ترجمة ساعي عــايدة
يُعدُّ أسلوب الحكايات الرمزية (fables)من الأساليب الأدبية في الكتابة، وعُرف هذا الفن في شكليه المدون والشفهيمنذ العصور الغابرة، ورغم قدمه، إلا أنّه لم يندثر لأنه يقدم أسمى الدروس الأخلاقية الفلسفية والسياسية في لغة بسيطة واضحة ومسلية.
و من بين من أثروا هذا الفن برسائلهم النبيلة نذكر الإغريقي ايزوب ((Esope، الأمازيغي ابيلي دو مادور((Apulée de Madaure، ابن المقفع (الذي تذكر بعض الروايات أن استعماله لهذا الأسلوب كان احد أسباب مقتله) و جين دو لافونتين (Jean de la Fontaine). ومما قاله هذا الأخير: “ استعين بالحيوانات لتعليم البشر“.و هذا صحيح، فالحكايات الرمزية يمكن أن تربي الشعوب و الحكام بشرط أن يرغبوا هم في ذلك، لأنّ هناك منهم من يعتبر أن لا حاجة له:لا للحكايات الرمزية و لا للتربية.
عندما كانت حرية التفكير متاحة في أرض الإسلام، حرر ابن الطفيل (القرن 12 عشر ميلادي) أوّل رواية فلسفية وهي قصة “حي بن يقظان”، والتي يحكي فيها قصة طفل تم التخلي عنه عند ولادته في جزيرة خالية لتنقذه غزالة، ومن خلال سرد أحداث الرواية يصل الكاتب إلى فكرة إمكانية معرفة الإله باستعمال القدرات العقلية وحدها، وبدون تدخل أي ديانة، أو وساطة أي نبي أو وصاية أي عالم.
لم يُحَل ابن الطفيل حينها إلى المحاكمة ولم يصدر أيّ آية الله ضده فتوى تهدر دمه، كتلك التي أصدرها الخميني ضد سلمان رشدي منذ 30 سنة ولا زالت سارية المفعول. من حسن حظ رشدي، أنّه كان يملك سرعة فوراست جيم (Forrest Gump)..
أمّا أوّل رواية نثرية فقد أصدرها الجزائري، ابيلي دو مادور (في القرن الثاني ميلادي) كان عنوانها “الحمار الذهبي” و بطله رجل اسمه لوسيوس، مسخ بحيلة سحرية إلى حمار ليجد نفسه في مغامرات عجيبة.و بمناسبة حديثنا عن الأحمرة، فلنبدأ بقصة جحا و حماره.
هذه الشخصية الخرافية التي تقدم أحيانا في شخص حكيم أو محتال، وفي أخرى في شخص أحمق غبي، على حسب القيمة المراد استنباطها من قصصه. تروي الحكاية أنه كان في يوم ما يتعين عليه سفر برفقة زوجته وحماره في رحلة طويلة، يعبر خلالها بمناطق يسكنها أناس بذهنيات مختلفة.
في وقفته الأولى، حين كان يمشي هو وزوجته سيرا على الأقدام، صادف رجلا ظريفا لم يتوانى عن إبداء ملاحظته له:” لماذا تجبر، يا صديقي العزيز، زوجتك على المشي وأنت تمتلك حمارا؟” خجل جحا من نفسه وعمل بنصيحة الرجل، لكن الوضع لم يستمر طويلا فقد وجد في محطته التالية عجوزا بشارب مفتول (موسطاش) قذفه بكلماته متذمرا:” منذ متى تركب المرأة ‘حشاك’ على ظهر الحمار في حين يمشي الرجل على قدميه؟ أتعلم، لم يحدث هذا من قبل!” انصاع جحا لرأي العجوز وأمر زوجته بالترجل ليحل محلها.
في مدخل قرية مجاورة لم يكن يعلم المسكين أن هناك من لن يرضيه هذا المنظر، فبمجرد ما رأت امرأة من أنصار الحركات النسوية موكب جحا أقامت الدنيا على رأسه و لم تقعدها قائلة:”أيها المهووس، تعتقد نفسك ذلك الثري العظيم و تتبختر على حمارك الصغير، في الوقت الذي تكابد فيه رفيقتك عناء المشي…” قفز جحا من فوق حماره و هو يضرب رأسه بيديه محتارا فيما عليه فعله ليتجنب هذه الملاحظات اللاذعة.
