Home مقالاتعذاب جمال بن اسماعيل: هل هو جريمة دولة؟ ‏

عذاب جمال بن اسماعيل: هل هو جريمة دولة؟ ‏

by admin

بقلم نورالدين بوكروح

جرائم الدولة في تاريخ الجزائر المعاصر (1957-2021) لا تعد، بداء من مقتل عبان رمضان في ‏ديسمبر 1957 وانتهاءا باغتيال محمد بوضياف. وكانت الأسباب سياسية يمكننا تفسيرها بالصراعات ‏السياسية للانفراد بالسلطة وبرؤية خاصة لمعنى “قضية دولة”، وإن لم تعترف الدولة الجزائرية بها ‏كجرائم.‏

وفي حالة اغتيال محمد بوضياف، طالما راودتني الفكرة أنه كان بسبب قضية الصحراء الغربية التي لم ‏يكن يؤمن بها ولم يخفي ذلك. ولم يفكر من ذهبوا لإخراجه من عزلته في المغرب حيث كان يعيش ‏حياة هنيئة قرابة ربع قرن ودعوه لكي يترأس “المجلس الأعلى للدولة” في هذا الجانب.

وفي الحقيقة، ‏فإن الأمر لم يتغير منذ مصالي الحاج: لا يرى حكامنا أبعد من أنوفهم، ومن يحكومنا اليوم فقد زادوا ‏عن قصر النظر، حيث فقدوه تماما. ‏
تشكل المجلس الأعلى للدولة في جانفي 1992 لملأ الفراغ الذي تركته استقالة الشاذلي بن جديد ‏القصرية لرفضه إلغاء الانتخابات التشريعية التي أسفر دورها الأول عن فوز عريض للجبهة الاسلامية ‏للإنقاذ. ومن الأرجح أن قرار “التخلص منه” قد تم اتخاذه في مارس 1992 بعد سفره “الخاص” لكنه ‏التقى الملك حسن الثاني في لقاء “شبه رسمي”.

منذ أيام والجزائر تحترق وفي أجواء ملتهبة جراء اغتيال فضيع زعزعها في وضح النهار، جريمة تمت ‏أمام أعين المئات بل الآلاف والملايين حيث تم تصويرها من جميع النواحي وفيها نرى مجموعة ‏متجمهرة حول فنان شاب، تشتمه وتضربه وتدوسه قبل أن تحرقه وتذبحه، وهو الذي قدم إلى منطقة ‏القبائل ليساعد أبناء وطنه في مواجهة الحرائق اامهولة.

إن الأمر الغير مقبول والذي لم نجد له شرحا وأدنى تفسير هو كون الأمر حدث قبالة مركز شرطة، ‏والعديد من أعوانها ينظرون المشهد ولا يبالون، وبقبول من القيادة الوطنية للشرطة التي أمرت ‏بلانسحاب لكيلا تحدث خسائر أكثر، مما يعني أن خسارة جمال تم القبول بها حتى قبل أن تحدث. ‏

وانتظر الرأي العام الذي صدم بما شاهد وبقي على الأعصاب الشروحات التي تمنحها السلطة القضائية ‏والإجابة على الأسئلة الكثيرة التي طرحتها تلك المشاهد التي فكرتنا ببشاعة ما قامت به عصابات ‏‏”كوكلوكس كلان”‏‎(Klu Klux Klan)‎‏ في امريكا القرن التاسع عشر، وحتى بطقوس المايا ‏‎(Mayas)‎التي ‏تقدم فيها قرابين انسانية لآلهتهم قبل ألف عام. ‏

إن التعذيب الذي تعرض له الشاب جمال قد تعدى كل ما سبق من فقدان الانسانية حتى قلنا لولاه ‏صلب كالمسيح (وهو الصلب الذي نبعت منه ديانة جديدة (المسيحية). كانت موته تكون أرحم. ‏ولولاه مات بطريقة أكثر “تحضرا” مثل جورج فلويد ‏‎(George Floyd)‎في أمريكا الذي اختنق تحت وطأة ‏شرطي أمريكي، وأدى موته إلى جعل عبارة “حياة السود مهمة” وكأنها إضافة للميثاق العالمي لحقوق ‏الانسان.

لكن لا شيء من هذا القبيل حدث. بل بتاريخ 15 أوت، جاء مدير الشرطة القضائية ببيان علني يفسر ‏ما حدث للفنان الشاب، فلم يروي ضمأ الجزائريين ولم يشفي غليلهم، بل زاد من عمق شكهم أن شيئا ‏غريبا ومريبا في الأمر، بل اقتنع أنه كانت هناك “غلطة”، وتقدير سيء للأمر، بل وأكثر، قد يكون الأمر ‏جريمة دولة.

