Home مقالاتإشكالية الإسلام2016-2011مُرافعة من أجل اصلاح الإسلام

مُرافعة من أجل اصلاح الإسلام

by admin

بقلم نورالدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

يقول الرسول صلى الله عليه وسلّم: “إذا حكمَ الحاكم فاجتهدَ ثم أصاب فله أجران وإذا حكمَ فاجتهدَ ثم أخطأَ ‏فله أجرٌ”.‏

إنَّ هذا الحديث الشريف ممّا يحدونا في هذا المقال ويُقَوّي عزمنا على المرافعة من أجل إصلاح الإسلام. ‏بحسب اجتهادنا المتواضع، ونحن مُنشغلون بهذه المسألة منذ زمن بعيد، نرى أنه قد آن الأوان لطرح إشكالية ‏إصلاح الإسلام في هذه المرحلة الحاسمة والمصيرية. إنّه‎ ‎أضحى من الضروري الأكيد أن نُصلح الإسلام ‏من الداخل، ذلك أنَّ ديننا رغم كونه منظومة من القيم وكونه دينا رئيسيا لدى البشرية، إلاّ أنّه يجب الانتباه ‏إلى كونه مُهدّد بأن يُنْسف داخليا بسبب جهل عدد كبير من علمائه ووحشية طائفة من أشباه البشر بدأت تبرز ‏إلى الوجود بأعداد قليلة لكنها موجودة في كل مكان.‏

فَمَنْ مِنَّا يتذكر في حالنا هذه أنَّ الإسلام كان من وراء حضارة عظيمة، بأخلاقها السامية وبنماذج روحها ‏الإنسانية الساطعة، وبأدبها المزدهر وفنونها التي لا تزال آثارها تشهد عليها في مختلف الأصقاع، ‏وموسيقاها التي كانت تُدْرس كعلم، وعلمائها وفلاسفتها الرّواد ومخترعيها في المجال التقني… مَنْ مِنَّا يتذكر ‏كلَّ ذلك؟

أول سؤال قد يتبادر للذهن مع هذا الطرح‎ ‎هو‎ ‎لماذا يجب السعي إلى إصلاح الإسلام بدلا من السعي إلى ‏إقامة تشريع يهدف إلى حصر الإسلام في مجال الشؤون الشخصية؟ لأنّه مهما بدتْ فكرة الإصلاح صعبة ‏ومهما احتملته من خروق للعُرف، فهي معقولة وأقرب إلى القبول من الاعتقاد بإمكانية اكتساح الإسلام ثُمَّ ‏طمسه مثل الغبار تحت البساط. ‏

إنّ بلدان مثل تركيا، إيران وتونس كانت تعتقد منذ مدّة (منذ 1930 بالنسبة لتركيا وإيران، ومند ‏‎1958‎بالنسبة لتونس)، أنّ اللاّئكية قد رسخت في مجتمعاتهم، وراحت تهتف مُعتقدة أنّ الهدوء قد استتبَّ. ‏

وجاء يومٌ اندلعت فيه اضطرابات شعبية، وكان اللجوء إلى استفتاء الشعب، وهناك خرج من “مصباح علاء ‏الدين” عفريت ليكتسح أصوات الناخبين. كما نجد أمثلة عن رجال حظي البعض منهم بتكوين عالي ‏المستوى في أحسن جامعات العالم، لكننا نجدهم في النهاية منضوين تحت راية شيخ من الشيوخ أو ‏متورطين في أعمال لها صلة بالإرهاب.‏

