لا عُمْرَ يَلِيقُ بِالْمَوْتِ، وَلَا لَحْظَةَ تُهَيِّئُ لَهُ الْقُلُوبَ؛ لَا لِمَنْ يَرْحَلُ، وَلَا لِمَنْ يَتْرُكُ لَهُمْ وَجَعَ الْفِرَاقِ.
فِي فَجْرِ هَذَا الْجُمُعَةِ، 24 أَفْرِيلَ 2026، عِنْدَ السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ صَبَاحًا، انْطَفَأَ نُورُ رَجُلٍ فِي صَمْتٍ مَهِيبٍ… رَحَلَ بِهُدُوءٍ يُشْبِهُ صَفَاءَهُ، وَبِانْتِظَامٍ يُشْبِهُ حَيَاتَهُ، كَأَنَّهُ يُغَادِرُ الدُّنْيَا كَمَا دَخَلَهَا:مُسْتَقِيمًا، ثَابِتًا عَلَى الطَّرِيقِ الْقَوِيمِ، مُطْمَئِنًّا إِلَى أَنَّهُ أَدَّى الْأَمَانَةَ، وَوَفَّى بِمَا عَلَيْهِ تُجَاهَ رَبِّهِ، وَوَطَنِهِ، وَكُلِّ مَنْ مَرُّوا فِي دَرْبِهِ. هو السيد بوكروح عمار.
تتَزَاحَمَ فِي الذِّهْنِ فِكْرَتَانِ لِتَفْسِيرِ اخْتِيَارِ هَذَا الْيَوْمِ بِالذَاتِ: إِمَّا لِأَنَّهُ يَوْمُ عُطْلَةٍ لِتَقْلِيلِ مَا قَدْ يُسَبِّبُهُ الرَّحِيلُ مِنِ اضْطِرَابٍ، أَوْ لِأَنَّهُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الْمُبَارَكُ لِمَا لَهُ مِنْ تَوْقِيرٍ دِينِيٍّ عِنْدَنَا. وَبِمَا أَنِّي أَعْرِفُ مِنْ تَوَاضُعِهِ مَا أَعْرِفُ، أَمِيلُ إِلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ.
كَانَ مِنْ طِينَةِ أُولَئِكَ الْجَزَائِرِيِّينَ الْأَوَائِلِ… رِجَالٍ صَنَعَتْهُمُ الْقُرُونُ، مِنْ عُمْقِ التَّارِيخِ إِلَى فَجْرِ الِاسْتِقْلَالِ، رِجَالٌ تَشَبَّعُوا بِالْإِيمَانِ حَتَّى صَارَ يَقِينًا، وَحَمَلُوا الْكَرَامَةَ رَايَةً تَعْلُو فَوْقَ كُلِّ اعْتِبَارٍ.
كَانُوا كَالصُّخُورِ… صُلْبَةً فِي قِيَمِهَا، بَسِيطَةً فِي مَظْهَرِهَا، شَامِخَةً فِي مَعْنَاهَا، قَائِمَةً فِي وَجْهِ الزَّمَنِ كَآثَارٍ لَا يُعْرَفُ لَهَا بَدْءٌ وَلَا تُضَاهَى فِي ثَبَاتِهَا.
حُكَمَاءُ يُعَلِّمُونَ بِصَمْتِهِمْ أَكْثَرَ مِمَّا تَنْطِقُ بِهِ كَلِمَاتُهُمْ، وَيَخْتَصِرُونَ الْحِكْمَةَ فِي مَوَاقِفَ لَا تُنْسَى.
قُدْوَاتٌ يُهْتَدَى بِهَا، كُنَّا نَرَاهُمْ فِي الْبِدَايَةِ شِدَادًا، قُسَاةً فِي أَعْيُنِنَا، لَكِنَّنَا مَا لَبِثْنَا أَنْ أَدْرَكْنَا، مَعَ مُرُورِ الْأَيَّامِ، أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى صَوَابٍ… وَأَنَّ عَدْلَهُمْ كَانَ أَعْمَقَ مِنْ قَسْوَتِهِمْ، وَأَصْدَقَ مِنْ كُلِّ لِينٍ زَائِفٍ.
لَوْ طُلِبَ مِنِّي أَنْ أَخْتَارَ كَلِمَةً وَاحِدَةً فِي لُغَةٍ مَا لِأَخْتَصِرَهُ فِيهَا، لَمَا تَرَدَّدْتُ فِي اخْتِيَارِ كَلِمَةِ: «الِاسْتِقَامَةِ»، بِمَعْنَاهَا الْحَرْفِيِّ وَالْمَجَازِيِّ.
لَهُ الْفَضْلُ فِي كُلِّ مَا هُوَ صَالِحٌ فِيَّ… أَمَّا مَا سِوَاهُ، فَهُوَ مِنْ ضَعْفِي وَتَقْصِيرِي.
أَحَدُ أَبْنَائِهِ.
