Home مقالاتالانفصالية ماتت هدا الاسبوع

الانفصالية ماتت هدا الاسبوع

by admin

بقلم نوالدين بوكروح

ترجمة نورة بوزيدة

قبل تنظيم الانتخابات التشريعية في جوان الماضي بشهرين، حذرت السلطة في مقال “الجزائر بدون منطقة ‏القبائل” بأنه ضرب من الجنون الاكتفاء ب 4‏‎%‎‏ من الأصوات الانتخابية، وربما هي أقل في الحقيقة، وبأنه ‏من الهراء الذهاب بهذا الزاد النحيف لبناء “الجزائر الجديدة”، لأنها بالتأكيد لن تتعدى كونها جزائر “ربعة ‏دورو”، تتراماها الرياح من كل الجهات. ‏

لكن السلطة مازالت سجينة منطقها العدمي، فذهبت إلى أقصى ما يمكنها الذهاب إليه وقبلت دون تردد ‏إقصاء منطقة في وسط البلاد من التمثيل الوطني في المؤسسات الرسمية، وخاطرت بإمكانية زجها في ‏منطق الانفصالية. ‏

في ذلك المقال كتبت ما يلي: 

” إن لم يكن بمقدور السلطة استيعاب فكرة أنها تعمل حاليا على رسم نقاط فكّ ‏الارتباط مع منطقة ‏القبائل وأنها على المدى البعيد ستدفع بهذه الأخيرة إلى الانفصال، فربما يجب أن نرسُمَ ‏لها حتى ‏تفهم. أكرر إذاً مرةً أخرى: لقد بدأت صورة الجزائر من دون منطقة القبائل في الاتضاح للعيان بعد ‏‏عدم مشاركة هذه الأخيرة في الانتخابات الرئاسية، ثم قبول السلطة لنتائج الاستفتاء على الدستور ‏بدونها، ‏وعن قريب مع عدم مشاركة ذات المنطقة في الانتخابات التشريعية وهو ما أعلنت عنه ‏أصوات مجتمعها ‏المدني. وعندما يحين وقت الانتخابات البلدية والولائية التي لديها أسباب أقلّ ‏للمشاركة فيها، ستكون بذلك قد ‏أتمّت مسار خروجها من النظام المؤسساتي الجزائري‎.‎‏.. ما لم يستطع تحقيقه‏‎ ‎‏”الماك” ‏‎(MAK)‎‏ سيهديه له ‏تبون بالمجان ويسمح له بأن يجني أكثر ممّا زرع. وبذلك سيُفتح أيضاً مجالٌ واسع للمناورة للأطراف ‏الأجنبية المهتمة بفصل ‏القبائل عن باقي الجزائر…”‏

لقد كنت أتحدث من قبل أيضا عن “منطقة قبائل منفصلة بنقاط متقطعة”، حيث استعملت هذه الصورة في ‏مقابلة صحفية من “لوكوتيديان دالجيري” بتاريخ 29 أكتوبر‎1991‎‏ مع مصطفى شلفي وفيها أجبت على ‏أسئلة أبجدية وفي حرف “القاف” اخترت كلمة “القبائل” وشرحت لماذا: “إن البعض، بطرق ووسائل ‏مختلفة، قد رسموا نقاطا متقطعة حول المنطقة، كل ينتظر الفرصة السانحة لفصلها عن المجموعة، ذلك لأن ‏شيطان الانفصالية بدأ يحفر مساره في أذهان من بات لديهم الطموح السياسي يبرر أي جريمة كانت…”.‏

أما بتاريخ 14 أفريل 1981، فقد نشرت مقالا بعنوان “أصول الجزائري ووجهته” حيث أشرت “للحركة ‏الثقافية البربرية” التي خرجت للعيان حينها، وكتبت قائلا: “إن استيقاظ العصبيات والخصوصيات، والتي ‏يعمل البعض منا على احتدامها، ما هي سوى ردة فعل لمواجهة الغرس العميق لمبادئ أصيلة في شخصيتنا ‏الوطنية في النفوس. وإذا كان من حقنا الافتخار بما أنجزناه كجزائريين طوال تاريخنا، إلا أن شرفنا الأكبر ‏يكمن فيما سنحققه في المستقبل كمجموعة وطنية…. والأمر سيكون أفضل إذا ما تعدينا مرحلة الكلام ‏بالمبادئ والقسم بالشرف والنيف، ومررنا إلى مرحلة العمل على تكريس نتائج الثورة التحريرية، أي وحدة ‏الشعب والتراب، وعدم السماح أبدا بخدشهما.” (المجاهد). ‏

عشرون سنة بعد ذلك، ولد “الماك”.‏

كان هوسي بالانفصالية يطاردني قبل ذلك بكثير، إلى أن حررني منه نهائيا “الحراك” الذي أعتبر أن أكبر ‏نتائجه ليس التخلص من آل بوتفليقة، بل كونه أبهرنا بصورة شعب جزائري موحد بصفة كاملة. إنه هذا ‏المستقبل الذي أحث عليه مواطنينا منذ بداية السبعينات إلى ان أطلقت النداء “لثورة مواطنة سلمية” بين ‏سبتمبر 2017 وجانفي 2018. 

