ترجمة ساعي عايـــدة
هذه هي المرة الثانية في حياتي التي تطأ فيها قدماي مركز الشرطة. أوّل مرة كان سنة 1971، على إثر مقال لاذع نشرته في أعمدة جريدة “المجاهد” بتاريخ 24 نوفمبر 1971 تحت عنوان ” الطيب، الصحافة و الشرير”(«Le bon, la presse et le truand). بالتأكيد، ترك توظيفي لكلمة ” الشرير”(truand) أثرا في حياتي.
تنقلت إلى الطابق السادس من قسم الشرطة المركزي بمرافقة السيّد كمال بلقاسم، الذي كان رئيسالقسم أين نُشر مقالي. وبينماهممنا بالدخول إلىمكتب”صلاح فيسبا” المرعب، الذي يُجمِّد مجرد ذكر اسمه الدم في شوارع الجزائر العاصمة في تلك الفترة، نظر إلى كمال وقال: “أين السيّد؟”فأجاب مشيرا إليّ: “هذا هو”.
لم يستطع الرجل ذو العيون الثاقبة إخفاء دهشته. كنت شابًا في الحادية والعشرين من العمر، ولم أكن أبدو حتى في تلكم السّن. تركنارئيس الشرطة المُهاب نأخذ أماكننا في صالون مكتبه الواسع، وقدم لنا القهوة قبل أن يبادرني بالسؤال: “هل أنت من يكتب شخصيًّا؟ ألا يوجد من يوجهك؟ “.
و لا يزال هذا السؤال يُطرح بعد مرور سبعة وعشرون عامًا!) أمّا اليوم فأقول بعد مرور 50 سنة! (
يوم الاثنين، وأنا في طريقي لتلبية استدعاء الشرطة القضائية، ذهبت بأيدي خاوية. لكن اليوم، حرصت على أخذ بعض الأوراق ووضعتها في ثنايا عدد من مجلة ” العلم والحياة” (Science etVie) مع قلم، تحسبا لاحتمال أن تطول فترة احتجازي لدى الشرطة، أو أن تتحول إلى حبس احتياطي.
تشير الساعة إلى التاسعة صباحًا. منذ البداية، صرحت لمحافظ الشرطة الذي استمع لأقوالي ودوّنها في محضر في اليوم السابق، بمساعدة اثنين من موظفي مصلحته: “لن أضيف شيئًا إلى ما قلته بالأمس، وأنا أتحمل مسؤولية كتاباتي بالكامل. أقدم لك الآن إجابتي الوحيدة على جميع الأسئلة التي ستطرحها على اليوم: ليس لدي المزيد لأقوله”.
كان سلوك ضباط الشرطة مهذبًا كما في جلسة الاستجواب السابقة، تم تقديم القهوة والشاي حسب الرغبة، وكان الجو العام هادئا، لكن ضوضاء القطارات التي تمُرّ في الجوار تصّمُ الأذان. بدأ المحافظ بإملاء “الفقرات المختارة” من كتاباتي لمتابعتي قضائيا إلى العامل المسؤول على طبع المحضر على الكمبيوتر. كل نصوصي كانت هناك منشورة على طاولة منخفضة. فقلت في نفسي سيكون الامتحان طويلاً.
حينها أخرجت الأوراق من مجلتي وبدأت في الكتابة، وأنا أُكرّر ردي.
نادرا ما يأتي الإلهام في مركز الشرطة. قررت الانسحاب بعقلي من المكان الضيق والمليء بالدخان والذي جمعنا وكنا أربع أشخاص. حسنا تمّ، لقد هربت!
سريعا، استحوذ عليّ الضحك: كنت أعبر عن نفسي كتابيًا عندما كان من يتابعونني يستخدمون الهاتف: الكتابة هو عمل عقلي واضح يمكن قراءته بعيون خبير قانوني دقيق: يمكن استخراج فقرات، عزلُها عن سياقها ثم قلبها ضد مؤلفها. عاد خيالي بالزمن إلى الوراء: لم يكن فولتير، وخليل جبران، وبرنارد شو، وغيرهم، ليوجدوا أبدًا لو تعاملوا فقط مع المدعين العامين والمحققين والموثقين.
