Home مقالاتإشكالية الإسلام1999-1990انقلابات فانقلابات

انقلابات فانقلابات

by admin

ترجمة فضيل بومالة

ليس لهاوي التاريخ وأسرار الأمم والملوك الذي ديدنه البحث عن كل ما يتكرر ويتشابه في الكيانات ‏الاجتماعية الكبرى، إلاّ أن يطرب بمعرفة أن الحضارة الرومانية والحضارة الإسلامية تشتركان بغرابة في ‏حقيقة كونهما عاشتا أزمتيهما اللتين عصفت بهما باغتيال رابع خلفائهما: تاركين (‏Tarquin‏) وعلي بن ‏أبي طالب.‏

بعد وفاة روميليس (‏Romulus‏) الذي أسس روما سنة 753 قبل ميلاد المسيح وقادها مدة 37 سنة، ‏خلفه، في حالة من في السلم والوفاق، رجال اختارهم الشعب على أسس استحقاقهم وفضائلهم، هم ‏على التوالي: نوما بومبيليوس (‏Numa Pompilius‏)، وتيليس هوستيلييس (‏Tullus Hostilius‏) و أخيرا ‏تاركين (‏Tarquin‏) يوناني اعتنق الدين الروماني.‏

وقد كان نظام الحكم تحت إمرتهم موحدا وقويا وعادلا، وقد كانت صلاحياتهم‎‎دينية ودنيوية في آن ‏واحد. كانوا يستشيرون مجلس الشيوخ (‏Sénat‏)، تلك الهيئة التي كانت تمثل العائلات المجتمعة في ‏شكل قبائل ويحكمون دائما بالرجوع إلى أعراف القدامى (‏Mores Majorum‏) والتي يمكن أن نترجمها ‏اليوم في أرض الإسلام بالعودة إلى “السلف”. ‏

وقد اغتيل “تاركين” في السنة الثامنة والثلاثين من حكمه حيث تنكر له سيرفيوس تيليوس ‏

‏(‏Servius Tullius‏) ذلك الخادم الذي قربه وكفله في بلاطه ومجلسه، و إحتال من اجل ولاية العرش ‏ضاربا برأي الأُمة عرض الحائط حيث لم تختره ولم تنتخبه.‏

وقد جعل نظام الحكم نظاما وراثيا، وعين لخلافته بعد عشرين سنة، ابنه ساكستيس (‏Sextus‏) ولم ‏يكن جديرا بها. أخبر شيشرون (‏Ciceron‏) وهو عظيم خطباء الرومان الأجيال اللاحقة في كتابه الشهير ‏‏”عن الجمهورية أتحدث” انه: “هنا تبدأ سلسلة الثورات التي أريد أن تدركوا خلفيات وخبايا حركتها ‏الطبيعية والمراحل التي مرت بها منذ البداية.‏

وفي سنة 632 م، لحق النبي محمد صلى الله عليه وسلم بربه بعد أن أقام دعائم الدولة الإسلامية في ‏المدينة عشر سنوات قبل ذلك. وقد عادت الخلافة بصفة طبيعية وسلمية إلى أبي بكر، فعمر، ثم ‏عثمان، وأخيرا علي، رضي الله عنهم جميعا.‏

وحينما اغتيل هذا الأخير تباعا للأحداث التي اشتعلت نارها في كل البلاد مع تمرد معاوية بن أبي ‏سفيان، حاكم دمشق، هذا الأخير انتهز الفرصة واستولى على الحكم عنوة ومكيدة ونقل العاصمة من ‏المدينة المنورة إلى دمشق وأعلنها نظاما ملكيا. وقد حكم كما سرفيوس تيليوس عشرين عاما وعين ‏لخلافته ابنه يزيد الذي كان يعرف بـ “العربيد”.‏

لقد امتد عهد الخلفاء المسلمين الشرعيين الأربعة على مدار أربعين سنة ودام حكم الخلفاء الرومان ‏الشرعيين الأربعة ما يقارب القرنين من الزمان. ‏

