I) الوضع:
إن الجزائر في حرب على نفسها بطبعها الانقسام عموديا (بين السلطة والشعب) وأفقيا ( بين الإسلاميين والإستئصاليين والمصالحين والمعتدلين) وما من يوم يمر إلا واقتربت أكثر فأكثر من الانهيار الأعظم.
المؤسسات الشرعية والقانونية غائبة تماما. وما بقي للسلطة من شيء تعض عليه بالنواجذ في نظر المواطنين سوی عصبة قتالية. إن القوى النظامية أصبحت عاجزة عن تأدية رسالتها المدنية والعمومية كونها أضحت منشغلة بالمهام الأمنية وبالدفاع عن نفسها. الأمر الذي فتح المجال واسعا أمام السلوكات الإجرامية لكل من هب ودب..
الاقتصاد تخرب والضغوط الاجتماعية في تزايد. انخفاض أسعار البترول أفسدت كل الحسابات. وسيعترف بتوقيف تسديد المديونية وبالتالي ستتم الموافقة على سياسة التسوية الهيكلية التي سترمي بمئات الآلاف من البطالين الجدد وبالضرورة ستنخفض قيمة الدينار وستلهب النيران في الأسعار. أما النداءات المتكررة إلى المجتمع الدولي فمازالت بدون صدى لأن غياب سلطات شرعية بإمكانها أن تدفع الجزائر إلى المستقبل فعليا وعلى المدى البعيد يحول دون التزام هذا الأخير جديا. إن اغتيال الرعايا الأجانب سيمنع أبدا كل رغبة أجنبية من الاستثمار في الجزائر بل أن هنالك بعض الدول التي بدأت في إعادة مواطنيها إلى بلادهم.
إن المأزق الأمني و المأزق الاقتصادي يلتقيان لأبعاد كل أمل في تجاوز الوضع. والهروب من البلاد فرض من استطاع إليه سبيلا. والشك يسكن كل النفوس حول إمكانية استمرار الدولة والأمة الجزائرية. ما ما العمل؟
II) الاستراتيجيات الحالية
1-المجلس الأعلى للدولة:
ضيع على الأمة سنتين ثمينتين حل خلالها الجبهة الإسلامية في الوقت نفسه أغلق الأبواب على الأحزاب الأخرى فمنعها من كل إمكانية في العبير تاركا بذلك الشعب يهيم دون أية قناة تعبر عنه سیاسيا. و في اليوم الخامس عشر قبل انتهاء عهدته لم يجد بعد من يخلفه ولم يسمح لأي حل أن يفرض نفسه.
إن المجلس الأعلى للدولة مازال يمارس إستراتيجية الانتظار والمراهنة على المستقبل الذي يسميه المرحلة الانتقالية الجديدة من دون أن يتساءل ما جدوى تلك التي سبقت وإلى أي مدى ستتم عملية اقتسام السلطة عبر المفاوضات و الاتفاقات المشبوهة.. من الذي سيضمن أن الجزائر ستستطيع مصارعة البقاء بالمؤقت والانتقالي؟
2- الجبهة الإسلامية المنحلة:
قد لجأت إلى الكفاح المسلح العلني بعدما تم حلها. و الحقيقة أن بعض مطالبها شرعي ويمكن قبوله ولكنها لا تستطيع أن تحققها باستعمال العنف. كما انه لا يمكنها أبدا أن تفرض نفسها على المجتمع كله بالقوة.. فهل ستقتل الآلاف من المواطنين وتحطم الاقتصاد وتدوس الوحدة الوطنية. و لنفترض أنها بعد ذلك استطاعت الوصول إلى الحكم فإنها لن تصبح إلا على أصواب عنف آخر، وإرهاب آخر سيحلان محلها في المدن والجبال بينما هي ستحاول استخدام ما تبقى من الدولة الجزائرية لمكافحة ذلك. ومادامت الجبهة الاسلامية للإنقاذ لا تعبر عن نفسها إلا بلغة السلاح فإننا لا نعرف مطالبها جيدا.