بالفعل، إن تفسير المدير خالف كلية ذلك الذي قدمه القضاء قبل أيام، واستقبله الناس وكأنه اعتراف ‏بمسؤولية الشرطة في هذه الجريمة، أي من مركز الشرطة في دائرة الأربعاء ناث إيراثن، إلى القيادة العليا ‏للشرطة التي تحدث عنها المدير. إن الشروحات التي قدمها لتبرير عدم تدخل الشرطة التي شاهدت ‏الحدث من بدايته إلى نهايته دون تحريك ساكن وهم شهود عيان مباشرين، إنها شروحات وتبريرات ‏غير مقبولة البتة. ‏

كان يكفي أن تطلق رصاصتان أو ثلاث في الهواء لإنهاء القتل العمدي وتفريق الجماهير المحتشدة حول ‏القتلة، ولم تكن تلك الحشود مكونة من شباب مجانين وحاملين السلاح الأبيض أو “كوكتيل ‏مولوتوف”، بل ناس كبار، راشدين وعاقلين، عاديين في هيأتهم.

حتى الأشخاص الذين تم القبض عليهم ومنحت لهم الكلمة جراء تصريح المدير لم يبدوا مجرمين ‏وغير واعيين مستعدين لكل شجار عنيف أو مشاداة قاتلة، بل ناس عاديين مثلي مثلكم.

إن عشرات الفيديوهات المتداولة على المنصات تبدي جماهير على أعصابها لكن سلمية، تتحدث مع ‏الشرطة بالزي المدني، دون غضب ودون احتقان، وكان يمكنها التفرق ببعض الكلمات. كان هناك ‏ضجيج لكن لم نشعر بحدة الأحاسيس وجو متفجر وجماهير هستيرية.

أما الشاب جمال نفسه، لم يكن يدافع عن نفسه مثلما يفعل المذنب، لم يكن خائفا كما نتوقعه ممن ‏لديه ما يخاف لو كان مكانه، بل كان ‏
فقط يكرر، وهو عاري الصدر ومزرق من الضرب، يكرر لمن يشتمونه ويضربونه بأنهم “غالطين”.

لو كان جمال مذنبا، لكان سلوكه مختلفا، لانهار بكاء وطلب العفو. لا، هو كان مندهشا فقط مما كان ‏يتهم به وواجه العفاريت الجبارة بهدوء ونية صادقة وكأنه كان واثقا بأن الأمور ستتضح في الحين وتزول ‏الشبهات تجاهه.‏

من الواضح أن الشرطة سلمت جمال بن سماعيل لجماهير كانت واثقة من حقها في إشباع رغباتها ‏الإجرامية. لكن، القانون والحق والأخلاق كانت تلزم أفراد الشرطة الموجودين في قلب الحدث أن ‏يمنعوا ما جرى بكل ما أوتوا من قوة، حتى على حساب حياتهم، وبإطلاق رصاصات حية إذا استلزم ‏الأمر على كل من عارض أوامرهم وهم يقومون بمهمتهم وبواجبهم، وحتى إذا كلف الأمر ذلك أمواتا ‏آخرين في هذه الحال.

كان من الممكن أن نقبل بكل سيناريو آخر، إلا ذلك الذي شاهدناه مرعوبين على الفيديوهات. ‏

وفي حقيقة الأمر، كان يكفي لثلاثة أو أربعة شرطيين مسلحين بكلاشنيكوف وبعزيمة على استعمالها إذا ‏اقتضى الأمر، كان يكفي ذلك لوقف كل شيئ وخاصة أن الناس المحتشدين لم يظهروا أي عداء ‏تجاههم، في انتظار أن تأتي فرق شرطة أو درك أخرى، مع أنه لم يكن يبدو ذلك ضروريا.

إن الشرطة، من القمة إلى القاعدة، تركت جريمة ترتكب تحت أعينها وأعين العالم، ويا لها من جريمة ‏وحشية ومروعة. وهي بهذا السلوك، إنما جمدت سبب وجودها كمؤسسة لحماية الأرواح والنظام ‏العام، وبالتالي وجود الدولة. في تلك الأوقات التي وقفت تنظر إلى الجريمة تحدث وهي ساكنة، قتلت ‏معنويا الشرطة والدولة. فخذلت المواطنين ومهمتها وسبب وجودها لأنه كان لها خيارات أخرى تعرفها ‏أحسن منا نحن.

لكن بدل ذلك، اختارت أن تضحي بشاب في سن 34 سنة جاء بنية فعل الخير وفضلت خيانة قسمها ‏الذي حلفت بالدفاع عنه مهما كانت الظروف، وحماية الامن العام وحماية الأشخاص والأملاك، ‏وفضلت أن تكون مشاركة في جريمة دولة بدون قضية دولة، إلا إذا سلمنا ينظرية البعض بأنها حجرة ‏ارادوا منها عصفورين: التخلص من “حيراكيست” وإلصاق الجريمة بالماك.

هل حان الوقت ان نخاف من الحاضر قبل أن نخاف من المستقبل؟ هل وجب علينا القلق من ‏الحاضر والمدى القصير؟ أليس لدينا حدا وقاعا يوقف سقوطنا في الردائة والتقهقر والاضمحلال؟ عن ‏الدولة أتحدث، وهي التي تريدنا التصفيق لردائتها وتريدنا الرضاء بجنونها ونحن نراها كل مرة تخيب ‏ظن المحتمع عندما يرى أنه اقترب من هدف، ليراه يتلاشى كالسراب، بفعلها هي، الدولة الرديئة؟ ‏

You may also like

Leave a Comment