرة قد تخطر بالبال، لكنها ليست ذات أهمية في أيامنا هذه لأنّ الجزائر العاصمة منذ اعتقال بيطاط صارت بين يدي رجُلٍ قلّ أن نجد لوزنه نظيرا”.
ولم يكُنْ عبان موافقاً على العمل المسلح في الجزائر العاصمة، إذ كان شديد الحذر حيال المجموعات التي شكّلها ياسف سعدي ومختار بوشفة. وقد تقلّد رتبة ” مندوب وطني لجبهة التحرير”، وانبرى يعمل على لمّ شمل كل القوى السياسية ( المركزيون، والعلماء، وأنصار فرحات عباس، والشيوعيون…). كما كان وراء انطلاق عملية تأسيس المنظمات الوطنية الكبرى ( التجار، العمال، الطلبة…)، وطلب من مفدي زكرياء أن يكتب النشيد الوطني الجزائري.
وهذا ما أدّى إلى انتقاده، خاصة من قِبَل العقيد علي كافي ـ الذي سيكون عضواً في المجلس الأعلى للدولة بين 1992 و 1994 والذي سيتهمه في مذكراته بأنه ساعد على احتلال أنصار فرحات عباس والمركزيين أماكن في أعلى هرم الثورة، وأنه غيّر روح الثورة من أجل الاستعداد لمفاوضة فرنسا. وحسب ما جاء في هذه المذكرات، فإنّ العقيد عميروش قد أثبت بالدليل أن عبان كان على اتصال سري مع فرنسا (9).
لكن خلفة معمري يردّ على علي كافي قائلاً: ” إنّ جمع القوى الوطنية لإشراكها في معركة التحرير لم يكن أمراً سهلاً. فقد جرى على خلفية أزمة لم يسبق لها نظير، ولم تحصل تسويتها، كما أنه جرى في خضم تمزقات وقطيعات بين مختلف التشكيلات السياسية. فالمناوشة كانت في أبعد ما تكون عن نهايتها. وكثير من الجزائريين الذين شهدوا تلك الفترة، لا يزالون يجدون صعوبة في تقبل فكرة إدخال إطارات ومناضلين منتمين إلى تنظيمات تقليدية، وبصفة فردية، إلى صفوف جبهة التحرير أيام الحرب. فكلامهم يدلّ على أن الثورة قد عُرقلت مسيرتها على أيدي العناصر المعتدلة التي لم تكن تؤمن بالثورة. وأكثر من ذلك، فإن تلك العناصر قد حاربت الثورة بشكل غير مباشر، أو أخّرتْها، أو أضعفتْها بإقناع السلطات الفرنسية بأن هناك إمكانية لإيجاد حلّ مِن قبيل “القوة الثالثة”… فإنّ التحاق تلك العناصر بالثورة في وقت متأخر كان على الدوام مصدراً للشك عند أولئك الذين لا يُخفون عداءهم للتجميع الذي حصل… لقد كان يكفيهم أن تُمنح لهم فرصة الالتحاق بالثورة، فذلك بحد ذاته شيء كثير. أمّا أن يصيروا قادة، فذلك عين الخيانة في حق تلك الثورة… وهذا ما عوتِبَ به عبان رمضان”. وبن نبي كان مِن أولئك المُعاتِبين.
ويروي خلفة معمري أن عبان قال لفرحات عباس عندما التقى به في فيفري 1956: ” إن جبهة التحرير ليست ملكاً لأحد، فهي ملك للشعب الذي يُقاتل. والفريق الذي فجّر الثورة لا يحق له أن يدّعي ملكيتها بأي شكل من الأشكال. ولو أن الثورة لم يُشارك فيها الجميع فإنها ستفشل بلا شك… ولا يحق لأحدٍ أن يُقاضيكُمْ. فهناك مُتّسع لكل واحد في هذه الثورة التحريرية… وإنّ انضمامكم إلى جبهة التحرير سيُعطي دفعا قوياًّ للقوى الشعبية”.
