لَا يُعْرَفُ مِن الوَصَايَا الأَخِيرَةُ لِلرئيس الراحل اليَامِينِ زَرْوَال إِلَى حَدِّ الآنِ سِوَى وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الأَكْثَرُ إِثَارَةً وَالأَكْثَرُ غَرَابَةً: وَهِيَ رَغْبَتُهُ فِي أَلَّا يُدْفَنَ فِي المُرَبَّعِ الرَّسْمِيِّ لِمَقْبَرَةِ العَالِيَةِ، حَيْثُ يَرْقُدُ، دُونَ اسْتِثْنَاءٍ، جَمِيعُ رُؤَسَاءِ الدَّوْلَةِ الَّذِينَ تَعَاقَبُوا عَلَى الجَزَائِرِ المُسْتَقِلَّةِ.
هَذِهِ الوَصِيَّةُ الأَخِيرَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِالضَّرُورَةِ بِوَصَايَا أُخْرَى كَانَتْ وَرَاءَهَا، وَالَّتِي، لِعَدَمِ مَعْرِفَتِنَا بِهَا، نُضْطَرُّ إِلَى البَحْثِ عَنْهَا أَوْ تَخْمِينِهَا.
لِمَاذَا هَذَا الطَّلَبُ الأَخِيرُ الصَّادِرُ عَنْ رَجُلٍ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِالمَوْتِ بِسَبَبِ مَرَضِهِ؟ مَا الرِّسَالَةُ الَّتِي أَرَادَ زَرْوَالُ أَنْ يَتْرُكَهَا مِنْ بَعْدِهِ؟هَلْ أَرَادَ أَلَّا يَكُونَ وَاحِدًا مِنَ المَدْفُونِينَ فِي المُرَبَّعِ الرَّسْمِيِّ بِمَقْبَرَةِ العَالِيَةِ؟ هَلِ اخْتَارَ النِّسْيَانَ المَحْتُومَ، وَمَحْوَ الذِّكْرَى، بَدَلَ أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْهِ فِي أَعْيُنِ الأَجْيَالِ القَادِمَةِ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ؟وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ المَكَانَ يَضُمُّ شَخْصِيَّاتٍ أُخْرَى غَيْرَ رُؤَسَاءِ الدَّوْلَةِ، مِنْ بَيْنِهِمُ الأَمِيرُ عَبْدُ القَادِرِ وَبَعْضُ “الرُّمُوزِ التَّارِيخِيَّةِ” لِثَوْرَةِ نُوفَمْبَر.
هَلْ كَانَ يَخْشَى لِقَاءَ اللَّهِ إِذَا انْطَلَقت روحه مِنْ مَقْبَرَةِ العَالِيَةِ، وَكَأَنَّ المَكَانَ أَصْبَحَ مَشْبُوهًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ؟هَذَا يَعْنِي أَنَّهُ رُبَّمَا رَأَى أَنَّ العَالِيَةَ لَنْ تَضْمَنَ لَهُ الرَّاحَةَ الأَبَدِيَّةَ، وَأَنَّهُ مِنَ الأَفْضَلِ لَهُ أَنْ يُدْفَنَ بَيْنَ أَهْلِهِ فِي مَقْبَرَةِ مَدِينَتِهِ الأَصْلِيَّةِ الَّتِي اخْتَارَهَا مَثْوَاهُ الأَخِيرُ.
مَنْ يَسْتَطِيعُ الإِجَابَةَ عَنْ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ المُحَيِّرَةِ؟ أَوْ تَقْدِيمَ تَفْسِيرٍ مُقْنِعٍ لِمَا يُعَدُّ بِلَا شَكٍّ خُرُوجًا عَنْ التَّقَالِيدِ المُقَدَّسَةِ لِلسُّلْطَةِ الجَزَائِرِيَّةِ، وَاعْتِبَارُهُ تَحَدِّيًا لَهَا، وَتَنَصُّلًا عَلَنِيًّا مِنْ رُمُوزِهَا، وَانْسِحَابًا فِي آخِرِ لَحْظَةٍ؟صَحِيحٌ أَنَّ حُسَيْنَ آيتْ أَحْمَدَ سَبَقَهُ إِلَى هَذَا الرَّفْضِ قَبْلَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، لَكِنَّهُ كَانَ دَائِمًا مُعَارِضًا لِـ “النِّظَامِ”، وَ مُنْسَجِمًا مَعَ مَسَارِ حَيَاتِهِ، وَلَمْ يُفَاجِئْ أَحَدًا.