سواء علينا أقررنا أم كنّا من المنكرين، فكياننا مرتبط بالإسلام، وديننا ملتصق بلاوعينا الجماعي وبمخيلتنا، ‏وهو الذي طبع تاريخنا وميَّز هويتنا. إنه يسيطر على ثقافتنا الاجتماعية وعقلياتنا وعاداتنا وملبسنا ولغتنا ‏ومحيطنا العمومي. إنه في لبّ دستورنا وتشريعنا وقانون أسرتنا ونظامنا التربويّ ومشهدنا السياسي ‏وبرامجنا التلفزيونية. إنه في صدارة مناقشاتنا وخلافاتنا السياسية، فمئات الآلاف من الجزائريين قُتِلوا ‏وسيُقتلون بسبب الخلاف حول الإسلام الذي يحدد نظرتنا إلى غيرنا: فنحن نتأثر بكل ما يصيب المسلم في ‏أي مكان من العالم، مظلوما كان أم ظالما.‏

إنَّ إصلاح رؤية المسلمين للعالم أمر ضروري يتماشى مع مصلحة الإسلام والمسلمين، ويخدم العلاقات بين ‏الشعوب والأديان، كما يخدم السلم في العالم ولدى البشرية كافة.‏
‏ إنّ هذا الإصلاح ليس مسألة فلسفية، بل إستراتيجية. فهي مسألة لا تتعلق فقط بالعلاقة بالإله، لكنها تخصّ ‏مستقبل كوكب الأرض الذي بدأت مساحته تضيق بالناس وبدأت أجزاؤه تتداخل. فإذا أصيب عضو بعلّة ‏تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمّى.‏

‏ وأولى الأولويات اليوم أن يحمي المسلم وطنه من التدمير الذاتي الذي يمكن أن يستهدفه يوماً ما، وأن تُحْقَنَ ‏الدماء المسفوكة باسم الإسلام أو بما له علاقة به، ثُمَّ أنْ يتصالح المسلمون بينهم، ومع العالم، ومع الحداثة، ‏ومع التسيير الديمقراطي لشؤونهم، وأن يعيشوا في سلام مع غير المسلمين من أجل المساهمة في تطور ‏البشرية.‏‎ ‎

إنّ إصلاح رؤية المسلمين للعالم مسألة حيوية لأنّ أفكارهم الحالية، والعقليات والسلوك الناتجة عن تلك ‏الأفكار صارت سببا في انسداد أبواب التطور في وجوههم، كما صارت مصدرا لصراعات حوّلت دار ‏الإسلام إلى دار حرب، وهذا كله تحت تأثير شيوخ وعلماء قطعوا كل صلة بينهم وبين مسيرة التاريخ ‏الإنساني.‏

‏ ففلسفة الإسلام بِرُمَّتِها، وفهمُنا للقرآن الكريم، وأفكارنا التي صارت من ثوابتنا، كلُّ ذلك بحاجة إلى مُراجعة ‏من الأساس إلى القمّة، وهذا من أجل منح ديننا فرصة للانطلاق من جديد في ركب التاريخ على غرار الأمم ‏التي تجاوزت مراحل انحطاطها ودشّنتْ حقبة حضارية جديدة، كما فعلت اليابان والهند والصين وكوريا ‏الجنوبية.‏

إنَّ الإسلام لم يبق مختزلا أو محصورا في القرآن الكريم والنبيّ المرسل، هو يتكون أيضا من كلَّ ما ألحقه ‏به أتباعُه منذ 15 قرناً في كل أصقاع المعمورة، وما أضافته إليه الأحقاد القَبَلِيّة التي لم تمُتْ بمجيئه، ‏والصراعات المبكرة على السلطة، وتراخي العلماء وعدم أدائهم لواجبهم في ظروف الأزمة، بالإضافة إلى ‏تأويلات المدارس الفقهية، وما كُتِب مِنْ غثٍّ ومن سمين، من قديم ومن حديث، وتقاليد الشعوب من كل ‏الأجناس، وما مرّ به هذا الدين من مراحل الانحطاط عندما تحولت العقيدة إلى شعوذة، وما أصاب السياسات ‏المستوحاة من الماركسية أو الليبرالية من فشل وخيبة خلال القرن العشرين، دون أن ننسى ذكر الإسلام ‏السياسي. ‏

