Home مقالاتإشكالية الإسلام1999-1990الاسلام و اللائكية

الاسلام و اللائكية

by admin

ترجمة فضيل بومالة

إن الإسلام اليوم في قفص الاتهام ومحل كثير من الإستفهامات، في عالم ليس بعالمه، عالم لم يُشكله و ‏ليس له أيّ تأثير محدد عليه، و حتى في عقر داره و على أراضيه، لم يعد صاحب الكلمة المُسلم بها، كون ‏ذلك العالم الذي ليس بعالمه قد حط رحاله بها أيضا و إستوطانها‎.‎

ولم يشغل فقط المساحات الجغرافية الواسعة وإنما تغلغل في التراكيب الذهنية لعدد كبير من رجاله ‏ونسائه، لقد حقنهم بحقن تحتوي قيّما جديدة و معايير أخرى في التمييز و الحكم، و دليلا لقوانين فعالة و ‏أساليب للعيش الرغيد، برامج تعليم مهمة و قنوات تلفزيونية جذابة، لقد غرس فيهم العالم الحديث في ‏جلدة الغرب.‏

لقد عاد الإسلام لحلقات النقاش في فترة تعرف فيها الديانات مصيرا مشتركا في كل بقاع الأرض: و هو ‏إبعادها عن تسيير شؤون البشر و اعتبار ذلك من صلاحيات قيصر و ليس من صلاحيات الله، وجعلها في ‏المجال الخاص ما عدا سلطتها الشرعية و الحتمية، و إحلال محلها قوانين و تنظيمات من صنع الإنسان ‏قابلة للمراجعة و التكييف عند الحاجة، ذات بعد إنساني عالمي و إجباري و لا يمكن لأحد تجاهلها و إلاّ ‏فسيُعاقب مباشرة، أما العقوبة في مختلف الديانات فيمكن أن تنتظر يوم الحساب في الآخرة.‏

و من هذا المنطلق، أصبحت الديانات اختيارية أمّا القانون البشري فقد أصبح إجباريا، إن الديانات تحظى ‏بقداسة عقائدها و باحترام و صيانة شعائرها و بتشريف رجال الدين، و لكن لم يعد من الممكن أبدا أن ‏تطمع في إدارة الشؤون العمومية، كما أنّه لا يمكن متابعة أي كان بسبب عدم إيمانه أو بدعوى عدم تطبيقه ‏للأوامر الإلهية أو ما تحمله من جوامع الكلم الفلسفية.‏

إن المجتمعات البشرية كلها التي تشكلت عبر العصور منذ الجماعات البدائية الأولى إلى الحضارات الأكثر ‏تطورا قد أخذت تنظيمها، قانونها الاجتماعي، شرعية مؤسساتها ودلالات الأشياء و السلوكات فيها من نبع ‏الإلهام الديني العام أو من تشريع أُوحي به يتسم بالدقة و التفصيل، و قد استمر على تلك الشاكلة مدة ‏ستة آلاف سنة.‏

ولكن عصرنا هو العصر الذي شهد انتصار حضارة استفادت أيما إفادة من كل الحضارات التي سبقتها، ‏قبل أن يغمرها الإحساس، إلى حد ما مؤسس، بأنها هي وحدها العالم و الإنسانية و التقدم المعنوي و ‏المادي، وأنها إذا ما بسطت أجنحتها فستعمر كل الكوكب بشكل طبيعي.‏

أما الحضارة هذه، وحتى توجد لنفسها حيزا داخل الإمبراطورية الرومانية حيث ولدت بمجيء المسيحية، ‏هي التي نادت بادئ ذي بدء بمبدأ الفصل بين ما هو روحي و ما هو دنيوي، بمعنى ضرورة وجود و بقاء ‏التمييز بين مملكة السموات و مملكة الأرض، فلكل من الله و قيصر حقوقه و يجب ألاّ تنتقص السيادة ‏الإلهية من السيادة البشرية شيئا.

ففي البدايات الأولى للمسيحية، كانت كلمة ” لايكوس “‏‎« Laikos » ‎‏ (من اللاتينية لاووس ‏‎ Laos‏ و التي ‏تعني الشعب) يقصد من وراءها عامة المسيحيين، مقابلة لـ ” كليريكوس “‏‎« Clerikos »‎‏ التي تعني المؤمن ‏الذي يمارس الشعائر و يحتفل بالقداس باسم الكنيسة الكاثوليكية الرومانية (القس، الراهب، ‏الأسقف…). و من هذه الكلمة ستشتق كلمتان آخريان في القرن السادس عشر و هما‎ «Clergé »‎‏ ‏و‎« Clerc »‎أي رجل الدين و الإكليرومسي .