ولمّا التقى عبان بفرحات عباس ثانية بعد شهرين، في وقت كان فيه هذا الأخير يستعد للسفر إلى مصر ـ وعمره آنذاك 57 سنة، بينما كان عبان في 37 من عمره ـ واجهه عبان بهذا الكلام الذي هو نظير توجّهات مالك بن نبي بالتمام والكمال: ” يجب ألاّ نسمح لأيٍّ كان أن يشعر بأنه هو الثورة أو أن يُشخّصها بنفسه. فالثورة يجب أن تبقى من إنجازات الشعب السيّد. وإلاّ فإنّ هذا الشعب سينتقل من استعمار إلى استعمار آخر، ومن عبودية إلى عبودية أخرى”.
ماذا يجب أن نفهم من هذه الكلمات؟ أهو الشعور بالأضرار الجسيمة التي يمكن أن تنجم عن طغيان نزعة الزعامة، أم أنها مناورة هادفة لنزع الثقة من “الموجودين في الخارج” ؟ إنّ الفصل في ذلك قد يوقعنا في مغبة الأحكام المُغرِضة.
كان عبان مِن جهته يؤاخذ البعثة الخارجية ـ قبل أن يُجري عليها تعديله ـ على عدم تزويد الجبهة الداخلية بالأسلحة، ويؤاخذ أعضاء البعثة على أنهم لاذوا بتأمين أنفسهم بعد أن (أشعلوا الفتيل). لكنه هو نفسه، وكذا بقية أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ، لن يمرّ عليهم زمن طويل حتى يجدوا أنفسهم قد غادروا الجبهة الداخلية وفرّوا إلى الخارج بعد اعتقال العربي بن مهيدي. وهم بذلك يكونون قد خرقوا مقررات مؤتمر الصومام التي أعطت الأولوية للداخل على الخارج.
شعر ياسف سعدي بامتعاض شديد عندما علم بأن أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ اتّخذوا قرار مُغادرة التراب الوطني، وهو الذي كان يُنكِرُ أنْ يكون لتلك اللجنة أيُّ دورٍ في “معركة الجزائر”. ويقول في ذلك: ” لقد اختاروا الفرار من ساحة القتال في خضمّ الإضراب العام، أو بسببه. لقد فقَدَتْ لجنة التنسيق والتنفيذ الإشعاع الذي جاءت به من مؤتمر الصومام، وغادرت الساحة مُطأطأة الرأس. وسيكون من نتائج هذه السابقة: أوّلاً، إنّ الآلاف من الجزائريين الفارين من الحرب لن يجدوا أية ضرورة لتبرير سلوكهم لدى جبهة التحرير في الداخل… وستكون مُحاولة تشكيل ما يُسمّى بجيش الحدود من صفوة أولئك الفارين وهم مُحتمون بالحدود التونسية. ثانياً، يُعدّ عبان رمضان أكبر الخاسرين من هذا الفرار المتسرع، إذ تدحرج من منصب رئيس حكومة ثورية، وهو يتمتع بكل الصلاحيات لتوجيه الثورة إلى شاطىء الأمان، إلى مستوى مدير جريدة” (10).
وسيعترف أحد أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ ، وهو بن خدة، أربعين سنة بعد ذلك بأن أكبر خطإ ارتُكِب في الثورة هو تحويل قيادتها إلى الخارج. ويقول عن ذلك: ” تشكلت تبعاً لذلك بيروقراطية سياسية وعسكرية مقطوعة عن الداخل وحيثياته اليومية. وهذا ما فتح المجال للوصولية والانتهازية ومُحاباة الأقارب. وكل ذلك يعود في الأصل إلى خروج لجنة التنسيق والتنفيذ سنة 1957. فكان ذلك القرار ذا نتائج وخيمة. وذلك الجهاز الذي تشكل في الخارج هو الذي سيستولي على السلطة سنة 1962 ويُصادر الثورة لصالحه. وكانت قيادة الأركان المقيمة في الخارج أضلّ وأكثر زيغاً من الحكومة المؤقتة. فلقد انقسم جيش التحرير إلى قسمين: جيش الحدود الغربية والشرقية، وجيش الداخل، وكان خط موريس فاصلاً بينهما (11).
