بقلم: نورالدين بوكروح
جزائر السلطة تناقص زادها وأيامها معدودة، بينما جزائر الشعب باتت تتعزز ويقوى ساعدها وهي تعبر الواحدة تلو الأخرى المصائب التي أرادت السلطة دفنها تحتها.
إن الثورة السلمية التي جعلتها السلطة مستحيلة، ستصبح ثورة لا يتحكم فيها أحد. إلى أن تصبح جزائر السلطة جزائر الشعب وتغسل الثورة المواطنة أدرانها. الأفضل للسلطة أن تفكر في طريقة إعادة مفاتيح الجزائر إلى شعبها والرحيل بدل أن يلتهمها حريق لن تطفأه أي مروحية.
إن جزائر السلطة التي ولدت من رحم الانقلاب في 1962 وحولت مسيرتها عن مبادئ نوفمبر 1954 لكنها اليوم تحتضر وهي على وشك الخروج من مدار جزائر المواطنة. نعم، إن ما يموت في القلب والضمير لا يلبث أن يموت حقا، ونعم نحن نرى أن الجزائريين باتوا يتقيؤون هذا النظام، الأسوأ في تاريخهم.
لكن، إذا وصلت جزائر السلطة إلى حافة الهاوية كما لم تصل إليها من قبل، فإن جزائر الشعب لم تقترب من باب جزائر نوفمبر أكثر مما اقتربت منه اليوم وإن فتحته فإنها ستحقق وعود الثورة التحريرية: تأسيس دولة ديمقراطية واجتماعية لإرادة الشعب وسيادته.
الكل يعلم أن الدولة التي تسير الجزائر اليوم دستورها ورئيسها وبرلمانها لم يحرزوا سوى 4% من أصوات الشعب، وهي الفئة التي تتكون في غالبها من الأشخاص الذين يجبرون على التصويت حيث أنهم خدام السلطة التي درت عليهم من خيرات الجزائر من غير حق، أومن البراغيث المتطفلين.
جزائر السلطة (الجمهورية الجزائرية الديمقراطية والشعبية) لم يعد لها أسس جمهورية ولا ديمقراطية ولا شعبية. فما التسمية التي تليق إذن بسلطة تستند على 4% من كتلتها الانتخابية؟ هل هي ديكتاتورية؟ أم مافيوقراطية (عصابة)؟ حكم الأثرياء؟ أم طغمة عسكرية؟ وفي أحسن الأحوال، فإن جزائر السلطة ما هي سوى دولة “ربعه دورو” حسب الكلمة الشعبية المعروفة والتي تعني الشيء الذي لا قيمة له ولا مصداقية والطراز الرديء من الأشياء (قش بختة).
هذه السلطة الغير شرعية تعمل كل شيء يدفع الشعب إلى فقدان الأمل، وبذلك تقطع الأواصر معه نهائيا، وتبادر بكل شر أمكن لتأذيه، عن احتقار أو عدم الكفاءة، بل جمعت بين الاثنين.
وتبون قد صفر نهاية المقابلة يوم قال إنه لا يهمه تصويت الشعب. أبدا لم يقم أحد السياسيين بغلطة مثل هذه، حيث لم يفقد أحد منهم عقله للسماح لنفسه بالنطق بمثل هذه الترهات أمام الملأ.
لعب الوقت الرسمي في ثلاث مراحل: انتخابات رئاسية مزيفة، استفتاء سلبي وبرلمانا ب «ربعة دورو”، 4% من الأصوات. أما اليوم، فإن الجزائر تلعب الوقت بدل الضائع قبل الذهاب إلى الوقت الإضافي، لكن بعد هذا كله، يجب أن يكون هناك رابحا وخاسرا. والوقت الإضافي هي الانتخابات البلدية والولائية.
هذه الدولة ما زالت يديرها من الخلف نفس المكلفين بالخدمة في عهد بوتفليقة، وهم من سيقومون بتبديد ما تبقى من الدنانير التي لم تسرق في وقته، وسيكون ذلك في أمور شعبوية فقط طامعين في كسب بعض الود وبعض الأصوات.
ونحن نقول إن دولة من هذا الطراز لا يمكنها أبدا النجاح والحصول على مردودية، مهما فعلت وتخبطت وكذبت، فإنها لن تنال ما تنجح فيه دولة شرعية، وكل ما ستقوم به سيستقبله الشعب بازدراء كما ينظر لسلعة “ربعة دورو” ودواء مغشوش.
إن السماء والأرض والنار والماء والشعب الجزائري ثاروا معية في غضب عارم ضد هذه الدولة التي تنقصها الشرعية والذكاء.
إن السلطة فكرت في فصل منطقة القبائل ودبرت للأمر وفكي الفخ اسمهما شنقرينة(Chengrina) وبنقريحة(Bengriha”).
دولة “ربعة دورو” لا يمكنها التصدي للرياح العاتية إن استمرت، فأبناء الصحراء بدأوا مسيراتهم ضد البطالة، والشباب “يقطع” الطريق في كل مكان ردا على من “يقطعون” عنهم الماء، والهياكل الصحية لم تعد تستوعب العدد الهائل من المرضى المتوافدين عليها بفعل متحور ”دلتا”، وانهيار الدينار … كلها مؤشرات على أن البلد لم يعد يحتمل ثقل أسوأ سلطة عرفه الجزائريون.
إن التعذيب الذي تعرض له الشاب جمال بن سماعيل رحمه الله على يد مجرمين في الأربعاء ناث إيراثن تحت صراخ “السلطة قاتلة”، والكلمات المفعمة بالمثل السامية التي قابل بها والده موت ابنه الشنيعة سيبقيان في الأذهان كإرهاصات الجزائر الموحدة والمتضامنة في السراء والضراء.
قد تفكر السلطات المعنوية والإدارية للأربعاء ناث إيراثن في جعل صرح تذكاري للمثل الأعلى الذي من أجله مات جمال ومات “الشهداء” من قبله بين 1847 و1962. وأنا شخصيا، سأذهب هناك لأنحني أمامه، أمام أرواحهم.