3-المجلس التأسيسي:
الذي ستكون مهمته في تحرير دستور ديمقراطي نابع من الإرادة الشعبية، يجب أن يمر بانتخابين تشريعيين في بضعة أشهر تتخللهما أو تتبعهما بالضرورة انتخابات رئاسية.إن البلاد ليست مؤهلة لخوض ثلاثة انتخابات متتالية غير مضمونة النتائج. إن هذه الإستراتيجية تولد تعقيدات جديدة بدلا من أن نضع حدا لتلك التي تعاني منها. وكل انتخاب يقتضي عددا كبيرا من المرشحين على مستوى كل الدوائر
الانتخابية سيكون في صالح الراديكالية و الجهوية ضف إلى ذلك أن مجلسا تأسیسیا بدون رئيس الدولة لينصبه ويعين رئيس الحكومة ليس بإمكانه أن يحل شيئا.
4-الاستئصال بالقوة لكل تعبير إسلامي في الجزائر هو أمنية تم العمل على انجازها منذ سنتين ولكن من دون نتيجة تذكر.
وهنا لا نتحدث عن كفاءة و إخلاص وتضحية قوات الأمن، ولكن عن تلك الإستراتيجية المدعمة من قبل “جمهوريين” يرفضون مضمون الجمهورية وراحوا يمارسون عن طريق صحف وسيطة ضغوطات على الجيش وحتى يقنعوه بضرورة توليتهم السلطة وتنفيذ سياسة الاستئصال حيال كل المطالب المتعلقة بالإسلام و الأمر أن هذا الخيار لن يحقق السلم في الجزائر لأنه لا يقترح شيئا آخر سوى فرض أقلية على أغلبية مناهضة لها ومستعدة لامتهان العنف.
III) إقتراحات حزب التجديد الجزائري
إنها تنشد الخروج التدريجي والهادئ من الانسداد والحفاظ على كرامة الجميع وصيانة حقوق كل واحد،
ولن تفرض على أية جهة أية تنازلات غير معقولة. أنها تعمل من أجل قطيعة فعلية وسليمة دون اللجوء إلى روح النار. و أخيرا إعادة السيادة للأمة. إن هذه الاقتراحات تهدف إلى التحضير إلى العودة إلى الاستقرار والسلم المدني بعقد انتخابات رئاسية (في جوان 1994) ثم انتخابات تشريعية ( في ديسمبر
1994 أو مارس 1995) وأخيرا انتخابات بلدية في جوان أو سبتمبر 1995.
1- لماذا الرئاسيات أولا؟
لأنها تأتي في وقتها ( نهاية العهدة الرئاسية التي باشرها الشاذلي وواصلها المجلس الأعلى للدولة) لأنه
من المستحيل تقيم انتخابات تشريعية دون اعتبار الانتخابات السابقة، أو شغور السلطة الرئاسية لأنه
السبيل الوحيد الذي بكن تسييره والذي يمكننا من العودة على المدى المتوسط إلى طبيعة الأشياء. لأنها تمنح لكل تیار سياسي إمكانية احتلال مكانه الطبيعي في الساحة السياسية الوطنية، لأنها ستكون مسؤولية على عاتق الشعب وستجبره على اختيار مصيره بكامل وعيه. لأنها ستجبر التيارات السياسية على التكتل والتحالف في الدور الثاني، لأنها ستمنح الجزائر مصداقية دولية من خلال مثلها الأول الشرعي والقانوني.
لأنه لا مجال لأي حزب سياسي أن يرفض المشاركة في الاقتراع لان نتائجها ستكون مختلفة عن تلك التي
تؤول إليها الانتخابات التشريعية التي ستخضع للمؤثرات المحلية والقبلية و الجهوية والحزبية، وليس للرهانات الوطنية. لأن البلاد ستصبح أكثر انسجاما حيث سيتضح عنوان أهل الشرعية والقانونية والسلم من جهة، ومن جهة أخرى دعاة الفوضى والفتنة والتطرف. لأن قيمة المترشحين ستكون حاضرة حضور الأحزاب التي ستقترحهم.
2- كيف تنظم الرئاسيات؟
يقدم المجلس الأعلى للدولة بصفة عادية أوراق نهاية عهدته للمجلس الدستوري. وعلى هذا الأخير أن
يتصل بالمجلس الأعلى للأمن ويتفقان بصفة استثنائية على تعيين هيئة ( لفترة قصيرة إلى غاية
الانتخابات) ذات طابع رئاسي تتشكل من عدد محدود من الشخصيات من الجيش والقضاء والساحة السياسية، أو من المجتمع. أن صلاحيات هذه الهيئة الظرفية تتوجه كلها نحو تنظيم انتخابات رئاسية عادية، وما أن تتشكل حتى تباشر اتصالاتها مع الأحزاب السياسية والممثلين الذين يحظون بمصداقية في الجبهة الإسلامية للإنقاذ ويتم التشاور مع الجميع حول تشكيل حكومة انتقالية تتكفل بالحفاظ على النظام و الأمن وتسيير الشؤون الجارية وتحضير الانتخابات الرئاسية. ويمكن للجنة مراقبة للانتخابات وطرق التحضير لها أن تنجم من تلك الاستشارة ويتعلق الأمر أساسا بتحديد التاريخ والمعايير التي يجب أن تتوفر في كل مترشح، والالتزامات التي يتعهد بها كل حزب سياسي، وطريقة التمويل وكذا استعمال وسائل الإعلام العمومية.. الخ.