استُدرِجَ عبان رمضان بتاريخ 27 ديسمبر 1957 إلى أحد الأماكن في تيطوان المغربية، واغتيل على أيدي زملائه في لجنة التنسيق والتنفيذ. وسيعزو فرحات عباس في وقتٍ لاحقٍ هذا الاغتيال إلى ” الحقد الذي كان يُكِنُّهُ الأُمِّيون لمن يُحسن القراءة والكتابة. فالغيرة والحسد هما المرضان اللذان كانا ينهشان جسد الثورة الجزائرية… وبلاد المغرب كانت في كل مراحل تاريخها تقطع رأس المجتمع بالقضاء على نُخبه من أجل العودة إلى نقطة البداية. وهذا هو السبب في أن بلادنا بقيت راكدة ولم تتطور أبداً” (12).
ويبدو أنّ عبان قد حوكِمَ غيابياًّ قبل أنْ يُقْتَلَ، وهذا بالاستناد إلى شهادة كريم بلقاسم. كما يبدو أنّ التهمة التي أُلْصِقَتْ به هي انكبابُهُ على عمل يهدف إلى التفرقة، وكذا التآمُر مع رائدٍ من جيش التحرير مِن أجل الإطاحة بلجنة التنسيق والتنفيذ الجديدة (13)
المفاوضات:
كثيراً ما أوخِذَ عبان رمضان على أنه أراد أن يتفاوض مع الفرنسيين في وقتٍ مبكّر. وكما هي الحال في كلّ الصراعات، فإن التفاوض رغبة مشتركة بين طرفي الصراع، ولا مجال للاختلاف إلاّ في السوابق والشروط. ومبدأ التفاوض وموضوعه قد طُرِحا بوضوحٍ حتى قبل اندلاع المعركة المُسلّحة، وذلك في وثيقة بيان أول نوفمبر 1954.
وفي هذا الإطار التقى فانسان مونتاي، رئيس الديوان العسكري للحاكم العام جاك سوستال، بمصطفى بن بولعيد في زنزانته بعد اعتقاله منذ بضعة أيام، كما التقى بكلّ من كيوان وبن خدة في سجن بربروس. وفي شهر جوان من نفس السنة اقترح فرحات عباس على عبان رمضان، بحضور العقيد أوعمران، أن يُجري اتصالات في باريس التي هو مسافر إليها من أجل ” محاولة إيقاف هذه الحرب التي ستكون كارثية على الجميع. فهل تسمحون لي بالاتصال بمسؤولين فرنسيين من أجل مفاوضات محتملة؟”. فأجابه عبان: ” نحن موافقون، شرط أن يمرّ هذا التفاوض على جبهة التحرير”.
التقى فرحات عباس في باريس بكلّ أطياف السياسة الفرنسية (بورجو، منداس فرانس، ميشلي، هامون، بينو، الماريشال جوان، الرئيس رينو، بليفن، فيولات، شومان، دوبري، سوستال، فور، بورجاس مونوري، ميتران… إلخ)، لكنه لم يتبيّن أية إرادة سلمية من الجانب الفرنسي، بل على عكس ذلك، كان الجميع يستعد للحرب الشاملة.
وبعد ذلك بشهرين اندلعت أحداث 20 أوت في سكيكدة، وأسفرت عن مقتل 72 أوروبياًّ وتقتيل 12000 جزائري. وقد بادر بن جلول بإصدار (مذكرة) باسم 61 مُنتخباً جزائرياًّ، وذلك بعد مقتل أخيه على أيدي المُعمرين في واد زناتي (بالشرق الجزائري). وهي المذكرة التي جاءت مُنددة بالقمع الفرنسي، ومُعبِّرة عن نية المنتخبين في التخلي عن دورهم كسندٍ لسياسة الإدماج. وهكذا لم يبق لفرنسا أي طرف تعتمد عليه، إذ صار الجزائريون كلُّهم ضدّها. أمّا في الجزائر العاصمة فقد التقى محمد لبجاوي بجاك شوفاليي، رئيس بلدية الجزائر (14)، في سرِّيّة. وفي أواخر نوفمبر 1955 أسَرّ سوستال لماسينيون بما يأتي: ” إنّ مصالي هو ورقتي الأخيرة” (15).
