Home مقالاتالإشكالية الجزائرية1999-1990مفهوم السلطة في النفسية الجزائرية

مفهوم السلطة في النفسية الجزائرية

by admin

ترجمة نورة بوزيدة

لم يعرف الجزائريون عبر العصور من أنماط‎‎الحكم والحكام إلا المستبد منها، مهمااختلفت‎‎تسمياتهم: ‏الرايس، الزعيم، الداي، الشيخ، المهدي، السلطان أو الأقليد‎.‎

وتعتبر أفكار مثل‎‎السيادة الشعبية و الإرادة الجماعية والانتخابات‎‎والمعارضة والديمقراطية الخ… ‏غريبة وجديدة‎‎بالنسبة لهم ولا تحمل تجربة طبعت نفسيتهم‎‎وماضيهم. ‏

و لم يعرفوا سلطة غير سلطة شيخ‎‎القبيلة أو سلطة ولي يظهر في ظروف غامضة.‏‎‎أما المؤسسات التي ‏أتى بها المستعمرون الرومانيون و الأتراك والفرنسيون، فهم لم يقربوها ولم يحتكوا بها إلا عن بعد. ‏ويرتكز نظرهم ومفهومهم للسلطة على عناصر روحية وأخلاقية أكثر منه على المبادئ السياسية ‏والاجتماعية‎.‎

مما يفسر خضوعهم للقدوة الحسنة بدل القاعدة العامة ويهزهم الخطاب الديني ويشدهم أكثر من التفكير‎‎العقلاني.‏

لن تتعدی تقاليدهم السياسية مستوى “الجماعة”، التي كانت تعقد “أشغالها من حين الآخر في الهواء ‏الطلق وبدون رسميات. وانحصرت صلاحياتها في الدشرة والمشتة..‏

‏ إن وفاء الجزائريين بوعودهم وحبهم للعدالة والمساواة واحترامهم للمقدسات والدین، جعلهم يمنحون ‏ولاءهم لـ “العالم” و”الشيخ” بدل الموظفين الذين تعينهم الإدارة.‏

وما عدا الفترات القصيرة التي جربوا فيها حكما “وطنيا” عبر محاولات ماسينيسا و يوغرطة والأمير ‏عبد القادر، فإن التنظيم القبلي وفلسفتهم في الحياة المعبأة بالمقدسات هما اللذان سادا في الجزائر منذ ‏الأزل وهذا لم يكن كافيا لمنحها الاستعدادات اللازمة لتنمية روح وطنية وإرادة جماعية وعقد اجتماعي، ‏يمكنهم من بناء مجتمع يسلم أمر شؤونه لسلطة يختارها‎‎‏.‏

تمر كل الشعوب في تكوينها عبر الطفولة، التي تؤمن فيها بأن الحكم يمنحه الله لمن يختار‎..‎ولدى ‏المسيحيين أعطت هذه النظرة ممالك خاضعة السلطة الكنيسة، أما في الإسلام السني، فقد أمد الحق ‏الإلهي خلفاء وسلاطين وأمراء يمتلكون الحكم المطلق. و لا أحد له أهلية معارضة قراراتهم بل فقط ‏واجب الطاعة العمياء.‏

‏ 

يری الفقه الإسلامي أن للخليفة حق تعیین من يلیه وإن كان أباه أو أخاه أو ابنه.. وتعهد الإمامة رسميا ‏أولا بعهد الإمام من قبل كما فعل أبو بکر و ثانیا باختيار أهل الحل والعقد بمعنی العلماء واقل من تنعقد ‏بهم الإمامة خمسة (كما فعل عمر).‏

والبيعة فرض كفاية. و إذا انعقدت البيعة بالإمامة، لزم كافة الأمة الدخول في بيعته و الإنقياد إلى طاعته. ‏

وبعبارة سيسرون “الجمهورية الأخلاقية”، التي نعت بها روما الأولى، نصف أيضا الممالك الوراثية ‏القائمة إلى يومنا هذا (العربية السعودية، الكويت، الأردن، المغرب، الإمارات العربية المتحدة…) التي ‏استحوذت على الحكم بالسيف أو بالحيلة، استنادا إلى الشريعة أو اعتمادا على موافقة العلماء.‏

‏ وبينما كانت أخلاق الخلفاء الراشدين العالية هي التي رشحتهم للإمامة، اعتمد الذين جاؤوا من بعدهم ‏إلى سدة الحكم على نسبهم أو على حدة سيوفهم لفرض استبدادهم.‏