و من بين الشروط يمكن أن نتصور أن كل الأحزاب السياسية يجب أن تعقد مؤتمرات استثنائية تعلن فيها
عن قبولها للالتزامات التي تعهدت بها قياداتها ( رفض العنف، الدولة الجمهورية، التناوب على السلطة
عن طريق الانتخابات، احترام الحريات والمعارضة القانونية…..
وتعين فيها أمام الملأ مرشحيها الخ… ويمكن لممثلي الجبهة الإسلامية المنحلة أن تقدم طلب اعتماد حزب سیاسي جديد لدى الإدارة المعنية، والحزب الجديد هو الذي سيتكفل بالمطالب التي يراها من حقه و بإمكانه الدفاع عنها ( إطلاق سراح معتقلي الرأي، تخفيف الأحكام، العفو.. الخ)
و عليه أن يحترم الالتزامات التي وضعتها اللجنة المكلفة بالإشراف على الانتخابات. يعقد مؤتمره التأسيسي ويعين علانية قيادة له ومرشحا عنه للانتخابات الرئاسية. ومن الجهة الأخرى يجب فتح وسائل الإعلام العمومية للمناظرات حول الرهانات الكبرى القادمة حول نتائج السلوك الانتخابي للمواطنين وحول الضرورة الحاسمة لوضع حد نهائي للعنف. وتنظم مباشرة مساجلات بين مختلف المترشحين كما يمكن المطالبة بحثية احترام نتائج الانتخابات مهما كانت طببنها، ومن الممكن أن تتحالف الأحزاب وتتفق حول استراتيجيات الترشحات المشتركة حتى نتجنب نبعثر الأصوات الإنتخابية.
IV) من سكون الرئيس الجديد؟
سيكون قبل كل شيء الهدف الأمثل لدعاة العنف، وسيكون الرجل الأول المتمتع بالشرعية والقانونية والذي اختاره الشعب حقيقة في أجواء الاختيار الحر والمترف بهما من قبل العالم اجمع. أنه لن يكون الرجل المعجزة ولكن الحجر الأول في البناء المؤسساتي الجزائري الجديد. ولن يكون حلا في ذاته ولكن وبكل تواضع الحلقة الأولى في سلسلة طويلة من الحلول السياسية الاقتصادية و الأخلاقية والاجتماعية والثقافية التي يجب أن تعني المجتمع بأكمله. انه لن يكون رجل الحزب الذي رشحه ولكن رجل الأغلبية التي تشكلت في الدور الثاني من أجل ضمان فوزها، ومنه رئيس كل الجزائريين. أنه لن يكون رجل عصبة أو جماعة ضاغطة أو رجل تطرف أيا كان لأن الدور الثاني سيمنع مثل هذا الرجل من الفوز. ولكنه سيكون رجل السبيل الوسط حيث تستلهم الجزائر تصوراتها من أجل إيجاد حلول لمشاكلها التي لا تعد ولا تحصى.
أنه سيكون رجل النقلة التاريخية نحو دولة القانون والديمقراطية الحقيقية، انه سيكون الضامن أن الدولة هي التي ستتكفل بحماية الإسلام والعربية و الأمازيغية التي تشكل بنية الأمة الجزائرية.
و سيكون رجل الوحدة الوطنية والتسوية التاريخية التي ستضمن لكل الجزائريين حق الحياة الحرة الكريمة في وطنهم.