إنّ الإسلام لو تابعناه تاريخيا هو من صنع الناس، وهم المسؤولون على إصلاحه. هذا الجانب هو الذي ‏يجب أن يستهدفه الإصلاح، وهو مُبتغانا، لكننا لا نكتفي باتخاذه كمبتغى فالقول يزينه العمل، بل نحاول أن ‏نساهم في هذا الإصلاح بأفكار قابلة للتفعيل والتطبيق. ‏
وبالنظر إلى الوضع الراهن لا يمكن أن ندعي أن كل شيء على ما يرام، ونحن نرى الإسلام يتجه إلى ‏الدمار جزءاً بعد جزءٍ، وبلداً بعد بلدٍ. فزيادة على التأخر في مختلف المجالات، وبالإضافة إلى احتلال البلدان ‏الإسلامية مؤخرة ترتيب الأمم، خلف تلك البلدان التي ننظر إلى أديانها شزراً (مثل الديانة الهندوسية-الهند، ‏واليهودية-إسرائيل، والبوذية-الصين، والمسيحية-الغرب، و الشنتوية-اليابان وغيرها). زيادة على هذا، فإنّ ‏كثيرا من البلدان الإسلامية دخلت في حرب دينية غريبة عن زماننا أودت بحياة المئات من آلاف الضحايا ‏ونجمت عنها معاناة لا مبرر لها، دفعت بما توفر من كفاءات نادرة إلى الهجرة، وأدّت إلى تفكيك دولٍ أُسِّسَتْ ‏بعد جهد جهيد خلال القرن العشرين.‏

لقد وُظِّفتْ كلُّ دواعي الاقتتال وأسبابه دفعة واحدة خلال هذه الحرب العالمية بين المسلمين: ابتداءً بالأنظمة ‏الطاغية التي لا تريد التغيير الديمقراطي، إضافة إلى المناورات التي تقوم بها القوى الأجنبية من أجل تامين ‏الامتيازات المحصلة في مصادر الطاقة أو حماية حلفائها أو الدفاع عن مناطق النفوذ، ليظهر على الساحة ‏صراع دامٍ وعنيد على الزعامة الجهوية بين بلدان محورية شيعية وسُنية بواسطة مجموعات مسلحة ودخيلة، ‏وتبرز في الآونة الأخيرة طموحات انفصالية بحجَّة اختلاف الهوية.‏

ونادرا ما نجد بلدا إسلاميا لم تشمله هذه الحرب التي تُذكِّرنا بالحرب التي أودت بالحضارة اليونانية القديمة ‏والمسماة “حرب البيلوبوناز”. فالشيعة في مواجهة السنة في العراق وسوريا واليمن وباكستان ولبنان ‏والبحرين والعربية السعودية. والسّنّة في مواجهة السّنّة في أفغانستان والصومال وتركيا (الأكراد)، ومصر ‏وليبيا ومالي والجزائر وتونس (“مشكلة الإرهاب”) والمغرب (“مشكلة الصحراء الغربية) واندونيسيا (منذ ‏زمن قريب). جماعات سُنِّية (داعش) من جهة، وجماعات سنية شيعية مسيحية وزيدية من جهة أخرى، ‏صراعات متقطعة أو دائمة بين المسلمين وغير المسلمين في نيجيريا والكامرون وكينيا والفيليبين ‏وجمهورية إفريقيا الوسطى والهند (إقليم كاشمير)، و بيرمانيا والصين وروسيا و تايلاندا… ‏

وخلاصةً القول، هناك أعمال إرهابية يومية ومنتظمة في كل بقاع الأرض، إنْ لم يقمْ بها مسلمون أصليون، ‏قام بها مرضى نفسيون من أصول غربية دخلوا الإسلام حديثا، وذلك من أجل إشباع عطشهم إلى سفك ‏الدماء.‏