لكن المشكل القائم مع السلالات والممالك حيثما وجدت ومارست الحكم فعلا ( في أوروبا واليابان، لم ‏تعد لها سوى قيمة رمزية عن الاستمرارية في التاريخ والوحدة الوطنية)، هو أن كل شيء يتوقف على ‏القيمة الشخصية لصاحب الملك.. وهذا ما عرضها إلى اقتتال البلاط والاضطرابات والحروب الأهلية‎.‎

‎: ‎الجزائريون ينتظرون الكثير من أخلاقية وشخصية حكامهم

يفتقد الجزائريون إلى تجربة في الحكم الذاتی ولهذا السبب، فهم ينتظرون، عامة الشيء الكثير من ‏الفضائل الأخلاقية والشخصية لحكامهم، بدل الاتكال على نجاعة وفعالية المؤسسات التي لم يجربوها ‏أبدا في السابق، مثل التعددية السياسية واستقلالية العدالة وحرية التعبير.‏

إن رجل الدين في اللاشعور الجزائري هو بالضرورة إنسان عادل ونزيه وعفيف ويوثق به لأنه لا ‏يتعدی حدود الله . وبصفة طبيعية، يعتمد على هذه المشاعر الخيّرة وينتظر منها أن تسهل عليه حیاته في ‏هذه الدار .‏

والسلطة التي أخذت الحكم في 1962، لم تكن، تجهل هذا الميول لدى الشعب، فقامت بإحاطة شرعيتها ‏وخطابها بقدسية وروحانية جديدتين، استقتهما من ثورة نوفمبر‎.‎

إن فكرة المعارضة غائبة تماما من قاموس المسلمين السياسي. وبحسب العلماء النصيحة التي يقدمونها ‏للحکام فرضا حقا، لكن لا يمكن انتقاد الخليفة أو السلطان أو الأمير بسبب أفعالهم، إلا إذا ابتعدوا ‏بوضوح (؟) عن التطبيق الحسن (؟) لمبادئ الإسلام.‏

إن “مفهوم النصيحة” ينبع من مبدأ الشورى الموجود في القرآن، لكنها في الحقيقة اختيارية وليست ‏فرضا بما أن الخليفة نفسه مؤهل لتفسير القرآن والسنة فإنّ كل من عارضه کافر.‏

إن الاعتماد على القيمة الشخصية للحكام هي التي أدت إلى الشذوذ والمخالفات العديدة، التي برزت في ‏تاريخ الحكم الإسلامي، والآية الكريمة: “یا أيها الذين آمنوا ، أطيعوا الله والرسول و أولي الأمر منکم‎”‎‏ ‏ترسی شرعية السلطة وواجب الطاعة.‏

ويستدل الكثير بحدیث شریف لتعميق فكرة الطاعة غير المشروطة للحكام: “إنكم سترون بعدي أثرة و ‏أمورا‎ |‎تنكرونها”. ” یا رسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟، قال: تؤدون الحق الذي عليكم، و ‏تسألون الله الذي لكم”، واستنبط العلماء من هذا أن الاستبداد خير من الفوضى، مرتکزین في ذلك على ‏آية أخرى يتضمن معناها أن الفتنة اشد من القتل.‏

إن الدولة العصرية التي تأسست بعد 1962مفهوم جديد لم يترسخ بعد في التركيبة الذهنية الجزائرية ولم ‏تحظ بعد بالتقديس الكافي. وبسبب مساوئها و إخفاقاتها، فهمها الشعب على أنها سلطة شخصية تعسفية. ‏ولم ير فيها قوة عمومية تجسد الإرادة الجماعية، مما دفع به إلى الانصراف عنها.‏

إن الوطنية هي الفكرة التي ألهمت الجزائريين وسيرتهم خلال القرن الذي يوشك على الانتهاء، لكنها ‏فقدت هيمنتها بعد الاستقلال بسبب الأخطاء المتراكمة. لقد أثارت حماستهم بين العشرينات و الستينات، ‏لكن الخيبة أخذت مكان الحماس في السبعينيات. وتحولت في الثمانينيات إلى انفجار شعبي و أخيرا إلى ‏إرهاب في التسعينيات.‏

ليست الوطنية إلهاما لا ينضب، يمكنها أن تجعل الشعب يتعلق بالدولة وبالتاريخ والوطن، إلا انه عندما ‏يفقد ثقته و أمله فيها، يتخلى عنها ويلجأ إلى الماضي.‏

إن اللجوء إلى ماض ذهبي ومثالي، عملية تحدث في نفسية شعب تدهور حاضره وتلبد مستقبله.. ويريد ‏أن يعوض بهذا الماضي الجميل كل من الحاضر الممقوت والمستقبل المرعب.. وان يأخذ رجال الدين ‏المعصومون مکان رجال خطائين. آه، لو علموا‎ !!..‎

