ترجمة وليد بوكروح
كان يا ما كان في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، حضارتان، إحداهما من الشرق، هرمةٌ تَتَقوَّضُ تحتَ أثقال قُرون من الزمان، وأخرى من الغرب يانعةُ الشباب في أَوج القوة والعنفوان. التَقَت في القرن الرابع عشر الغريمتان، وجها لوجه والتاريخ ثالثُهما حَكَمٌ يُهَيّئُ لكلَيهما الامتحان. ينظرُ للأولى التي رافقته طويلا على مرّ الزمان؛ ثم يقول لها بحسرة وأسف: “الوداع” ويُديرُ ظهرهُ ليَتَمَعَّنُ في الثَّانية التي لم يعرفها من ذي قبل. يتأمل فيها، وبابتسامة عريضة يرحبُ بها ويقول: “أهلا وسهلا”.
لكن الريبةُ تَتَمَلَّكُ التاريَخ فجأة عندما يتذكر ما اعتاد عليه منذ قديم الأزمان: أَنَّ الشمسَ تطلعُ من الشرق وتنصرف إلى الغرب. فيتردَّدُ قليلا ويُفَكّرُ: أليس في هذا اختلالٌ لقانون الأكوان؟ لكنه سرعان ما يعود إلى رشده، ويتذكرُ أنَّ دورهُ لا يعدو الشهادة وتدوين ما تصنعه يد الإنسان. ثم مَن يكترثُ من أين تأتي وأين تذهب الشمس؟ أليس الأَهَمُّ أن تَستَمرَّ في بَسط نورها على البلدان؟
وهكذا تَرَكَت الحضارةُ الإسلاميةُ عهدَ الحداثة الذي لم تَعُد لها فيه ناقةٌ ولا جملٌ وعادت أدراجها حزينةً مجعدةَ الوَجه كئيبةً الملامح إلى القرون الوسطى وغابر الأزمان؛ بينما نَفَضَت الغربيّةُ غُبارَ قُرون التخلف عن ثيابها لتضعَ قدميها مرحةً لعوبًا في عصر الحداثة الذي كُتبَ لها أن تحقق فيه أشياءً عظيمة. ” وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس…” لقد أنذرنا بذلك وخبّرنا القرآن.
عندما نتفحّصُ حالَ العالم الإسلامي في وقتنا هذا ندركُ من الوهلة الأولى أنَّ الإسلام فشل، ما عدا استثناءات نادرة، في ترقية الإنسان المسلم إلى مستوى التطور الفكري والعلمي والتكنولوجي والمؤسساتي والعسكري والاقتصادي الذي بلغتهُ الحضارات الأخرى. كدنا نفقدُ فيه الأملَ منذ قرون ونَيأسُ منه إلى الأبد لَو لَم تُوجَد في الماضي مساهماتهُ الهائلة في تطورالعلوم والفنون وشتّى الاختراعات التقنية والفكر؛ و لَو لم نُدرك الوثبةُ العملاقة التي سمحَ للبشرية بتحقيقها منذُ لحظة ظهوره حتى القرن الرابع عشر و مقدمة ابن خلدون؛ و لَو لَم نَتَذَكَّر أنَّهُ لم يَكُن دائما على هذا الحال من الهوان.
لكن المشكل في الحقيقة لا يكمن فيه هو إنّما في الدعائم الاجتماعية التي حملته. فالإسلام لم يأت ببشرية جديدة عند مجيئه ولا نَزَلَ على إنسان جديد خرجَ لتَوّه من بين أيدي الخالق، بل ركب قطارَ الإنسانية وهو يَسير، فَنَزَلَ عند شعوب كانت تَحملُ ذهنيات وعقائد وأنماطَ حياة وصراعات مصالح وأحقاد قبلية ونزاعات متوارثة سبقتهُ وتواصلت بَعدَ قُدومه.
إنهُ لَم يَخلُق الإنسانَ المسلمَ من العدم، بل أَمسكَ بالإنسان العربي، القريشي، الفارسي، الأمازيغي، التركي، البشتوني، المغولي؛ وصَبَغَهُ باللَّون الأخضر ثم ألقى به في حلبة التاريخ. والشعوبُ التي حلَّ عندها الإسلامُ قد “تَأَسلَمَت” (إن صح القول) لكن سطحيا فقط، إذ هي احتفظت في أعماق ذاتها بأنظمتها الفكرية وتركيبتها النفسية وجيناتها المتوارثة؛ التي ما انفَكَّت أن تَغَلَّبَت في أول فرصة على الروح الجديدة التي جاء بها مُعيدَةً بذلك إيّاها إلى أنماط حياتها وتفكيرها القديمة.