تشكلت الحكومة الفرنسية الجديدة تحت رئاسة جي مولي في شهر فيفري 1956. ولمّا زار رئيسها الجزائر اقتنع بأنّ فرنسيي الجزائر كانوا في أبعد ما يكونون عن السعي إلى تحقيق السلم. تمّت المُصادقة على “الصلاحيات الخاصة (pouvoirs spéciaux) ” في شهر مارس من أجل “سحق التمرُّد”. وفي تلك الأثناء جرى اللقاء الثاني بين عبان رمضان وفرحات عباس الذي كان برفقته بومنجل. وقد طلب منهما عبان حلّ حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري والالتحاق بالوفد الخارجي لجبهة التحرير في القاهرة.
في شهر أفريل قام الحزب الاشتراكي الفرنسي (SFIO) الذي كان في الحُكم، بإيفاد جورج جورس إلى القاهرة من أجل الاتصال بمحمد خيدر، ثُمّ إيفاد بيار كومان إلى سويسرا من أجل الالتقاء بعبد الحفيظ بوصوف. أمّا في الجزائر العاصمة فقد استقبل عبان وبن خدة المُحامي شارل فيرني، وهو من المقرّبين من منداس فرانس. وجرى اللقاء بحضور أندري مندوز. كما جرت لقاءات أخرى من جويلية إلى سبتمبر في بلغراد وفي روما بين مبعوثين جزائريين وفرنسيين، لكنها لقاءات لم تُكلَّلْ بأي نجاح. ثُمّ توقفت الاتصالات بين طرفي النزاع بعد تحويل الطائرة التي كان على متنها الزعماء الجزائريون المعروفون في شهر أكتوبر سنة 1956 (16).
ومرّ عام كامل قبل أن تعود تلك الاتصالات بواسطة جاك شوفاليي، جان عمروش، أوليفيي قيشار، عبد الرحمن فارس وفرحات عباس، لكنها لم تؤثر في مجرى الأحداث (17). وسيصرّح بن بلة في وقت لاحقٍ لكاتب سيرته، روبار ميرل قائلاً: ” كُنّا قد أجرينا اتصالات مع حكومة الرئيس جي مولي منذ عام، مُحاولةً منّا لوضع حدٍّ لحرب الجزائر باتفاقية مبنية على التفاوض. وفي هذا الإطار جرت خمس لقاءات: لقاء واحد في القاهرة، ولقاءان في بلغراد، ولقاءان في روما. وقد استغرق اللقاء الأخير جزءاً كبيرا من شهر سبتمبر 1956″ (18).
ولمّا دُعِي الجنرال ديغول للعودة إلى العمل السياسي في جوان 1958 شرع في فتح باب التفاوض بطريقة سرِّيّة، لكن دون أن يُهمِل المجهود الحربيّ. وكان مبعوثوه ووسطاؤه الذين يثق فيهم هم: جورج بومبيدو، إيدموند ميشلي، روبار بورون، روني برويي، عبد الرحمن فارس وجان عمروش. لكن الشروط التي اشترطها لنجاح المفاوضات كانت غير مقبولة لدى الجزائريين.
ومِن الأفكار التي حاول نشرها فكرة “سلم الشجعان”. لكن الحكومة المؤقتة التي كان يرأسها فرحات عباس رفضت الاقتراح. وفي تلك الأثناء لم تتوقف الحكومة الفرنسية عن السعي إلى إيجاد “قوة ثالثة” للالتفاف حول جبهة التحرير وجيشها. ومضى عام كامل من المعارك الطاحنة ثُمّ أعلن ديغول بتاريخ 16 سبتمبر 1959 عن نيته في تنظيم استفتاء حول تقرير المصير للجزائر، لكن الصحراء مُستثناة.
ونتيجة لذلك نشبت مواجهات عنيفة في الجزائر وفي فرنسا، وقد تسبب فيها أنصار الجزائر الفرنسية. هذا بالإضافة إلى أصوات غاضبة داخل الجيش الفرنسي. أما الحكومة المؤقتة فردّت عن ذلك بتاريخ 29 سبتمبر انطلاقاً من تونس، بأنّ الاستفتاء يجب أن يجري بعد جلاء الجيش الفرنسي، وبأنّ الصحراء جزء لا يتجزّأ من الجزائر التي لا تصبو إلاّ إلى الاستقلال. وبتاريخ 14 جوان 1960 توجّه ديغول لأول مرة مباشرة إلى “قادة الثورة” مُعلناً: ” إننا ننتظرهم هنا من أجل إيجاد نهاية مُشرِّفة للمعارك”.
