الراهب و الفقيه

by admin

ترجمة فضيل بومالة

من حسن حظ المسيحيين أنهم انتقلوا من عهود الظلمات إلى عصر الأنوار، ومن سوء حظ المسلمين ‏أنهم عاشوا الحالة العكسية أي من النور إلى الظلمات‎.‎

ألف عام بعد مجيء المسيح بقي المسيحيون على الحالة التي ثقفهم عليها تقريبا، بينما استطاع المسلمون ‏ثلاثين سنة فقط بعد وفاة نبيهم أن يفتحوا كل شبر من العالم القديم.‏

وبمجرد ما حصلت الأمم المسيحية على استقلالها وأصبحت دولا ذات سيادة خلال الفترة الممتدة بين ‏استعادة طليطلة (1085) واستعادة غرناطة (‏‎1492‎‏)، وجدت تلك الأمم نفسها في قلب الحداثة الإسلامية.‏

فراحت تباشر نهضتها وعصرنتها، حيث استحوذت على التراث الإغريقي اللاتيني الذي اكتشفه وقومه ‏المسلمون وأدمجته في رؤيتها للكون. لقد سوت وعدلت رؤاها اعتمادا على العلوم الإسلامية وتحررت ‏من ربقة الاكليروسية القروسطية (‏Cléricalisme Médiéval‏)، ومع احتكاكها بسنن التوحيد، أصلحت ‏أفكارها الدينية وجعلتها لا تتعارض والعقلانية، ومن ثم ركبت المراكب كلها حتى وصلت إلى تلك التي ‏وضعتها قرونا بعد ذلك على سطح القمر.‏

إن هذه النقلة الجبارة، تلك الجهود العظيمة في “الاجتهاد” وتلك الحركية العجيبة قادها رهبان وقساوسة ‏وعلماء وفقهاء كانوا يحملون اسم ألبير الأكبر (‏Albert le Grand‏)، توماس الإكويني (‏Thomas ‎d’Aquin‏)، مارتن لوثر (‏Martin Luther‏)، جان كالفين (‏Jean Calvin‏)، بلاز باسكال (‏Blaise Pascal‏)، ‏أما إلى فترات قريبة غريغور مندل (‏Gregor Mendel‏) وجورج لوماتر (‏George Lemaitre‏) وتيلاردي ‏شاردان (‏Theilard de Chardin‏)‏‎‎وغيرهم‎.‎

غالبا ما كانت تنبلج أنوار اختراعات تقنية من رحم الكنائس والدير كما هي الحال بالنسبة لما صنعته و ‏بإتقان أيادي الرهبان الفرنسيسكانيين (‏Franciscains‏) و البندكتيين‏‎‎‏(‏Benedictins‏) و السيسترسيين ‏‏(‏Cisterciens‏) من فنون و صناعات كإذابة الزجاج و سبك النواقيس و الدباغة …..الخ.‏

الفكرة القائلة أن الكنيسة كانت دائما العدو اللدود للعلم و التقدم هي صحيحة جزئيا‎

فمن الأكيد أنها أعدمت أبرياء وعلماء حرقا كما حدث لميشال سرفي (‏Michel Servet‏) الذي نشر أفكار ‏لابن النفيس حول تقسيم القلب إلى جهة يمنى وجهة يسرى، أو عالم الفلك الايطالي جيوردانو برونو ‏‏(‏Giordano Bruno‏). ‏

ومنعت بالفعل إنشاء قنوات عربية في الجامعات أثناء المجمع الديني لفيينا (‏Concile De Vienne‏) ‏‏(1312) ولكن لا ننسى ما في الكفة الأخرى من الميزان من الأسماء التي ذكرناها آنفا وكذا مئات أخرى ‏ساهمت في هدوء في ذلك التحول العجيب لقيم القرون الوسطى المسيحية إلى قيم حضارية وتنموية.‏

إن مثل هذه التحولات الثقافية والفكرية لا يمكن أن تؤتي أُكلها في جو من الفرحة والسعادة والوفاق، بل ‏من الضرورة أن تتم في خضم الأزمات والانقسامات والتمزق وهدر للدماء، لأنها تجد دائما في السلبية ‏الملازمة للوضع البشري وخوفها المستمر من التغيير ومن المجهول معارضا لها، و لكن المهم أن تتحقق ‏و ترى النور.‏

وهل يُعقل أن النص التالي ذكره، يعود إلى سنة 1260 انه كان من بنات أفكار رجل الكنيسة ؟:‏