لَقَد غَلَّفَ الإسلام عقلياتهم في السطح لكنه لم يحولها في العمق، حيث رأينا كيف كانت هي التي أَقلَمَتهُ في ما بعد و حاكَتهُ على مقاس ميولها الطبيعية، جاعلةً منه شيعيا في إيران و وهابيا في الخليج وشعوذةً في المغرب وإفريقيا وطالبانيا في أفغانستان، و “تَأَسلُماً” سياسيا و إرهابيا هنا و هناك. وأخيرا إسلاما سياسيا منتصرا في الإنتخابات الديموقراطية منذ نهاية القرن العشرين.
الإسلام في الأصل تصورٌ للوجود ونظامُ قيم عُرضَا على الإنسان منذ أربع عشر قرنا مضت، صَنَعَت منهُ أجيالُ المسلمينَ الأُولى حضارةً بينما جعلت التي تلتها منه انحطاطا. ومن الممكن أن نستعرضَ هنا لماذا غرق الإسلام في الاستبداد والظلامية، ولماذا لم يتمكن من إعادة تشغيل مُحَرّكاته من جديد منذ أكثر من قرن رغم تعدد المحاولات في سبيل ذلك.
يجب أن ندرك أولا أن تاريخ الإسلام جرى تزيينه واقتطاع أجزاء معتبرة منه مرارا، بذريعة وجوب حمايته من أخطاء البشر وتصويره في أجمل حلّة. وقد أُلّفت على مر القرون آلاف الأطنان من الكتب استنادا لهذا الاعتبار، و قد استُنبطَ من هذه الأعمال الافتخارية لكن البعيدة في الكثير من الأحيان عن الحقيقة، أغلبُ التعليم الذي تدرّسه المدارس والجامعات، خاصة الإسلامية منها.
رفض الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لحظة وفاته أن يعيّن خليفة دنيويا له وذلك رغم ضغوطات محيطه. فقد كان يرى أن ذلك من شأن المؤمنين عملا بما أوصاهم به القرآن الكريم (” أمرهم شورى بينهم”). من بين الخلفاء الأربعة الذين كان لهم أن يخلفوه، انتُخبَ الأول أبو بكر (الذي بقى في السلطة لأقل من ثلاث سنوات) من قبل من كانوا حاضرين في المكان ذلك اليوم؛ أما الثاني، عمر (الذي بقي عشر سنوات)، فقد نُصّبَ من قبل أبو بكر على فراش موته. والثالث، عثمان (12 سنة) تم تعيينه من قبل لجنة، أما الرابع، علي (4 سنوات) فتولى الخلافة من خلال الرجوع إلى الإرادة الشعبية.
ثلاثة من هؤلاء “الخلفاء الراشدين” الأربعة ماتوا مقتولين.”أم الأزمات”، الأزمة السياسية التي كانت لتضرب الإسلام والتي تفرعت منها جميع الدراما التي حدثت لاحقا اندلعت أثناء خلافة علي. كان أبطالها بنو أمية و هم عائلةُ أبي سفيان و ابنه معاوية التي قاتلت النبي إلى غاية يوم فتح مكة؛ و بنو هاشم و هم العائلة التي ينحدر منها النبي وابن عمه علي.
عثمان (وهو من بني أمية) كان قد انغمس خلال فترة خلافته في المحسوبية وقام بتعيين أبناء عشيرته في أجهزة الدولة وعلى رأس الولايات، لهذا السبب أطيح به وقُتل خلال فتنة كان يُشتبهُ في علي بالوقوف ورائها. وعندما اعتلى هذا الأخير الخلافة رفض بنو أمية الاعتراف به وتكتلوا ضده حتى لحظة اغتياله من قبل أحد الخوارج. وعندما انتصر معاوية في نهاية المطاف باستعمال المكر والرشوة، قام بدفن مبدأ انتخاب الخليفة واستبداله بالانتقال الوراثي للسلطة. وكان هذا أول انحراف خطير عن روح الإسلام: فالسيادة الشعبية التي هي أساس الديمقراطية ودولة القانون ألغيت بذلك نهائيا من تاريخ الإسلام.