يمكن إذن تحويل عمل عقليٌّ فكريٌّ إلى شكوى، إلى أعمال إجرامية تستحق العقاب. لطالما كان الهجائيون والصحفيون وأصحاب الرأي مجرمين بطريقتهم الخاصة. ألم يقل أحد منهم وهو يفكر في هذه المؤسسة “السجن معتكف الصالحين”؟
عندما كنت أستمع إلى المحافظ وهو يملي مقتطفات مقالي، تساءلت: حررت “أعمالي الإجرامية” باللغة الفرنسية وترجمتها إلى اللغة العربية والتي تُستخدَم كأساس لمقاضاتي. هل سيقدم المترجم بدوره للعدالة في حالة الاختلاف حول معنى كلمة أو عبارة؟
طلب مني المحافظ إثبات أقوالي، وسألني هل كانت مجرد تعبير مجازي أو استعارات بسيطة.اذن تطالبني العدالة أن أُثبت أن كل شوارع الجزائر مدمرة فعليًا، وأن كل الجزائريين غير سعداء حقًا، وأنه تم توزيع فيلات موريتي بالمجان تقريبا، وأن هناك مشاكل في الجمارك، وأن الانتخابات قد تم التلاعب بها، وأن البلد معرض للانفجار، وأني لست ضد استقلال الجزائر، وأنّ اليوم هو يوم الثلاثاء، وأنّ النور يأتي من الشمس، وأنّ الله موجود …
من الذي سيتمكن الآن من كتابة أو وصف أو رسم أو نشر ما يفكر فيه الناس من حوله دون أن يُعرِّض نفسه لخطر الزنزانة؟
هل يجب في كل مرة أن يذهب كاتب هجاء ملهم أو سياسي أو كاتب أدبي، ليقدم نصه إلى النيابة قبل نشره لضمان عدم استعماله ضده؟ إذن من أين يمكن أن يبرز رجال ونساء ذوو ألباب والذين تفتقر إليهم الجزائر، الرجال والنساء الذين نفتقدهم كثيرًا، الروائيون العظام، المرشحون الجزائريون المستقبليون لجائزة نوبل للآداب؟
تشير الساعة الآن إلى الثالثة بعد الظهر. لقد تعبت من الجلوس منذ التاسعة صباحًا. يقترب الاستجواب الذي تخللته إجابتي بـ “ليس لدي ما أضيفه” من نهايته.
أغلق المحافظ تقريره وكذلك فعلت بتقريري. سيوجه تقريره إلى المدعي العام، بينما سأوجه تقريري إلى الجمهورية.
طلب مني التوقيع على تقريره، لكني لم أطالبه بالمثل بالنسبة لتقريري.
لقد كتبت هذه الأسطر في مقر الشرطة القضائية المِضياف جدا. سأكتب عندما أكون في السجن، سأكتب عندما أخرج منه، سأكتب في الآخرة عن بيتشين (Betchine)، أويحيى وبن صالح الذين سألتقيهم هناك إذا قرر الله أن يلقي بنا في نفس “الورطة”.
ماذا؟ حتى هناك لن يكون هناك عدالة؟ طمأنتني فكرة للتو: سعيد مقبل وطاهر جاووت سيساعدانني بلا شك. أراكم قريبًا مع “رسائلنا من السجن” و ” تدويناتنا من تحت القبر”.
كانت جريمة الرأي هي الأكثر قمعًا في عهد “الديمقراطية”. في عهد بومدين، ما عدا القصة التي أوردتها، مُنعت من الكتابة في الصحافة (من سنة 1973 إلى 1979)، لكن لم يتم محاكمتي. فكر حمزة بوبكر، والد رئيس مسجد باريس الحالي، جديّا في رفع دعوى ضدي سنة 1972، بسبب “مقال لاذع” آخر، لكن الأمور لم تذهب بعيدًا. قبل ذلك بعام، كان ماكسيم رودنسون هو الذي رد بحدة في الفقرة الأولى من كتابه “الماركسية والعالم الإسلامي” بعد مقال كنت قد كتبته ضده في ديسمبر 1971.
في عهد الشاذلي، كنت أحيانًا أزلزل أسس الحزب الواحد بكتاباتي، وبالرغم من ذلك لم أُحل إلى القضاء. كانوا يكتفون بالنزول علي بنيران حملات صحفية، ومنها التي تشن ضدي حاليا من قبل”الصحافة العمومية” وعدد قليل من”الكومبارس”.
في عام 1990، أحالتني وزارة الدفاع الوطني إلى المحكمة بعد تصريح أدليت به في تجمع حاشد. استقبلني رئيس محكمة بئر مراد رايس شخصيا وقدم لي القهوة قبل أن أبدأ جلسة الاستماع الخاصة بي. لم يكن لدي أكثر من الأدلة التي أحوزها اليوم كي أدعم تصريحاتي.
وعلى العكس من ذلك، عرفت في عهد زروال استدعاءات واستجوابات الشرطة. كانت صورته الرسمية المعلقة على الحائط تقابلني. كنت منافسًا له في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر 1995، وكنت قد هنأته قبل الانتخابات وبعدها. ومن مقر الشرطة القضائية، أكرر تهنئتي له، لكن هذه المرة بصفته القاضي الأول في البلاد.
في إحدى رواياته، كتب كرونين (Cronin)عبارة، أحاول استحضارها من سجل ذاكرتي باعتبار أنها قراءة قديمة من ريعان شبابي: “العدالة صُنعت لطمأنه أولئك الذين لا علاقة لهم بها.”
كان كرونين يتحدث عن بلده إنجلترا. أما بالنسبة لي، فإنهم “سيثبتون” لي أن مثل هذه الفكرة لا يمكن أن تخطر على البال الجزائري دون أن يتعرض كاتبها نفسه لإجراءات قانونية قاسية … لأنه لا يوجد ما يبررها لدينا.
(نشر المقال مجموعة من الجرائد الناطقة باللغة العربية و الفرنسية في 24 يونيو 1998)