قبلت الحكومة المؤقتة هذا المُقترح وأوفدت أحمد بومنجل ومحمد بن يحي إلى مولان Melun. وكان لقاؤهما مع الجنرال روبار دو جاستين، والعقيد ماهون، وروجي موريس. وبعد بضعة أيام من المناقشات قررت فرنسا إيقاف التفاوض لأنها فشلت في تمرير شروطها المسبقة على الوفد الجزائري(خاصة ما تعلّق بإيداع الأسلحة).
وفي آخر تلك السنة وقعت مظاهرات، بتاريخ 10 و 11 ديسمبر، حيث انهمرت الجماهير الجزائرية على الشوارع بغرض توجيه رسالة واضحة إلى دوغول الذي كان في جولة عبر مختلف مدن الجزائر. وقد أدى القمع إلى مقتل مئات الجزائريين على أيدي عناصر الجيش الفرنسي في عدة مدن. لكن ديغول كان قد فهم أخيراً أنه لن يستطيع فعل أي شيء لإبقاء فرنسا في الجزائر.
صادقت الجمعية العامة لهيئة الأمم على لائحة مؤيدة لحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره. وفي الثامن جانفي 1961 جرى في فرنسا ذلك الاستفتاء الذي كان أمنيةً عند البعض، لكنه كان كابوساً عند البعض الآخر. وقد صوّتت أغلبية فرنسيي فرنسا لصالح تقرير المصير، بينما صوتت نسبة 72% من فرنسيي الجزائر ضدّه.
في شهر فيفري 1961 جرى لقاء آخر بين بومنجل وبولحروف من جهة، وجورج بومبيدو من جهة أخرى. وقد سُجِّل تقدُّم إيجابي في المفاوضات لأول مرة. ولهذا قرر ديغول هدنةً أحادية الطرف. وأثناء ذلك ظهرتْ منظمة إرهابية، وهي l’OAS، لترتكب سلسلة من الأعمال الإرهابية المجانية في فرنسا وفي الجزائر. وكان على رأسها جنرالات فرنسيون. وفي شهر ماي انطلق شوط جديد من المفاوضات في إيفيان التي سرعان ما اغتيل رئيس بلديتها كاميل بلان Camille Blanc من طرف l’OAS.
كان كريم بلقاسم يرأس الوفد الجزائري المتكوّن مِن أحمد فرنسيس، أحمد بومنجل، وضابطيْن من جيش التحرير. وبعد ثلاثة أسابيع من الأخذ والرّد بقيت المفاوضات تتعثر بسبب مسألة وحدة التراب الوطني الجزائريّ، لكنها انطلقت ثانيةً في أواخر جويلية في لوقران Lugrin.
في شهر اوت وقد جرى تعديل في تشكيلة الحكومة المؤقتة، إذ عُوِّض فرحات عباس بابن خدة. وفي شهر أكتوبر أعلن ديغول أنه يقبل بشروط الجزائريين، وهي: تقرير المصير، الاستقلال، وحدة التراب الوطني. وعُقِدَتْ اللقاءات مُجدداً في فيفري 1962 في ليروس Rousses، وكُلِّلتْ باتفاقيات إيفيان الشهيرة في الثامن عشر من شهر مارس سنة 1962.
دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في التاسع عشر مارس. وتشكلت “هيئة تنفيذية انتقالية” بتاريخ 08 أفريل في بومرداس. وفي الثامن أفريل تمت المصادقة على الاتفاقيات بالاستفتاء العام. وفي 03 جويلية أُعْلِنَ عن استقلال الجزائر، ورُفِع العلم الجزائري، بينما عاد العلم الفرنسي إلى بلاده.
(يُتبع).
المراجع:
1) ”شاهد على اغتيالات الثورة”، دار النشر الأمة، الجزائر، 2000.