هذه الأزمة السياسية التي قسمت صفوف المسلمين إلى ثلاثة كانت لتتطور إلى أزمة دينية وقانونية وفكرية، ولينتج عنها ثلاث مذاهب دينية: الخوارج والشيعة والسنة. كان تيار الخوارج أول من ظهر منها (سنة 657) وجمع الذين تركوا على بعد أن كانوا يساندونه في أول الأمر لأنه وافق على عرض نزاعه مع معاوية على التحكيم. مفهومهم السياسي هو أن كل مسلم بغض النظر عن عرقه أو لونه يمكن له أن يعتلي منصب الخليفة.
ثم ظهر المذهب الشيعي في عام 660 وجمع المدافعين عن شرعية علي، والذين مفهومهم السياسي هو أن الخلافة يجب أن تعود إلى عائلة النبي (“أهل البيت”). أما المذهب الثالث وهو السنة، فقد قبل عكس سابقيه بانقلاب معاوية وكان بالتالي مضطرا لإضفاء الشرعية عليه. فأقرّ اعتماداً على حديث شريف خصّ قبيلة قريش التي تنتمي إليها السلالة الأموية المؤسسة من قبل معاوية، بأن تبقى الخلافة في تلك القبيلة. وبهذا دشن المذهب السُنَّي عصر الفكر الواحد في خدمة الاستبداد، ودعم في القرون التي تلت ذلك الأنظمة الملكية كما الجمهورية على حد سواء.
لو افترضنا أنّ المليار مسلم من مختلف المناطق والأعراق والألوان أعادوا التشكل في دولة إسلامية مركزية أو فدرالية، فما سيكون المذهب الديني والسياسي الذي سيتوجب عليهم أن يحتكموا إليه بغية تعيين الخليفة؟ من حيث المبدأ، المفروض أن يحتكموا إلى أقرب المذاهب إلى القرآن والسنة والأكثر ديمقراطية و عقلانية و هو مذهب الخوارج. لكن هذا الأخير بمثل الأقلية حتى لا نقول إنه اختفى تمامًا. بينما نضيره السُنّي كان قد فرض ذاته وانغلق عليها منذ زمن طويل.
سبق وأجريت في مقال سابق مقارنة بين خطاب أبو بكر عند توليه الخلافة وبين إعلان الاستقلال الأمريكي، لأثبت أن النصّين المؤسّسين يحملان نفس الروح الديمقراطية ويحثّان على نفس الموقف تجاه الاستبداد. كما يوجد كذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: “كما تكونوا يولّى عليكم”، الذي يستبعد حسب ما جاء فيه فكرةَ أن يجري تعيين الحكام خارج السيادة الشعبية بما انه أقرّ بإمكانية الاختيار. هذا يعني بلغة مبسطة أنه إن كنا نحمل ثقافة الديمقراطية فسيكون لدينا مؤسسات ديمقراطية، وإذا كنّا نحمل ثقافة الاستبداد فسنذل من قبل نظام مستبد، أما إن كنا نحمل الثقافة العقائدية فلا ينبغي أن نفاجأ إذا حكمتنا الإسلاموية.
وفي مساهمة أخرى طلبت من العالم المصري طهطاوي أن يترجم إلى مفردات عصرية المبدئ الذي معناه أن “الدولة المؤمنة لا يمكنها البقاء إذا ما لم تقم على العدل والحرية، في حين أن الدول غير المؤمنة يمكن أن تستمر طويلا طالما هي تقوم على الحرية والعدالة “. ولقد أثبت التاريخ صحة معنى الحديث: فالدول الدينية لكن الاستبدادية اختفت (باستثناء في العالم العربي)، في حين توجد الدول العلمانية القائمة على الحرية والعدالة على رأس العالم وهي تكيّف أشكالها بانتظام حسب المتطلبات الجديدة لتتمكن من الاستمرار لمدة أطول.