والمعلوم أنّ كلا الأمتين كانت في بداياتها الأولى عبارة عن قبائل حولتها” المقدسات المشتركة” ‏‏(‏Communio Sacrom‏) بالنسبة للأولى، والإسلام بالنسبة للثانية إلى “جمهورية للأخلاق والآداب” ‏حيث كان همها الكبير هو كيفية اعتناق مواطنيها للفضائل العامة بدل تعليمهم الخنوع أمام سلطة ‏القوة. ‏

ولكن عجائب التاريخ اقتضت أن يقترن تطورهما بسلسلة طويلة من الأزمات والإقتتال في الداخل ‏وبانجازات كبرى في الخارج. والأمر أنّه في عصور الحضارة، حتى المستبدين والطغاة تحركهم دفعة ‏التحضُر، ونظرا لحماسهم الكبير للمسيرة العامة لإمبراطوريتهم وفخارهم بمآثر هؤلاء وأولئك في هذا ‏الميدان أو ذاك، تراهم يعضّون على قيادة تلك الحركة بالنواجد.‏

وبالطريقة نفسها التي رأى فيها شيشرون الإنقلاب لسيرفيوس سببا رئيسيا وعميقا من أسباب انهيار ‏الروح الرومانية، رأى مالك بن نبي في معركة صفين بين معاوية وعلي سنة 657 م، والتي ذهب ضحيتها ‏‏40.000 قتيلا –حسب الطبري- (والرقم كبير جدا إذا ما علمنا أنّ عدد المسلمين في عهد الرسول صلى ‏الله عليه وسلم كان يقدر بـ 124.000 تقريبا)، نقطة انطلاق لانقلاب القيم الإسلامية وللقطيعة مع ‏العقد الأخلاقي التاريخي المبرم في ظل النبي صلى الله عليه وسلم.‏

وقد كتب في “وجهة العالم الإسلامي”: “إنّ تلك القطيعة كانت تحمل في أحشائها مخاضات كل ‏القطائع المقبلة وكل التناقضات السياسية داخل الإسلام… وإذا ما تأملنا الظاهرة من بابها ‏السياسي فقط، فان تلك القطيعة الأولى كانت واحدة من الأزمات التي تغير عبر التاريخ مجرى ‏الإطار المؤسساتي لبلد ما. ولكن يأتي بعدها الوقت الذي لا تجد فيه أثرا لأيّ شخص يريد ‏التمسك بالسلطة أو الاستيلاء عليها أو تكييفها مع المؤسسات الجديدة، وحينئذ تسقط سلطة ‏الملك من تلقاء نفسها وتنكسر كما القوارير أجزاءا أجزاءا فيلتقطها صغار الملوك”.‏

وذلك ما ثبت وتأكد عبر الأيام حتى وان ظلت كلا الحضارتين تواصل سيرها بسرعة دفعتها الأولى، ‏وحققت طوال القرون التي صمدت خلالها انجازات كبرى في المجال العسكري والفكري والمعماري ‏والأخلاقي. ولكن وكأن فيروسا تسلل إلى أجهزتها المناعية وحطم خلاياها الواحدة تلوى الأخرى دون أن ‏تشعر به إلى أن سقط الجسم كله صريعا فاقدا للحياة.‏

ولقارئ الطبري أن يتجلد ويتحلى بالشجاعة حتى يستطيع قراءة رواياته المتعلقة بالجرائم التي ارتكبها ‏مسلمون ضد مسلمين آخرين تدمي القلب وتشل العقل وتبكم اللسان.‏

وستكون شخصيات أخرى من كبار شخصيات الإسلام شاهدة على الأوقات الحاسمة في انحطاط ‏واحتضار البطيء للإمبراطورية الإسلامية. فهذا ابن تيمية سيعيش نهب وسلب التتار لدمشق في ‏القرن الرابع عشر، وهذا ابن خلدون سيرى بأم عينيه نفس الحدث في بغداد على أيدي تيمورلن ‏‏(‏Tamerlan‏).‏