مسار التغيير لم يبلغ عمق الذهنيات‎..‎

لقد ظهرت الحداثة منذ خمسة قرون عبر العالم، لكنها لم تمس إلا الجيل الأخير من الجزائريين على ‏نطاق واسع. وقد مر الجزائريون مباشرة من نمط معیشي تقليدي إلى النمط المعيشي و الفكري، الذي به ‏وصل الإنسان إلى القمر ويستعد حاليا لخلق ظروف الحياة على كواكب أخرى.‏

لم يبلغ مسار التغيير عمق الذهنيات ولم يخلصها من الشوائب العالقة بها، علما أن هذه العملية يجب أن ‏تمس عشرات الملايين من الأشخاص في نفس اللحظة. صحيح أن الصراع قد بدأ واحتدم مبديا وجوها ‏مختلفة كلما خطا شوطا إلى الأمام، فهو تارة صراع الأجيال و إرهابا تارة أخرى، لكنه لم ينته بعد‎…‎‏ ‏

لم يتعود الجزائريون بصفة نهائية على الأفكار الجديدة التي تتمثل في الأمة والجمهورية والديمقراطية ‏والانتخابات، لذا فهم فريسة سهلة للمشعوذين و الديماغوجيين، الذين يعرفون جيدا حساسيتهم وسذاجتهم ‏الوراثية وميولهم إلى التقديس والعاطفة.‏

ونظرا لمعرفة هؤلاء المشعوذين و إدراكهم بحساسية الجزائريين للأمور الدينية ونزعتهم الشعبوية، ‏فضلوا الظهور أمامه بلباس المتمسكن أو في رداء الولي الصالح، بدل المثول أمامه باسم العقلانية ‏والموضوعية و الأفكار الايجابية. لأنهم يدركون أن هذا الموقف هو الذي سیدر عليهم خیرا کثیرا. هم ‏يعلمون أن الجزائريين يتشبهون اکثر بالأول والثاني ويتعرف عليهما بدل الثالث. ‏

يكفي شخص واحد لإضرام النار في الأحياء الشعبية، خاصة إذا تلبس بعلامات الفقر والورع. واستعمل ‏بعض الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، ضف إلى ذلك بعض أشرطة الفيديو والفاكس و المفجرات، ‏تحصل على الجيا والجماعات الإسلامية الحديثة‎.‎

في كل مرة يظهر داعي من حيث لا ندري، يرافع ضد الظلم والاضمحلال الأخلاقي و الحقرة ويدعو ‏الناس إلي الرجوع إلى الأصل ويشحذ النفوس قبل أن يرمي بها متقدة في وجه الدول القائمة للإطاحة ‏بها، و إقامة دولة إسلامية بدلها.‏

قبل اثني عشر قرنا ، قام ميسرة، وهو حمال ماء من الخوارج، بتشكيل جيش شعبي لمحاربة أول دولة ‏عربية في المغرب، الأغالبة، وأعلن نفسه خليفة. وبعده جاء أبو عبد الله، وهو من الشيعة الإسماعيلية ‏لإرساء الخلافة الفاطمية على أنقاض الدولة الرستمية لمدة قرن تقريبا، وكان الجزائريون من بني كتامة ‏هم الذين أتوا به في أمتعتهم عند رجوعهم من الحج لتعليمهم “الإسلام الحقيقي”.‏

ثم أتي أبو يزيد” صاحب الحمار” الذي نادى إلى الجهاد ضد الخلافة الفاطمية، والتي قتل بعد ذلك ‏الآلاف من المؤمنين وارتدي الملابس الفاخرة وامتطى الأحصنة الأصيلة.‏

الزعماء يأخذون مكان الشيوخ في الوعي الشعبي

سيواصل رجال الدين التأثير على حياة الشعب الجزائري وقيادة ثوراته. تحت الإحتلال الفرنسي مثلا، ‏إنهم رجال الدين هم الذين قادوا الثورات الهامة في القرن الماضي (عبد القادر، بومعزة، بوبغلة، الحداد ، ‏المقرانی، بوعمامة…) إلى أن ظهرت الحركة الوطنية وأخذ “الزعماء‎”‎‏ مكان الشيوخ في الوعي ‏الشعبي.‏

لقد انتظرت الفكرة الوطنية القرن العشرين من أجل أن تتسلل في أذهانهم عبر كامل التراب الوطني، أي ‏حتى جمعهم وعيهم الوطني حول السعي لتحرير بلادهم.‏