‏”سيتمكن الإنسان من بناء سفن تستطيع، بدون جداف و يقودها رجل واحد، أن تندفع كأكبر البواخر ‏البحرية أو النهرية و أسرع من لو كانت تدفع بمئات المجاديف، و ستعرف الإنسانية سيارات لا يجرها ‏حيوان و التي تتحول من حال إلى حال بقوة عجيبة كالمركبة الرومانية في الميتولوجيا القديمة و ‏ستظهر آلات طائرة يقودها رجل واحد وسط أجهزة بارعة تمخر عباب الفضاء كالطائر و ستصمم ‏البشرية آلات بالرغم من صغر حجمها إلا أنها تقدر على رفع و إنزال الأوزان الثقيلة، و كذا أجهزة ‏يمكننا بها أن نسير فوق الماء أو نغطس تحته دون خطر…” (روجيه بيكون (‏Roger Bacon‏) في ‏كتابه ‏Epistula de Secretis Opeibus‏).‏

ففي الفترة التي كان فيها‎‎العالم الديني الانجليزي يرى عبر نظارات عبقريته المدهشة، الواقع الذي لم ‏نعرفه نحن إلا منذ زمن قصير، كانت الحشود المغولية البوذية بقيادة هولاكو تنهب وتخرب بغداد عن ‏آخرها (1258) واضعة الحد النهائي للعباسيين.‏

ولكن الثقافة والعلم الإسلاميين كانا قد لقيا مصرعيهما قبل ذلك حينما كانت السلطات السامية لـ “العلم” ‏و “الفقه” تعمل كل ما في وسعها من أجل إفشال وإحباط الجرأة العقلية ومحفزات البحث، فطُبعت روح ‏المبادرة والاجتهاد تحت تأثيرها بطابع الشك والريبة، ليحل محلها روح ” التواكل ” والسكون.‏

‏ إن الثلاثية التي تشكلها الأعمال المتوالية لأبي حسن الأشعري (توفي سنة 933) وأبي المعالي الجويني ‏‏(توفي سنة 1085) المعروف بـ “إمام الحرمين” وأبي حامد الغزالي (توفي سنة 1111) قد تحاملت على ‏كل مجهود عقلاني قادر على تحرير الإنسان وفكره النقدي.‏‎

عندما استرجعت الأمم الإسلامية المعاصرة استقلالها استفاقت وهي في قلب الحداثة الغربية.‏

فراحت تأخذ المظهر وكأنه الجوهر وتخلط بين نتائج الحضارة وأسبابها ومن ثم سلكت مسلك السهولة ‏والديماغوجية وهكذا أضاعت عشريات ثمينة من عمرها، وحينما برز الفشل للعيان انطفأت جاذبية ‏النخب تاركة بذلك النفوس التائهة للشارع.‏

وبدل مواجهة واقعهم والبحث عن علاج له، راح المسلمون يجهدون عقولهم في البحث عن أحسن السبل ‏والوسائل من أجل استحضار” العصر الذهبي” الذي عرفه أجدادهم الأولون، من أجل ذلك، باشروا ‏إصلاحا (النهضة)، ولكن بما أن ذلك الإصلاح لم يمس الجانب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ولكن ‏فقط بعض الفروع التي لا تسمن ولا تغني من جوع كما هي الحال دائما … كالمرأة والخمر وطريقة ‏اللباس، انتهى مثل الاشتراكية قبله إلى إذكاء روح الشعبوية.‏

وكيف لا والمناظرات قد تأججت نارها بين” القدرية” و “الجبرية” (أهل التخيير وأهل التسيير) وبين ‏‏”السلفيين “و” الحداثيين”. إن البحث العقيم في مسائل الذمة والضمير و ” الكلام ” الذي لا نهاية له، ‏والسباب المتبادل اخذوا مأخذهم في مناخ يطبعه الجهل التام.‏

إن رجل الدين المسيحي و بالرغم من العقبات التي تضعها ديانته في وجهه لتثنيه عن كل اجتهاد، إلا أنه ‏لا يسلم أبدا بل تراه يلقي على العالم نظرات التساؤل و القلق، محاولا فهمه حتى يتحكم فيه بشكل أفضل، ‏حتى في الأوقات التي كان يتعرض فيها للعقاب الشديد من محاكم التفتيش، لم يكن يتردد في التحايل ‏لإيجاد الصيغة المثلى حتى يثبت للآخرين ملاحظاته و اكتشافاته، كما فعل الفيزيائي اليسوعي روجيه ‏بوسكوفيتش (‏Roger Boscovitch‏) في القرن الثامن عشر و الذي سيعرف لاحقا بالرائد الأول لنظريتي ‏الكوانتا (‏Quanta‏) و النسبية (‏Relativité‏).‏