فَهُوَ لَمْ يَرْفُضْ هَذَا “الشَّرَفَ” الَّذِي كَانَ يَرَاهُ إِهَانَةً فَقَطْ، بَلْ إِنَّ مَنْطِقَةَ القَبَائِلِ مَنَعَتِ الوَفْدَ الرَّسْمِيَّ الَّذِي أُرْسِلَ مِنْ قِبَلِ السُّلْطَةِ (بَنْ صَالِح، رَئِيسُ مَجْلِسِ الأُمَّةِ، وَسَلَّال، الوَزِيرُ الأَوَّلُ) مِنَ الوُصُولِ إِلَى مَكَانِ الدَّفْنِ. أَمَّا فِي حَالَةِ زَرْوَال، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ، بِاسْتِثْنَاءِ دَائِرَتِهِ المُقَرَّبَةِ ربما، يَتَوَقَّعُ ذَلِكَ.
لَقَدْ عَرَفْتُ الرَّجُلَ قَلِيلًا، لَكِنْ لَا أَمْلِكُ تَفْسِيرًا لِهَذَا القَرَارِ الَّذِي يُعَدُّ الأَهَمَّ فِي حَيَاتِهِ بَعْدَ قَرَارِهِ الِانْضِمَامِ إِلَى صُفُوفِ الثَّوْرَةِ التَّحْرِيرِيَّةِ وَهُوَ فِي مُقْتَبَلِ شَبَابِهِ.هَلْ رَأَى فِيهِ نَوْعًا مِنَ التَّوْبَةِ العَمِيقَةِ، مَدْعُومَةً بِإِرَادَةٍ قَوِيَّةٍ لِلتَّطَهُّرِ الذَّاتِيِّ، لِأَنَّهُ وَجَدَ نَفْسَهُ مُتَوَرِّطًا فِي صِرَاعَاتِ سُلْطَةٍ كَانَتْ أَحْيَانًا قَذِرَةً وَحَتَّى دَمَوِيَّةً؟
لَقَدْ حَدَثَ أَنْ غَادَرَ السُّلْطَةَ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا بَعْدَ فَتْرَةٍ، فِي مَنْصِبٍ أَوْ آخَرَ. لَكِنْ هَذِهِ المَرَّةَ، كَانَ الأَمْرُ بِمَثَابَةِ تَسْوِيَةٍ نِهَائِيَّةٍ: مُغَادَرَةُ الحَيَاةِ، وَالتَّخَلِّي عَنِ الأَوْسِمَةِ وَالتَّارِيخِ، وَتَبْدِيدُ كُلِّ شَيْءٍ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ.
الجَوَابُ يَكْمُنُ فِي أَعْمَاقِ نَفْسِيَّتِهِ، إِذْ كَانَ الرَّجُلُ حَسَّاسًا، سَرِيعَ الِانْسِحَابِ وَالقَطِيعَةِ، وَيَمِيلُ إِلَى الغَضَبِ الطَّوِيلِ إِذَا شَعَرَ أَنَّ كَرَامَتَهُ قَدْ مُسَّتْ.نَعَمْ، مِثْلَ بُومَدْيَن، كَانَ يَحْتَفِظُ بِـ “ذَاكِرَةِ الإِهَانَاتِ”، كَمَا تُعَبِّرُ عَنْهَا الحِكْمَةُ الشَّعْبِيَّةُ الفَرَنْسِيَّةُ فِي قِصَّةِ “بَغْلَةِ البَابَا الَّتِي تَحْتَفِظُ بِرَكْلَتِهَا سَبْعَ سَنَوَاتٍ”.
فِي هَذَا المَلْجَإِ الآمِنِ، فِي هَذِهِ القَلْعَةِ الحَصِينَةِ، فِي هَذَا الحَرَمِ، كَانَ زَرْوَالُ يَشْعُرُ دَائِمًا بِالأَمَانِ، مَحْمِيًّا مِنَ الجُرُوحِ المَعْنَوِيَّةِ الَّتِي قَدْ تَمَسُّ صُورَتَهُ الذَّاتِيَّةَ، وَمِنَ الإِهَانَاتِ الَّتِي قَدْ تَطَالُ كِبْرِيَاءَهُ الشَّاوِيَّ.