‏”ماذا لو كانت الجزائر كلها منطقة القبائل؟”. كان هذا العنوان الذي وضعته لأحد مقالاتي في جانفي 2016. ‏ومع “الحراك”، وجد سؤالي جوابا له، وتحول الاستفهام إلى تأكيد وأصبحت “الأمة القبائلية” الجزائر كلها، ‏جزائر أكبر وملتحمة إلى الأبد.‏

إن الوعي بالوحدة الوطنية، على اختلاف اللغات و”المذاهب” الدينية ولون البشرة، هو الشرط الضروري ‏والأول ليتمكن المجتمع الجزائري من ممارسة حقه في السيادة كما كفله إياه دستورمند 1963 وسلبته إياه ‏سلطة غير شرعية ، وهي مستمرة في ذلك. والسبب أن السلطة لا تثق في الشعب، خاصة منذ 1991 حيث ‏انتخبت غالبيته لحزب ديني كان يحلم بدولة على شاكلة داعش وطالبان. 

السلطة لا يخيفها الانفصال على ما يبدو، بل تلعب به نارا مشتعلة، عن وعي أو غير وعي، لأنه يمدها ‏بمبرر لدورها “كضامن للوحدة الوطنية”. لكن هوسها هي هو انفصال الشعب عنها والذي ظهر للعيان جليا ‏منذ بداية “الحراك”، ويأرقها أكثر من أي انفصال آخر، في الشمال او الجنوب. ‏

عندما يخرج شعب بالملايين إلى الشارع أسابيع وشهور متتالية رفضا لانتخابات رئاسية يكون الناخب ‏الوحيد فيها هو القيادة العسكرية التي اختارت مسبقا الفائز فيها، وعندما يخرج وعلى لائحاته كلمة “لا” ‏للدستور الذي تم إعداده في كواليس النظام بدل منصات النقاش، وعندما يعيد الكرة بلفظه انتخابات تشريعية ‏تتم فيها “رسكلة” القوى السياسية التي ساندت النظام القديم، فإن هذا لا يمكن أن نسميه “نسبة مشاركة ‏ضعيفة”، بل هو استفتاء شعبي كبير ضد النظام الممقوت الذي، إن واصل الارتكاز على القوة والسجن ‏لفرض قانونه و”قانونيته” على الشعب والبلاد، فإنه سيضيعهما إن عاجلا او آجلا. ‏

إن الجريمة التي ارتكبت في عز النهار هذا الأسبوع في الأربعاء ناث إيراثن، قبالة مركز الشرطة، من قبل ‏مجرمين تدور حولهم تفسيرات وتعاليق متناقضة على منصات التولصل الاجتماعي، إن تلك الجريمة لم ‏تخدش عزيمة الشعب على توثيق الأواصر التي تجمعه ببعضه البعض في كل المناطق منذ ثورة 1954، ‏بل قوتها وعززتها. ‏

علينا انتظار نتائج التحقيق للتعرف على كل جوانب هذه الجريمة البشعة والإرهابية، لكن النتيجة الأولى ‏التي جرفتها كما يجر السيل الأوحال، فإنها الحسابات التي كان يقوم بها من توجهوا إلى مساندة افكار ‏‏”الماك”. فالجواب صريح واضح: منطقة القبائل لن تقبل بأي مشروع انفصالي أبدا، مهما كان مصدره ‏ومهما كلف الأمر.

عائلة جمال بن سماعيل وسكان الأربعاء ناث إيراثن بكوا مع بعض فقدان الشاب الذي أصبح رمز الأخوة ‏المستعادة بين الجزائريين، وأشعلوا شعلة منيرة، وليس حارقة، للعاطفة الجياشة التي غمرت الجزائريين ‏وعمقت إحساساهم بالوحدة والتضامن. الانفصالية ماتت هذا الأسبوع في الأربعاء ناث إيراثن ونتمنى ان ‏يكون هناك نصبا تذكاريا لروحه جمال بن اسماعيل. 

سياسيا، خسرت السلطة منطقة القبائل منذ مدة، لكن الشعب الجزائري استعادها كلية. فالعائلة المركبة من ‏جديد ستواجه المستقبل بصفوف متراصة متينة حيث ينتظرها أن تتغلب على الكوفيد لكي تعود “للحراك” ‏وإخراجه من مأزقه الذي زجه فيه “الطوايشية” الذين اختفوا بشكل غريب. ‏

صفحة فايسبوك ن.ب:15/08/2021

You may also like

Leave a Comment