وبأفكار الغرب (الديمقراطية، حرية التعبير والتجمع، الاقتراع، حق تقرير المصير…) حاربوا الاحتلال ‏وبمبادئه الخاصة قاوموا الاستعمار الفرنسي. ‏

لكننا نعيش ظاهرة الرجوع إلى كنف ” الدعاة” و “الشيوخ” و”الأمراء” بمجرد أن ظهر التيار الإسلامي ‏في الجزائر ونحن على عتبة الألفية الثالثة. والنتيجة الطبيعية لهذا هي الثورة ضد الدولة “الطاغية” ‏التي يجب استبدالها طبعا بالدولة الإسلامية والخلافة، كاد میسرة أن يكون في مكان نحناح والعكس ‏صحيح.‏

و لقد عرقلت مسيرة الجزائريين نحو نور التاريخ ونحو الديمقراطية، وحُوّلت عن أهدافها من قبل ‏الخطباء والمشعوذين، فكل ما كان يرغب فيه هذا الشعب منذ البداية وما يبحث عنه منذ الاستقلال، هو ‏شيء من العدل والكرامة واحترام قیمه. کانت أمنيته أن يحكمه رجال نزهاء وصادقون وأكفاء، ‏ومثاليون، غير أنه لم يكن من نصيبه سوی الجهلاء، والمرتشين.‏

تلك الجزائر في الظاهر كل الصفات التي تؤسس عليها دولة ‏‎| ‎القانون. لكن ولا واحدة من هذه الصفات ‏أصبحت فيما يخص الجزائر فعلية وعملية وحقيقية. إنها مجرد تمثيل: مجلس وطنی مزيف ومتكون من ‏أغلبية لم يصوت عليها الشعب، وعدالة شبه مستقلة، وحتى سلطة مدنية مزيفة…‏

تقر الدساتير الأربعة التي عرفتها الجزائر أشياء صحيحة على المستوى النظري لكنها خاطئة على ‏أرض الواقع. فمثلا السلطة التأسيسية التي تنسب إلى الشعب في النصوص، هو لم يمتلكها أبدا في ‏الحقيقة ولم يمارسها. ‏

لقد تحقق فعلا الحديث الشريف “كيفما تكونوا یولی علیکم” في الجزائر، ولا ينطبق هذا الكلام على ‏الحكام فقط، بل حتى على الرجال السياسيين الذين أتت بهم الأحداث إلى الصدارة .‏

إن تسيیر شعب مستقبله ليس واضح، أو التحدث باسمه، لا يعني أبدا الامتثال لأفكاره الخاطئة ومجاملته ‏بعيوبه وتغليطه، بل بالعكس يجب إعطاؤه نظرة سليمة وصحيحة لما يمكن أن يكون عليه مستقبله ‏وتوجيه أنظاره نحو مصالحه الحقيقية، حتى وإن أدى ذلك إلى صدم أحكام على الأشياء ومساس كبريائه‎.‎

منذ الاستقلال، توالى الرؤساء على كرسي الجمهورية، لكن حال الجزائر يتدهور. عندما یکونون على ‏قيد الحياة يكرههم الشعب، لكن بعد موتهم تظهر محاسنهم للعيان، لأن خلفاءهم أسوأ منهم. لكن هؤلاء ‏المسيرين، كما المشعوذين الذين يطمحون لخلافتهم، لم يهبطوا من السماء بل خرجوا من بطن الشعب ‏ويحملون نفس الأفكار الخاطئة حول الدولة والمجتمع و الإقتصاد والعالم….‏

منذ الأزل وهذه الأمة تنقصها قيادة رشيدة تنير دربها بضوء الشمس الساطع بدل ضوء القمر الباهت.. ‏

ومادام هذا الشعب لا يملك مشروعا وفكرا وثقافة لتوجيهه، سيواصل في الاستسلام للنغمات المنومة، ‏وللعنات المهلوسين، لصراخ الخطباء، و لكذب السحرة وفي غالب الأحيان هو الذي يبحث عنهم، ‏ويمدهم كل السلطات ويهبهم حياته قبل أن يفطن على وقع الخديعة التي أصابته. ‏

وهناك فرق شاسع بين الوصول إلى السلطة بدافع التسلط على الآخرين أو جنون العظمة أو عن طريق ‏صدفة، والوصول إليها بإسم فكرة سليمة، ونظرة للجزائر ومستقبلها الوطني، وبرنامج يهدف حقا إلى ‏ترقية كل المواطنين. ‏

و الحقيقة أن الجزائريين لم يعرفوا من هذه المعادلة سوى وجهها الأول بينما الثاني فلا يزالوا يجهلونه ‏تماما.‏

الخبر 22 جويلية 1998‏

You may also like

Leave a Comment