قرر إذن أن يركب هو وزوجته ظهر الحمار، معتقدا أنّه وصل للحل الأمثل، لكن اعتقاده فنده لقاء رائد جمعية الرفق بالحيوان الذي بادره قائلا:”ألا تشفق على هذا الحيوان لتركب أنت ومرافقتك، كلاكما عليه؟” استاء بطلنا من موقفه معتقدا أنّه أخطأ مرة أخرى. فرفع الحمار على كتفيه مواصلا سيره تتبعهما زوجته. لكن مصيرا ساخرا كان في انتظاره، فقد علق عليه أحد الماكرين من وراء حاجز من القصب:” أيها الأحمق، هل تحمل الحمار في حين عليه هو أن يحملك؟ من “الدأب” أنت أم هو؟”…
في النهاية لا نعلم بالضبط ماذا فعل جحا هل انتحر؟ هل شق عباب البحر كـ”حراق”، هل واصل مسيرته ماشيا أم عاد أدراجه…وكائنا ما كان قراره.. فالحكمة من قصته هي أننا سنتعرض للنقد مهما فعلنا، و لو أصغينا إلى الغير فلن نفعل أي شيء.
الشعوب العربية التي قامت بثوراتها، تعيش تماما وضع جحا. عندما كانت ترزح تحت نير رقّ الاستبداد، قيل عنها في احتقار أن لا قيمة لها ولهذا استحقت المصير الذي تعيشه. وعندما انتفضت وهي تهدد استقرار أوطانها للتخلص من الاستبداد، وصفت بأنها إما كانت مسيرة وبالتالي فهي كالحمير لا تفقه شيئا، أو أنها خائنة. وعندما صوتت بحرية، ولأول مرة، اتهمت أنها لم تنحى في الوجهة الصحيحة المتمثلة في الديمقراطية بل اتجهت إلى الخيار الخاطئ وهو الإسلاموية.
هذا الوضع يطرح أسئلة حقيقية لكنها لا تجد إلا الأجوبة الخطأ: هل كان على الشعوب أن تثور وتراق دماؤها كي يأتي رجال مهيؤون سلفا لقطف ثمار ثورتهم؟ ألا يكونون وطنيين وأذكياء إلا إذا قبلوا بأن يحكمهم ديكتاتور، أو جاهل أو فرد من عائلة مالكة جشعة؟
هل كان يجب أن يبقى كل من بن علي، مبارك، القذافي وصالح في الحكم حتى لا تحدث المآسي التي شهدتها بلدانهم؟ هل توجّب ألا يتغير شيء في المغرب والمشرق حتى لا تنجح نظرية المؤامرة كما هو الحال الآن؟ هل كان على الشعوب تحمل نزوات حكامها عل مضض كي لا يقلقوا منام الآخرين وراحتهم؟
هذا أكيد ما كان يتمناه كل من بن علي، مبارك، القذافي وعلي صالح عندما أصروا على البقاء في السلطة، وهذا ما لا يزال يرجوه بشار بموقفه المتصلب. لم يجرؤ هؤلاء الظَلَمة أن يقولوا لشعوبهم:” سنقوم بالتغيير دون أن ندمر بلداننا، دون أن نتقاتل فيما بيننا، دون أن نسمح للأجنبي بالتدخل”، بل كان خطابهم على العكس تماما:”نحن وبعدنا الطوفان، نحن أو بحر الدماء، نحن أو الحرب الأهلية، نحن أو تقسيم البلد…”
لا يذعن السيئ من تلقاء نفسه عندما يرى طريق الأفضل، بل يغلق على الفور المنافذ الموصلة إليه حتى لا يترك المجال مفتوحا سوى للأسوء.الشعوب التي انتفضت، لم يكن لديها حلول بديلة قريبة -الأفضل- لقد غامرت باختيار الأسوء لاعتقادها انه لن يكون أكثر مما قاسته. لم يكن لديها خيار، فإمّا ألا تفعل شيئا، أو أن تقوم بما قامت به.
بما أن الأفضل غاب عن الأذهان والأسو وصل الذروة ولم يعد يحتمل فلم يكن هناك مفر من الثورة. لأننا عندما نصل إلى النهاية، نخوض في الأسوء حتى وإن لم نحضر الأفضل بعده، حتى وإنّ جهلنا ما قد يحمله لنا الغد. وكما يقول المثل:”لا يمككنا عمل العجة دون أن نكسرالبيض“. مكابرة القذافي هي التي أجبرت اللبيين لخوض غمار الحرب الأهلية و من بعدها تدخل الأجنبي.هم لم يقبلوا بالعودة إلى نقطة الصفر، إلاّ لأملهم في صناعة الأفضل يوما.