وحتى أولئك المسلمون الذين وجدوا مكانا في المهجر لا يجدون لراحة البال طعماً لأنهم يعيشون بين ‏الضغوط التي يمارسها عليهم التيار الإسلاموي المتنامي، وبين الإسلاموفوبيا التي جاءت كردّ فعل على ذلك ‏التيار.‏

إنَّ العالم الإسلامي ككيان اجتماعي مؤسساتي وسياسي، وكأمّة، لمْ يَعُدْ له وجود منذ سقوط الخلافة العباسية. ‏لكن هذا العالم الإسلامي لا يزال موجودا في صورة ركام ثقافي وعقلي، وفي نظرة إلى العالم تتحكم فيها ‏معارف دينية أكل الدهر عليها وشرب، وخبرات نفسية تخضع للّامعقول.
‏
فما هو البلد الإسلامي الذي سلم من كل المشاكل في هذه العشريات الأخيرة؟ أهو أندونيسيا التي لا تزال ‏تضمّد جراحها إثر العمليات التي نُفِّذت في “بالي” والتي أودت بحياة المئات وخلفت مئات الجرحى؟ أم هي ‏ماليزيا التي لا زالت لم تنجو من تهديد تيار رجعي جارف بفضل تشكيلتها الإثنية المتعددة (صينيين ‏وهنديين وماليين).‏

ومثلما أنّه لا وجود لعالم إسلاميّ في الواقع، فإنه لم يعُدْ هناك إسلامٌ واحدٌ، إذ هناك تعددية ناتجة عن تفتيت ‏الإسلام الأصيل وعن الانشقاقات التي رجّتْ أركانه وشوّهت مُثُلَه العليا ابتداءً من الانقلاب الذي قام به ‏معاوية ضدّ الإمام عليَ كرَم الله وجهه، وما نتج عن ذلك من تأسيس للحكم الوراثيّ. فمذ ذاك صار عندنا ‏إسلام شيعيّ، وإسلام سُنِّيٌّ، وإسلام صوفيّ، وإسلام إصلاحيّ، وإسلام حداثيّ، وإسلامٌ سَلَفِيٌّ، وإسلام ‏آسيويّ، وإسلام أسود، وإسلام سياسيّ، وإسلام جهاديّ، وإسلام تكفيريّ…‏

إنَّ الذين يتعنّتون في التستّر لكيلا يروا المشكلة التي استفحلت في كل مكان وعكّرت صفوَ الحياة في كوكب ‏الأرض بِرُمَّتِهِ، يُصِرُّون على الادعاء بأنّ الإرهاب لا دين له ولا حدود، وأنه غريب عن الإسلام، وأنه لا ‏يمثّل شيئا قياسا بجمهور المسلمين الذين يعيشون في أمن وسلام.‏

‏ هذا غير صحيح. إنّ التعصّب والإرهاب هما منتوج منطقيّ لنظرة إلى الإسلام ظهرت في القرن 12م، ‏وهي النظرة التي أدت بالعالم الإسلاميّ إلى الانحطاط بسبب التخلّي عن الجهد الفكريّ الخلاّق، ومن هناك ‏مباشرة إلى “القابلية للاستعمار”، وهو الوضع الذي استتبع الاستعمار كما يقول مالك بن نبيّ.‏

‏ إنّ هذه النظرة التي هي نتيجة القراءة الظاهرية للقرآن، هذه النظرة سجلت دخولها في مجال السياسة خلال ‏العشرينيات من القرن الماضي بظهور “الإخوان المسلمين” في مصر، و”جماعات التبليغ” في شبه الجزيرة ‏الهندية، ومنهما تفرّعت كلّ التيارات الإسلاموية الحالية، سواء منها العنيفة أو غير العنيفة.حتى وان كان ‏التيار الإسلامي و مستنسخه الإرهاب ظاهرتين طافيتين على هامش الحياة، إلا أن هذا لا يُغيِّر شيئا في واقع ‏البلدان التي تعاني من ويلاتهما. فنحن نعرف أنّ مائةً من الإرهابيين ذوي القناعة الراسخة عدد كافٍ لتدمير ‏بلد وجعله رأسا على عقب طيلة عقود من الزمن.‏