أعيدت صياغة هذا المبدئ بعبارات أخرى من قبل أحد السنة في القرن الثالث عشر واسمه رضى الدين ابن طاووس: (“الحاكم غير المؤمن والعادل أفضل من الحاكم المسلم لكن غير العادل”)، وكذلك في القرن الخامس عشر من قبل شيعي هو الصوفي الكبير “الجامع”: (“العدل دون دين أفضل لنظام الكون من طغيان أمير متدين”). لكن هذه الاعتراضات ليست ما سيمكّن من كسر الغطاء الحديدي الذي يحمي المذهب السني وتصوره للإسلام.
لحسن الحظ، لم تمنع صراعات السلطة التي كانت شبه الجزيرة العربية مسرحا لها الإسلام من التوسّع. لقد انتشر بسرعة في كل مكان لكنه أيضا سرعان ما فرض ذاته في مجال الفكر، و جعل من شبه المجتمع الذي كانت عليه شبه الجزيرة العربية ما قبل القرآنية، أين لم يكن يوجد كتاب واحد وحيث كانت وحدها بعض القصائد الشعرية تشكل المادة الفكرية التي تغذي الروح وتمجد قيما قبلية، جعله يتمكن خلال عقود قليلة من التحكم في فكر العصور القديمة ليعيد تناوله من حيث توقف، و ليوسع الرؤية الإنسانية للكون و يحقق اكتشافات عديدة في جميع مجالات الفنون والحرف والعلوم.
كذلك في سنواته الأولى، ولحسن الحظ أيضا، لم يؤثر الانقلاب الذي ارتكبه معاوية في حق السلطة الشرعية الممثلة في علي (رضي الله عنه) على ديناميكية الفتوحات الإسلامية. فتمكن الإسلام من الانتشار سريعا في الأرض بين شعوب عريقةُ التَّحَضُّر، والتَقَطَ المشعلَ من فكر العصر القديم بعدَ سقوط الدولة الأموية ليُوَسّعَ التصورَ البشريَ للكون ويحققَ التقدمَ والاكتشافات في جميع الميادين العلمية والتقنية والفنية.
كما كان الحال بالنسبة للعقيدة السياسية، كان أول تيار فكري تشكّل عقلانيا وديمقراطيا وهو تيار المعتزلة الذي ظهر إثر سقوط الخلافة الأموية وقاد العالم الإسلامي بين القرنين الثامن والثاني عشر وهو في ذروة نشاطه الثقافي والعلمي.
من 750 إلى 1200م.، سلسلةٌ متواصلةٌ منقطعة النظير من العلماء الحقيقيين والمخترعين والعقول النيرة التي أضفت معنىً حقيقياً للحديث (على جدلية ضعفه) ” مداد حبر العالم أقدس من دم الشهيد «العقلُ المسلمُ كانَ يعملُ وقتها في جو من رُقيّ الفكر حيث الإنسانُ حُرٌّ ليَبحثُ ويَتحرَّي وينتقدُ ويتأملُ دون قيد، والمفكرُ يسعى لاكتشاف أسرار الطبيعة والحياة ويستنبطُ منها مختلف الاختراعات والتقنيات. كما كان التسامح و التعايش السلمي بين المسلمين و المسيحيين و اليهود على أَوجه، حيث كان علماء الأديان الثلاثة يشتغلون سواسيةً في “بيت الحكمة” التي أنشأت في بغداد عام 832 م.والتي عَرَفَت في 870 عربيًا مسيحيا (حنين ابن اسحق) على رأسها.
عهد المعتزلة كان الفترة التي عكس فيها الإسلام الرؤية الأوضح عن طبيعته الليبرالية والعقلانية والديمقراطية، ولم تتبعها أيّ فترة أخرى بعد ذلك. يشير لفظ “المعتزلة” إلى أولئك الذين عزلوا أنفسهم عن الصراع من أجل السلطة وعن التفسيرات الدينية التي فُرضَت لدعم وجهة نظر أو أخرى خلال الأزمة السياسية. إنهم “أهل العدل والتوحيد”.