مات حمار بوريدان جوعا و عطشا لأنه كان محتارا بما يبدأ، الماء أو الكلأ.المستبدين العرب أرادوا الإغلاق على شعوبهم فيما عُرف منذ هذه التراجيديا الحمارية بـ”مفارقة حمار بوريدان”:تجميدهم في الاستسلام و الرضا بالأسوء لمنعهم في الفصل بين بديلين الأفضل و الأسوء.
كان جين بوريدان(Jean Buridan) ، الفيلسوف الفرنسي الذي عاش في القرن الرابع عشر، كعلمائنا المسلمين، لا يؤمن بحرية الإنسان و لا بالإرادة الحرة. في الوقت الذي أثبت الحمار الذي بقي اسمه مرتبطا به أنّه يمكننا الموت إن لم نقرر، إن لم نختر، وإن لم نجازف وهذا ما فهمته الشعوب.
اتخذت الثورات العربية مخرجا لها في الإسلاموية. لكن هل أعطى المستبدون للتيار غير الإسلامي المناخ كي يؤسس نفسه، وللقوى السياسية الديمقراطية التي لم تزل في مرحلتها الجنينية الفرصة لتنتظم؟ الجواب لا، كانوا هم أو الفوضى، فكان رد الشعوب:”فلتحيا الفوضى!“.
إلى غاية العام الماضي كان للتونسيين، المصرين واللبيين مشاكل مع حكامهم. لكن منذ اندلاع الثورات، وإجراء الإنتخابات، لمن انتخب، صارت مشاكلهم مع أنفسهم. لابد أن يُمنحوا بعض الوقت، فإمّا أن يبرزوا قدرتهم على رفع تحدي العصرنة، أم أنّهم سيستبدلون عملة مزورة بنظيرتها. وذلك بتنصيب أبي يزيد («رجل الحمار” الذي ذكرناه في مساهمة سابقة) مكان ديكتاتوريهم السابقين. إذا رؤوا في المشعوذين الجدد الذين خرجوا لخدمتهم من مصباح علاء الدين السحري، فهم يستحقون المصير الذي سيلقونه عن جدارة.
على الشعوب التي قامت بثوراتها أن تثبت أنها أمم، مجتمعات ودول جديرة بهذه الأسماء. وبعيدا عن السياسة والانتخابات، ما يهم هو ضمير الشعوب، التركيبة البيولوجية للأمم، نتائج تجربة ” القابلية للاستمرار” التي وضعت إزائها عندما ادعت هذه الميزات.
لا يفضل قول ذلك، لكن العديد من الدول التي تحررت من الاستعمار كانت دولا مزيفة. “دولة، أمّة، وطن..”لقب لا يقدم كهدية و لا يرتجل بسرعة، بل يُبنى ويُصان باستمرار.التاريخ أعطى للكثيرين الفرصة كي يصبحوا مجتمعات، اقتصاديات و دول، لكنهم لم يعوا ذلك جيدا. بلد كـ” مالي” تم تقسيمه إلى اثنان من طرف بعض المئات من المقاتلين في ظرف 72 ساعة.هل هذا معقول؟ ليبيا حصلت على استقلالها بتدخل من الأمم المتحدة سنة 1949. القذافي أركعها وسرق خيراتها ثم تركها على حالتها العشائرية كما كانت سنة 1949.هل يعقل هذا أيضا؟
الثورات العربية هي دورات من أربع مراحل:كما رأينا في كتاباتي السابقة، هناك مرحلة التمرد و اليقظة السحرية، ثم مرحلة الثأر و الإنتخاب المتعصب، أمّا الآن فنحن في مرحلة الوهم و ” الحل الإسلامي”، هذا الأخير الذي بدأت مرحلة الواقعية و الحلول البراغماتية تزاحمه و تدافعه بقوة.
أكدت النهضة أنّها لن تطالب بإعادة كتابة المادة الأولى من الدستور التونسي، كما تمّ حل اللجنة المكلّفة بكتابة الدستور المصري الجديد من طرف المحكمة الإدارية في القاهرة. يحافظ الإسلام المؤسساتي على بعده عن الإسلام السياسي في البلدين. أمّا في ليبيا فعلينا انتظار انقشاع سحب غبار فرسان القبائل حتى تتضح الرؤية. لم يُحسم شيء في هذه الدول، والمجال مفتوح لكل الخيارات من أفضلها إلى أسوئها.
عرف تاريخ العالم العربي اضطرابات عظيمة، قادته تحركات تلقائية كان يمكن أن تذهب به في الإتجاه السليم أو الخاطئ. في بصيص الضوء الخافت حيث نحن من المستعجل بل من الضروري أن نتكلم، أن نصرخ، أن نكتب لنوجه من هم في الظلام، من اختطفتهم هذه التحركات التي قد تفقد صوابها،على أمل أن نعيدهم إلى الاتجاه الصحيح في مسيرة التاريخ. التحرك العفوي الذي ينبع من ذاته، يمكنه أن يتقدم إلى الأمام كما يمكن أن يتراجع إلى الخلف.