إنّ التيار الإسلاموي هو الابن الضال للإسلام، الـولد الشقي ‏‎(bad boy )‎الذي أنجبه الإسلام السياسي في ‏أعين مسانديه، أو “روبن هود” (‏Robin des bois‏) في أعين معارضيه. الوضع هنا متعلق بوجهة النظر ‏التي نعتنقها، لكنه ـ أي التيار الإسلاموي ـ في النهاية هو ابن الإسلام، والآيات التي يحتجّ بها مقتبسة من ‏القرآن الكريم… وهذا هو السبب في أنّ العلماء يلتزمون الصمت على مضض. إنّ تلك الآيات نتعلمها في ‏المدرسة وفي المسجد وفي الكتب وفي التحقيقات والأفلام، في البيت وعلى شبكة الأنترنيت، في الشارع ‏وفي كل مكان يعيش فيه المسلمون. إننا لا نتهامس بهذه الآيات، بل نتلوها جهراً في كلّ يوم وندرسها بنفس ‏البراءة والسذاجة الطيبة التي ندرس بها باقي الآيات والمواد الدراسية.‏

والملفت للانتباه أنّ تلك الآيات يتم اقتباسها على أيدي الأئمة المتطرفين بمهارة لا تضاهيها إلاّ مهارة الطبيب ‏الجرّاح، ثم يوظفونها في خطبهم التحريضية. ومن أمثلة تلك الآيات التي يحبون الاستشهاد بها قوله تعالى: ‏

‏” وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ” (البقرة، الآية ‏‏193). ‏
وكذلك قوله تعالى: ” إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ‏أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ ‏عَظِيمٌ «(المائدة، الآية33).‏

‏ وإذا أرادوا تبرير الأعمال الإرهابية استشهدوا بالآيات التي تتضمن بعض مشتقات الفعل (أرهب) أو ‏مرادفه، مثل قوله تعالى:

” وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ‏وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ…” (الأنفال، الآية60). أوْ قوله تعالى: ” سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ ‏كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ۖ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ «(آل عمران، ‏الآية151)‏

إنَّ هذه الكلمات وما أشبهها، إنْ لمْ يتمّ ربطها بسياق تاريخيّ مُحدّد، ولو بقيت تحمل دلالة خارج سياقها ‏الزمني كما يدّعي المتعصبون، لو كان ذلك صحيحا لظهرت تلك الآيات بوجه مُخيفٍ فعلاً. يجب تفادي ‏التظاهر بنسيان تلك الآيات، إذ ما ينبغي القيام به هو إخراجها إلى ضوء النهار لمناقشتها وتحليل المشاكل ‏التي تطرحها على الساحة الدولية ثُمَّ الاتفاق على موقف واحد إزاءها. إنّ تلك الآيات ليست كثيرة، لكنها ‏كافية لتشكيل ترسانة من التبريرات للأعمال الوحشية التي نشاهدها على مضض. فلا يكفي أنْ نكون على ‏علم بوجود تلك الآيات، إذ ينبغي تفسير أسباب نزولها وبيان مكان وزمان ذلك النزول.‏

لو تصفّحنا القرآن الكريم في ترتيبه الكرونولوجي (الزمني) لَلَاحَظْنَا أنه لم تُنزل أّيَّةُ آية تدعو المسلم إلى ‏القتل دفاعا عن دينه أو لأي سبب آخر، أو محاربة أيٍّ كان أو قطع العلاقات بالأديان والجماعات البشرية ‏الأخرى، كما لم يأت فرض الصيام ومنع الخمر وفرض الحجاب على النساء وقطع يد السارق والرجم ‏والحج وتحريم الربا، أحكام الزواج والطلاق وتعدد الزوجات والمواريث، لم يُذكر أيُّ شيء من ذلك قبل ‏نهاية المرحلة المكية من الدعوة (622 م) و التي استمرت13سنة.‏