فرعٌ انفصل عن مذهب السنة الذي انحنى أمام الأمر الواقع المفروض من قبل الأمويين، وتمكن من إظهار براعمه وأعطي زهرا وفيرا. من بين أفكاره الفلسفية يمكن الاستشهاد بهذه: لا يمكن تصور الله من قبل الروح البشرية فهو يتجاوز كل تمثيل، أما الأوصاف أو الصورة التي تنسب إليه في النصوص المقدسة بكونه “يجلس على العرش” فلا تعدو دلالتُها الرمزيةَ البحتة ؛ الإنسان حر و ليس مجرد لعبة بين يدي القدر؛ و لو كان الله فعلا هو الذي يتصرف مكان الإنسان فإنه هو الذي سيكون مسئولا عن الشر الذي يرتكبه هذا الأخير، و بالتالي لن يبقى لفكرة عقاب الإنسان أيّ معنى ؛ الإنسان له الحق في أن يثور على السلطة إذا كانت ظالمة و ذلك عملا بمبدأ “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” …
هذه الأمثلة وحدها تكفي كي نفهم لماذا لم يكن ممكنا أن يستوعب أهل السلطة و “علماء” المذهب السنّي هذه الأطروحات التي اعتبروها تخريبية: فهي كانت تشجع روح النقد والإبداع والديمقراطية، وبالتالي لم يكن لا من مصلحة الحكام ولا طبقة العلماء التي كانت قد ظهرت حديثًا في الطيف الاجتماعي لتضفي الشرعية على أفعال الحكام من خلال فتاوى متملقة ومادحة، أن يُسمَحَ لمثل هذه الأفكار بالانتشار وسط الجماهير.
تلك هي الفترةُ التي يُصطلحُ عليها بالعصر الذهبي، والذي عاش خلاله العدد الأكبر من العلماء (العلميين) و العقول الفذة، والذين يُمكنُ أن نذكرَ من بينهم:
الخوارزمي 781)إلى 850)، أب الجبر والحساب اللذان لولاهما ما وُجدَ العَالَمُ الحديث و المعلوماتية و الانترنت؛ بنو موسى (الإخوة محمد و احمد و الحسن في القرن التاسع، أكبرهم توفي سنة 872) الذين قاسوا محيط الأرض، واخترعوا أول الآليات، و وطوروا نظام الصمام المخروطي الذي يُطَبَّقُ مبدأه اليوم في صناعة الطائرات النفاثة وآلات الغسيل؛ عباس ابن فرناس (810 إلى 887) الذي صنع أول آلة للطيران كان بإمكانها أن تُدَشّنَ علم الطيران الحديث لو واصلَ من جاءوا بَعدَهُ عَمَلَهُ، و ابتكر ساعةً “الميقات” المائية، وكان أول من وضع تقنيات التعامل مع الكريستال، وصنع عدة أدوات لمراقبة النجوم ؛ الرازي (865–923)؛ الطبيب وعالم الكيمياء الذي اكتشف حمض الكبريت، و وضع مبدأ المراقبة الطبية و النفسية، و أنشأ أول مستشفىً عامّ، أبو القاسم الزهراوي (936 –1013) مؤسس الجراحة؛ ابن الهيثم (965– 1040) مؤسس الفيزياء التجريبية وعلم البصريات الحديثة؛ البيروني (973– 1048) أول من حسب قطر الأرض و اكتشف أنها تدور حول نفسها والذي كان يمكن لأعماله لو توبعت أن تؤدي إلى الفيزياء الفلكية؛ الجزري (1136–1206) الذي اخترع الذراع المحرك و عمود الحدبات و العمود المرفقي و العجلة الهيدروليكية و دورة مياه المراحيض والأبواب الآلية الخ، و فَصَّلَ كيفية صناعتها و عملها هي و أشياء أخرى عديدة في كتاب ” الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل ” ؛ حسن الرماح (توفي في 1295) أب علم القذيفة وأول من صمم وجرب الطوربيد، مؤلف كتاب عظيم (الفروسية والمكائد الحربية) حول الآلات الحربية يصف فيه أول صاروخ في التاريخ. هذا ولا ننسى العباقرة الآخرين من نفس العهد، من الذين انضَمَّت أسمائهم إلى التراث الفكري العالمي خالدةً فيه: الكندي، الفارابي، ابن سينا، ابن رشد، ابن طفيل و آخرينَ يُعَدُّونَ بالعشرات.
ثم فجأةً لم يَعُد هناكَ مُفكّرونَ ولا علماء، ولا عقول مبدعة ولا مخترعون ولا فلاسفة. هكذا، كما لو سقط يَومًا من السماء حاجزٌ ضخمٌ أصابَ عقولَ المسلمين بالعُقم إلى الأبد.