2) سعد دحلب :” الواجب المؤدى”، منشورات دحلب، الجزائر العاصمة 1990
3) يذكر بن يامين ستورة و ز. داود في كتابهما المشترك تقريراً للمخابرات العامة الفرنسية بتاريخ 18 ديسمبر 1956، حيث نقرأ: “هناك جماعة آخذةٌ في البروز شيئاً فشيئاً في “جبهة التحرير” بفرنسا. وهي تتضمن مجموعة من المثقفين الذين كانوا أعضاء في “اتحاد البيان” UDMA، ثُمّ اقتدوا بفرحات عباس الذي التحق ب”جبهة التحرير” في القاهرة. وعلى رأس هذه الجماعة بومنجل، وهو محامي في باريس ومستشار للاتحاد الفرنسي، إلى جانب يعلاوي، موظف في التأمينات، وكذا بعض الفرنسيين المسلمين من الأطباء والصيادلة، وعاملين في حقل التعليم، وهم حديثو عهد بالمجيء من الجزائر. ولهذه الجماعة اتصال بجماعة أخرى بواسطة الطلبة الذين أقام معهم علاقات حميمية فكرية، ومن الطبيعي أن تكون كذلك، لكن القادة الحقيقيين لفيدرالية “جبهة التحرير” بفرنسا يتحرّون الحيطة والحذر تُجاه هذه الجماعة لأنّ أعضاءها كانوا ينتمون بالأمس القريب إلى حزب معروف بمُجاملته للإدارة”. المرجع نفسه.
4) استُقبِلَ علاوة عميرات في مقر “الحكومة المؤقتة ” بالقاهرة، وهو عضو في “مُمثلية جبهة التحرير” بلبنان. كان مُتّهماً بأنه أدلى بتصريحات جارحة في حق بعض أعضاء “الحكومة المؤقتة”، فنشبت بينه وبين فرحات عباس مناوشة كلامية حتى صفعه هذا الأخير. وبعد 48 ساعة وُجِدَ مقتولاً أمام مقر “الحكومة المؤقتة.” وأثناء التحقيق الذي أجرتْهُ الحكومة المصرية وُجِدت في محفظته وثائق ـ “موضوعة بين صفحات كتابي “النزعة الأفروآسيوية””، حسب ما جاء في دفاتر بن نبي ـ فصادَرَتْها.
5) نَشَر بن خدّة الحسابات الآتية والخاصة بالفترة التي كان فيها يشغل منصبي رئيس الحكومة المؤقتة ووزير المالية:
” صبّت “الحكومة المؤقتة” في الفترة ما بين 24 سبتمبر 1961 و 30 جوان 1962 لمختلف أقسام “جبهة التحرير” و”جيش التحرير” مبلغاً قدره 12 مليار تقريباً. وقد وُزِّع هذا المبلغ حسب النّسب الآتية:
قيادة الأركان العامة: 45,81%
وزارة التسليح والعلاقات العامة MALG: 25%
وزارة الداخلية: 16%
الولايات: 7.3%
وزارة الشؤون الخارجية: 1,95%
وزارة الإعلام: 0,80%
رئاسة الحكومة المؤقتة: 0,20%
وفيما يتعلق بما يُسمى بـ “خزينة جبهة التحرير”، يقول بن خدة: “عندما جاء “المكتب السياسي” خلَفاً ل”لحكومة المؤقتة “في أوت سنة 1962، كانت المالية تحت مسؤولية الأمين العام ومسؤول الخزينة ب”جبهة التحرير”، وهو محمد خيدر، وذلك بناءً على أمْرٍ أصْدرتُهُ بنفسي لمختلف المؤسسات البنكية المتكفلة بالعمليات المالية لل”حكومة المؤقتة”. وعند ذلك صارت بين يدي خيدر كل الأرصدة المودعة في البنوك السويسرية وغيرها، وقيمتها ستة ملايير فرنك، من بينها 4,7 مليار بالعملة الصعبة”.
(ارجع الى بن يوسف بن خدة “: الجزائر بعد الاستقلال: أزمة 1962″، منشورات دحلب، الجزائر العاصمة 1997)
وقد أُعْدِم خيدر بتاريخ 3 جانفي 1967 في مدريد.
6) ومنهم بصفة خاصة:
سعد دحلب: مرجع مذكور آنفاً.