‏ فأول سورة تضمنت الدعوة إلى الجهاد والأوامر والنواهي التي تميّز الشريعة الإسلامية هي السورة التي ‏رقم ترتيبها حسب النزول 87 مِنْ أصل 114 سورة، وهي سورة البقرة.‏

لقد كان عدد السور المنزلة في مكة هو 86 سورة تضمنت 4613 آية، أما عدد السور المنزَّلة في المدينة بعد ‏أن هاجر النبيُّ (ص) من موطنه مكة لكي ينجو بحياته، فهو 28 سورة جاءت متضمِّنةً 1623 آية.‏

‏ وما يُميِّز السُّوَرَ المكية أنها ذات بُعدٍ كونيّ وروحي وأخلاقي وفلسفي وجمالي، أمّا الخُمْسُ الأخير الذي ‏أُنزِلَ في المدينة، فقد تضمن الجانب التشريعي الخاص بتنظيم المجتمع الجديد وما يضاف إلى ذلك من ‏شعائر وحديث عن كيفية تسيير علاقة المسلمين باليهود والمسيحيين ومشركي مكة. ‏

لكن تلك السور الـ 86 جاءت مبثوثة ومبعثرة في المصحف المُتلى حاليا بشكل أفقدها ترتيبها وانسجامها.‏
إنّ السورة التي تأتي بعد الفاتحة (التي تحمل الرقم 5 في الترتيب الزمني) مباشرة هي بالذات سورة البقرة ‏التي هي أول سورة أُنزلت في المدينة المنورة، كما أنها أطول سور القرآن الكريم بـ 286 آية. لقد تغيّر ‏الأسلوب وتغيّرت نبرة الخطاب في هذه السورة فجأةً، إذ يغلب الميل إلى الغلظة والشدة في بعض الأحيان. ‏تلك الآيات ذات اللهجة الشديدة هي أول ما نصادفه عندما نفتح المصحف على السُّوَر9،8،5،4،3،2. هذه ‏السور، في حقيقة نزولها، لا تأتي إلاّ في المراتب الآتية‎ ‎‏(من اليسار إلى اليمين):
113،88،112،92،89،87. ‏
إنَّ الله تعالى في هذه السُّوَر يخاطب جماعة بشرية مُحدّدة أصبح لزاماً عليها أن تُميِّز نفسها بعبادات وقوانين ‏وتنظيم خاص بها، وهي تدافع عن وجودها.‏

لقد عانى أتباع الدين الجديد من ألوان العذاب والقهر في مكة طيلة اثنتي عشرة سنة دون أن يصدر عنهم أي ‏ردّ فعل لأنّ اللجوء إلى العنف ممنوع عليهم. أمّا الآن وقد اجتمعوا في مكان واحد، في مدينة لا يعرفونها، فقد ‏أصبح لزاما عليهم أن يتنظموا ليدافعوا عن أنفسهم ضد أهل المدينة الذين لم يُسلموا، وضدّ المنافقين، وضد ‏القبائل اليهودية القوية… كل هذا داخل المدينة، أمَّا خارجها فهناك الخطر الآتي من مشركي مكة.
‏
ومع ذلك فالدعوة إلى الجهاد في هذه الآيات ذات النبرة الغليظة لم تأت في صيغة الدعوة إلى حرب عالمية ‏شاملة، أو جهاد في كل الاتجاهات، بل دعت المسلمين إلى تطهير المدينة (وفي مرحلة قادمة تطهير شبه ‏الجزيرة العربية) من العدوّ الداخليّ وتقوية قلعة الدفاع. وعند هذا الحد يتوقف منطقيا معنى تلك الآيات ‏وحقل تطبيقها.‏