وسيعيش المؤرخ الروماني تاسيت (‏Tacite‏) من جهته صدمة نفسية استمرت معه إلى آخر أيامه، من ‏جراء تقتيل أربعة أباطرة في سنة واحدة، ولم يستطع أن ينجز عمله كمؤرخ إلاّ بكثير من العناء. ومنذ ‏الصفحات الأولى لكتابه: ” شذرات من التاريخ” كتب: “إنّي أباشر عملا خصبا بالرزايا والكوارث ‏والمعارك الفظيعة والفتن وشتى أنواع العصيان والتمرد حيث للسلم أيضا ويلاته وأهواله…”‏

أما مونتسكيو(‏Montesquieu‏) الذي اهتم بدراسة الأمتين، كتب قائلا عن استبداد القياصرة الإثنا ‏عشر

‏(‏Les douze Césars‏) (الاسم الذي حكم به الأباطرة الإحدى عشر الذين جاؤوا بعد يوليوس قيصر ‏

‏(‏Jules César‏) والذين قضى تسعة منهم نحبهم بحد السيف): “لقد بلغت كل الضربات الجبابرة ‏والطغاة ولم تبلغ أبدا الجبروت والطغيان”. وقال عن موضوع الصراعات على السلطان والملك في ‏بلاد الإسلام: “لقد تنافس زعمائهم على الخلافة، ولم تنتج نار حماسهم سوى الفتن بين الناس”.‏

وحتى نتمثل أثار تلك الأحداث على الشعوب والحضارات التي عاشتها بلحمها ودمها، يجب أن نتخيل ‏على سبيل المثال رد فعل الأمريكيين لو ردّ الجنرال كولين باول (‏Colin Powell‏) عندما أقيل من منصب ‏قيادة أركان الجيوش الأمريكية على ذلك القرار بـ…انقلاب عسكري، فينجر عنه حل مجلس الشيوخ ‏والكونغرس وإحلال أسرة حاكمة محلهم ومنع إجراء أيّ انتخابات! ‏

ما الذي كان سيبقى من الولايات المتحدة الأمريكية أو أيّ امة متحضرة أخرى في ظرف مماثل أسبوعا ‏بعد مثل تلك الانتهاكات للقانون والأخلاق؟ ذلك لم يحدث في الولايات الأمريكية وحدث للأسف ‏للمسلمين ثلاثين سنة بعد وفاة نبيهم وللرومان مائتي سنة بعد وفاة روميليس.‏

ولكن إذا كان الرومان قد صمدوا رغم ما حدث إلى غاية سنة 27 قبل الميلاد في ظل نظام سياسي ‏ضعيف، فإنّهم قد ابقوا على الأقل على إمكانية اختيار وانتخاب حكامهم. بينما لم يعرف المسلمون ‏ذلك يوما واحدا منذ سنة 661 م. لانّ الاستبداد لم يفسح المجال أمام الإسلام حتى يؤسس نظامه ‏السياسي. و لم يهتم العلماء- إلاّ من رحم ربك وهم قلة- بشحن الشريعة بقانون عام ودستوري.‏

إنّ مشروع المجتمع الإسلامي كان مسموحا به على المستوى النظري حيث كان يعلم في المدارس ‏ويدرس في المساجد ولكن كحلم ومثل عليا فقط، لأنّه كان ممنوعا من الانجاز والتحقيق.‏

‏ الرومان حافظوا إلى آخر لحظاتهم على مظهر تنظيم ديمقراطي في حين اكتفى الحكام المسلمون ‏باستعمال القوة وشراء ذمم العلماء حتى يستمروا في استبدادهم الذي أصبح ثقافة ورسالة جينية…‏