إذا كانت هناك نخب فعلية في هذه البلدان فعلى دورها أن يبرز الآن وليس لاحقا، عليها أن تظهر، أن تعبر، أن تشرح وتفسر قبل فوات الأوان، مثلما تفلت الدابة عن أي سيطرة، عندما يتم إسكاتهم، سحقهم آو نفيهم إجباريا. وكما يقول كهنة المسيحيين عند الإعلان عن سر الزواج المقدس:”من لديه شيء ليقوله، فليتفضل الآن أو ليخرس للأبد“.
لو قارنا ما نعايشه، فلن نبالغ في تمثيله بحفلة زواج تحضيراتها جارية، ولم تختم بعد، لكن الدعوات وُزعت. لا يزال هناك متسع لطرح أسئلة أو حتى لإلغاء الزيجة: هل هو زواج مدني أو عقد قران بالفاتحة، زواج حب أو مصلحة، إجباري أو بالتراضي، طبيعي أم شاذ، بين كائنين متوافقين أم بين الماء والنار، الذي قد ينتهي إلى طلاق أو إلى اقتتال؟
رأينا في كتاباتي السابقة كيف أنّ الإسلام الذي جاء بروح ديموقراطية، والتي لم تدم أكثر من ربع قرن ليحل محلها روح القبلية العربية، لم يعرف سوى سلسلة من الملكيات أو الجمهوريات الإستبدادية المتوالية، وكيف أنّه وهو الذي جاء بروح تحفيزية للعلم، للإبداع العلمي والتكنولوجي- أطفئت أنوارها في القرن 12 بتيار فكري يحمل فكرا مختلفا للدين- لم يعرف سوى القدرية، الصوفية، الشعوذة، الوهابية، وأخيرا إسلاموية الشارع والإرهاب.
من خلال منطق تقهقر فكري-جيني، ينتقل في اتجاه مضاد لتحسين النوع، حيث السيء ينشء الأسوء والقدري ينتج الإرهابي، أنشأت ” العلوم الدينية” العلماء، والقدريون الصوفيين، والصوفيون المشعوذين، و الإبنتيميون و الوهابيون الإسلامويين. في فترة الحضانة، ينقلون ذواتهم ويورثون مخزونهم الجيني. وبما أنّ كل الإناء بما فيه ينضح، تكون الحضانة انعكاسا للمحتضن، إن أنوارا أو ظلمات. عندما نربي نسلا سننقش فيه الأفكار التي نحمل والتي توارثناها وتعلمناها طيلة حياتنا.
لو عدنا قليلا إلى الوراء، لن نصادف في حالة الإسلام، الفلسفة التنويرية والعلمية لابن خلدون أو المعتزلة، لن نصل أيضا إلى النور الأخلاقي والسياسي لعمر بن عبد العزيز، أو الخلفاء الراشدين، ستوقفنا مباشرة جبال الهيمالايا التي صنعها العلم الديني. سنقع مباشرة أمام سور الصين العظيم الذي نصبه الأشعري أمام المصادر الإسلامية منذ 12 قرن. لا يمكننا الوصول إلى مصدر النور لأننا سنتوقف عند مصدر الظلمات والذي بإحتساب الفرق الزمني ينشر ظلاما أكثر ظلامية.
النور الخافت الذي تشعله بعض العقول المتفرقة في العالم العربي الإسلامي أو في أوروبا خلال هذه القرون الأخيرة لا يمكن أن ينير إتساعا بهاذه الشساعة. لقد انتقلنا من سيء إلى أسوء، أو كما يقول اليونانيون في أسطورتهم “لقد سقطنا من شاريبديس إلى سيلا”، وهم الذين قدموا للعالم أولى حصاد العقل ومفاتيح الفكر العلمي، لكنهم إختفوا في دوامات التاريخ دون أن يفهم أحد السبب. آخر الأخبار، تقول إنهم مفلسون بالمعنى القانوني للكلمة، ولن ينجوا سوى بفضل دعم الإتحاد الأوروبي لهم. ربما عليهم بيع إحدى جزرهم للخروج من محنتهم. حقيقة التاريخ لا يرحم.