IV ما الذي سيفعله الرئيس الجديد؟
ما إن يحكم المجلس الدستوري بشرعية وقانونية انتخابه بعين الرئيس الجديد حكومة اعتمادا على
الخارطة السياسية التي تكون قد حددتها نتائج الاقتراع، ويقوم بإلغاء كل عمليات وهياكل الوضع الاستثنائي ويضع حدا لحالة الطوارئ بمجرد ما تتحسن الظروف الأمنية. ويستقبل طلبات العفو وتخفيف الأحكام، و يتخد كل الإجراءات التي يراها ضرورية لاستتباب الوفاق الوطني. و يجند الأمة ضد كل احتمالات انبعاث العنف و يريع مؤسسة الجيش في مهمتها ووظيفتها الطبيعية. ويكلف حكومة الوحدة الوطنية الجديدة بالتشاور مع الأحزاب بتحضير كل التعديلات المتعلقة بالدستور. ويعرض على الأمة تلك التعديلات عن طريق الاستفتاء كما يمكنه أن يستشير الشعب مباشرة في المسائل التي تثير الشغب وتعكر صفو الأجواء الوطنية ( قانون الأسرة، مكانة الأمازيغية في المنظومة التعليمية..) وبينما يتم تعديل الدستور تباشر الحكومة بمعية الأحزاب التحضير للانتخابات التشريعة.
وما إن يتم الإعلان الرسمي عن نتائج هذه الانتخابات تحتي يعين الرئيس رئيسا للحكومة نابعا من الأغلبية البرلمانية آو من تحالف الأحزاب التي تكون قد فازت بها .
وينصب المجلس الوطني في إطار صلاحياته التشريعة.
ويبقى أن الرئيس هو حامي الدستور والسير العادي للمؤسسات. وستؤدي المعارضة رسالتها وستتمتع بحقوقها داخل الحرم البرلماني. وستعمل الحكومة الجديدة على تطبيق البرنامج الذي انتخبت من اجله حيث ستجتهد في بعث الحركية الاقتصادية والتحضير للانتخابات البلدية و الولائية.
أما على الصعيد الدولي، فان الرئيس والحكومة سيعملان على الدفاع عن التزامها الدولي من اجل
الإنعاش الاقتصادي في الجزائر حيث ستفتحان الاقتصاد الوطني أمام الاستثمار المباشر والمشاركة في
القطاعات الجذابة من اجل أحداث حركية في أسرع وقت ممكن في خلق مناصب الشغل وزيادة الإنتاج في
قطاعي المال والخدمات اللذين سيساهمان في تشرب التوترات الاجتماعية والسياسية في البلاد.
VI-إستنتاج
إن العنف الذي أصبح يعطي صورة بشعة عن الجزائريين في الخارج يزكيه بطريقة غير مباشرة أولئك المتشبثون بالسلطة والذين يحاولون استقدام الأجنبي من اجل الاستثمار في الجزائر. ومن دون تدفق رؤوس الأموال الهائلة نحو الجزائر فان البطالة والتضخم و أزمة السكن ستزداد حدة إلى أن تدفع بالشعب إلى مواجهة السلطة. والحقيقة أن هذه الأخيرة أصبحت تشكل عتبتين في وجه إمكانية حل المشاكل الجزائرية.
ليس بمقدورها أن تتغلب على العنف لأنها غير شرعية وليس بإمكانها إنعاش الاقتصاد لأن العنف لا يبقي و لا يذر. إن حلا سياسيا تشترك فيه الأحزاب السياسية والجيش والشعب هي السبيل الوحيد لإخراج البلاد من المأزق. إن كل عملية تتم تضعف السلطة وتقوي صناعها. أن الجيش يخطئ الخطأ كله عندما يعتقد أن فترة انتظار أخري بإشراف أناس يعين فيهم الواحد الأخر بإمكانها أن تقلب میزان القوة لصالحه . و إذا ما تورط مرة أخرى في هذا الاتجاه و إذا ما اتضح إن هذا الأخرى- لا يفضي إلى نتيجة تذكر، ستسقط تلك المؤسسة ومعها غياهب الفوضى والانهيار التام. إن الحل الوحيد لاستئصال العنف هو في القضاء على دوافعه التي تغذیه.لأنها تتغذى من دعم شعبي يراه حتى الأعمى. وعليه يجب التوجه بسرعة نحو الحلول النهائية التي ستضع في الكفة نفسها أغلبية الشعب والجيش والأحزاب السياسية والرأي العام الدولي. إن هذا هو الشرط الوحيد الذي بإمكانه أن ينقذ الجزائر . و حتى يتم الوصول إليه لابد من العودة إلى المسار الإنتخابي.
حزب التجديد الجزائري
29 شارع الأب والإبن بوفاطيط الأبيار – الجزائر.
الهاتف 78.12.65
الخبر 14 ديسمبر 1993