أما مصطلح اللائكية ‏‎«Laïcité»‎‏ فلم يظهر في اللغة الفرنسية إلا ابتداءا من 1870، حينما بدأت المواجهات ‏الكبرى في فرنسا حول مسألة تحرير التعليم الرسمي من أي ضغط أو تأثير ديني في مجتمع تعايش فيه ‏الكاثوليك و البروستانت و اليهود و المفكرين الأحرار و الملاحدة منذ قرون خلت، و بعد شتى أنواع ‏الاضطرابات. ‏

وعقب سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس، إستغلت المسيحية الفرصة بعدما كانت قد ‏انتشرت وتنظمت ونصرت الأباطرة والملوك، حتى تؤكد وحدتها وسلطتها أمام انقسام الأصقاع القديمة ‏تحت إمرة القانون الروماني و التي كانت تنوي إدماجها في سلطتها و إخضاعها لتوجيهها‎.‎

‏ ولكن ولأجل ذلك، كانت كنيسة سان بيار هي نفسها التي تخرق قاعدة عدم الخلط بين الدنيوي والروحي، ‏و بلهفتها الكبيرة على السلطة و بتوليها إدارة الأملاك و الأجساد و النفوس المسيحية، جعلت من نذر ‏جهازها المسير للفقر و الطهارة أمرا عبثا‎‎و بطبيعة الحال، فقد كان الـ”كليريكوس” يتعسفون بسلطتهم ‏المطلقة و يستعبدون الـ”لايكوس”‏‎.‎

وأراد الباباوات أن يخضعوا الملوك لسيادتهم المطلقة، لكن الملوك لم يكونوا يقبلوا ذلك دون قيد أو ‏شرط، كما أن المواطنين لم يكونوا ليُطأطؤا رؤوسهم أبدا ويقبلوا فساد كبار رجال الدين أو جهل صغارهم. ‏و من ثم تفجرت نزاعات شبه دائمة نتج عنها توالي هيمنة الكنيسة على الدولة و خضوع الكنيسة للدولة، ‏واستمر ذلك إلى غاية القرون الوسطى و ظهور المنظرين الأوائل للفصل بين المجتمع الديني و المجتمع ‏المدني (مارسيل دي بادو‎ Marsile De Padoueو غيوم دوكهام‎‎‏ ‏Guillaume d’Ockham‏).‏

استفاد إصلاح لوثر (‏Luther‏) من براهين هذين الأخيرين، ومما حاج به القول أطروحة انه إذا كان لابد من ‏السلطة الروحية فإنها لابد أن ترجع إلى جماعة المؤمنين و ليس الارستقراطية إيمانية نصبت نفسها ‏بنفسها، و أن ضمير كل فرد هو الوحيد الذي يتوسط بينه و بين الله.‏

ويبدو أن مارسيل دي بادو قد لعب دورا أساسيا في العملية التي أرجعت الكنيسة رويدا رويدا إلى وضعها ‏الأصلي، فاللائكية بعبارة أخرى تحقيق فصل فعلي ونهائي بين الدين والسياسة‎.‎

‏ ومن هذا المنطلق يعتبر أب الدول اللائكية الحديثة، دون أن نتحدث عما قدمه من أعمال جليلة للمصلح ‏الألماني مارثن لوثر (‏Martin Luther‏) الذي كان زعيم الوطنية حتى يضعف قوة البابا.‏

‏ و يقول عنه برتراند دي جوفينال (‏Bertrand De Jouvenel‏)‏‎‎في كتابه ” عن السلطة أتحدث ” :”لقد مثل ‏المغامر مارسيل دي بادو‎‎‏(‏Marsile De Padoue‏) مرافعا لصالح الإمبراطور الذي لم يتوج لويس دي ‏بافيير (‏Louis De Bavière‏) ، و مدافعا عن السيادة الشعبية محل السيادة الإلهية. هذه الفكرة هي التي ‏كانت شعلة تحرير السلطة من سيطرة الكنيسة، وحتى يتمكن من ذلك، جادل بالشعب كقوة ‏مناهضة لله وبالله كقوة مناهضة للشعب أي مناورة مزدوجة وضرورية لإقامة الحكم المطلق، كان ‏لابد من ثورة دينية”. ‏

و لكن الكنيسة ستصر طويلا على الشرود في متاهات المجد الدنيوي عكس ما كانت تمليه عليها رسالتها ‏الأولى، و بذلك ارتكبت أخطاء فادحة تبرر الانقسامات التي لحقت بها و التي لا رأب لها ( و لم ينجح لا ‏الفاتيكان الأول سنة 1870 الذي تدخل بعد ثلاثة قرون الفترة التي لم يجتمع فيها المجمع الديني لفيينا، و ‏لا الفاتيكان الثاني سنة 1963 في إقناع البروتستانت بعقيدة توحيد جميع الكنائس ‏‎ Œcuménisme‏).‏