ماذا يمكن أن نفعل ونحن مربوطين بخيط، خيط البترول؟ إذن لا داعي للضحك على الآخرين: الأفغان، الصوماليين، الليبين، الماليين، و لا لأن نعتقد أننا أكثر ذكاءا منهم بالنظر إلى انجازاتنا في مجال الإقتصاد و الإرهاب. ولنعد لحميرنا.
لو لم يضيع القذافي وقته في كتابة الحماريات التي تضمنها “كتابه الأخضر” وتكرم بتخصيص سويعات من سنواته الإحدى والأربعين في الحكم لقراءة الأساطير التي هذبت الخلفاء في زمن ابن المقفع والملوك الحقيقيين في زمن لافونتين، لربما لم يلقى النهاية التي لاقاها: محاكمة على الملأ، أمام منفذ للمجاري حيث تطارد الفئران. ولو قرأ”الأسد والفأر”، والتي كأنها أسطورة كتبت لأجله من طرف المؤلف الفرنسي، لكان ربما لا يزال على قيد الحياة (وإن كانت الأعمار بيد الله).
الحكاية الرمزية التي بدأت بالكلمات التالية:”لابد، وقدر ما نستطيع، أن نخدم الجميع: نحن غالبا في حاجة لمن هو اقل منا“، عالجت فكرة انه بعد الخدمة التي قدمها الأسد لفأر ضعيف في محنته، جاء اليوم الذي كان الأسد محجوزا في شبكة لم تنفعه معها لا أنيابه ولا زمجرته لينقد هذا المسمى ‘فأرا’ حياته في آخر لحظة. لو كان القائد الليبي صاحب فضل على مواطنيه (بأن قدم لهم الخير)، لما انتفضوا ضده. ولتوفي على سريره”معززا مكرما”، ولدُفن في ضريح بدلا من قبر مجهول في الصحراء.
الدبلوماسية الجزائرية هي في وضع “جحوي ” منذ مدة. لقد كان “حق تقرير المصير للشعوب” في ذروته خلال حقبة التحرر من الاستعمار، وكان يحيطه عبق القداسة في كواليس الأمم المتحدة. أمّا اليوم ، تريد الأقليات العرقية، الدينية أو السياسية الإستفادة منه، للمطالبة باستقلالها الذاتي أو استقلالها عن الدول التي لم تعد ترغب في العيش فيها. بعد أن تبنت باكرا “هذا المبدأ غير الملموس” الذي هو أساس سياستها في مسألة الصحراء الغربية، لم تعد دبلوماسيتنا تعرف كيف تبرر ذلك في السياق العالمي الجديد دون الشعور بالحرج أو التعرض لاستياء طرف أو آخر.
اعتقدت البوسنة أنها يمكن أن تستخدم هذا الحق للحصول على اعتراف بلدنا، لكنّها عادت بخفيّ حُنيْن. وتأملت الحركة الوطنية لتحرير أزواد، التي استحوذت على نصف مالي لإقامة دولة بالتذرع بهذا المبدأ للحصول على الإعتراف بها، فقوبلت في النهاية بالرفض. لو فعلت دبلوماسيتنا ذلك، لانتفض “الرئيس” فرحات مهني على الفور باسم “حكومة القبائل المؤقتة” على كيل الحكومة الجزائرية بمكيالين، وطالب بفتح مفاوضات فورية مع حكومته.
لا نعلم بالضبط في أي فترة تم إنشاء نقطة العبور على الحدود بين المغرب والجزائر التي أطلق عليها اسم”زوج بغال”(بغلين اثنين). إذا بحثنا عن أصل هذه التسمية سنجد على الأرجح إثر الروح المسيطرة الموجودة في ذهنية البلدين: العناد والمكابرة. من العبارات المعروفة والدارجة في المغرب العربي” حمارنا أفضل من بغلكم“. قد يكون تمكن أحد الحكماء من الوصول إلى توافق بين البلدين الجارين حول تسمية نقطة العبور هذه وحقق التعادل بينهما.
حاليا، الحدود مغلقة من جديد بسبب الأزمة الصحراوية و التي لم يسمح التصلب في الرأي للطرفين بحلها منذ أربعين سنة.في هذه القضية، و يؤسفني أن أنوه إلى أن المغرب حصل على الغنيمة المثمرة في حين حصلنا نحن الشعارات والسراب، هذا الأخير الذي كان مكلفا لنا .لا بأس “ماعليش”، المبادئ لا تقدر بثمن، سنعزي أنفسنا بأن نردد “تاغنانت، تخسارت“.
لوسوار دالجيري 15 أفريل 2012
“جريدة الشروق اليومي” 27 ديسمبر 2015
“جريدة الحوار” 05 جانفي 2017
موقع الجزائر اليوم 03 نوفمبر 2016