وما وَقَعَ في الحقيقة قَريبٌ فعلا وإلى حدّ كبير من ذلك، إذ ظهر في نهاية القرن العاشر تيارٌ فكريٌ جديد، أسّسهُ شخص كان في السابق ينتمي لتيار المعتزلة هو أبو الحسن الأشعري (873– 935)، ثم انقلب على حاله وأخذ يُهاجمُ فكرهم من جميع النواحي. ودَعَّمَهُ بعد ذلك أبو حامد الغزالي (1058- 1111) الذي قسَّم العلم إلى ديني ودنيوي، ثم فصَلَ أحدَهُما عن الآخر وراح يهاجم الفلاسفة واصفا إياهم بالزندقة والكفر.
ازدادَ نفوذ هذا التيار المناهض للاجتهاد والعقلانية والحرية تدريجيا، إلى أن قضى على فكر المعتزلة النَّير نهائيا. وأَثَّرَ التياران الأشعري والغزالي على المدارس الدينية السُّنية الأربعة حتى أصبحت أفكارهما تعتبر هي المألوفة وتُدرّسُ فيها.
وهكذا بعد السابقة الخطيرة التي تركها معاوية للإسلام في الميدان السياسي، جاءت الضربة القاضية التي دَمَّرَت فيه الفكر والإبداع. فرُسمَت بذلك الحدودُ الجديدة يومَ أُغلقَت أبوابُ الاجتهاد، وتباطأت الديناميكية الاجتماعية، وتضائلَ الإبداع العلمي والتقني الذي مَيَّزَ القرونَ الأولى حتى توقّفا تماما. وهكذا بَعدَ أن تَوَقَّفَ المحرك الأول، تَعَطَّلَ كذلك الثاني والأخير في طائرة الإسلام فلم تلبث أن هبطت إلى الأرض ولم تعد إلى الطيران بعد ذلك أبدا.
التصور التقليدي الذي فرض نفسه في القرون الموالية صار يَحُثُّ على الخضوع للسلف ولتفسيره، لكن ليس السلفَ العقلانيَّ العلميّ النَّير الذي يُمثلهُ فكر المعتزلة، بل ذاك الذي أغلق أبواب التفكير والتطور وأوقف التقدم. فَلَم يَعُد يَجبُ التأملُ في القرآن وتفسيره بل فقط تطبيقه حرفيا، طبقا للفهم الذي وضعه علماء الدين، حتى لو لم تكن أفكارهم صالحة، وحتى لو لم يتعلق الأمر إلا بشؤون المجتمع وتنظيمه فقط، وليس بأمور تمس بالعقيدة.
انتزع الفكر التقليديُ الحَرفيُّ من المسلمين الحريةَ التي أعطاهم رسولُ الله (صلى الله عليه و سلم) حين قال:”أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ ” أو في رواية ” إِذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ ، فَإِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ”.
وفتح الباب أمام حصاد وفير من الصوفيين والزهاد، ومن آيات الله عند الشيعة، ومن العلماء في المشرق، ومن الملا عند الأفغان، ومن شيوخ الشارع في الجزائر. كما سلّم ذات الفكر في الميدان السياسي بالقضاء والقدر، فأوجب السمع والطاعة لولي الأمر دون السماح بالسؤال عن الطريقة التي وصل بها إلى منصبه. ولَم نَسمع بعدَ ذلك بالمخترعين أو الفلاسفة، فَقَد حلَّ محلَّهُم آلاف “الدُّعاة” الذين لا يفكرون ولا يكتبون، مكتفين بالوعظ في المساجد والشوارع وشاشات التلفزيون. لم نعد ننجب من طراز صلاح الدين بل من أمثال بن لادن.
