بقلم نورالدين بوكروح
قال تعالى : “مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ” [المائدة : 32].
لن ينسى التاريخ المعاصر أسماء رجلين هما في نفس العمر… لو عاشا. الأول هو جمال بن سماعيل وكان عمره 34 سنة عندما مات قبل أيام، والثاني تونسي وكان عمره 27 سنة عندما توفي في جانفي 2011. مات الإثنان حرقا.
أما بوعزيزي، فقد أضرم النار في نفسه عندما صفعته شرطية، وأما بن سماعيل، فقد سلمته الشرطة لمجموعة مجرمين عذبوه ونكلوا بجثته وأحرقوها بتواطئ من الجماهير التي شاركت فعلا أم سكوتا وكانوا مئات من الناس العاديين في مظهرهم.
في الحين، يجب القيام بما هو عاجل، أي تحويل أفراد شرطة الأربعاء ناث إيراثن إلى مكان آخر، إن لم يتم ذلك بعد، ووضعهم تحت المتابعة النفسية لأن المشهد الذي اضطروا إلى عيشه وهم مكتوفي الأيادي لأنهم كانوا مكبلين بالأوامر التي أتتهم من قيادتهم، سيتابعهم طوال حياتهم وآخر أنفاسهم. وفي كل لحظة يمكن أن يفقدوا توازنهم العقلي ولن يعودوا متحكمين في أنفسهم.
ولا أظن أن التبرير الذي منح لهم (أي بالوقوف ساكتين ومشاهدين بدل تخليص الضحية لتفادي سقوط ضحايا آخرين) سيساعدهم على الشفاء النفسي وتقبل الأمر يوما ما.
ليسوا هم المذنبين لكنهم سيعانون من وخز الضمير أكثر ممن أسدوا لهم التعليمات والأوامر، من تيزي وزو أو العاصمة، بترك جريمة تقترف تحت أعينهم دون حركة. من يجب مقاضاتهم هم هؤلاء، لكنني واثق من أن النظام الذي فرض على البلاد دستورا وبرلمانا ب 4 بالمائة من الأصوات فقط، لن يفعل، بل سيستمر في جمع الأخطاء حيث وجدت إلى أن تنفجر الماكنة.
إن من يفكر في تسليم انسان ليقتل من طرف جماهير هائجة لا مكان له في الشرطة أو أي مؤسسة أخرى في الدولة، بل مكانه أمام القضاء. يجب أن تحدد المسؤوليات ويعرف من وكيف اتخذ هذا القرار العجيب والغريب بترك مجموعة من الناس يحرقون شخصا بصفة جماعية أمام مركز شرطة، وأعوانه يتفرجون مكبلي الأيدي.
إن السلطة قبلت أن ترفض منطقة القبائل الانتخابات الرئاسية وأن ترفض الاستفتاء على الدستور وأن ترفض الانتخابات التشريعية، وذلك دون ان تعي بل وتظن أنها تحسن الفعل ربما. وإلى الأن، لا أتجرأ على ترك تفكيري يسرح كثيرا والظن بانها تفعل كل هذا فقط لكي تقضي على الحراك.
إن السلطة لا تحمل أي نظرة للعالم ولا ثقافة دولة الحق والقانون ولا تعرف ماذا يعني “روح القانون” ، تنظر تحت رجليها ولا ترى إلى، و ما وراء الحدث، تحاول سد الثغرات والثقوب عندما تحدث وتقتات مما تبقى من احتياطي الصرف الهزيل. فالسلطة لا تقرأ لخطاباتها المتهورة حسابا ولا لأفعالها غير المدروسة والتي تنم عن اتباع أهواء ومزاج ولا رأس لها ولا وجهة … مثل ما شاهدنا في منطقة القبائل بان يقبل عدم سريان القوانين الوطنية فيها.
وهذا ما يعنيه التسريح لمجرمين منتسبين لمنظمة انفصالية، الماك، بالانقضاض على شخص غير قاطن في المنطقة، كان موجودا في سيارة الشرطة، ومتوقفة أمام مركز للشرطة، أن يقوموا بفعلتهم أي بتعذيبه وقتله وحرقه ثم ذبحه.
إذا، بعد أن سمح للشرطة تسليم مواطن لانتقام شعبي مباشر وهي تنظر وبعد أمرها بانتظار الانتهاء من عملية القتل على المباشر لتوقيف القاتلين، ماذا يمكن توقعه في مناطق أخرى إذا حدث نفس الأمر؟ يذكرنا هذا الحدث بقرار سحب قوات الدرك الوطني من منطقة القبائل سنة 2002. لكن اليوم، الدولة تسحب من هناك أكثر من ذلك حيث سحبت احترام القانون، وإن كان هناك أمر نخشاه اليوم في المنطقة فليس الانفصالية بل العدمية.
إن هذا الحدث يعتبر الأول من نوعه ويفتح عهدا جد خطير على وحدة الوطن لأن الجميع يعلم اليوم أن القانون الجزائري لن يطبق في منطقة القبائل كلما يخشى من “انزلاقات امنية”. سنرى إلى أين ستأخذنا هذه “الفهامة”.
وما نراه هو أن مقتل جمال أخذ حجما قلما شاهدناه في تاريخ البحوث البوليسية. لقد أصبح مثل “التويزة” حيث يدلي الكل بما أمكنه من تسجيل وفيديو وشهادة ووشاية وتخمين أو إشاعة…. وهلم جرا…
لكن إلى حد الآن لم نسمع أي سلطة قضائية تتحدث عن تسلسل الأحداث بالتدقيق لكي نفهم ما جرى وخاصة ما سببه، ومن هم الآمرين به ومن قام به، سواء من جهة الماك أو من جهة الدولة التي استعملت حياة جمال كما أرادت دون استشارته.
لن يكفي أن نبني تذكارا وسط الأربعاء ناث إيراثن كما اقترحتُه تخليدا لتضحيته، ولا يكفي أن نعوض عائلته ماليا وتسمية ساحة في مليانة باسمه. فالقضية ليست مسألة عائلية فقط.
إنها قضية ضمير وطني ضرب في عمقه وزعزعت أسسه بسبب سلطة منقطعة النظير في محدودية النظر والرداءة. فكلما نطقت بكلمة لم تفكر في عواقبها وكلما اتخذت قرارا لا تحسب لأثاره حسابا، وكل حماقة تكررها، كلما تهدمت الوحدة الوطنية أكثر. أما اليوم، فإن كل فيديو يتم تقاسمتها في العالم الافتراضين، هي شبح يستيقظ في الذاكرة الجزائرية المتألمة والمثقلة بصدمة العشرية الدموية.
وبدل السكوت الثقيل هو الآخر وغير المفهوم السائد، يجب فتح نقاش عام للتعبير عن الذات لأن جمال بن سماعيل قد يصبح حقا بوعزيزي الجزائري الذي سيتسبب موته في هذه الظروف أحداثا ستغير وجه الجزائر، إن خيرا او شرا.
إنه ما يسمى ب”تاثير الفراشة” أو “تاثير البونادم” الذي تحدثت عنه كثيرا في مقالاتي التي رافقت بها الثورات العربية بين 2011 و2013.