ومن جراء هذه الأخطاء، ستكون أوربا ولمدة قرون طويلة لقمة سائغة للحروب الدينية التي سقطت فيها ‏مئات الآلاف من الأرواح. وحدث أن كان ثلاثة بابوات في آن واحد (في القرن الرابع عشر) وحبر واحد، وقد ‏وضع نابليون وهو الفريد في بني جنسه، البابا السابع (‏PIE VII‏) في السجن سنة 1809.‏

إن الخلاصة النهائية والبعيدة لكل هذا هو استحالة التعايش في ظل نظام ديني وقوانين دينية موحدة بين ‏الكاثوليك والبروتيستانت واليهود والملاحدة. إن مسلمي فرنسا ليسوا أصحاب نفوذ بعد، وإلا لكنا اليوم في ‏الجزائر من أشد أنصار المتحمسين لللائكية.‏

و من البداهة أن اللائكية تفرض نفسها كحل امثل و عادل في مثل تلك الأوضاع.‏

بمعنى أيّ تعليم وأيّ عقيدة يجب أن يدرسا في مدارس البلدان المتعددة الديانات؟ أيّ الاحتفالات الدينية ‏يجب أن تكون رسمية؟ أيّ دين يجب اعتباره “دين الدولة” دون أن تقصي الأمة شريحة من شعبها؟ أيّ ‏قانون من قوانين الأحوال الشخصية يجب وضعه حيّز التطبيق؟ أيّ الأعراف يجب اعتمادها كقواعد ‏للقانون؟ 

ومن الأكيد أن التسوية لن تتم إلاّ بالارتكاز على قوة حيادية فوقية أي إقناع كل الأطراف بقبول القواعد ‏التي تتجاوز اختلافاتهم و نزعاتهم نحو التسلط. وهكذا يؤدي الأمر مباشرة إلى حرية العقائد، الحياد ‏الديني للسلطة الحاكمة، إلى الفصل بين الدولة ومختلف الكنائس الموجودة على أرضها … 

وقد مرّ نبيّ الإسلام بحالة مماثلة، حيث سمح بان يحتكم يهود المدينة إلى قوانينهم الخاصة بدل ‏احتكامهم إلى الدين الجديد. وعلاوة على ذلك، صاغ ووقع معهم في منزل أنس رضي الله عنه الدستور ‏السياسي الأول في التاريخ (الصحيفة)، والذي يحدد في 53 مادة، الحقوق والواجبات الخاصة بكل طرف.‏

‏ ويؤكد المؤرخ محمد حميد الله أن النسبة الكبيرة من تلك الأحكام، كانت تعالج مصالح اليهود خاصة.‏

أمّا في فرنسا، فقد انطلق النقاش حول اللائكية سنة 1598 بإصدار هنري الرابع (‏Henri IV)‎‏ لمرسوم نانت ‏‏(‏l’Edit de Nantes)‎‏ (حيث تم لأول مرة قبول مبدأ إمكانية عدم توافق المعتقد والجنسية وأن الملك يمكن ‏أن يكون على دين غير دين رعاياه) وانتهى سنة 1946 بإدخال مصطلح اللائكية في القانون الأساسي ‏الفرنسي لأول مرة.‏

وتنص المادة الأولى من دستور 27 أكتوبر 1946 المؤسسين للجمهورية الرابعة “على أن فرنسا جمهورية لا ‏تتجزأ لائكية ديمقراطية واجتماعية “. وردد دستور 04 أكتوبر 1958 المؤسس للجمهورية الخامسة ‏الصيغة نفسها في مادته الثانية، وواصل: ” وتضمن المساواة أمام القانون لكل المواطنين بدون تمييز من ‏حيث الأصل والعرق أو الدين، أنّها تحترم كل المعتقدات “.‏

ولكن قبل أن تخلص إلى ذلك كم معارك دامية عرفت؟ (انظر كتاب آن ماري وجان مودوي‎ Anne‏ ‏Marie ‎‏” فرنسا تناهض فرنسا: الفصل بين الكنيسة والدولة “).‏

إنّ قانون 01 جويلية 1901 الخاص بحرية تشكيل الجمعيات قد استغل من أجل إعادة النظر في قانون ‏الجمعيات الدينية الخاصة بالتعليم قبل قانون 09 ديسمبر 1905 الذي أعلن حرية التفكير والاعتقاد والذي ‏اعتبرته الكنيسة الكاثوليكية مدعاة للحرب. إن الميثاق الذي وقعه نابليون والبابا سنة 1801 والذي نظم ‏صلاحيات كل طرف في المسائل ” المختلطة «أُلغي سنة 1905. ‏