بن يوسف بن خدة: مرجع مذكور آنفاً.
فرحات عباس: مرجع مذكور آنفاً.
ب. ستوره، و ز. داود: مرجع مذكور آنفاً.
عمار حمداني: ” كريم بلقاسم، أسد الجبال” منشوارات بالان ، باريس 1973.
ياسف سعدي: ” معركة الجزائر”، 3 أجزاء). منشورات القصبة الجزائر العاصمة 1997.
7) ارجع الى “عبان رمضان، حياة من أجل الجزائر”، منشورات خلفة معمري، الجزائر العاصمة 1996
8) هل توجد علاقة بين هذا الرجل ورسام قسنطينة الذي يحمل نفس اسم، والذي عاشره بن نبي وبن ساعي في باريس خلال الثلاثينيات؟ فهذا الرسام، واسمه جان ميشال أتلان (1913-1960) كان معروفا باهتمامه بالغيبيات التي انعكست على أعماله الفنية.
9) ”مُذكرات الرئيس علي كافي”، القصبة، الجزائر، 1999.
10) ارجع الى ياسف سعدي:” معركة الجزائر” المجلد 3 منشورات القصبة الجزائر العاصمة 1997
11) ” أزمة 1962″ المذكورة انفا
12) فرحات عباس:” الاستقلال المصادر”
13) ارجع الى عمار حمداني:” كريم بلقاسم، أسد الجبال” المذكور انفا
14) ارجع الى محمد لبجاوي ” حقائق حول الثورة الجزائرية” منشورات غاليمار، باريس 1970
15) ذكر لدى كلود و فرانسيس جونسون “الجزائر خارج القانون”، منشورات سوي ، باريس 1955
16) نشرت الجريدة الناطقة باسم جمعية العلماء بتاريخ 20 جانفي 1956 بياناً جاء فيه: ” تُهنِّىء جمعية العلماء الجزائريين الشعبين المغربي والتونسي على قتالهما المُشرِّف ضدّ الاستعمار والأمبريالية، وتُعلن أنّ الوضع الاستعماري هو المسؤول الوحيد عن الشرور التي تنهش جسد هذه البلاد منذ سنة 1830، وتُطالب باستقلال الجزائر في إطار احترام مصالح الجميع والمحافظة على حقوق كلّ طرف، وتُلزِمُ الحكومة الفرنسية بالتفاوض مع ممثلي الشعب الجزائري الحقيقيين من أجل تحقيق هذا المسعى”.
وبعد ذلك بمدة قصيرة توضح الجمعية موقفها أكثر: ” إن القتال لن يتوقف إلاّ إذا صارت الجزائر وطناً مُستقلاًّ بعد أن تلتزم الحكومة الفرنسية باحترام تطلُّعات الشعب الجزائري إلى الكرامة والاستقلال. فيجب أن يبدأ الحوار مع المُقاتلين الذين يتحملون كلّ الأعباء، أو مع ممثِّليهم الشرعيين. والكلمة الآن لأولئك المُقاتلين، وليست للذين يرتادون الصالونات”. ونتيجة لذلك منعت السلطات الاستعمارية جريدة البصائر من الصدور ابتداءً من شهر أفريل من نفس السنة.
17) كانت جيرمان تيون في الجزائر العاصمة خلال شهر جوان سنة 1957 في مهمة مساعي حميدة، واستُقبِلَت من طرف ياسف سعدي وعلي لابوانت والزهرة ظريف. وقام ياسف سعدي بإخبار لجنة التنسيق والتنفيذ المتواجدة في تونس بذلك اللقاء. لكن المبعوث الذي كلّفه بإيصال الخبر تمّ “تحويله” على يد المخابرات الفرنسية، ليصير ذلك المبعوث، رفقة خائن آخر، سبباً في تفكيك شبكات المُقاومين في الجزائر العاصمة، وفي اعتقال ياسف سعدي واستشهاد علي لابوانت وحسيبة بن بو علي، والطفل عمر، ورامل، وكثيرون غيرهم من أبطال “معركة الجزائر”.
18) ارجع الى “أحمد بن بلة”، منشورات غاليمار، باريس 1965