إنَّ الآيات التي تدعو لعكس هذه المعاني موجودة بعدد أكبر في القرآن الكريم، وهي التي صنعتْ مجدَ ‏الإسلام وحضارته، وهي لا تزال قادرة على فعل ذلك مجدّداً. إنها الآيات التي تدعو إلى احترام الديانات ‏والجماعات البشرية الأخرى، والتسامح ونبذ الأحقاد.‏
‏ يقول تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا ‏فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ” (المائدة، الآية69).
‏
‎ ‎‏”إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا ‏اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ ‏يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ‎ ‎‏” (المائدة، الآية 44
).‏
وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا ‏لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ” (المائدة، الآية46).‏
ويقول أيضا: “وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ،وَأَنزَلْنَا ‏إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ‏عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ‏آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ” ( المائدة، الآيتان47، 48).‏

‏ ويقول في السورة نفسها: “‏‎ ‎لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً ‏لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ” (المائدة، الآية82). ‏

ويقول تعالى في سورة العنكبوت: “وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ ‏وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ” (العنكبوت، الآية46).‏

‏ وفي سورة الحج يقول تعالى: لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ۖ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ۚ وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ إِنَّكَ ‏لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ ” (الحج، الآية67).
‏
ويقول في سورة المائدة: «…وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى ‏الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ” (المائدة، الآية2).
‏
ويقول في سورة البقرة: ” الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ‏بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ” (البقرة، الآية194). ‏

ويقول في الأنفال: “وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ” (الأنفال، الآية61).‏

كلُّ هذه الآيات، باستثناء تلك المأخوذة من سورة العنكبوت، نزلت بعد السورة رقم87 حسب الترتيب الزمني ‏‏(البقرة).‏

إصلاح الإسلام! هذا الموضوع أصبح أكثر تعقيدا نظرا لأنّ حرية الرّأْي لم تبق كما كانت في عهود الإسلام ‏الأولى، عندما كان النقاش حول حقيقة الإلوهية مسموحا به في العلن، وحول مسألة خلق القرآن، وحول ‏الأقدار، وحول العناية الإلهية وعلاقتها بأحوال الناس. عهود كانت روح النقد فيها والتسامح وحرية التعبير ‏في زمن الأمويين والعباسيين أكثر إمكانية مما هي عليه في أيامنا التي يمكن أن يُقتل فيها المرء بسبب ‏مسائل كانت تبدو بسيطة في زمن المعتزلة، ذلك الزمن الذي أعطى فيه المسلمون دفعا قويا لحركة العلم ‏والتقنية. أما في أيامنا، فكل الاهتمام منصبّ حول احترام الشعائر، أما العلوم فقد أُهمِلتْ وتُرِكتْ للغير.
‏
إذا استمر المسلمون على ما هم عليه، ولم يعقدوا العزم على إصلاح حالهم، ولم يُحْدِثوا التغييرات ‏الضرورية للتعايش مع غيرهم، فلا يحق لهم أن يحلموا بغد جديد يسوده السلم بين الأمم. إنهم يقتربون من ‏مستقبل متردّي كلما اقترب اليوم الذي يستنفدون فيه مخزونهم من المحروقات. آنذاك سيرجعون إلى الحالة ‏التي وجدهم عليها الإسلام قديما والاستعمار حديثا. ستتفوق عليهم كل شعوب العالم مهما كانت دياناتها، بما ‏في ذلك الشعوب الوثنية القديمة التي أصبحت اليوم متحررة من كل القيود العقلية والثقافية التي تعرقل ‏مسيرتها نحو التقدم. و الله أعلم.‏

‎ « Le soir d’Algérie » du 24 novembre 2014‎
جريدة الحوار 17 جويلية 2016‏
موقع الجزائر اليوم 16 نوفمبر 2016‏

‎ ‎

You may also like

Leave a Comment