الإسلاموية المعاصرة هي وريثة هذا التيار الذي ساندَ وأضفى الشرعيةَ على انقلاب معاوية، ثم قَمَعَ الفكر الحر والعلمي الذي كان عند المعتزلة. وقبل أن تُمَثّلَ تقهقُرا بالنسبة للعَالَم الحديث، فهي تُمَثّلُ أولاً وقبل كل شيء تقهقرا بالنسبة للإسلام نفسه، حيث تحمل في طياتها قيمَ الانحطاط وليس قيمَ الإسلام الأصلي المتفتح النير. يمكن لنا طبعا أن نَتَوَهَّمَ فيها الإسلامَ لأنها تَستعرضُ مظاهرهُ وتستظهر شعائرهُ، لكنها في الحقيقة فارغة لا تَحملُ في جَوفها شيئا من عوامل الحياة أو التطور. فهي مثلا تَـحتَلُّ السلطةَ في دول الخليج أو إيران أو السودان منذ عشرات السنين، إلا أنه لم يظهر في هذه البلدان لا علماء ولا مخترعون و لا عقول مبتكرة و منتجة.
لماذا لم تصبح جامعة الأزهر أو جامعة القَرَويّين، الموجودتان منذ زُهاء ألف سنة، “داراً للحكمة” مثل تلك التي كانت توجد في بغداد؟ لأن روح هذه الأخيرة وعقلها اختفيا من الوجود. فمثل هذه الجامعات تكتفي اليومَ بالتحفيظ عن ظهر قلب لكُتُب انتهت صلاحية ما تحتويه منذ زمن طويل. حتى أصبحت رزنامتها العلمية تشير إلى العام1433، لكن من التأريخ الميلادي وليس الهجري.
في القرن الثاني الهجري، كان عَرَبُ ومُسلمُو “بيت الحكمة” ببغداد يَعكفون على جمع كل ما أنتجه العقل البشري من كتب ومؤلفات في العلم والفلسفة والدين من اليونان والهند والفرس والبلدان المسيحية؛ لترجمته إلى العربية. أما اليوم، فدولة اليونان الصغيرة، بحوالي 11 مليونا من السكان، تُتَرجمُ إلى لغتها كل سنة أكثر مما يُتَرجمهُ العَالَمُ العربي ب 400 مليون من سكانه.
أمّا إسبانيا فتُترجمُ بدورها سنويا بقَدرَ ما تَرجَمَهُ العربُ خلال الألف سنة الأخيرة. وما عسانا نقول عن الغرب الذي اخترع خلال الخمسين سنة الماضية أكثرَ مما اخترعت جميع الحضارات البشرية (بما فيها حضارته) منذ خمسة آلاف سنة. إذا ما استثنينا احتمال حدوث كارثة طبيعية عظمى تَقضي على البشرية خلال القرنين المقبلين، فإنه سوف يتمكن خلالهما من خلق الحياة، والتغلب على المرض، والسفر في الفضاء بسرعة تقارب سرعة الضوء، والوصول أو حتى الاستقرار والعيش على كواكب أخرى.
ما يمكن أن نصل إليه بعد هذا التذكير المقتضب والمُرَكَّز للتاريخ السياسي والفكري للإسلام، هو المحصلة الآتية: كلما رجعنا في التاريخ واقتربنا من المنبع الأولي للإسلام اكتشفنا الجوهر الديمقراطي والعقلاني له. وكلما ابتعدنا عن المصدر القرآني وسيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) اقتربنا من الانحطاط.
العودة إلى هذا الانحطاط هو ما ينادي إليه ويريد أن يُرغمَ عليه الفكر التقليدي، الذي فرض نفسه من خلال استغلاله الاستبداد والعقائدية وكذلك وريثته المعاصرة، الإسلاموية، التي تحوز اليوم على تأييد الناخب الثيوقراطي. هذه الأخيرة لا تحمل في يدها مصباح علاء الدين بل مشعلا بدائيا كما في العصور التي كان خلالها البشر يعيشون في الكهوف.
ولو لم تتمكن الظلامية من قطع الطريق أمام مسيرة النور القرآني، لَكانَ في وسع العلوم والتكنولوجيا، وعلوم الاجتماع والسياسة وحقوق الإنسان أن تتقدم بألفيةً كاملة عمّا هي عليه اليوم، ولكانت الحضارة الإسلامية في زمننا هذا تقودُ العالم وربما الكون.
لكن حدثَ ما حدث، وكانَ ما كان… في قديم الزمان!
“لوسوار دالجيري” 25 مارس 2012
جريدة “الشروق اليومي”25 أكتوبر 2015
جريدة “الحوار” الجزائرية 15 أكتوبر 2016
موقع “الجزائر اليوم” 18 ماي 2017