وبالفعل فقد افتتح سنة 1783 أحد كتبه بهذه الحيطة الطريفة حيث قال: ” إنا نكن الاحترام كله لسلطة ‏الكتب المقدسة ومقررات محاكم التفتيش الرومانية، كما نسلم أن الأرض ثابتة لا تتحرك. إلا أنه ‏ولأسباب واضحة هدفها التبسيط الرياضي نجري عملياتنا الحسابية وكأنها تدور”.‏

أما رجل الدين المسلم من جهته، لا يجهل أن كل شيء في دينه يفرض عليه ويحثه على البحث عن العلم ‏وحتى النفاذ من أقطار السنوات والأرض إن استطاع، ولكنه رغم ذلك لا يحبذ أن يرى في الكون سوى ‏علامات القوة الإلهية العظيمة حتى يرتاح أكثر من كل إجهاد فكري وعقلي.‏

وبالرغم من العبء الثقيل للصليب على ظهره وعقبة الخطيئة الأولى ‏‎(Péché originel)‎‏ وقسوة القانون ‏الكنيسي ‏‎(Droit canon)‎، استطاع الراهب أن يكتشف شساعة الكون “لوماتر”(‏Lemaitre‏)، وقوانين ‏الوراثة البيولوجية “مندل” (‏Mendel)‎‏ وأشياء أخرى عبر المراحل التاريخية، بينما لا نستطيع أن نذكر ‏اسم فقيه واحد استطاع أن يساهم في تقدم المعارف العلمية.‏

إن ” العالم ” المعاصر بصفة عامة، وأولئك الذين تكاثروا في بلادنا منذ أكتوبر 1988 بصفة خاصة ‏ومن دون أي دراية بالعلم الحقيقي وبمسائل الاقتصاد والمالية والانجازات التكنولوجية، يعتقدون انه ‏بإمكانهم أن يسيروا إخوانهم في الدين بأساليب الشعور بالذنب،‎‎بتقزيم الإنسان وقمعه بسياط المقدس ‏الذي يعتقدون أنهم ينفردون بأسراره وأحكامه.‏

إن هؤلاء الرجال، وبهذا التخصص لا ينفعون الأمة في شيء في الظروف الدولية الحالية لأنهم لا ‏يضيؤون الطريق أمامها في متاهات العالم المعاصر بل على العكس من ذلك يؤخرون سيرها وتكيّفها. ‏واليوم يكفي أن ترتدي لباسا معينا وشيئا من الفصاحة حتى تصف في مصاف ” العالم” وبإمكانك أن ‏تهيج في ظروف معينة حشود المؤمنين التي بمجرد ما تفلت من قبضة تلك الجاذبية المغناطيسية تجد ‏نفسها في عالم آخر لا صلة له بالذي تُزينه له الخطب والخطابات يوميا. إن الهوة بين هذا الرجل ‏والواقع أصبح واضحا وليس أدل على ذلك من أن الشارع قد عقل ذلك وانتهى إلى استبداله بأول قادم ‏صادفه في طريقه.‏

إن المسلمين في عصرهم الذهبي كانوا فخورين كل الفخر حينما كانوا يواجهون الديانات الأخرى بحقيقة ‏إنهم لا يملكون أي مؤسسة وسيطة بين الله وبينهم وبين العقيدة وحرية إرادة الفعل، ولكن هذه الميزة ‏فُقدت إذا ما نظرنا إلى الفرقة العميقة التي تميز المسلمين من بلد إلى آخر وداخل البلد الواحد نفسه حتى ‏لا نقول داخل الأسرة الواحدة، إن الإسلام قد أصبح في غياب المؤسسات المجمع عليها والقواعد التي ‏يتفق عليها الكل فريسة للمزايدات و الشعبوية.‏

قضايا خطيرة تُطرح، بلاد بكاملها تنزلق شيئا فشيئا نحو الحرب الأهلية، ولا أمل في حل نهائي يلوح ‏في الأفق، إلاّ ربما ما تشير إليه هذه المقولة التي تنسب إلى الإمام مالك، والتي لا يستبعد أن تكون من ‏وحي النبوة: ” لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها “.‏

la nation” 11 أوت 1993

نشر في جريدة الخبر، ركن “إجتهادات” 12 أوت 1993

موقع الجزائر اليوم 11 ماي 2020

You may also like

Leave a Comment