حتى تحقق المؤسسات أهدافها من حيث المردود والفعالية، يجب أن تتماشى وروح الأُمة التي تريد أن ‏تزرعها في أرضها، كما يجب أن تكون الانعكاس الحقيقي للقيم السارية المفعول في المجتمع المعني بها، ‏و إلاّ فستكون كالسراب يحسبه الظمآن ماءا. وينطبق ذلك أكثر على هيئات إدارة شؤون الأُمة.‏

‏ إنّ القوة لم تكن أبدا قاعدة للقانون وحيثما تأبط شعب رأسه بسبب الصعوبات كان ذلك حتى لا ‏ينشغل إلاّ بمصيره الخاص و مستقبله وينقطع عن كل ما سواها، سجل جان جاك روسو(‏Jean ‎Jacques Rousseau‏) في كتابه “العقد الاجتماعي” (‏Le contrat Social‏) : “إنّ كل ما يفسخ الوحدة ‏الاجتماعية ويزعزعها لا قيمة له، وكل المؤسسات التي تجعل الإنسان يناهض نفسه لا قيمة لها”. ‏وهكذا ومنذ الانقلاب الأموي، بقي الإسلام عالقا بين الذكرى الأبدية والتحقيق المستحيل.‏

عكس الرومان الذين، بزوالهم كحضارة وبانصهارهم في أخرى، تحرروا من مشكلة ضرورة التكيف في ‏عالم لم تلده عبقريتهم. لقد بقي المسلمون يواجهون تناقضا خطيرا: من جهة لم يستطيعوا أن ‏يندمجوا نهائيا في حركة التطور التاريخي، ومن جهة أخرى لم يقدروا بعد على تحديد نظام حياة ‏إجتماعي وإقتصادي وسياسي يليق بهم ولا يتعارض واعتقاداتهم.‏

لا يهتم مواطني غالبية الدول الإسلامية بأنظمتهم السياسية، لان المواطنين لا يرون في تلك الأنظمة ‏تطابقا لا مع النموذج المثالي الذي يسكن ذاكرتهم، ولا مع النماذج المعاصرة ذات الفعالية الكبيرة.‏

إنّ فطرتهم الإسلامية في تصارع مع المكتسب الحديث الذي حولهم. ‏

وقد كتب أحد المستشرقين من ذوي الأقلام البعيدة عن الاندفاع وهو “جب” (‏H.G. Gibb‏) كتابا ‏مشهورا صدر منذ حوالي سبعين عاما تحت عنوان “الاتجاهات الحديثة للإسلام “(‏The Modern ‎Tendencies Of Islam‏) حيث يقول: ” الإسلام دين حي وحيوي.. وليس هو الذي تحجر ولكن ‏صيغه التقليدية ومفاهيمه الدينية النسقية ونظامه الدفاعي الاجتماعي…”.‏

إنّ مخزون الأفكار الذي يريد المسلمون في كل الأقطار والأمصار أن يقتحموا به القرن الواحد والعشرين ‏خاطئ في جزئية كبيرة منه ويعرضهم بالتالي إلى انكسارات أخرى.‏

إنّ للروح الفاسدة التي سكنتهم من جراء قبولهم للانقلاب “الدائم” يدا طويلة في فشل الإرادات ‏الضعيفة 

لمحاولات ” النهضة” المسجلة هنا وهناك. وعليه لا بد من إحداث شرخ وقطيعة مع منطق ‏الهزيمة والفشل.‏

هذا لأنّ السنوات التي تبقت حتى نهاية القرن تشكل الفرصة الأخيرة لعقد روابط جديدة مع الفكر ‏الحديث والمؤسسات العالمية التي بدأت ترسي قواعدها شيئا فشيئا، وإلاّ فسنلحق بالرومان ومن ‏سبقهم في مقبرة الحضارات التي اندثرت كليّا.‏

La Nation” 25 أوت 1993

نشر في جريدة الخبر، “ركن اجتهادات” 26 أوت 1993

موقع الجزائر اليوم 14 ماي 2020

You may also like

Leave a Comment