وبالنظر إلى ما سبق ذكره، نتساءل عن جدوى الحديث عن مشكلة اللائكية في بلد مسلم كالجزائر حيث لا ‏توجد لا سلطة كهنوتية ولا ديانات متضاربة؟ 

لماذا ترفع الحجج التي دفعت بالأوربيين (وقد كانوا على ‏حق) إلى اللائكية في وجه الإسلام؟ ما الذي يقلق في الإسلام ويمكن أن يبرر ظهور المطالبة بالملائكية؟

إنّ رؤية الإسلام للعالم من الناحية العلمية لا تشوبها شائبة حتى في نظريات الانفجار الأعظم (‏Big Bang‏) ‏والتحولية (‏Transformisme‏) أو الداروينية المحدثة (‏néo-Darwinisme‏)، إنّ الإسلام لا يرتاع من اكتشاف ‏أشكال أخرى للحياة في الكون أو أن يحتل الإنسان الفضاء.‏

أمّا من الناحية الاقتصادية، فالإسلام مع حرية المبادرة ولا يعتبر أن الاغتناء عيب وفساد. ‏

أمّا سياسيا، فان القرآن والسنة لم يقترحا للبشر صيغا محددة في التنظيم الاجتماعي، بل بالعكس، ‏فالسكوت عن ذلك هو ما كان سببا في النزاعات السياسية التي قسمت صفوف المسلمين إلى سنة وشيعة ‏وخوارج.

وحينما نتأمل في طرائق التدخل الإلهي، نكتشف أنّها تحمل في داخلها أسمى معاني الديمقراطي لأنه عز و ‏جل في أزليته وأبديته قبل بوجود معارض لعظيم سلطانه (ألم يرفض إبليس طاعته حينما أمره بالسجود ‏لآدم كباقي الملائكة؟).‏

وأكثر من ذلك، حينما أعلن إبليس بعدما طرد من عرش الرحمن وجنته أنه سيكرس حياته أبد الدهر من ‏أجل غواية و تضليل الجنس البشري و معارضة تدابير العناية الإلهية، فإنّ رب السموات و الأرض لم يقض ‏عليه و لكنه فضل أن يهب الإنسان العقل و البصيرة حتى يكون حرا تمام الحرية في الإختيار بين الخير و ‏الشر. وبالإضافة إلى ذلك، فقد ضمن الله لآدم انه ستنزل على ذريته دوريا هداية منه وتذكيرا.‏

إن هذا الحوار بين الله وإبليس حسب النص القرآني قد ألهم غوته (‏Goethe‏) «فاتحة السموات ” كما ‏أوضحناه في مقال سابق.‏

وليس هناك من شيء يمنع البلدان الإسلامية في الظرف الدولي الحالي من أن تكون أنظمتها أنظمة ‏جمهورية تمارس الديمقراطية البرلمانية و حرية الاعتقاد بالنسبة لغير المسلمين، أو من الانضمام إلى ‏الإتفاقيات الدولية حول السلم و حقوق الإنسان و تخويل ” سلطة الحل و العقد” ليس للشارع بل إلى ‏مؤسسات شورية شريفة تتشكل من رجال أكفاء، سواءا في العلوم الشرعية أو في مختلف العلوم عموما.‏

على كلّ، المشكل المستعجل الآن هو معرفة ما هو الأنفع لأي بلد مسلم: أن يحاول أن يستخلص من ‏الإسلام و من القيم الوضعية المعاصرة نموذجا اجتماعيا مقبولا أو يطرد الإسلام من دياره؟

إن أنصار اللائكية في الجزائر يؤكدون انه بسبب احترامهم الكبير للإسلام أكثر من غيرهم يتمنون أن يغلق ‏عليه في بروج محصنة خوفا عليه، إنّ الإسلام الحقيقي في نظرهم هو الذي يجب ألاّ يعلم في المدارس و لا ‏يذكر في الدستور و لا تسري روحه في القوانين و لا يرد في برامج العمل السياسي.‏

ما اشد حبهم وهيامهم به حتى أنّهم لا يريدون رؤيته مبتذلا من جراء المغالاة و الإفراط في استعماله. ‏

‎‎

La Nation” 18 أوت 1993

جريدة الخبر، ركن ” اجتهادات”، 19 أوت 1993

موقع الجزائر اليوم 13 ماي 2020

You may also like

Leave a Comment